6.3

الشفاعة: عهدٌ في المستقرّ لا وساطةٌ في المآل

23 دقائق قراءة~4070 كلمة8 مبحثاً في هذا الفصل

6.3.1تمهيد: ما استقرّ في الأذهان من معنى الشفاعة

قلّ في مسائل المصير مسألةٌ نالت من عناية الناس ما نالته الشفاعة، ولا عجب في ذلك؛ فالمرء إذا استقرّ في نفسه أنّ يوماً يقف فيه بين يدي ربّه، طلب ما يطمئنّ به، وأشقّ ما عليه أن يُقال له إنّ الأمر موقوفٌ على عمله وحده لا يُعينه فيه أحد. فإذا وُجد من يقول له إنّ لك عندي ما يُبلّغك، أو إنّ من أخذ عنّي فقد أمِن، وجد في ذلك راحةً تسكّن قلقه، فأقبل عليه إقبال المستجير.

ومن هذا الميل نشأت صورٌ تكاد تتكرّر في كلّ أمّة على اختلاف مللها، ولها طرفان لا يقوم أحدهما بغير الآخر؛ طالبٌ يطلب ما يسكّن قلقه، ومطلوبٌ منه يبذل له ما طلب. فمن المتبوعين من يعِد أتباعه أنّ من سار على ما رسم فقد أمِن، وأنّ الأخذ عنه بذاته عاصمٌ من الخسران، فيربط نجاتهم بالانتساب إليه لا بما يعملون؛ ومنهم من يجعل لطريقته أو لجماعته خصوصيةً في المآل ليست لغيرها، فيُفهم من ذلك أنّ الدخول فيها تحصيلٌ للنجاة؛ ومنهم من يُنقل عنه أنّه يدّخر لأتباعه ما يقدّمه عنهم يوم يقفون. فيتحوّل المتبوع بهذا من دالٍّ على الطريق إلى ضامنٍ للمآل، وهو تحوّلٌ في الوظيفة لا في الدرجة؛ إذ الدالّ يُحيلك إلى المصدر فتقف عليه بنفسك، والضامن يُحيلك إلى نفسه فتقف عنده.

ويقابل ذلك من جهة التابع أن يطمئنّ إلى الشخص دون المصدر، فيقصد القبر يسأل صاحبه أن يبلّغ عنه، أو يتوسّل بمقامٍ يرجو أن يُقدَّم بجاهه ما لا يُقدَّم بعمله، أو يكتفي بأنّه على طريقة فلانٍ فيُغنيه ذلك عن النظر. والجامع بين هذه الصور كلّها واحدٌ لا يتغيّر: أن يُلتمس من غير الله ما يُظنّ أنّه يُغني عن الكسب أو يخفّف تبعته.

ولهذا الميل من العمق في النفس ما جعل القرآن يتناوله في مواضع كثيرة لا في إشارةٍ عابرة. غير أنّ الناظر في تلك المواضع يجد أكثرها في صيغة النفي والاشتراط، ويجد ما استقرّ في الأذهان على خلافها؛ إذ صار المتبادر من الشفاعة أنّها وساطةُ ذي مقامٍ عند من هو أعلى منه، يُقدّم الطلب فيُقبل، فيُنال المشفوع له ما لم يبلغه بعمله. وعلى هذا المعنى قُرئت الآيات جميعاً، حتّى صارت مواضع النفي تُقرأ استثناءً، ومواضع الاشتراط تُقرأ وعداً.

والغرض من هذا الفصل أن يُنظر في الكلمة قبل الحكم عليها، وأن تُقرأ المواضع بما تدلّ عليه المادّة والسياق. فالقرآن أثبت اللفظ وقيّده وبيّن شرطه، والواجب أن يُتبَّع في ذلك كلّه؛ فإذا استقام معنى اللفظ استقامت المواضع عليه، وتبيّن ما هو المُلتمَس حقّاً وما هو الموهوم.

6.3.2تحرير اللفظ: الشفع في مقابل الوتر

النظر في المواضع فرعٌ عن النظر في الكلمة، وأكثر ما وقع في هذه المسألة من اضطرابٍ جاء من أنّ المعنى المستقرّ في الأذهان سبق النظر في المادّة التي بُنيت عليها. والمادّة في العربية تدور على معنىً واحدٍ لا تفارقه، وهو ضمّ الفرد إلى الفرد حتّى يصير الواحد اثنين؛ ومنه قيل للعدد شفعٌ إذا انقسم على اثنين ووترٌ إذا لم ينقسم. يقول الله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ ، فقابل بينهما مقابلة الضدّ بضدّه؛ فالوتر ما بقي على انفراده، والشفع ما اقترن بغيره فتمّ به. فأصل الوضع الاقتران وحده، وما سواه من العلوّ والتوسّط وحملِ الحاجة من أدنى إلى أعلى دخيلٌ عليه.

﴿الفجر: 1-3

وبين هذا وبين المعنى الشائع فرقٌ في البنية لا في الدرجة. فالوساطة تقتضي ثلاثة أطراف: وسيطاً، ومتوسَّطاً له، ومتوسَّطاً عنده؛ ويبقى الوسيط بعدها كما كان لا يلحقه من الأمر شيء، إذ إنّما نقل كلاماً ولم يُحدث فعلاً. وأمّا الضمّ فيقتضي طرفين يصيران بالاقتران واحداً مزدوجاً، فيلحق أحدهما ما لحق الآخر. فمن حمل الشفاعة على الوساطة أدخل في اللفظ طرفاً ثالثاً لا تعرفه مادّته، ثمّ بنى على ذلك أنّ الشافع يُنيل غيره ما لم يبلغه بعمله؛ وهذا كلّه فرعٌ عن معنىً أُلحق باللفظ من صور التعامل بين الناس فيما بينهم من التوسّل بأصحاب المقامات.

ويترتّب على تحرير المادّة أنّ السؤال في كلّ موضعٍ من مواضع الشفاعة يتغيّر. فمن حملها على الوساطة كان سؤاله: من الوسيط، وبأيّ جاهٍ يتوسّط، وهل يُقبل منه؟ ومن حملها على الاقتران كان سؤاله: ما الذي يُضَمّ إلى ما، وبأيّ شيءٍ يقع الضمّ، ومتى يقع؟ وهذا السؤال الثاني هو الذي تنتظم به المواضع، إذ تجيء القيود فيها كلّها بياناً لشرط الاقتران لا بياناً لمنزلة الوسيط؛ فالمذكور فيها عهدٌ متَّخَذ، وقولٌ مرضيّ، وقولٌ صواب، وشهادةٌ بالحقّ مع علم، وهي كلّها أوصافٌ في صاحبها لا مقاماتٌ عند غيره.

وهذا التحرير ردٌّ للكلمة إلى وضعها قبل النظر في مواضعها، حتّى تُقرأ قيودها على وجهها؛ فإنّ من حمل اللفظ على الوساطة قرأ تلك القيود استثناءً في وساطةٍ مفترضة، وهي في الحقيقة بيانٌ لشرط الاقتران. فإذا ثبت أنّ الأصل الاقتران، صار النظر في المواضع نظراً في شرطه، وهو ما يتبيّن فيما يأتي.

6.3.3ما نفاه النصّ ومن أبطل التماسَهم

تحرير اللفظ يكشف المعنى ولا يكشف الحكم، وبيان الحكم في القرآن جاء على وجهين متلازمين: نفيُ ما لا يُعتدّ به، وإبطالُ من يُلتمس عنده. فأمّا الأوّل فقد استقصاه النصّ استقصاءً لم يُبقِ معه باباً؛ يقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ ، ويقول سبحانه في نظيرتها: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 123]. والمنفيّ في الآيتين أربعةٌ سيقت مساقاً واحداً: أن تحمل نفسٌ عن نفس، وأن تُقبل شفاعةٌ تُغني عن صاحبها، وأن يُؤخذ بدلٌ عمّا لم يُعمَل، وأن تقع قوّةٌ تدفع الحكم. فهذه أربعة أبوابٍ يطرقها من أراد النجاة بغير طريقها، سُدّت في نسقٍ واحد.

﴿البقرة: 48

ومدار هذه الأربعة على لفظ العَدْل، وبه يُحرَّر المقصود؛ فالعَدْل ما يقوم مقام الشيء ويسدّ مسدّه على وجه البدل، وقد فسّره النصّ بنفسه. يقول الله تعالى في جزاء الصيد: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا﴾ ، فالعَدْل ما يُقدَّم بدلاً عن الأصل حين يتعذّر. ويقول سبحانه في هذا الباب بعينه: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: 70]. فجُعلت النفس مرتهنةً بكسبها، ثمّ نُفي أن يُؤخذ منها بدلٌ مهما بلَغ، ونُفي الوليّ والشفيع في السياق نفسه؛ فاجتمع في الآية الواحدة ما تفرّق في غيرها.

﴿المائدة: 95

وفي اقتران الشفاعة بالعَدْل في هذه المواضع دلالةٌ لا تُتجاوَز؛ إذ قُرنت بالفدية لأنّها من جنسها في الوظيفة، فالمنفيّ منها ما كان بدلاً يُقدَّم عوضاً عمّا لم يُعمَل. ولو كان جنسها كلُّه من هذا الباب لما استُثني منها شيءٌ في مواضع أخرى، ولوقع في النصّ ما ينقض بعضه بعضاً؛ فتعيّن أنّ المنفيّ صنفٌ منها بعينه، وأنّ المستثنى في مواضع الشرط من جنسٍ آخر لا يقوم مقام العمل بل يكون ثمرةً له. وهذا هو الفرق الذي عليه مدار الباب: بين ما يُلتمس ليُغني عن الكسب، وبين ما ينكشف يومئذٍ من أثر الكسب نفسه.

وأمّا الوجه الثاني فإبطال من يُلتمس عندهم، وقد جاء بحجّتين مرتّبتين؛ يقول الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . فالحجّة الأولى في انتفاء الأهليّة، إذ نفى عنهم الملك والعقل معاً، والذي لا يملك لا يُعطي والذي لا يعقل لا يُخاطَب؛ فبطل الالتماس من جهة المطلوب منه قبل النظر في الطلب. ويزيده بياناً قوله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: 22]، إذ استقصى النفي: لا ملكَ ولو بمقدار الذرّة، ولا شركةَ في شيء، ولا أن يكون أحدٌ منهم عوناً. وقد قُرنت الدعوى بوصف المدّعى فيه في موضعٍ ثالث؛ يقول الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18]، فأُبطلت الدعوى بذكر حال من ادّعوا فيه لا بالردّ عليها.

﴿الزمر: 43-44

والحجّة الثانية أعمّ وأقطع، وهي انحصار الملك؛ فقوله ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ توكيدٌ يقطع التبعيض، فلا يبقى منها شيءٌ لغيره يُلتمس عنده، وتعليلُه بقوله ﴿لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يردّ المسألة إلى أصلها؛ إذ لا يملك أحدٌ أن يُشفّع في ملكٍ ليس له فيه شيء. فالحجّة الأولى تُبطل ما اتُّخذ لعجزه فيبقى للمتوهِّم أن يلتمس قادراً، وهذه تُبطل كلّ ملتمَسٍ من دونه ولو كان قادراً على ما سواها.

ثمّ كشف النصّ الباعث على هذا الالتماس، وهو أدقّ ما في السياق؛ يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ . فعُلّق الاشمئزاز بذكره وحده والاستبشارُ بذكر من دونه، ورُبط ذلك بضعف اليقين بالآخرة؛ ووجه الربط أنّ من أيقن أنّ مآله موقوفٌ على كسبه ثقُل عليه ذكرُ ذلك، ومن رجا وسائطَ تُغنيه عن كسبه استبشر بذكرها. فالتماس الشفعاء في حقيقته التماسُ مخرجٍ من التبعة لا التماسُ دلالةٍ على الطريق، وهو موافقٌ لما تقدّم من أنّ المنفيّ منها ما كان بدلاً يقوم مقام العمل.

﴿الزمر: 45

ومردّ ذلك كلّه إلى قاعدةٍ لا تتخلّف في القرآن، هي أنّ النفس مرتهنةٌ بما كسبت لا يُغني عنها ما لم تكسبه. يقول الله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]. فما وافق هذه القاعدة من معاني الشفاعة قُبل، وما نقضها رُدّ؛ ولذلك جاء النفي في المواضع كلّها منصبّاً على ما ينقضها، وجاء الاستثناء منصبّاً على ما يوافقها.

﴿النجم: 39

6.3.4العهد: مصدرٌ حقّ وفعلٌ يصدّقه

لمّا تبيّن ما نفاه النصّ، بقي النظر فيما استثناه؛ فإنّ الاستثناء في مواضع الشفاعة لم يجئ مطلقاً بل مقروناً بأوصافٍ في صاحبه. وأوّل ما يُنظر فيه لفظ الإذن، فهو أكثر ما تعلّقت به الشفاعة، وهو أشدّ ألفاظ الباب إيهاماً؛ إذ يتبادر منه ترخيصٌ يُنتظر فتعود الوساطة من بابٍ آخر. والنصّ يستعمله في غير هذا؛ يقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ . وموضع الدلالة أنّ الإذن قوبل بالافتراء لا بالمنع؛ ولو كان ترخيصاً لكان نقيضه الحظر، فلمّا كان نقيضه الافتراء تبيّن أنّه تقريرٌ صادرٌ عن الله يُنقَل عنه، وأنّ من قرّر من عنده فقد نسب إليه ما لم يقرّره. فالإذن ما أقرّه الله لا ما رخّص فيه ساعتئذٍ، ويُقرن بالعقل لا بالمحاباة؛ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 100].

﴿يونس: 59

وما أقرّه الله على وجهين: ما أقرّه في هداه ممّا أنزل، وما أقرّه في نظام وجوده ممّا أجرى. وعلى هذين جرت مواضع الشفاعة؛ فما جاء منها باسم الله يرجع إلى الأوّل، وما جاء باسم الرحمن يرجع إلى الثاني، على ما تقرّر في منظومة الرحمن (2.1) من أنّه اسم التجلّي الذي أُودع به النظام في بنية الوجود. يقول الله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: 109]، ويقول تعالى: ﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: 38]. فليسا إذنين متغايرين بل إذنٌ واحدٌ في مجالين: موافقةٌ لما أقرّه في هداه، وموافقةٌ لما أجراه في نظامه.

﴿البقرة: 255

ولم يجئ الإذن في هذه المواضع مفرداً، بل قُرن به في كلٍّ منها ما يبيّن أثره في صاحبه: ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ في الأولى، و﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ في الثانية. والصواب إنّما يُقال فيما طابق مقياساً خارج قائله، لا فيمن وافق قولُه فعلَه؛ إذ لو كان الاعتبار بمجرّد الموافقة لدخل فيه من صدق مع نفسه على غير هدى، وقد نفى النصّ عن هؤلاء أن ينفعهم سعيهم؛ يقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ . فهؤلاء وافق فعلُهم قولَهم ولم ينفعهم، لأنّ الذي وافقوه ليس بحقّ. فالشفع المعتبر ركنان: أن يكون المتَّبَع حقّاً ممّا أقرّه الله، وأن يصدّقه العمل؛ فمن أخذ عن الحقّ ولم يعمل بقي قوله وترًا، ومن عمل على غير الحقّ ضلّ سعيه.

﴿الكهف: 103-104

وقد سمّى النصّ اجتماعَ هذين عهداً، وجعل مِلك الشفاعة موقوفاً عليه؛ يقول الله تعالى: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾ . وجاء اللفظ نفسه في السورة ذاتها في مقام النفي عمّن ادّعى مآلاً بلا سند؛ يقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 77-78]. فحُصر طريق العلم بالمآل في أمرين: اطّلاعٌ على الغيب لا سبيل إليه، أو عهدٌ متَّخَذ. وفي هذا بيانٌ أنّ العهد ليس صكّاً بالنجاة يُمنَح، بل علمٌ بالمآل مستنَدٌ إلى ما أُنزل وانقيادٌ لما اقتضاه؛ ولذلك عُلّق نفيه على الكفر بالآيات، إذ بها ينعقد. وخُتم أمر المدّعي بما يقابل الاقتران؛ يقول الله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 79-80]. فمن لم يكن له إلّا القول كُتب عليه قولُه ولم يُكتب له غيره، فجاء فردًا لا شفع له.

﴿مريم: 87

ويقابل الاتّخاذَ في هذا نقضٌ سمّاه النصّ باسمه؛ يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ . والنقض إفسادُ عقدٍ قائم، وهو ههنا أن يُدخِل المرء على مصدره مصدراً ثانياً فيعامله بما لا يكون إلّا لكلام الله، فيصير له مرجعان بعد أن كان له مرجعٌ واحد. فالعهد قائمٌ على وحدة المصدر، ونقضُه إدخالُ ثانٍ عليه؛ وهذا هو عين ما تقدّم من التماس الضامنين، إذ لا يُلتمس ضامنٌ إلّا بعد أن يُنزَّل منزلةً لا تكون إلّا للمصدر. وأمّا ما عُطف عليه في الآية من قطع ما أمر الله به أن يوصل فأمرٌ آخر لا يُخلط به، وقد تبيّن في موضعه (6.2.5) أنّه فصلُ النفس عن أصلها وهو الإجرام بعينه؛ فالنقض خللٌ في العقد، والقطع انفصالٌ في الصلة، وقد عُطف أحدهما على الآخر ولم يُجعل تفسيراً له.

﴿الرعد: 25

ويعضد ما تقدّم أنّ ما أُثبت في المواضع كلّها وصفٌ في صاحبه لا مقامٌ عند غيره؛ يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . فالاتّخاذ فعلٌ ماضٍ صدر من صاحبه، والشهادة بالحقّ فعلُه أيضاً، وقُيّدت بالعلم فلم تُقبل دعوى بلا معرفة. وليس في شيءٍ من ذلك ذكرُ جاهٍ ولا منزلةٍ ولا طلبٍ يُرفع، وإنّما هي أوصافٌ تحقّقت في المستقرّ قبل أن يُوقَف بين يدي الله.

﴿الزخرف: 86

6.3.5لِمَ كان الاعتبار في ذلك اليوم بالفعل دون القول

تقرير أنّ العهد ينعقد في المستقرّ يقتضي بيان العلّة التي من أجلها لا يُستدرَك فيما بعده، وإلّا بقي دعوى. والنصّ يبيّنها بوصف حال ذلك اليوم نفسه؛ يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ ، ثمّ جاءت آية الشفاعة عقبها مباشرةً: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: 109]. فقُرن حجبُ الأصوات بتقييد الشفاعة في موضعٍ واحد، وذلك قرانٌ يبيّن أنّ المسألتين واحدة. ويقول سبحانه: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: 37-38]، ويقول تعالى: ﴿هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 35-36]. فاطّرد في المواضع أنّ القول محجوبٌ إلّا بما أقرّه النظام؛ والاعتذار إنّما امتنع لأنّه قولٌ لا يسنده فعل، وذلك الجنس من القول ساقطٌ في تلك النشأة.

﴿طه: 108

ويدلّ على أنّ الأمر مقرَّرٌ سلفاً لا مستأنَفٌ يومئذٍ أنّ الرضا في طه جاء بلفظ الماضي ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ في سياقٍ ظرفُه ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ فالرضا واقعٌ قبل الظرف المذكور لا فيه، ولو كان مستأنفاً لجاء بما يدلّ على وقوعه ساعتئذٍ. ويعضده أنّ ما لا يُبدَّل في ذلك اليوم هو القول الصادر عنه سبحانه لا قول العباد؛ يقول الله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ . فجُمع نفي التبديل ونفي الظلم في نسقٍ واحد، إذ عدلُ النظام في اطّراده وامتناعِ الاستثناء فيه.

﴿ق: 29

وإذا انقطع القول لم يبقَ ما يقف به المرء إلّا ما جاء به، وقد بيّن النصّ بماذا يجيء وبماذا لا يجيء في موضعٍ يفسّر نفسه بنفسه؛ يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ . فالمجيء فرادى مفسَّرٌ في الآية نفسها بما عُطف عليه: تُرك ما خُوّل، ولم يُرَ معهم من زعموهم شفعاء. فالفردية ههنا انتفاءُ ما كان يُلتمس لا وصفٌ لهيئة المجيء؛ فمن جاء بغير عهدٍ جاء وحده ليس معه ما يُضَمّ إليه، وذلك هو الوتر في مقام الوقوف. ويشهد له قوله سبحانه: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 95]، وقوله في المدّعي الذي لم يتّخذ عهداً ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 80]، إذ رُتّبت الفردية على أنّه لم يكن له إلّا القول.

﴿الأنعام: 94

ولا يُلتبس هذا بما وُصف به السَّوق إلى المآل، فإنّه مقامٌ آخر لا يُستدلّ به في هذا الباب؛ يقول الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: 73]. فالسَّوق زمراً واقعٌ على الفريقين جميعاً بلفظٍ واحد، فليس وصفاً يميّز أهل النجاة، وإنّما هو وصفُ حالٍ لا يملك فيها المسوق من أمره شيئاً. فالاجتماع في المآل لزومُ تلك النشأة، والانفراد في الوقوف انتفاءُ الشفيع؛ فلا يُقاس أحدهما على الآخر ولا يُؤخذ من هيئة السَّوق حكمٌ في الشفاعة.

﴿الزمر: 71

وللقول في الدين موضعه، فالدعاء قولٌ أُمر به؛ يقول الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ . وإنّما المنفيّ الاكتفاء به وجعلُه بدلاً عمّا لم يُعمَل؛ فالقول إذا صدّقه العمل كان شفعاً له، وإذا لم يصدّقه بقي وترًا لا يُعتدّ به في نشأةٍ لا يجري فيها إلّا ما تحقّق.

﴿غافر: 60

6.3.6الخشية علمٌ لا انفعال، وثمرتها العمل

انتفاء الاستدراك في ذلك اليوم يجعل الانتفاع بالعلم به مقصوراً على المستقرّ؛ فمن علم أنّه لا قول هناك ولا بدل ولا نصر ولا رجوع، حمله علمُه على أن يعمل قبل أن يبلغه. وهذا هو المعنى الذي يسمّيه النصّ خشية، وهي غير الخوف؛ فالخوف انفعالٌ قد يقع بلا علم، والخشية حذرٌ مبنيٌّ على معرفةٍ بالمآل. ولذلك حُصرت في أهل العلم؛ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ . ولو كانت انفعالاً أو ضعفاً في اليقين لكان أشدّ الناس خشيةً أجهلَهم، والآية تقرّر عكس ذلك.

﴿فاطر: 28

وهي غير الخشوع أيضاً، فإنّ الخشوع سكونٌ وانخفاضٌ يقع في المحلّ لا في النفس؛ ومنه ما وُصفت به الأصوات في ذلك اليوم ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ﴾ ، وما وُصفت به الأرض ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصّلت: 39]. فالخشوع سكونٌ في الحال يقع يومئذٍ لأنّه يوم انقياد، والخشية حذرٌ في النفس يقع في المستقرّ لأنّه محلّ العمل.

﴿طه: 108

وقد جاءت الخشية في النصّ مقيَّدةً بالغيب؛ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ . والقيد ههنا في حال العالِم لا في وصف المعلوم؛ فأمر ذلك اليوم ومآلاته أنباءٌ في عالم الأمر لم تُدرَج بعدُ في الوجود المتحقّق كما تقرّر في موضعه (6.1.8)، والمراد أنّه علمه من غير معاينة، إذ ما لم يقع بعدُ لا يُشاهَد فلا سبيل إلى العلم به إلّا خبراً يُتلقّى. وفي الآية وصفٌ يتولّد عن وصف لا وصفان متجاوران؛ فاتّباع الذكر أوّلهما، وهو الأخذ عن المصدر الذي أقرّه الله، وبه وحده يبلغ الإنسان علماً بما لا تبلغه أداتُه. فمن لم يتّبع الذكر لم يبلغه من ذلك شيء، ومن لم يبلغه لم تقع منه خشية، إذ لا يُحذَر ممّا لا يُعلَم. فإذا اتّبع الذكر تبيّن له من أمر ذلك اليوم ما لم يكن ليبلغه بنظره، فوقعت الخشية ثمرةً لازمةً لما علم.

﴿يس: 11

وتوقيت الساعة خارجٌ عن هذا؛ يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ، وقد تبيّن في موضعه الفرق بين توقيتها المُدرَج في النظام الكونيّ ومآلاتها التي لم تُدرَج فيه. فالخشية إنّما تتعلّق بما أُخبر به من نظام ذلك اليوم لا بموعده. وهذا الترتيب نفسه يجري في قوله سبحانه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62]؛ فقُدّم الإيمان بالمصدر، ثمّ الإيمان باليوم الآخر وهو ثمرةُ ما بلَغه منه، ثمّ رُتّب عليهما العمل الصالح. فالسلسلة واحدة: مصدرٌ يُتّبع، فعلمٌ بالمآل، فحذرٌ منه، فعملٌ يسبقه.

﴿الأعراف: 187

ومن ثمرات هذه الخشية أنّ صاحبها لا يقف عند نفسه، بل يُشفق على من لم يبلغه ما بلَغه. وما يناله من ذلك ليس أمناً من المآل، فإنّ النصّ يصف أهل هذا الوصف بالإشفاق لا بالاطمئنان إلى النجاة؛ وإنّما يناله زوالُ الحيرة دون زوال الحذر: يقينٌ بصحّة المسلك، وحذرٌ يبقى ما بقي في المستقرّ. فمن ادّعى الأمن فقد فارق وصف من وصفهم الله بالخشية، وعاد إلى ما بدأ الفصل بنقضه من التماس ضمانٍ لا يملكه أحد.

6.3.7الشافعون في النصّ: بيانٌ في المستقرّ لا وساطةٌ في المآل

يبقى في الباب موضعٌ واحدٌ يُثبَت فيه فعلُ الشفاعة لجمعٍ من عباد الله المكرمين، إذ سائر ما ورد فيه ذكرُ الشفعاء جمعاً إنّما هو في مزعومين نُفي عنهم الفعل؛ وهو الموضع الذي يُتوهَّم منه أنّ لقومٍ بأعيانهم أن يشفعوا يوم الحساب لمن اختير لهم. يقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ . وقد سبق هذا السياق ذكرُ المرسَلين وما أُوحي إليهم؛ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. فالمقام مقام الرسالة وما جاءت به، وختمه ما يخصّ من يُدّعى فيه ما ليس له؛ يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 29].

﴿الأنبياء: 26-28

وأوّل ما يُنظر فيه أنّ الوصف الذي قُدّم بين يدي الشفاعة هو نفسه ضابطها: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾. فنُفي عنهم أن يستبقوا بقولٍ من عندهم، وأُثبت لهم العمل بما أُمروا به؛ فهم مبلّغون لما أُقرّ لا منشئون لما يُقرّ. ومن كان هذا وصفَه لم يكن له أن يمنح أحداً شيئاً من عنده، إذ لا يملك أن يسبق بالقول فضلاً عن أن يُنيل به. فالوصف المقدَّم يسدّ الباب قبل أن يُفتح، ويجري على ما تقدّم من تقديم العمل على القول في الاعتبار.

فإذا حُمل ما بعده على مقتضاه ظهر أنّ شفاعتهم فيما جاؤوا به؛ فالحقّ الذي بلّغوه هو الذي يُضَمّ إليه من أخذ عنهم فيتقوّم به، فتكون شفاعتهم بيانَهم لا توسّطهم، وتقع في المستقرّ لا فيما بعده. وما في الآية ما يقيّدها بموقف الحساب؛ لا ظرفٌ يخصّها بيومئذٍ كما في طه 109، ولا سياقٌ في الوقوف كما في المرسلات، بل سياقٌ في الرسالة وما أُوحي به. ويعضده أنّ المرسَل لم يُجعل ضامناً لمن اتّبعه في موضعٍ من القرآن؛ يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]. فمن لم يملك هدايةَ من أحبّ لم يملك ضمانَ مآله؛ وإذا انتفى ذلك عن المبلّغ عن الله فانتفاؤه عمّن دونه أولى.

﴿آل عمران: 128

وقيد ﴿إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ﴾ يجري على هذا مجرىً مستقيماً؛ فالمرتضى من وافق ما أُقرّ، وهو نفسه المذكور في قوله ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ . فالبيان يُعرَض على الناس جميعاً ولا يتقوّم به إلّا من قبله فصدّقه عمله؛ فليس القيد تخصيصاً لأشخاصٍ اختيروا، بل بيانٌ لأنّ الانتفاع موقوفٌ على القبول لا على البلاغ وحده.

﴿طه: 109

ووصفهم بالإشفاق تمام الصورة؛ إذ يُشفقون على من لم يبلغه ما بلَغهم، وذلك هو الذي يحملهم على النذارة أصلاً. ويترجّح أنّ إشفاقهم مصروفٌ إلى من يشفعون له لا إلى أنفسهم، لأنّ الجملة معطوفةٌ على ذكر الشفاعة؛ وهو ترجيحٌ يستند إلى النظم لا إلى نصٍّ صريحٍ فيه. ولو كانت شفاعتهم توسّطاً يُقبل يوم الحساب لما كان للإشفاق موضع، إذ من ملك أن يُنيل لم يُشفق. فاجتماع الشفاعة والإشفاق في آيةٍ واحدة قرينةٌ على أنّ المراد بها ما يقع في المستقرّ من بيانٍ ونذارة، لا ما يُتوهَّم بعده من وساطة.

6.3.8الضابط الجامع: عقدٌ في المستقرّ وكشفٌ في المآل

تنتظم المسألة على ما تقدّم في تقريرٍ واحد: أنّ ما يُنال يومئذٍ ظهورُ ما تحقّق ههنا لا شيءٌ يُستأنف هناك. فالله أقرّ في هداه ما يُنجي من سلكه، وأقرّ في نظامه ما يجري به المآل، ومن وافق ما أقرّ في الوجهين فقد اتّخذ عنده عهداً؛ فإذا جاء ذلك اليوم انكشف ما كان ولم يُنشَأ له ما لم يكن. وهذا هو الذي سمّاه النصّ إذناً ورضاً وشهادةً بالحقّ، وكلّها أوصافٌ سابقة على الموقف لا واقعة فيه.

وهذا نفسه ما تقرّر في المسائل التي سبقته من هذا الباب؛ فقد تبيّن في طور ما بين التوفّي والبعث (6.1.9) أنّ عرض النار على آل فرعون نذارةٌ في حياتهم لا عذابٌ مستأنَفٌ بعدها، وتبيّن في مراتب الناس يوم الحساب (6.2) أنّ سيما المجرمين أثرُ حالٍ اكتسبوها لا وسمٌ أُنزل بهم. فالجامع بين هذه المواضع أنّ الآخرة تُظهر ما تحقّق ولا تُنشئ ما لم يكن، وهو مقتضى ما تأسّس في القضاء والقدر من أنّ الاتّجاه أحاديّ لا يرتدّ، وأنّ عالم الأمر عالم تقريرٍ لا إيقاع.

وقد صرّح النصّ بالسبب الذي يُنال به المآل تصريحاً يُغني عن كلّ ما سواه؛ يقول الله تعالى في خطاب أهل الجنة: ﴿وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72]. فجاءت الباء صريحةً في السببية، وجاء الفعل بصيغة الاستمرار ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لا بصيغة الحدوث، فأفاد أنّ المعتبَر ما كان دأباً في المستقرّ لا واقعةً عارضة. وقد سُبق ذلك في الأعراف بقولهم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: 43]، فاجتمع في الموضع الواحد ركنا ما تقدّم: هدايةٌ من المصدر سابقة، وعملٌ صدّقها.

﴿الأعراف: 43

وبهذا يظهر أنّ ما استقرّ في الأذهان من التماس الشفعاء قام على مقدّمةٍ لم يُنعم النظر فيها، وهي أنّ في ذلك اليوم متّسعاً لأن يُقدَّم فيه ما لم يُقدَّم قبله. وقد سدّ النصّ هذا من وجوهه كلّها: نفى أن تحمل نفسٌ عن نفس، ونفى أن يُؤخذ بدل، ونفى أن يقع نصر، ونفى أن يُنطق إلّا بما أُقرّ؛ فلم يبقَ للملتمِس ما يلتمسه ولا للملتمَس منه ما يبذله. وجرى ذكرُ الشفاعة في مواضعها على النفي وعلى بيان من هو أهلٌ لها، ولم يُقرَن في شيءٍ منها بتغيير حكمٍ ولا بنقل أحدٍ من حالٍ إلى حال؛ وفي هذا السكوت في مقام البيان دلالةٌ لا تُغفَل.

وثمرة ذلك في السلوك أبعد من تصحيح تصوّرٍ في المصير. فمن اعتقد أنّ له عند أحدٍ ضماناً انصرف همّه إلى تحصيل الانتساب إليه، وخفّ عنده أمر العمل لأنّه يرى مآله مكفولاً؛ ومن تبيّن أنّ أحداً لا يملك له شيئاً لم يبقَ له إلّا أن يأخذ عن المصدر ويعمل بما أخذ. فالمسألة في حقيقتها ردُّ الأمر إلى صاحبه لا نفيُ شيءٍ عن أحد؛ يقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . فالنفس رهينةٌ بكسبها لا برهانٍ عند غيرها، ومن أدرك ذلك عَلِم أنّ ما يبنيه في مستقرّه هو وحده ما يلقاه.

﴿المدّثّر: 38

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «الشفاعة: عهدٌ في المستقرّ لا وساطةٌ في المآل»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث