6.2

مراتب الناس يوم الحساب: من يقف ومن لا يقف

14 دقائق قراءة~2459 كلمة6 مبحثاً في هذا الفصل

يقول الله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32].

﴿الواقعة: 7-12

تحدّد هاتان الآيتان مراتب الناس في مقامين متقابلين، تجمعهما بنيةٌ واحدة في عدل الله. فآية الواقعة تصنّف الناس في مصيرهم يوم الآخرة، أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقين المقرّبين؛ وآية فاطر تصنّفهم في سلوكهم في الدنيا وأخذهم بالكتاب، ظالمٌ لنفسه ومقتصدٌ وسابقٌ بالخيرات. ولا تناقض في هذا التقابل، بل تكاملٌ يكشف أنّ سلوك الدنيا يثمر مصير الآخرة؛ فالسابق بالخيرات في دنياه هو السابق المقرّب في آخرته، والمقتصد يصير من أصحاب الميمنة، والظالم لنفسه إن أصرّ ولم يَتُب صار من أصحاب المشأمة. فالآيتان تصنيفٌ للإنسان في الدنيا والآخرة معاً، يجري فيهما ميزانٌ واحدٌ من عدل الله، يربط العمل بمآله ربطاً محكماً لا يحابي ولا يظلم.

6.2.1تمهيد: ميزان التكليف وحدود التقسيم

قبل الدخول في تفصيل الأصناف، لا بدّ من تأسيس ميزانٍ جوهريّ يحكم هذا التقسيم كلّه؛ فالخطاب في الآيتين موجَّهٌ لمن أورثه الله الكتاب، والإيراث هنا شرطٌ لازمٌ لا يسقط. غير أنّ الهدى الذي تقوم به الحجّة قسمان: كلّياتٌ ثابتة هي الدين القيّم، ومتغيّراتٌ تشريعية تخصّ كلّ رسالة. فأمّا الكلّيات الثابتة، من حرمة القتل والسرقة والزنا والفجور والاعتداء والربا وعقوق الوالدين وسائر ما يقوم عليه صلاح الإنسان، فمعلومةٌ لكلّ الناس بالفطرة، أُدرِجت في الإنسان منذ عهده الأول، وتواترت عبر الرسل من الإنسان الأول، فهي عمومٌ بشريّ لا يخصّ أهل كتابٍ دون غيرهم، يعلمها الناس من المشرق إلى المغرب ومن أقدم العصور إلى آخرها، بنصّ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ . فبهذه الكلّيات تقوم الحجّة على كلّ إنسان، إذ بلَغته فطرةً وإن لم يُؤتَ نصّاً منزّلاً، فمن استهان بها فأفسد وقتل واعتدى دخل النار، ومن التزمها وعمل صالحاً نجا. وأمّا المتغيّرات التشريعية التي تخصّ كلّ رسالة، فإنّها تعضد الكلّيات الثابتة وتصقلها وتثبّتها، تتميماً لها لا استقلالاً عنها، يلتزمها معتنق الرسالة، ويقوم مقامها للمستقلّ عملُه الصالح. وإنّما يُعلي المقام إلى البرّ والسبق الأخذُ بالرسالة بكلّيتها منهجاً وبناءً، اتّباعاً للرسول في النظام الجامع، ومسارعةً في الخيرات. فالكلّيات معيار النجاة والهلاك، والاستهانة بها تُدخل النار، والأخذ بالرسالة كاملةً يرفع إلى مقام البرّ والسبق. فعدل الله يستلزم أن يكون الهدى قد بلَغ الإنسان حتى تقوم عليه الحجّة، وقد بلَغت الكلّياتُ الناسَ جميعاً بالفطرة، فقامت بها الحجّة على الكافّة، وبقي تفاوتهم في الأخذ بالمتغيّرات التشريعية واتّباع الرسالة.

﴿الروم: 30

والكتاب نورٌ كما تأسّس في فصل الكتاب (3.3)، ويتبيّن من آية التغابن أنّ النجاة والارتقاء مستويان متمايزان، يقول الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ . فالآية قسمان: الإيمان بالله ورسوله، فمن أطاع فيه وأدّى فاز ونجا، وهو شرط النجاة في الكلّيات والعمل الصالح؛ واتّباع النور الذي أُنزل، والنور هنا يمثّله لفظ «الرسول» معرّفاً بالنظام الجامع والمنهج، فمن أجمل إلى نجاته اتّباع هذا النور ارتقى بعد الفوز إلى مرتبة البرّ والسبق. فالنور المنزّل ليس شرط النجاة، بل مرتبة الارتقاء التي تُعلي المقام بعد بلوغ النجاة.

﴿التغابن: 8

ولذلك تدور الأصناف الثلاثة في الواقعة وفاطر كلّها داخل دائرة من بلَغه الهدى، كلّياتٍ فطريةً أو نصّاً منزّلاً. غير أنّ مراتبها تتفاوت بتفاوت ما بلَغ وما أُخِذ به؛ فمن أُورث الكتاب المنزّل فأخذ به فقهاً ومسارعةً في الخير بلَغ مرتبة البرّ والسبق التي لا تُنال إلا بالهدى المنزّل كما تأسّس في فصل المؤمن المستقلّ (5.5.4.7)، ومن بلَغته الكلّيات فطرةً فالتزمها وعمل صالحاً نال النجاة في أصحاب اليمين وإن لم يبلغ مرتبة السبق. أمّا المجرمون فخارج هذا التقسيم لسببٍ مختلف، وهو أنهم قطعوا صلتهم بالأصل كلّياً، فلم يدخلوا في الإرث ولا في الانتفاع بالنور أصلاً.

6.2.2الصنف الأول: السابقون المقرّبون

السابق بالخيرات هو المؤمن الذي أخذ بجلّ الرسالة، فتجاوز حدّ الالتزام إلى السبق في الفكر والعلم والعمل والإيمان؛ كان على منهج الأنبياء في القرب والإخلاص والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يسبق في الخيرات بإذن الله لا بجهده وحده، لأن من سبَق سبَقه إذ بذَل أوّلاً، فأذن الله له فيما بعد بالسبق؛ والإذن هنا ليس قيداً يحدّ من حركته، بل توفيقٌ يجعل سبقه ممكناً موصولاً بالأصل.

يقول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: 88-89]. وهذا الصنف لا يقف على الحساب أصلاً، بل يدخل جنّات النعيم فور توفّيه، وثلاث قرائن تتضافر على ذلك. أولاها التوكيد في ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾، فهو يرفع هذا الصنف عن مرتبة الوقوف، إذ أغناه سبقُه في الدنيا عن وقفة الحساب. وثانيتها ﴿أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾، والقرب من الله بُعدٌ عن القوانين الجزائية وقربٌ من رحمته، فالمقرَّب لا يُساق إلى موضعٍ يُساق إليه من دونه. وثالثتها فاء التعقيب في ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ وفي ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾، وهي تفيد التعقيب المباشر بلا مرحلةٍ تتخلّل الجزاء، فلا حسابَ يفصل بين توفّيهم ودخولهم النعيم. ومن جاوز الواجب إلى السبق فقد اجتاز موضع الحساب أصلاً، فما الذي يُحاسب عليه من قطَع المسافة كلّها وزاد؟

﴿الواقعة: 10-12

ويزيد هذا المعنى وضوحاً قوله تعالى في سياق الإقراض الحسن والمضاعفة: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ؛ فالنور الساعي بين أيديهم وبأيمانهم رصيدُ سعيهم للعلم والمعرفة مع الضبط الأخلاقيّ، وهو تجاوزٌ لحدّ الالتزام إلى السبق. والبشرى المباشرة ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ ووصفها بالفوز العظيم يناسبان من اجتاز موضع الحساب فدخل النعيم بلا وقفة، لا من وقف للحساب وإن يسيراً.

﴿الحديد: 12

ويصف الله هؤلاء بأنهم ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ ، لأن السبق الحقيقيّ في الخيرات نادرٌ في كلّ زمان. ومن هنا يتّضح ما يغفل عنه كثيرون؛ فالدعاء بأن يجعلنا الله من أصحاب اليمين دعاءٌ بالحدّ الأدنى، وقد دعانا الله إلى ما هو أعلى؛ يقول الله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: 21].

﴿الواقعة: 13-14

6.2.3الصنف الثاني: أصحاب اليمين المقتصدون

المقتصد هو المؤمن الذي آمن بالله وأخذ بالكتاب في حدود الحلال والحرام، أي التزم الكلّيات الثابتة معرفةً وتطبيقاً، نصّاً بلَغه أو فطرةً أدركها، فيدخل فيه المؤمن المستقلّ الفطريّ وأهل الفترة الصالحون كما تأسّس في التمهيد (6.2.1)؛ التزم النواهي وأدّى الفرائض وانتهى عند ذلك، فلم يزد على الحدّ المطلوب ولم يسبق في الخيرات.

وإنما سُمّوا أصحاب اليمين لأنهم من أُوتي كتابه بيمينه. وليس المراد إيتاءً مادّياً حسّياً، صحيفةً تُدفع في يدٍ بعينها، بل معنىً أعمق؛ فاليمين في القرآن تدور على القوّة، كما تبيّن في فصل ما ملكت أيمانكم (5.15) حيث كانت ملكة القوّة والسلطان في سياق الاستحواذ. غير أن القوّة هنا قوّة من نوعٍ آخر، هي القوّة التي بذَلها العبد في الدنيا من جهدٍ وصبرٍ وتقوى ومجاهدةٍ للنفس عن الهوى؛ فمن أُوتي كتابه بيمينه أي ناله بهذه القوّة المكتسَبة بسعيه. ولفظ ﴿أُوتِيَ﴾ يحمل معنى الاستحقاق بالاجتهاد لا مجرّد العطاء الواقع، فالكتاب يُنال باليمين أي بالقوّة المبذولة، تعبيراً عن ثمرة سعيه هو. وهذا متّسق مع ما تأسّس في فصل الطاعة (5.5.3.7) من أن أصحاب اليمين هم من التزم الواجبات دون الزيادة، فوقفوا للحساب وأخذوا كتبهم بأيمانهم، وجنّتهم دون جنّة السابقين المقرّبين. وفي مقابل ذلك من أُوتي كتابه بشماله أو وراء ظهره، دلالةَ الخسران؛ من لم يبذل القوّة في طلب النور، فجاءه كتابه من جهة الضعف والإدبار لا من جهة القوّة والإقبال.

ويشهد لهذا المعنى أن البلوغ، في المرتبتين معاً، إنما يكون بالصبر المبذول؛ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ . فالصبر قوام البلوغ، سابقاً كان الفائز أو من أصحاب اليمين، وإن تفاوتا في الدرجة؛ فالسابق صبَر حتى جاوز الحدّ إلى السبق، والمقتصد صبَر حتى أدّى الواجب فبلَغ النجاة، وكلاهما ذو حظٍّ عظيمٍ بقدر ما بذَل. وهذا يؤكّد أن اليمين قوّةٌ تُكتسب بالصبر، فمن صبَر نال كتابه بيمينه، ومن لم يصبر جاءه من جهة الضعف.

﴿فصّلت: 35

والحساب اليسير الذي يخصّهم ليس عقوبةً بل وقفةَ وزنٍ لما عملوا؛ أتوا بما يكفي للنجاة فحُوسبوا حساباً لا يطول، ثم خلَصوا إلى الجنة. وهنا يتمايز المقتصد من السابق تمايزاً حاسماً؛ فالسابق اجتاز موضع الحساب أصلاً بفاء التعقيب المباشر ونورِه الساعي بين يديه، والمقتصد يقف وقفةً يسيرةً لأنه لم يسبق في الخيرات، فمن لم يسبق لم يستحقّ تجاوز الوقفة، ومن لم يتجاوزها وقف بقدر ما اقتصد. وقوله ﴿سَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ إشارةٌ إلى أن منزلتهم مع أمثالهم ممّن لم يزيدوا في العطاء واكتفوا بحدود الدنيا للفوز بالجنة، يدخلونها بعد وقفة حسابٍ لم يكن في مقدورها تجاوزها.

﴿الواقعة: 91

6.2.4الصنف الثالث: أصحاب المشأمة الظالمون لأنفسهم

الظالم لنفسه هو من أتاه النور فأعرض عنه. والنور هو الهداية التي تنير العقل، أصلها النبوة التي توقظ الإدراك ثمّ تحيله إلى التشريع والقيم لزاماً؛ فمن أقبل على هذا النور استنار عقله فعمل بالحلال والحرام والتزم الكلّيات فنجا، ومن أعرض عنه حبط عمله، لأنّه لم يؤمن في حقيقته وإن ادّعى الإيمان، إذ الإعراض عن الهداية بعد بلوغها ردٌّ للإيمان من أصله. والظلم في أصله من وضع الشيء في غير موضعه، فمن ظلَم نفسه أي وضعها في غير موضعها حين بلَغه النور فآثر عليه ظلام اتّباع الآباء، فضلّ الطريق باتّباعه غير أمر الله. وقد ظلَم نفسه ولم يظلمه أحد، لأن النور وصله، فلو لم يصله لكان مظلوماً لا ظالماً. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ، فالظلم اختيارُه هو، إذ بلَغه النور فأعرض، فحرَم نفسه بيده.

﴿النحل: 118

ولهذا كان إيمان الظالم لنفسه إيماناً غير متحقّق، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ ؛ فدعوى الإيمان بالله مع الإعراض عن النور إشراكٌ يَنقُض الإيمان الحقّ، إذ الإيمان في أصله انقيادٌ واعٍ لا إقرارٌ مجرّد بالمصدر. فمن أقرّ بالله ثمّ أعرض عن هدايته لم يؤمن في حقيقته، لأنه آمن بالمصدر وردّ البيان الذي به يستقيم النظر والعمل.

﴿يوسف: 106

وميزان هذا الصنف لا ينحصر في أنه أعرض عن النور، بل ينفذ إلى عمق طبيعة عمله ذاته. فالنور تتجوهر به المعرفة قبل العمل، والمعرفة تسبق العمل فتُصلحه؛ والإيمان في أصله وعيٌ وبحثٌ وتقصٍّ، لا وساماً يتقلّده صاحبه دون أن يعي ما تحته. أمّا الظالم لنفسه فإيمانه وراثيٌّ أو سطحيّ، تلقّاه قلادةً على عنقه دون أن ينفذ إلى وعيه؛ ولأنه أعرض عن النور لم تتأسّس عنده المعرفة التي بها يستقيم النظر، فإذا عمل عمل وفق الهوى والجهل لا وفق المعرفة والوعي. ولا يقف أثر هذا الجهل عند النظر، بل يتعدّاه إلى السلوك؛ فمن لم يتّعظ بالنور وقع في متاهات الجهل العمليّ، يحرّم ما أحلّ الله بغير علم، ويؤذي الناس بجهله، ويعتقد ما لم يأمر به الله فيضرّ من حوله ويفسد من حيث يحسب أنه يصلح. فالجهل المعرفيّ ثمرته جهلٌ سلوكيّ، وعليه يقع الميزان؛ لأن محلّ الفوز والخسران هو العمل، والله لا يظلم مثقال ذرّة. يقول الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72]. ويصطدم عمله بالغواية ويتعثّر بالجهل فيحبط، ومن انعدمت عنده المعرفة قبل العمل لم يكن لعمله من رجاء، لأن العمل بناءٌ يقوم على أساس، فإذا فسد الأساس انهار البناء وإن كثُر السعي.

﴿الزلزلة: 7-8

ولهذا يقف هذا الصنف على الحساب العسير، يُعطى كتابه بشماله، ثم مصيره النار جزاءً على ظلمه لنفسه بالإعراض عن النور. والنصّ يُثبت النار جزاءً للظلم، ويقف المنهج عند ما أثبته دون الزيادة عليه؛ فلا نخوض فيما سكت عنه من تفصيل هذا المصير، بل نقف عند أنه جزاء الإعراض الاختياريّ عن نورٍ بلَغ صاحبه. وهنا تُفهم آية فاطر فيما يخصّ هذا الصنف؛ فقوله ﴿ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ لا يعود على الأصناف الثلاثة جميعاً، بل على ما تلاه من ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: 33]، وهذا الدخول للسابق والمقتصد. أمّا الظالم لنفسه فقد جرى ذكره في تعداد المصطفَين بالنسبة الظاهرية إلى الإيراث، لا في الإفضاء إلى جنّات عدن.

﴿فاطر: 32

ومن هنا يتبيّن أن الإيراث ليس انتفاعاً، والاصطفاء بالنسبة إلى الكتاب ليس اصطفاءً بالنجاة؛ فالأوّل وضعٌ للنور بين يدي الإنسان، والثاني عملٌ بهذا النور وسيرٌ على هَديه. والظالم لنفسه أُعطي الأوّل وأعرض عن الثاني، فحبِط عمله من حيث لا يعلم لأنه عمل دون أن يعي.

6.2.5المجرمون: خارج دائرة الإيمان كلّياً

المجرمون خارج تقسيم الأزواج الثلاثة كلّياً، لأن الإجرام في جوهره فصلُ النفس عن أصلها. والجَرْم في أصله اللغويّ فصلُ جزءٍ عمّا التحم به، كما يَجرِم اللحّامُ اللحمَ أي يفصله عن أصله حول العظم؛ فالمجرم من فصَل نفسه عن أصلها، أي عن اتّباع خالقها واتّباع الهدى والنور الذي هو صلة الإنسان بالله وبه الإيمان الحقّ. ومن هذا المعنى يُسمّى من يقتل ويُفسد في الأرض ويسفك الدماء مجرماً، لأنه فصَل نفسه عن أصله الإنسانيّ فلم يَعُد إنساناً، بل انفصل عمّا تقتضيه إنسانيّته من حفظ النفس والكفّ عن الفساد؛ فالإجرام انفصالٌ مزدوج، عن صلة الإنسان بخالقه وعن أصله الإنسانيّ معاً، إذ من قطَع صلته بأصله الأعلى قطَع معها ما يربطه بإنسانيّته. وعليه فالمجرم ليس مؤمناً ضعُف إيمانه، ولا متلقّياً للكتاب أعرض عنه، بل قاطعٌ للصلة من أصلها، يعيش في الوجود وكأن الله لم يخلقه ولم يخلقه على شيء، في استكبارٍ وجحود. وهذا متّسق مع ما تأسّس في الكفر بوصفه موقفاً عدائياً معلَناً لا مجرّد غياب إيمان (4.6)، فالمجرم في موقف العداء والقطع لا في موقف الضعف والتقصير.

يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: 41]. فالمجرمون لا يُسألون عن ذنوبهم ولا يُحاسبون ولا يُعطون كتاباً، بل يُعرفون بسيماهم ويُؤخذ بنواصيهم وأقدامهم إلى النار مباشرة؛ لأن من قطَع صلته بالله كلّياً لا حساب له بل أخذٌ مباشر. ومن انفصل عن الأصل لم يبقَ ما يُحاسب عليه، فالحساب فرعٌ عن الصلة، ومن لا صلة له لا حساب له. وعلامتهم تُعرف فيهم بنفسها، لأنهم اختاروا أن يكونوا على غير ما خُلقوا له بقطعهم صلتهم بأصلهم، فظهر ذلك في سيماهم قبل أن يُسألوا.

﴿القصص: 78

والسيما وسمٌ في النفس لا في البدن، وإلّا لكانت علامةً تشريحيةً على الأجساد تكذّبها المشاهدة؛ وهي ثمرةُ الحال التي اكتسبتها النفس فوُفّيت عليها، لا عقوبةً تُنزَل بها اعتباطاً. يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ، فالزرقة وسمُ النفس المحشورة لا لون الجثّة الدارسة. ويقابله في الطرف الآخر قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: 32]، فالطِّيب حالٌ تُوفّى عليها النفس كما تُوفّى الأخرى على اضطرابها. ويحسم الأمرَ قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21]؛ فقد نفى التسويةَ في المحيا وفي الممات معاً، ممّا يترجّح منه أنّ الممات ذاته يختلف بين الفريقين اختلافاً يترك أثره في النفس، فيُعرَف به صاحبه يوم يُبعَث.

﴿طه: 102

6.2.6الخلاصة الجامعة

تنتظم مراتب الناس يوم الحساب على ميزانٍ واحد. فالسابقون المقرّبون يدخلون الجنة بلا حساب، لأنهم أخذوا بجلّ الرسالة وسبقوا في الخيرات فاجتازوا موضع الحساب بسبقهم، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم. وأصحاب اليمين المقتصدون يدخلون الجنة بعد حسابٍ يسير، لأنهم التزموا الكلّيات الثابتة في حدود الحلال والحرام، نصّاً بلَغهم أو فطرةً أدركوها، دون تجاوزٍ إلى السبق، فوقفوا وقفةَ وزنٍ لا تطول. وأصحاب المشأمة الظالمون لأنفسهم يصيرون إلى النار بعد حسابٍ عسير، لأنهم أتاهم النور فأعرضوا عنه، فحبط عملهم لأنهم لم يؤمنوا في حقيقتهم وإن ادّعوا الإيمان، فظلموا أنفسهم بالإعراض الاختياريّ عن هدًى بلَغهم. والمجرمون يصيرون إلى النار بلا حسابٍ أصلاً، لأنهم فصلوا أنفسهم عن أصلها كلّياً، فلم يبقَ ما يُحاسبون عليه.

والميزان في هذه المراتب كلّها واحد، وهو ميزان عدل الله الذي لا يحاسب من لم تبلغه الحجّة، ولا يساوي بين من سبَق ومن وقف عند الحدّ، ولا يخلط من بلَغه النور ثم أعرض عنه بمن لم يبلغه أصلاً. فالفيصل بين الأصناف كلّها هو الموقف من النور بعد بلوغه؛ من سبَق به علا، ومن اقتصد عنده نجا، ومن أعرض عنه خسِر، ومن قطَع صلته بأصله سقَط من التقسيم رأساً.

ومن استوعب هذا الميزان علِم أن المطلوب ليس الفوز بالحدّ الأدنى من النجاة، بل السبق إلى مغفرةٍ من الرب وجنةٍ عرضها كعرض السماء والأرض؛ فالنجاة بابٌ يدخله المقتصد، والسبق درجةٌ ينالها من تجاوزه إلى ما هو أعلى. وقد دعانا الله إلى الأعلى لا إلى الأدنى، فمن رضي لنفسه بالحدّ الأدنى فقد رضي بأن يقف للحساب وقد كان بوسعه أن يجتازه.

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «مراتب الناس يوم الحساب: من يقف ومن لا يقف»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث