6.z

خاتمة الباب السادس

3 دقائق قراءة~527 كلمة0 مبحثاً في هذا الفصل

بَلَغَ البابُ غايتَه التي انطَلَقَ إليها: أَن يَستَبين مصيرُ الإنسان في منظومة الوجود، استقراءً من النصّ لا إسقاطاً عَليه. وقد تَجَمَّعَت فيه خيوطُ الكتاب كلِّها، فلا يُفهَم ما فيه إلا بما تَأَسَّسَ قَبله ـ من التمييز بَين الله والرَّبّ، إلى مفهوم الزمكان وتَبَدُّله، إلى طبيعة الإنزال، إلى حدود المعرفة الإنسانية ـ إذ يَعود بالإنسان إلى الأصل الذي صَدَرَ عنه بَعد أَن طافَ به الكتابُ تعريفاً ثُمَّ تكليفاً ثُمَّ مصيراً.

فقد تَكَشَّفَ ـ في الفصل الأَوَّل ـ أَن مسارَ النفس معادلةٌ واحدةٌ متّصلةٌ لا انقطاعَ فيها: تَبدأ بحالٍ سابقةٍ على الوجود الدنيوي، ثُمَّ حياةٍ يَلتَحِم فيها أصلُ النفس بزَوجها الجسم في مستقرٍّ هو فترةُ التكليف، ثُمَّ توفٍّ يُخرِجها من الزمن والمكان إلى حِفظ الله، فإيداعٍ لا تُحَسّ فيه مدّةٌ ولا زمن، ثُمَّ بعثٍ تَرجِع به إلى الرَّبّ في كونٍ جديدٍ تَلبَس فيه خَلقاً لا يَفنى، فجزاءٍ ماديٍّ حقيقيٍّ لا مجازَ فيه. وتَبَيَّنَ تمييزٌ طالما الْتَبَسَ على القارئ: أَن أحداثَ الساعة ومآلاتها ليست أخبارَ غيبٍ بالمعنى الدقيق، بَل أنباءٌ من عالَم الأمر في علم الله، توقيتُها مُدرَجٌ في الكون يُتَتَبَّع بالعلم، ومآلاتُها لا تُتَتَبَّع كَوناً ولا تُرصَد مادّياً لأنها لم تُدرَج بَعدُ في النسيج، وإنما يُعلَم من نظامها ما أخبَرَ به النصّ. وفي هذا المسار يَظهَر العدلُ أبهى ما يَكون، إذ يَخرُج المكلَّفون جميعاً ـ أوَّلُهم وآخِرُهم ـ من الزمكان إلى زَمنٍ صِفر، فيَجتَمِع المتفرّقون في الأجيال في لحظةٍ واحدةٍ يَقفون فيها على قَدمٍ واحدة.

وكَشَفَ الفصلُ الثاني أَن الناسَ يَومَ الحساب على ميزانٍ واحدٍ مَدارُه الموقفُ من النور بَعد بلوغه: سابقٌ اجتازَ موضعَ الحساب بسَبقه فدَخَلَ النعيمَ بلا وقفة، ومقتصدٌ وَقَفَ وقفةً يسيرةً لأنه أَدَّى الواجبَ ولم يَزِد، وظالمٌ لنفسه أَعرَضَ عن النور بَعد أَن بَلَغَه فظَلَمَ نفسَه بحرمانها منه، ومجرمٌ فَصَلَ نفسَه عن أصلها كلّياً فلم يَبقَ ما يُحاسَب عَليه. ولا يُساوي هذا الميزانُ بَين من سَبَقَ ومن وَقَفَ عند الحدّ، ولا يَخلِط من بلَغه النورُ ثُمَّ أَعرَضَ عنه بمن لم يَبلُغه أصلاً ـ إذ بلوغُ النور وضعٌ له بَين اليدَين نصّاً أو فطرةً، والنجاةُ عملٌ به وسَيرٌ على هَديه.

وحَرَّرَ الفصلُ الثالثُ مسألةَ الشفاعة، فاستَبانَ أَن الشفعَ في وضعه اقترانٌ لا وساطة، وأَن ما نَفاه النصُّ منها ما كان بَدَلاً يَقوم مَقامَ العمل، وأَن ما أثبَتَه موقوفٌ على عهدٍ يُتَّخَذ في المستقرّ قوامُه مصدرٌ حقٌّ وعملٌ يُصَدّقه. فلا مُتَّسَعَ في ذلك اليوم لأَن يُقَدَّم فيه ما لم يُقَدَّم قَبله ـ إذ حُجِبَ فيه القولُ إلا بما أُقِرّ، ولم يَبقَ إلا ما تَحَقَّق ـ وإنما يَنكَشِف فيه ما كان. وبهذا يَتَّسِق الفصلُ الثالثُ مع ما قَبله، إذ الآخرةُ تُظهِر ما تَحَقَّق ولا تُنشِئ ما لم يَكُن.

والعِبرةُ الجامعةُ أَن الإنسانَ كادحٌ إلى رَبّه لا محالة، فردياً في نفسٍ تُوفَّى وتُبعَث وتُحاسَب، وكونياً في وجودٍ يَسير إلى تَبَدُّله، كما في قَوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. وليس المطلوبُ الفوزَ بالحدّ الأدنى من النجاة، بَل السبقَ إلى ما هو أعلى، فمَن وَعى أَن مستقرَّه مرحلةٌ في معادلةٍ أكبرَ منه أَعَدَّ للقائه قبل أَن يَنقَضي حِينُه. وإذا كان الباب الخامس قد أَسَّسَ ما يَنتَظِم به اجتماعُ الناس وتشريعُ عَلاقاتهم، فقد أَسَّسَ هذا البابُ مصيرَهم الذي إليه تَؤول أعمالُهم. وبهذا يُغلَق بابُ المصير في بناء الكتاب، وما استَقَرَّ هنا يُمَهّد لما يَتلوه من ضوابطَ تَجمَع هذا البناءَ وتَضبِط مفاصلَه، قائماً على هذا الأَساس الذي تَحَرَّرَ من النصّ، لا من سِواه.

الباب السابع

مفاتيح تدبر كتاب الله

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «خاتمة الباب السادس»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث