«قلّما يقرأ اثنان النصّ القرآنيّ فيخرجان منه بفهمٍ واحد، وما ذلك لغموضٍ في النصّ، بل لاختلاف المدخل الذي يُؤتى منه.»
فإذا كان النصّ واحداً والاختلاف قائماً، فالعلّة في المدخل لا في النصّ. ومن هنا وُلد هذا العمل: بحثاً عن مدخلٍ منضبطٍ يقود إليه النصُّ ولا يقوده القارئ.
وقد تبيّن من طول استقراء النصّ أنّ القارئ لا يكاد يقف بين يدي القرآن إلا على أحد ثلاثة مواقف، اثنان منها يحولان بينه وبين مراد النصّ.
أن يُحال السائل إلى ما دُوّن في القرون الأولى، فيصير فهم الأقدمين هو المرآة التي لا يُرى النصّ إلا من خلالها.
«وفي هذا الموقف يصير المعنى استحضاراً للماضي، لا مراداً يُستخرَج بزمنه، ويُحجَب النصّ عن قارئه بطبقةٍ من الأفهام منتهية الصلاحية لا تحاكي واقعه.»
وليس في هذا غمطٌ لفضل السابقين: فلهم في حفظ النصّ وخدمة علومه ما لا يُنكَر؛ وإنّما الخلل في تقديس الفهم البشريّ حتى يصير أصلاً لا يُراجَع، لا منزلةً اجتهاديةً يُبنى عليها ويُستدرَك.
أن يدّعي صاحبه التحرّر من تلك الأفهام، فيرفع شعاراً ولا يطبّقه على نفسه، ويُسقط على النصّ مفهومه هو فيراه فيه.
«ويظنّ أنّه يقرأ النصّ، إنّما يقرأ ذاته في النصّ. فهذا وإن تحرّر من سلطان الأقدمين، وقع في سلطانٍ أخفى وأشدّ: سلطان فهمه المسبق.»
الموقف الذي قام عليه هذا العمل.
«لا يُسقِط على النصّ رأياً، ولا يحمل إليه فهماً يسير به في قراءته؛ بل يَدَع النصَّ هو الذي يقوده، حيث تأخذه مقاصدُه، فيبني معه المفاهيم والمواضيع شيئاً فشيئاً، حتى يبلغ به النصُّ بنيتَه التي تأصّل عليها.»
يفتتح القرآن الكتاب بقوله ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾. وفي اسم الإشارة «ذلك» بابٌ من التدبّر يكشف طبيعة الكتاب وطريقة قراءته معاً، قبل أن يُقرأ منه حرف.
فالقرآن حين يشير إلى أجزاء الكتاب المتفرّقة يختار «تلك»: ﴿تلك آيات الله﴾، ﴿تلك الرسل﴾، ﴿تلك القرى﴾، ﴿تلك الأيام﴾، ﴿تلك حدود الله﴾. فإذا اجتمعت هذه الجماعات وانتظمت صارت «الكتاب» — اسماً مفرداً مذكّراً — فلم يعد يصلح له «تلك»، بل «ذلك».
وهذه الأجزاء ليست نصوصاً مجرّدة، بل معطياتٌ منبثّةٌ في الوجود والتاريخ: آياتٌ كونيةٌ في الآفاق، ورسلٌ مضوا، وقرًى خلت، وأيامٌ تُداول، وحدودٌ تجري في التشريع.
«فلو قيل «هذا الكتاب» لاقتصر النظر على ما بين الدفّتين، مغلقاً على مضامينه، مقروءاً بمعزلٍ عن الواقع. أمّا «ذلك» فتفتح النظر على ما وراء النصّ... فإن اسم الإشارة نفسه تعليمةٌ وإشارة منهجيةٌ في أوّل الكتاب: اقرأه مربوطاً بالكون والسنن والتاريخ، لا متناً منقطعاً عن الواقع.»
وعلى هذا المنوال بُني هذا العمل: كلُّ مفهومٍ فيه مقروءٌ مرّتين — في النصّ، وفي الوجود الذي يحاكيه النصّ.
وممّا يُضيء الكتابَ كلَّه تمييزٌ تأسيسيّ: أنّ الإيمان في القرآن مستويان لا مستوىً واحد.
إيمانٌ منشؤه الآبائيّة، يعتمد فيه المرء على غيره فيؤمن إيماناً نظرياً متلقًّى لا مكتسَباً؛ من قام به أغلق باب النظر واكتفى — فإن عمل مع ذلك صالحاً فله أجرُه عند ربّه.
إيمانٌ مكتسَبٌ بالبحث والاجتهاد والتقصّي، يطابق بين النصّ والوجود، فيبني به الإنسانُ منظومةً جامعةً تُقيم أفكاره — ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾.
والكتاب في جملته منصرفٌ إلى بيان هذا البناء.
«فهذا الكتاب دعوةٌ إلى قراءة القرآن بالقرآن، وإلى الإمساك بالنصّ من حيث يُمسِك بنفسه. وغايتُه أن يُبيّن لا أن يُلزِم، وأن يفتح بابَ النظر لا أن يُغلِقه؛ فمن وجد فيه ما يُقنعه فبالحجّة، ومن خالفه فبالنصّ.»