قبل أن تسأل أو تعترض، هذه حدودُ ما بين يديك.
ليس في الكتاب فتوى، ولا يُطلب من أحدٍ العمل به. هو قراءةٌ للنصّ تُعرَض للنظر. ومن أراد حكماً شرعياً في نازلةٍ فليطلبه من أهله.
لا على شخصٍ، ولا على مذهب، ولا على طائفة. وما ورد فيه من مخالفةٍ للمألوف فليس مجابهةً لأحد.
ومن لزم هذا المنهج بصدقٍ بلغ به أحياناً ما يخالف ما استقرّ عند الناس قروناً، لا رغبةً في المخالفة ولا مجابهةً لأحد، بل لأنّ الميزان واحدٌ لا يحابي، فحيثما قاد النصُّ تَبِعه الباحث، وإن خالف المألوف.
ولا يعني هذا استهانةً بما بذله السابقون من جهدٍ في خدمة النصّ، فكلٌّ عمل في حدود أدواته وزمنه، وإنّما المقصود أنّ الميزان اليوم هو النصّ ذاته، لا أقوال من سبقوه.
وليس في هذا الكتاب دعوى عصمةٍ ولا قطعٍ يُلزِم القارئ، بل هو ترجيحٌ يستمدّه صاحبه من استقراء النصّ، يعرضه عرضاً ويقول فيه «يترجّح» و«يتبيّن»، لا «هذا الحقّ الذي لا سواه». فما وافق منه الصوابَ فمن الله، وما جانبه فمن صاحبه.
والقارئ شريكٌ في النظر لا متلقٍّ يُسلّم؛ يَزِن ما فيه بميزان النصّ، فما رآه راجحاً أخذ به، وما رآه مرجوحاً ردّه بحجّةٍ من جنس حجّته، لا بمجرّد أنّه خالف ما اعتاد.
ومؤلّف هذا الكتاب يعلم مُقدَّماً أنّ عمله هذا مردودٌ عند جهاتٍ لا تحبّذ النظر فيما استقرّ، ولا ترضى أن يُعاد فتح ما أُغلق، فتعدّ كلّ مراجعةٍ خروجاً وكلّ سؤالٍ جرأة. وهو لا يكتب لهؤلاء، ولا يطلب رضاهم، ولا يجادلهم في موقفهم، فلكلٍّ وجهةٌ هو مولّيها.
وإن كنتَ ممّن آثر السكون إلى ما ورِث، فلا يلزمك منه شيء، ولصاحبه أن يعتذر إليك أنّه لم يكتبه لك، وأن يدعو لك ولنفسه بالهدى إلى أقوم سبيل.
فمن أراد النقاش فبابُه مفتوح — والميزان هو النصّ.