6.1

المسار الكامل للنفس: من المستقرّ إلى الخلود

33 دقائق قراءة~5921 كلمة14 مبحثاً في هذا الفصل

6.1.1النفس في الوجود الدنيوي

أوّل ما يَزِلّ فيه القارئ حين يتناول مسألة الإنسان أن يَحسب الجسمَ هو الإنسان، وأن النفس إضافة روحانية طارئة عليه؛ والقرآن يقلب هذا التصوّر من جذره. يقول الله تعالى: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ . والترتيب في الآية صريح لا لبس فيه؛ النفس أوّلاً والجسم زوجٌ لها، لا العكس. فالنفس هي الأصل في الكائن الإنساني، الوعاء الفكريّ المعنويّ الذي يحمل التكليف والحساب والهوية الحقيقية؛ والجسم بما فيه من جسامة وحيوية وقدرة على التفاعل زوجها المادّيّ المخلوق من خواصّ الأرض، يُمكّنها من الدخول في الحيّز الزمكانيّ والتفاعل معه. وهذا متّسق مع ما تأسّس في فصل النفس (3.1.2) من أن النفس جوهر معنويّ لا مادّيّ، وما تبيّن في فصل الإنس والجنّ (3.2) من أن المراحل التكوينية صفاتٌ وظائفية لا أطواراً مادّية متعاقبة.

﴿الزمر: 6

ويُميّز القرآن بدقّةٍ بين ثلاثة ألفاظٍ يُساء استعمالها كثيراً فتُحسب مترادفة وليست كذلك. فالجسم هو الكيان الحيّ ذو الجسامة والحيوية والتفاعل، وهو زوج النفس في الحياة الدنيا. والجسد هو المادّيّ بلا نفس، أي الميت أو ما لا حياة فيه، ومن ثَمّ وَصف الله العجل بقوله ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ لأنه شكلٌ بلا روح. والبدن هو المظهر الخارجيّ وحده دون إشارة إلى الحيوية أو الحياة الداخلية. ولهذا التمييز أثره فيما يلي، إذ نلتزم في هذا الفصل لفظ الجسم لا الجسد متى تحدّثنا عن الإنسان الحيّ، لأن الجسد في القرآن هو المادّيّ المنفصل عن النفس.

ومن دقّة القرآن أن لفظ ﴿نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ لا يُراد به أن البشر جميعاً صدروا عن نفسٍ واحدةٍ عدداً، بل وحدة المبدأ والخواصّ؛ فكلّ النفوس البشرية من طبيعةٍ واحدةٍ ومبدأٍ واحدٍ وخواصَّ واحدة، وهذا ما يجعل التكليف والحساب عادلاً على الجميع، إذ يُحاسَب الكلّ بميزانٍ واحدٍ لأنهم من معدنٍ واحد.

6.1.2الموت السابق: ما قبل المستقرّ

يقول الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . والتسلسل في الآية محكمٌ لا اضطراب فيه؛ موتٌ سابقٌ، ثم حياةٌ دنيويةٌ، ثم موتُ توفٍّ إلى الله، ثم حياةُ بعثٍ ورجوعٍ للحساب، ثم الرجوع إليه. وهو يُثبت صراحةً أن الإنسان مرّ بحالة موتٍ قبل حياته الدنيوية، إذ بدأ التعداد بالموت لا بالحياة. ويعضد هذا قول أهل النار يوم الحساب: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: 11]؛ موتتان وحياتان، ومفتاح فهمهما في طبيعة النفس كما تأسّست في فصل الروح والنفس (3.1.2).

﴿البقرة: 28

فالنفس لم تأتِ من عدمٍ مطلق، بل هي كلمة الله يُلقيها في الوجود متى شاء؛ وقبل أن تلتحم بزوجها الجسم كانت في حالةٍ لا تفاعلية، لا زمنية ولا مكانية، خارج الحيّز الزمكانيّ التفاعليّ، وهذا هو الموت السابق. فالموت في القرآن ليس عدماً بل هو الحال خارج الحيّز التفاعليّ الزمنيّ المكانيّ؛ وما قبل الوجود الدنيويّ كانت النفس فيه بلا تفاعلٍ ولا زمنٍ ولا مكان، وهذا بعينه معنى الموت. ثم جاءت الحياة الدنيوية حين التحمت النفس بزوجها الجسم ودخلت الحيّز الزمكانيّ، فصارت قادرة على التفاعل والإدراك والتكليف والعمل.

وبهذا تنحلّ الموتتان والحياتان في غافر دون التواءٍ ولا تكلّف؛ فالموتة الأولى هي هذا الموت السابق على الوجود الدنيويّ، والحياة الأولى هي الحياة الدنيا، ثم الموتة الثانية حين تُتوفّى النفس، ثم الحياة الثانية حين تُبعث. وهو تطابقٌ تامٌّ مع تسلسل البقرة الذي بدأ بالموت، فالموتتان فيهما واحدة، والحياتان واحدة، لا تعارض بينهما.

6.1.3المستقرّ: الفترة الزمكانية المسمّاة

يقول الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ [الأعراف: 24]. والمستقرّ ليس مكاناً جغرافياً فحسب، بل فترةٌ زمنيةٌ مسمّاةٌ في مكانٍ محدّد هو الأرض؛ فالإنسان حين يُخلق مادّياً يكون مستقرّه الأرض، يعيش فيها حيناً مسمّى عند الله، يتفاعل ويُكلَّف ويعمل، إلى أن ينقضي ذلك الحين.

﴿هود: 6

وقوله تعالى ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ لا يعني أن مستقرّ كلّ دابّةٍ مرقومٌ في سجلٍّ خارجيّ، بل أن رزقها ومستقرّها ومستودعها كلَّها جاريةٌ ضمن الآلية السننية التكوينية للوجود؛ فالكتاب المبين هو منظومة الأسباب والقوانين التي يجري بها الوجود، كما تأسّس في موضعه. فمستقرّ الدابّة وحينها المسمّى ليسا اعتباطاً، بل محكومان بسننٍ مطّردةٍ مدرجةٍ في بنية الوجود، تُستقرأ كوناً ووجوداً. وهذا متّسق مع التمييز الرسميّ بين «كتاب» بالألف المثبتة، وهو الأسباب والقوانين السننية، و«كتب» التشريعية (3.3.2)؛ فالآية هنا في سياق الجريان الكونيّ السننيّ لا في سياق التسجيل، إذ التسجيل والنسخ شأن الإمام المبين لا الكتاب المبين.

6.1.4موت التوفّي إلى الله: انقضاء المستقرّ

يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ . ودقّة الآية تكشف حقيقتين جوهريتين. أولاهما أن المتوفّي هو الله لا الرب، وهذا تمييزٌ محكمٌ يسير على ما تأسّس في فصل الله والرب (1.4) وعلى قاعدة الاتجاهات البنيوية؛ فاستيفاء النفس عند الموت فعلٌ صاعدٌ يُخرجها من الحيّز الزمكانيّ إلى ما هو خارجه، وما يتجاوز نسيج الوجود لا يُنسب إلا إلى الله ذاته، لا إلى مقام الربوبية الذي يدبّر داخل الوجود. فحين تُتوفّى النفس تخرج من المجال الربوبيّ كلّياً إلى حفظ الله المطلق خارج الزمكان؛ توفٍّ إلى الله لا مجرّد موتٍ بيولوجيّ.

﴿الزمر: 42

وثانيتهما أن الآية تجمع الموت والنوم في معيارٍ واحد، فكلاهما خروجٌ من الحيّز الزمكانيّ التفاعليّ؛ غير أن موت التوفّي خروجٌ كاملٌ نهائيّ، والنوم خروجٌ مؤقّتٌ يُرسِل الله فيه النفس إلى أجلٍ مسمّى. والآية بذلك تجمع الاتجاهين في نسقٍ واحد على ما تقتضيه قاعدة الاتجاهات البنيوية؛ فالتوفّي صاعدٌ يُخرج النفس من النسيج إلى الله، والإرسال هابطٌ يردّها إلى الحيّز الزمكانيّ بإذن الرب، وكلاهما منسوبٌ إلى الله في الآية لأن مبدأ الفعلين عنده، ثم يجري الإرسال داخل النسيج بتدبيرٍ ربوبيّ. وحين تُستوفى النفس استيفاءً نهائياً يبقى الجسم وحده دفينَ الأرض يتحلّل إلى ما كان عليه، لأنه من خواصّ الأرض وإليها يعود.

والنفس هي الأصل في التكليف والحساب؛ يقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]. فالحساب فرديّ لا جماعيّ، والتوفية للنفس لا للجسم، ممّا يُثبت أن النفس هي المكلَّفة المحاسَبة، وهي الأصل في الكيان الإنسانيّ.

﴿البقرة: 48

6.1.5المستودَع: الإيداع في علم الله خارج الزمكان

يقول الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ . والمستودَع ليس مكاناً مادّياً، بل حالةٌ إيداعيةٌ خارج الحيّز الزمكانيّ كلّياً؛ فبعد أن يستوفي الله النفس تدخل في حالةٍ لا تفاعلية، لا زمنية ولا مكانية، تشبه الموت السابق الذي كانت فيه قبل المستقرّ، غير أنها الآن محمّلةٌ بما اكتسبته في مستقرّها من عملٍ وتكليفٍ ووعي. وليس المستودَع انعداماً للنفس، فالله يعلم مستودَعها ويحفظها، وهي مودَعةٌ في علمه لا في مكانٍ مادّيّ؛ والإيداع المؤقّت يُشير بطبيعته إلى استردادٍ قادمٍ هو البعث.

﴿هود: 6

وما سمّاه الله برزخاً في قوله ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ هو التعبير القرآنيّ الآخر عن هذه الحالة الإيداعية ذاتها؛ الحاجز الفاصل بين مرحلة المستقرّ ومرحلة البعث. وفي قوله ﴿مِن وَرَائِهِم﴾ دلالةٌ دقيقة، فالبرزخ وراء النفس لا أمامها، أي أنها في مستودَعها لا تنظر إليه ولا تشعر به ولا تُدرك امتداده؛ وهذا يوافق تماماً مفهوم الزمن صفر، إذ ما لا يُدرَك زمنُه لا يُحسّ بوجوده.

﴿المؤمنون: 100

6.1.6الزمن صفر: قيامة النفس الفردية

والنفس حين تخرج من الزمكان تخرج من الزمن نهائياً، فلا تشعر بمرور وقتٍ في مستودَعها عند الله. يقول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ . والمساق حالٌ تلازم النفس في انتقالاتها كلّها، لأنها لا تعي وجهتها بنفسها فتُساق؛ تُساق حين التوفّي إلى مستودَعها عند الله، ثم تُساق إلى يوم البعث، ثم تُساق إلى مستقرّها الأبديّ من جنةٍ أو نار. وليس في لفظ المساق ما يُثبت سائقاً مشخَّصاً يقابل المتوفّي، فقد يجري السَّوق بسننٍ مختصّةٍ بهذا الأمر؛ فالتوفّي إلى الله صاعدٌ يُخرج النفس من النسيج، والمساق انقيادها في مراحلها لأنها فقدت إدراك وجهتها. ولأنها خرجت من الزمكان لا تعود تُدرك الزمن أصلاً، فيكون ما بين لحظة موتها ولحظة بعثها في وعيها كطرفة العين، لا فاصل ولا انتظار.

﴿القيامة: 26-30

ويعضد هذا قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ؛ فالمجرمون يُقسمون أنهم ما لبثوا غير ساعة، لأن الزمن في المستودَع كان صفراً في وعيهم. فالنفس في مستودَعها لا تنعدم بل تُودَع، وزمن الإيداع في وعيها لا شيء.

﴿الروم: 55

6.1.7السائق الشهيد: كيانٌ واحد لا اثنان

يقول الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ . والدقّة اللغوية بالغة؛ فلو كان السائق والشهيد كيانين منفصلين لقال ﴿معها سائقٌ ومعها شهيد﴾، فيكرّر الظرف لكلٍّ منهما، لكنه قال ﴿مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾، فالواو عطف صفتين على موصوفٍ واحد، أمرٌ واحدٌ جامعٌ بين الوظيفتين معاً؛ يقود النفس في مسارها الجديد، وهو في الوقت ذاته حافظٌ لكلّ ما عاشته في مستقرّها، فيجمع قيادة المسار والشهادة على ما مضى. والنفس حين تخرج من الزمكان لا تعي وجهتها، فكان لزاماً أن يصحبها ما يسوقها ويحفظ أثرها.

﴿ق: 19-21

وليس في النصّ ما يُلزم بأن هذا السائق الشهيد كائنٌ مشخَّص؛ فقد يكون سنّةً مختصّةً بسَوق النفس وحفظ أثرها، على ما تبيّن في المساق (6.1.6). وعليه يُفهم قوله تعالى ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ فملك الموت الموكَّل سنّةٌ منفّذةٌ لخروج النفس من حيّزها الزمكانيّ، لا كائنٌ يتولّى القبض، ولا إشارةٌ إلى مكانٍ عند الله. ودلالة ﴿ثُمَّ﴾ هنا فيصلٌ، فهي تفيد التراخي لا التتابع المتّصل؛ إذ يجري التوفّي خروجاً من الزمكان في الدنيا، ثم يفصل بينه وبين الرجوع إلى الرب مكوثٌ في مستودَع الله، ثم يكون البعث بعد هذا الفاصل. فلحظة التوفّي غير لحظة المجيء يوم البعث، وكلاهما خروجٌ ودخولٌ يجريان بسننٍ منفّذةٍ داخل النسيج، والتوفّي في أصله منسوبٌ إلى الله لأنه خروجٌ من الزمن والمكان، والله مطلقٌ لا يحدّه زمنٌ ولا مكان.

﴿السجدة: 11

6.1.8أنباء عالم الأمر وتوقيت الساعة

قبل الخوض في أحداث الساعة ومآلاتها، لا بدّ من تأسيسٍ معرفيّ يُحدّد طبيعة ما نتحدّث عنه؛ فأحداث الساعة والقيامة والحساب والجنة والنار ليست أخباراً من الغيب بالمعنى الدقيق، بل أنباءٌ من عالم الأمر في علم الله. والتمييز هنا جوهريّ؛ فالغيب في القرآن ما تحقّق وجوداً ماضياً أو حاضراً لكنه محجوبٌ عن الإدراك البشريّ، أي مُدرَجٌ في الوجود المتحقّق وإن لم يُدرَك. أما أحداث الساعة ومآلاتها فهي في عالم الأمر في علم الله، لم تتحقّق بعد في الوجود المادّيّ ولم تُدرَج فيه، فلا تُتتبّع كونياً ولا تُرصَد مادّياً لأنها لم تقع؛ وهي واجبة التحقّق متى قال الله لها كن، فتصير عند تحقّقها خبراً واقعاً لا نبأً منتظَراً. يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ ؛ فحين يتبدّل الوجود تتحقّق هذه الأنباء وجوداً مادّياً وتصير خبراً واقعاً في الوجود الجديد. وهذا متّسق مع قاعدة آيات الغيب التي تأسّست في موضعها؛ ما كان مُدرَجاً قابلاً للتتبّع يُنسب علمه إلى الرب، وما يتجاوز النسيج محجوبٌ مطلقاً.

﴿إبراهيم: 48

وفي هذا التأسيس يتبيّن وجهٌ من عدل الله ومساواته بين الخلق؛ فأوّل مكلَّفٍ يتوفّاه الله وآخرُ مكلَّفٍ يتوفّاه كلاهما يخرج من الزمن والمكان إلى حالة الزمن صفر، فلا يطول انتظارُ متقدّمٍ ولا يقصر انتظارُ متأخّر، بل يقفون جميعاً عند تبدّل الأرض والسماوات في ميزانٍ واحد، يُبعثون معاً إلى الحياة الجديدة فيُحاسبون على قدمٍ واحدة. وبذلك لا يكون لتقدّم الموت أو تأخّره أثرٌ في الميزان، إذ الكلّ خرج من الزمكان والكلّ يعود إليه في الوقت ذاته بمقياس الوجود الجديد.

ويزيد هذا المعنى انكشافاً أن البشر في الدنيا متتابعون لا مجتمعون؛ أمّةٌ تذهب وأمّةٌ تأتي، تتناقل الأخبار بعد موت أوّلهم، فلا يلتقي الجدّ بحفيده العاشر ولا بجدّه العاشر في زمنٍ دنيويّ واحد. فإذا خرجوا جميعاً من الزمكان إلى الزمن صفر، اجتمع المتفرّقون في الأجيال كلّهم في لحظة البعث الواحدة، يوم الجمع. ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ؛ فانقطاع الأنساب يوم النفخ شاهدٌ على أن ما كان يفرّق الأجيال في الزمن من نسبٍ وتتابعٍ وتقدّمِ جيلٍ على جيلٍ يسقط في الجمع، إذ يقف الكلّ في صفٍّ واحدٍ لا يُقدَّم فيه متقدّمٌ ولا يُؤخَّر متأخّر.

﴿المؤمنون: 101

أما توقيت الساعة فأمرُه مختلف؛ يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ . جاءت بالرب لا بالله، وهذا تمييزٌ محكم؛ فتوقيت الساعة مُدرَجٌ في النظام الكونيّ الربوبيّ، له مؤشّراتٌ كونيةٌ يمكن تتبّعها لمن أوتي العلم الكافي. وقوله ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 187] يُثبت أن للساعة ثقلاً كونياً مادّياً مُدرَجاً في بنية الوجود، يمكن لعلم الكونيات رصد مؤشّراته وتتبّع آثاره؛ وقد بدأ العلم الحديث يتحقّق فعلاً من أن للكون نهايةً، وإن عجز عن تحديد توقيتها الدقيق. ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: 15]. وفي ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ إيحاءٌ بالغ الدلالة؛ فلم يُخفِها رب العالمين كلّياً ولم يكشفها كلّياً، بل أبقى مؤشّراتها الكونية قابلةً للتتبّع لمن بلغ في علم الكونيات مبلغاً عميقاً، وأخفى توقيتها الدقيق ليبقى الإنسان في تكليفٍ واستعدادٍ لا في غفلةٍ وتسويف. فالغاية من إخفاء التوقيت ليست التعجيز بل الإبقاء على دافع العمل، إذ لو عُلم التوقيت بدقّةٍ لانهارت دوافع التكليف.

﴿الأعراف: 187

أما آليات الساعة ومآلاتها من جنةٍ ونارٍ وحسابٍ وبعثٍ فأمرُها مختلف؛ تنسب لله لعدم حضور كوني لها يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: 34]. جاء بالله لا بالرب، لأن آليات الساعة ومآلاتها ليست مُدرَجةً في النظام الكونيّ الربوبيّ الحالي، فلا تُتتبّع كونياً ولا يُتنبّأ بها بالرصد والاجتهاد العلميّ؛ علمُها عند الله في عالم الأمر لا في الوجود المتحقّق. ومن ثَمّ فمن أراد معرفة توقيت الساعة فطريقه العلم الكونيّ لا التكهن أو رواية من علم الدين؛ يقول الله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: 187]، أي أن التجلية الدقيقة للتوقيت لرب العالمين وحده ضمن الوجود، لكن تتبّع مؤشّراتها الكونية حقٌّ للعلم وواجبٌ على المتبحّرين في علم الكونيات لا على علماء الدين.

﴿الأعراف: 187

6.1.9طَورُ العذاب ومحلّه: لا جزاء في المستودَع

ينشأ عن تقرير المستودَع سؤالٌ لا يصحّ تجاوزه في مسار النفس، إذ شاع في الأدبيات الموروثة أنّ الجزاء يبتدئ ساعةَ يُوارى الجسم في الأرض، فيُعذَّب المرء أو يُنعَّم قبل أن تقوم الساعة وقبل أن يُنصَب ميزان. وموضع الفصل في هذه المسألة لا يُستأنَف استئنافاً، بل يلزم ممّا تقرّر قبله لزوماً؛ فالجسم تحلّل في التربة إلى ما كان عليه، والنفس خرجت من الحيّز الزمكانيّ إلى حفظ الله، وزمنها في وعيها صفر، والنار لم تُدرَج بعدُ في الوجود المتحقّق بل هي في عالم الأمر واجبةُ التحقّق متى قال لها كن. فالقول بعذابٍ في هذا الطور يقتضي معذَّباً بلا جسم، ومدّةً بلا زمن، وناراً لم تُخلق، وجزاءً قبل حساب؛ وهذه أربعةُ لوازمَ يتناقض كلٌّ منها مع أصلٍ من أصول المسار.

ويُصرّح النصّ بترتيب الأطوار تصريحاً يقطع المسافة على التأويل؛ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ . فجاء الإياب أوّلاً، ثمّ عُطف عليه الحساب بـ﴿ثُمَّ﴾ الدالّة على التراخي لا على الاتّصال، ثمّ يترتّب الجزاء على الحساب ترتُّبَ المسبَّب على سببه. فالسلسلة إيابٌ فحسابٌ فجزاء، ولا موضع فيها لجزاءٍ يسبق الحساب، إذ يستحيل أن يكون العذاب جزاءً على ما لم يُوزَن بعد.

﴿الغاشية: 25-26

ويشهد المبعوثون أنفسهم بذلك في أوّل لحظةٍ يستأنفون فيها الوعي؛ يقول الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ . والمرقد من الرقاد، وهو لفظٌ لا يحتمل معنى التعذيب بحال؛ ولو كان القائلون قد قضوا ما بين موتهم وبعثهم في عذاب، لما وصفوا ما خرجوا منه بأنّه مرقد، ولما استفهموا عن الباعث استفهامَ من فُوجئ. والقائلون هم المنكرون بأعيانهم، وهم أوّلُ من يُفترَض فيهم أن يذوقوا ذلك العذاب لو كان؛ فشهادتُهم على أنفسهم أقوى ما يُحتجّ به في الباب. وهو موافقٌ لما تقرّر في الزمن صفر (6.1.6) من قسَمهم أنّهم ما لبثوا غير ساعة.

﴿يس: 51-52

ولا يقف الأمر عند شهادةٍ واحدة، بل يطّرد في النصّ اطّراداً لا يتخلّف. يقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: 112-113]، ويقول تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46]. والقائلون في هذه المواضع كلّها هم المجرمون والمنكرون، وهم أولى الخلق بإحساس المدّة لو كانت مدّةٌ تُحسّ، وأشدّهم استطالةً لها لو كان فيها ما يُستطال به؛ فإجماعُهم على نفي اللبث نفيٌ لما يملؤه من عذابٍ أو نعيم، إذ المعذَّب أحدُّ الناس شعوراً بالزمن وأعجزُهم عن إنكار امتداده.

﴿الروم: 55

ويعضد ذلك اطّرادٌ آخر في صياغة الخطاب نفسه؛ فمواضع البعث والحساب في القرآن جارية على لفظ اليوم لا تعدل عنه، من يوم القيامة ويوم البعث ويوم تقوم الساعة ويومئذٍ، ولم يُعدَل في شيءٍ منها إلى ما يفيد تراخي المدّة أو امتدادها بين الطورين. واليوم في وضعه وحدةٌ مستأنفةٌ تعقب يوماً انقضى، فجاءت الصياغة على مقياس من يُخاطَب لا على مقياس الوجود؛ إذ المخاطَب نفسٌ تخرج من الزمن فلا تعي بين توفّيها وبعثها فاصلاً، كالنائم يُغمض عينيه في آخر يومه فيفتحهما في يومٍ آخر ولم يمرّ عليه في وعيه شيء.

ويجب هنا ضبطُ حدّين لا يُخلَط بينهما. فانتفاء المدّة إنّما هو في مُدرَك النفس المستودَعة وفي نظم الخطاب الموجَّه إليها، لا في بنية الوجود؛ إذ الفاصل ثابتٌ بمقياس الكون القديم، تمضي فيه القرون بعد هلاك الهالكين، وعليه انبنى وصف البرزخ بأنّه ﴿مِن وَرَائِهِم﴾ (6.1.5)، وانبنى اجتماعُ الأجيال المتفرّقة في لحظة البعث الواحدة (6.1.8)، ولا اجتماع لمن لم يفترقوا. فالجمع بين المقياسين هو تمام المسألة: فاصلٌ في الوجود لا تُحسّ مدّته، ومباشرةٌ في الوعي لا يعقبها إلّا البعث.

6.1.9.1عرضُ آل فرعون: نذارةٌ في الحياة لا عذابٌ في البرزخ

يُحتجّ على وقوع العذاب قبل الساعة بشاهدٍ واحدٍ يُتلى منفرداً عن سياقه فيبدو قاطعاً؛ يقول الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ . ووجه الاحتجاج أنّ لآل فرعون عرضاً على النار في طورٍ يتقدّم قيام الساعة، فلا يكون ذلك الطور — عند من ذهب إليه — إلّا ما بين هلاكهم وبعثهم. غير أنّ الآية ليست مبتدأ كلامٍ، وإنّما هي تمامُ ما قبلها وبيانٌ له، والفصلُ بينها وبين سابقتها هو الذي أنشأ الإشكال كلّه.

﴿غافر: 46

يقول الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ . والسياق في رجلٍ مؤمنٍ من آل فرعون كتم إيمانه ثمّ صدع بالنذير، فمكروا به فوقاه الله ما مكروا، وارتدّ مكرهم عليهم. والحيق في القرآن لا يجري إلّا على هذا المعنى؛ يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43]، ويقول سبحانه: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: 10]. فالحيق إحاطةُ المرء بما صنعت يداه، لا عقوبةٌ مستأنفةٌ تنزل عليه من خارج فعله. ولفظُه ماضٍ واقعٌ بهم في حياتهم، إذ الوقاية التي وُقِيَها المؤمن إنّما كانت من مكرهم وهم أحياء، وارتدادُ ذلك المكر عليهم في الطور ذاته.

﴿غافر: 45

فإذا تقرّر هذا، ظهر أنّ ﴿النَّارُ﴾ مرفوعةٌ بياناً لسوء العذاب الذي حاق بهم، لا استئنافَ خبرٍ عن طورٍ آخر. والعرض في اللغة إظهارُ الشيء وتقديمُه ليُنظَر فيه، لا إحراقٌ ولا إذاقة؛ ولو أُريدت المباشرة لجاء من ألفاظ الصَّلْيِ والذوق ما جاء في مواضعه من القرآن حيث أُريد. وإنّما كانت النار تُعرَض عليهم في حياتهم نذارةً تُريهم عاقبة مسلكهم؛ فالنذر تُقيم لهم الدلالة على أنّ ما هم سائرون فيه من الاستكبار والعلوّ منتهاه النار، فتُعرَض عليهم العاقبةُ من جهة سببها لا بوصفها حكماً مبرَماً. ولو كان المآل مفروغاً منه لبطلت النذارة من أصلها، إذ لا يُنذَر من لا سبيل إلى رجوعه.

ويشهد لهذا ما جاء في السورة نفسها قبل الآية بخمس آيات، على لسان الرجل الناذر؛ يقول الله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ . فالنار مذكورةٌ في سياق القصّة بوصفها ما يدعونه إليه بمسلكهم وهم أحياء، لا داراً أُدخلوها. فالعرض في الآية اللاحقة امتدادٌ لهذا المعنى المتّصل في السياق، لا انتقالٌ إلى طورٍ لم يُذكر ولم يُشَر إليه.

﴿غافر: 41

وفي التقييد بـ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ ما يُتمّ معنى الحيق؛ إذ لو أُطلق العرض لاحتمل واقعةً منقضية، ولا إحاطة في الواقعة الواحدة. فلمّا قُيّد بطرفي النهار أفاد أنّ النذارة كانت ملازمةً لأيّامهم، آخذةً عليهم مبتدأ يومهم ومنتهاه، ومن أُخذ عليه طرفا نهاره فقد أُحيط به. وقد تعدّدت عليهم جهاتُ النذير حتّى لم يخلُ لهم وقت؛ موسى وأخوه من خارجهم بالآيات التسع، ورجلٌ مؤمنٌ من آلهم أنفسِهم من داخل بيتهم. فأمّا تخصيص الغدوّ والعشيّ دون سواهما من أوقات النهار، وتوزيعُ ذلك على جهةٍ دون جهة، فمسألةٌ تبقى مفتوحةً للتأمّل لا يقوم فيها ترجيحٌ إلّا باستقراءٍ مستقلٍّ للتركيب في مواضعه؛ وليس ما تقرّر هنا موقوفاً عليه، إذ مدار الحلّ على ﴿حَاقَ﴾ وسياقِها لا على تحديد وجه الظرف.

ثمّ عُطف على ذلك ما يقع في طورٍ آخر بلفظٍ آخر: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. وفي النظم قرينةٌ ثانيةٌ تنضمّ إلى قرينة السياق؛ فاليوم لا يُعطف إلّا على ما هو من جنسه في التعداد، فإذا جاء ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ معطوفاً على ما تقدّم، تعيّن أن يكون المعطوف عليه يوماً سابقاً هو يوم حياتهم الذي كانت النذارة تُعرَض عليهم فيه غدوّاً وعشيّاً. فتنتظم الآية على طورين اثنين متعاقبين، وتجري على ما اطّرد في الخطاب (6.1.9) من تقديم البعث بوصفه اليوم الذي يعقب يوم الحياة بلا مُدرَكٍ بينهما. والفرق بين أن يُعرَض المرء على الشيء وأن يُدخَل فيه فرقُ ما بين الإنذار بالعاقبة ووقوعِها؛ ولو كان الأوّل إحراقاً واقعاً لما احتاج الثاني أن يُقيَّد بيوم تقوم الساعة تقييداً يُخرجه ممّا قبله. وشدّةُ العذاب في هذا الطور على قدر ما خُصّوا به من النذارة وانقطاع العذر؛ فقد أُقيمت عليهم الحجّة بما لم تُقَم بمثله على غيرهم، من رسولين ومن تسع آياتٍ بيّنات ومن ناذرٍ من أهل بيتهم، فلمّا استكبروا مع ذلك كلّه لم يبقَ لهم متعلَّقٌ من عذر، فناسب استكبارَهم الأشدَّ أن ينالوا العذاب الأشدّ.

وبهذا لا تكون الآية شبهةً تُدفَع، بل شاهداً يُحتجّ به؛ فقد قسمت أمر آل فرعون قسمين وسمّت طورَ كلٍّ منهما، فجعلت الأوّل في حياتهم نذارةً وإحاطة، والثاني يوم تقوم الساعة عذاباً وإدخالاً، ولم تذكر بينهما طوراً ثالثاً ولا أشارت إليه. ولو كان بين الطورين عذابٌ في المستودَع لكان هذا الموضعُ أولى المواضع بذكره، إذ سِيق الكلام في أعتى من ذُكر في القرآن وأحقّهم بالتعجيل؛ فاستيفاءُ الطورين مع السكوت عمّا بينهما قرينةٌ على انتفائه لا على إجماله.

6.1.9.2حالُ التوفّي: لحظةٌ منقضيةٌ لا طورٌ ممتدّ

يُحتجّ على العذاب قبل الساعة بشاهدٍ ثانٍ يبدو أصرحَ من الأوّل؛ يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد: 27]. وأوّل ما يُنظَر فيه ظرفُ الحدث؛ فقد جاء في الموضعين مقيَّداً بـ﴿إِذْ يَتَوَفَّى﴾ و﴿إِذَا تَوَفَّتْهُمُ﴾، وكلاهما ظرفٌ للحظة المفارقة بعينها لا لما بعدها. فالضرب مقارنٌ للتوفّي مقارنةَ الحال لصاحبها، واقعٌ في آخر المستقرّ لا في المستودَع؛ ولو أُريد امتدادُه فيما بعد المفارقة لانفكّ عن ظرفه الذي قُيّد به، ولم يبقَ في اللفظ ما يدلّ على ذلك الامتداد.

﴿الأنفال: 50

ويقف القارئ عند نسبة التوفّي إلى الملائكة ههنا، وقد تقرّر في موت التوفّي (6.1.4) أنّ المتوفّي هو الله. والتعارض مرفوعٌ باختلاف المنسوب إليه؛ فالنسبة إلى الله نسبةُ ماهيّةٍ ومصدر، إذ التوفّي في حقيقته إخراجٌ من الحيّز الزمكانيّ، وما تجاوز النسيج لا يُنسب في أصله إلّا إلى الله. والنسبة إلى الملائكة نسبةُ إنفاذٍ داخل النسيج، أي إلى النظم المنفّذة لهذا الإخراج، على ما تقرّر في السائق الشهيد (6.1.7) من أنّ ملك الموت الموكَّل سنّةٌ منفّذةٌ لا كائنٌ يتولّى القبض. ويشهد لهذا اختلافُ المقامين في الآيتين؛ فقوله ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ جاء عامّاً في كلّ نفسٍ مقروناً بالنوم، فهو مقام تقرير السنّة الكلّية، وقوله ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ جاء مقيَّداً بظرف اللحظة، فهو مقام وصف الواقعة. فالمصدر في مقام التقرير، والمنفِّذ في مقام الوصف، ولا يقوم على النظم تعارض.

﴿الزمر: 42

ولا يُفهم من ذلك أنّ الملائكة تُخصّ بأهل الكفر دون سواهم، فقد جاءت النسبة إليهم في الفريق الآخر؛ يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ . فالمتوفِّي واحدٌ في الحالين، والنظم المنفّذة واحدةٌ لا تتبدّل بتبدّل المتوفَّى؛ وإنّما وقع الاختلاف في الحال الملازمة للمفارقة، طِيباً ههنا وضرباً هنالك. فالتفريق في المتوفَّى لا في الفاعل، وهذا أدقّ ما في الموضع.

﴿النحل: 32

ووجهُ هذا الاختلاف يجري على ما اطّرد في الوجود كلّه؛ فمن سار على سنن الوجود موافقاً لها استقامت له حياته ولم يجد فيها معاندةً ولا ضنكاً، ومن صادمها جهلاً أو استكباراً لقي التعثّر والضيق. يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ ؛ فالضنك أثرٌ لازمٌ للإعراض، لا عقوبةٌ تُنزَل به من خارج فعله. والموت سنّةٌ من سنن الوجود كسائرها، فيجري عليه ما يجري عليها؛ يسيراً على من وافق، عسيراً على من عاند إلى آخر لحظةٍ فخرج مصادماً لسنّةٍ نافذةٍ لا تُدفع. فالضرب صورةُ هذا الاصطدام لا سوطاً يُنزله منزِل، والطِّيب صورةُ تلك الموافقة لا مكافأةً تُساق. وليس في ذلك عزلٌ للفعل الإلهيّ عن الوجود، فالنظم منبثقةٌ عن أمره جاريةٌ بتقديره؛ وإنّما المنفيّ إنشاءُ التعذيب إنشاءً مستأنفاً، لا فاعليّتُه سبحانه في السنن التي وضعها. وهو موافقٌ لما نفاه الله من التسوية بين الفريقين في المحيا والممات معاً في قوله ﴿سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21]، فحالُ المفارقة امتدادٌ لحال الحياة لا انقلابٌ عنها.

﴿طه: 124

ويبقى قوله ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، وفيه قرينتان تصرفانه عن الوقوع في تلك اللحظة. أولاهما أنّه جاء بصيغة الأمر لا بصيغة الخبر؛ فلم يقل «فذاقوا» ولا «وهم يذوقون»، والأمر إنشاءٌ لا يخبر عن واقعٍ حاصل. وثانيتهما أنّ الحريق إحراقٌ بالنار، والنار لم تُدرَج بعدُ في الوجود المتحقّق على ما تقرّر في أنباء عالم الأمر (6.1.8)، ولا يستقيم ذوقُ ما لم يوجد. فيترجّح أنّه إعلامٌ بالمآل يُواجَه به المصادِم في آخر لحظةٍ يُدرك فيها، لا إيقاعٌ للعذاب ساعتئذٍ؛ وهو نظير ما تقرّر في عرض النار على آل فرعون نذارةً في حياتهم (6.1.9.1)، إذ العرض والإعلام كلاهما إراءةُ العاقبة لا إنزالُها.

فيستقرّ من الشاهدين أنّ ما ذُكر فيهما حالٌ مقارنةٌ للمفارقة تنقضي بانقضائها، لا طورٌ ممتدٌّ يستأنف بعدها. فإذا تمّت المفارقة خرجت النفس من الحيّز الزمكانيّ إلى مستودَعها، وانقطع عنها الإدراك والزمن جميعاً على ما تقرّر (6.1.5 و6.1.6)، فلا يبقى موضعٌ لعذابٍ يُحسّ ولا لمدّةٍ يُملأ بها.

6.1.9.3الضابط الجامع

ينتهي هذا الفصل إلى تقريرٍ واحدٍ تنتظم تحته شواهده كلّها: أنّ ما بين مفارقة النفس لزوجها وبعثِها طورُ إيداعٍ وحفظٍ لا طورُ جزاء. وليس هذا نفياً يُستأنف، بل لازمٌ يقتضيه ما تقدّم؛ فالجسم عاد إلى خواصّ الأرض متحلّلاً فيها، والنفس خرجت من الحيّز الزمكانيّ فانقطع عنها الزمن والإدراك، ونار الآخرة لم تُدرَج بعدُ في الوجود المتحقّق، والحساب لم يُنصَب له ميزان. فالقول بجزاءٍ في هذا الطور يقتضي مجزيّاً لا يحسّ، ومدّةً لا تُقاس، وناراً لم تكن، وجزاءً قبل حساب.

وما وُرد على هذا التقرير من شاهدين لم يخرج بالنظر فيهما عن أن يكون كلٌّ منهما في طورٍ غير الطور المدَّعى؛ فعرضُ آل فرعون نذارةٌ أحاطت بهم في حياتهم حتّى حاق بهم ما مكروا، وضربُ الوجوه والأدبار حالٌ مقارنةٌ للمفارقة تنقضي بانقضائها. فلم يبقَ في الشاهدين ما يُثبت الطور الثالث، بل صارا شاهدين على استيفاء الطورين المعلومين دونه.

ويجب ههنا ضبطُ حدٍّ لا يُتجاوَز، وإلّا عاد المنفيُّ من بابٍ آخر بعد أن أُخرج من بابه الأوّل. فقد تقرّر أنّ مآلات الساعة قائمةٌ في عالم الأمر قبل تحقّقها في الوجود، وقد يُتوهَّم من ذلك أنّ النفوس تلقى في عالم الأمر جزاءها ريثما يتحقّق الوجود الجديد، فيكون برزخٌ أمريٌّ بدل البرزخ المادّيّ والمسألة واحدة. والحدُّ الفاصل أنّ عالم الأمر عالمُ قضاءٍ وتقريرٍ لا عالمُ إيقاعٍ وتعذيب؛ فما فيه معانٍ مقرَّرةٌ واجبةُ التحقّق، لا أحداثٌ جاريةٌ على أصحابها. ويجري هذا على معادلة القضاء والقدر التي تأسّست في موضعها؛ يقول الله تعالى: ﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ . فالقضاء في عالم الأمر، والكون في عالم الشيء، وبينهما ﴿كُن﴾؛ فلا يقع المقضيُّ على أحدٍ قبل أن يُقال له كن، ولا جزاء إلّا في الوجود المتحقّق.

﴿البقرة: 117

ويتّصل بهذا التقرير ما يُعرَف به المجرمون يوم يُبعَثون، فإنّ سيماهم أثرُ حالٍ اكتسبوها لا وسمٌ أُنزل بهم في مستودَعهم، وموضعُ تحريره في مراتب الناس يوم الحساب (6.2.5).

ويثمر هذا كلُّه ثمرةً تتجاوز تصحيح تصوّرٍ في المصير إلى تصحيح موقفٍ من الحياة. فمن اعتقد أنّ الجزاء يبتدئ ساعةَ يُوارى الجسم، عاش الموت حدّاً فاصلاً يبتدئ عنده حسابه، فانصرف همّه إلى ما يقيه ساعتئذٍ. ومن تبيّن أنّ المفارقة خروجٌ من الزمن إلى حفظٍ لا يُحسّ، علم أنّ ما بينه وبين وقوفه بين يدي ربّه ليس إلّا انقضاء مستقرّه؛ فليس له بعد حينه المسمّى مهلةٌ يستدرك فيها ولا طورٌ يُهيَّأ فيه لما بعده. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ ؛ فالكدح متّصلٌ إلى الملاقاة اتّصالاً لا فُرجة فيه، والعملُ كلُّه في المستقرّ وحده.

﴿الانشقاق: 6

6.1.10نفخ الصور: انهيار الكون وولادة الجديد

يقول الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ . والصُّور في الآية جمعُ جمعِ الجمع؛ فالصورة هي الوحدة الواحدة من الوجود المادّيّ، وجمعها صُوَرٌ، أي منظوماتٌ من الصور كالمجرّات والأنظمة الكونية، وجمع الجمع صُوُرٌ يعبّر عن الكون بكامل اتّساعه وتعدّد منظوماته التي لا تُحصى. فالنفخ في الصُّور تسارعٌ مقصودٌ يطال الكون بكامل اتّساعه، في كلّ منظوماته ومجرّاته وأنظمته، فينهار به كلّ نظامٍ كونيّ من جاذبيةٍ وزمنٍ ومادّةٍ وطاقة، يتفكّك ويزول.

﴿الزمر: 68

يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ . فتُبدَّل الأرض غير الأرض والسماوات، أي يتكوّن كونٌ جديدٌ على أنقاض الكون المنهار، بفيزياء مختلفةٍ كلّياً تتناسب مع الحياة الأبدية الخالدة، بمعاييرَ بعلم الله لا نُحيط بها. وفي هذا الكون الجديد، وعلى أنقاض القديم بإعادة بنائه بتدبيرٍ جديد، تتكوّن جنّة الآخرة ونارها؛ وهما غير جنّات الأرض المشهودة في الدنيا، كجنّة صاحب الجنتين في الكهف وجنّة آدم، فتلك بساتينُ قائمةٌ بفيزياء الدنيا. أمّا جنّة الآخرة فموصوفةٌ بما يستحيل على قوانين هذا الكون، من دوام الثمر ودنوّه وانتفاء الشمس والزمهرير، فلا تتحقّق إلا بفيزياء الكون الجديد. فإعدادها إذن في علم الله وعالم الأمر، واجبٌ تحقّقُه متى قال له كن، لا في الوجود المتحقّق الحاليّ، على ما تأسّس في أنباء عالم الأمر (6.1.8)؛ وهي المسرح الذي تجري فيه حياة البعث والحساب والجزاء.

﴿إبراهيم: 48

6.1.11حياة البعث: الرجوع إلى الرب بجسمٍ جديد

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ . والرجوع إلى الرب عودةٌ إلى الوجود الربوبيّ في الكون الجديد للحساب والجزاء؛ فالنفس تُوفّيت إلى الله خروجاً من الزمكان، وترجع إلى الرب دخولاً في الزمكان الجديد، وهذا التمييز منسجمٌ مع ما تأسّس؛ فالتوفّي خروجٌ من الزمن والمكان يُنسب إلى الله لإطلاقه، والبعث عودةُ جريان الزمن والمكان على النفس فيُنسب إلى الرب الذي يدبّر داخل الوجود.

﴿الفجر: 27-28

وهنا يطرح العقل سؤاله الحتميّ؛ كيف تعود النفس إلى الوجود وقد تحلّل جسمها في أرض الكون القديم؟ يقول الله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ . فالنفس لا تعود إلى جسمها الفاني الذي تحلّل إلى خواصّ الأرض القديمة، بل تلبس خلقاً جديداً؛ جسماً مصمَّماً بما يتماهى مع فيزياء الكون الجديد وقوانينه الخالدة، لا بفيزياء الدنيا التي بليَ فيها الجسم الأوّل وزال. فالخلق الأوّل كان بخواصّ الأرض الدنيوية فناءً وتحلّلاً، والخلق الجديد بخواصّ الأرض الأبدية ثباتاً وخلوداً.

﴿ق: 15

ويُصرّح بهذا المعنى ما حكاه الله عن منكري البعث في قولهم ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ، فقد فهموا أن الدعوى خلقٌ جديدٌ يعقب التمزّق التامّ والتحلّل المطلق، فأنكروها لاستبعادهم أن يكون خلقٌ بعد فناءٍ كامل. وموضع إنكارهم هو عين ما يتقرّر هنا؛ إذ الآية تجمع طرفي الأمر في نسقٍ واحد، تمزّق الجسم الأوّل تحلّلاً لا يُبقي منه شيئاً، وإنشاء خلقٍ جديدٍ يلبسه صاحبه، فليست العودة إحياءً للجسم المتمزّق، بل خلقٌ جديدٌ يستقلّ عنه. وفي الآية قرينةٌ قاطعةٌ على أن هذا الخلق الجديد أخرويٌّ لا دنيويّ؛ إذ عُلّق على التمزّق التامّ الذي لا يكون إلا بعد الموت والتحلّل، فجاء ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مترتّباً على ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ترتّب المسبَّب على سببه، فلا يصحّ حمله على تجدّدٍ في النشأة الأولى. فآية ق تشير إلى الخلق الجديد، وآية سبأ تُثبت أنه يعقب التمزّق التامّ وأنه في النشأة الآخرة، فيتعاضد الشاهدان على أن البعث خلقٌ مستأنَفٌ لا ترميمٌ للأوّل.

﴿سبأ: 7

يقول الله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ . وتزويج النفس بالحور العين هو التحامها بزوجها الجديد في الكون الجديد، كما كانت في الدنيا ملتحمةً بزوجها الجسم الأرضيّ؛ فالحور العين ليس نساء الجنة كما شاع في الأدبيات الموروثة، بل وصفٌ للجسم الجديد الذي تلبسه النفس في الكون الخالد. ويكشف استقراء الجذرين في القرآن هذا المعنى؛ فالحور من حار يحور أي رجع، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الانشقاق: 14] أي ظنّ أن لن يرجع، فالجسم الموصوف بالحور هو الذي يرجع دائماً إلى أصل خلقته، لا يهرم ولا يتغيّر عن أصله، كلّما مضى عليه الزمن في الكون الخالد عاد إلى خلقته الأولى. والعين يدور استقراؤها على محورٍ واحد، هو الأصل الحاوي المُمِدّ الذي لا ينضب؛ ففي ﴿رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] الماء الجاري السائغ من أصلٍ ثابتٍ لا ينضب، وفي ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: 95] الإمداد من الداخل لا ينقطع، وفي ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات: 48] ما له وعاءٌ حاوٍ يحفظ ما فيه ويُمدّه لا يُستنزف. فالحور العين هو الجسم الجديد الثابت في أصله الجوهريّ، لا يُستهلَك ولا يفنى، محفوظٌ في وعائه الأصليّ، يرجع دائماً إلى خلقته الأولى كلّما أراد الزمن أن يستنزفه.

﴿الدخان: 54

وهذا الجسم الجديد لا علاقة له بالذكورة والأنوثة بالمعنى التكاثريّ، لأن الآخرة دار حسابٍ وجزاءٍ لا دار تكاثرٍ وابتلاء، فتنتفي الغريزة التكاثرية وينتفي معها مفهوم الجنسين بمعناهما البيولوجيّ. ويؤكّد هذا الفهمَ أن الأزواج في سياقات الآخرة كلّها، في الجنة أو النار، تعني الجسم الجديد المقترن بالنفس لا الشريك الجنسيّ؛ يقول الله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: 22]. فلو كانت الأزواج نساء الجنة لما كان لأهل النار أزواجٌ يُحشرون معهم، ممّا يُثبت أن الأزواج في سياقات الآخرة تعني الجسم الجديد المقترن بالنفس وجودياً لا جنسياً.

﴿يس: 56

6.1.12الجزاء المادّيّ: الجنة والنار حقيقةٌ لا مجاز

الجنة والنار ليستا حالةً معنويةً ولا نفسية، بل وجودٌ مادّيّ في الكون الجديد؛ فالنفس تلبس جسمها الجديد وتدخل الجنة أو النار به مادّياً، تذوق النعيم أو العذاب ذوقاً حقيقياً لا مجازياً. يقول الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ . فالتبديل المستمرّ للجلود ليس استثناءً عارضاً بل قانونٌ من قوانين الكون الجديد؛ الجسم الجديد يتجدّد باستمرارٍ بما يتناسب مع طبيعة كلّ مصير، وهذا التجدّد هو خاصّية الحور العين ذاتها التي تأسّست في حياة البعث (6.1.11)، فالجسم يرجع دائماً إلى أصله، في الجنة يرجع إلى نضارته وشبابه، وفي النار يرجع إلى استعداده لتجديد الذوق.

﴿النساء: 56

وثمار الجنة تشترك في هذه الخاصّية؛ يقول الله تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: 56]. فقاصرات الطرف أغصانٌ قصيرةٌ دانيةٌ إلى من أراد قطافها، لا عناء في تناولها؛ والطرف هنا طرف الغصن لا طرف العين، فهي قاصرةٌ أي قريبةٌ في متناول اليد. و﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ أي لم تُفقَد أصلها الجوهريّ، فهي ثمارٌ لم تُمسّ في أصلها، كلّما قُطفت عادت إلى حالها الأولى، لأن فيزياء الكون الجديد لا تستهلك ما فيه ولا تُفقده أصله. يقول الله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: 25]؛ فكلّما قُطفت الثمرة عادت كما كانت في أصلها، لأنها لم تُمسّ ولم تفقد جوهرها أبداً.

﴿الصافات: 48

6.1.13المعادلة الكاملة لمسار النفس

مسار النفس الإنسانية من البداية إلى المنتهى معادلةٌ واحدةٌ متّصلةٌ لا انقطاع فيها. أوّلها موتٌ سابقٌ على الوجود الدنيويّ، حالةٌ لا تفاعلية خارج الزمكان، إذ النفس كلمةٌ قبل أن تُلقى في الوجود. ثم حياةٌ دنيويةٌ حين تلتحم النفس بزوجها الجسم في المستقرّ، وهي فترة التكليف والعمل، يجري فيها كلّ شيءٍ ضمن الآلية السننية التكوينية للوجود. ثم موتُ توفٍّ، خروجٌ من الزمن والمكان يُنسب إلى الله لإطلاقه، فيبقى الجسم في الأرض يتحلّل. ثم إيداعٌ في علم الله، حالةٌ لا تفاعلية وزمنٌ صفرٌ في وعي النفس، لا جزاء فيه ولا عذاب، إذ الجزاء فرعُ الحساب والحساب بعد الإياب، ريثما يأتي البعث. ثم مساقٌ تنقاد فيه النفس لأنها لا تعي وجهتها، يجري بسننٍ منفّذةٍ لا بكائنٍ مشخَّصٍ بالضرورة. ثم نفخٌ في الصُّور يطال الكون بكامل اتّساعه فينهار، ثم نفخٌ ثانٍ تُبدَّل به الأرض غير الأرض والسماوات، فيولد كونٌ جديدٌ بفيزياء الخلود تتكوّن فيه جنّة الآخرة ونارها. ثم حياةُ بعثٍ ورجوعٍ إلى الرب، تلبس فيها النفس جسماً جديداً يرجع دائماً إلى أصله ولا يُستنزف، في الكون الجديد الخالد. ثم البروز لله، والحساب، وتوفية كلّ نفسٍ ما كسبت، لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً. ثم المصير الأبديّ في الكون الخالد، جنةً أو ناراً، جزاءً مادّياً بجسمٍ جديدٍ لا جزاءً نفسياً مجرّداً.

وهذا المسار في انتقالاته كلّها محكومٌ بالتمييز الذي قام عليه الكتاب؛ فما كان خروجاً من النسيج نُسب إلى الله لإطلاقه عن الزمان والمكان، وما كان تدبيراً داخل النسيج نُسب إلى الرب الذي يجري فعله في الوجود. وبهذا يتّسق أوّل المعادلة بآخرها، ويظهر العدل في ميزانها؛ إذ يخرج المكلَّفون جميعاً من الزمكان إلى زمنٍ صفر، فيقفون عند تبدّل الكون في صفٍّ واحدٍ لا يتقدّم فيه من تقدّم موتُه ولا يتأخّر من تأخّر، ثم يُبعثون معاً فيُحاسبون على قدمٍ واحدة.

6.1.14خاتمة الفصل

ينكشف من هذا المسار أن القرآن يقدّم معادلةً وجوديةً واحدةً متّصلةً لمصير النفس، لا تبدأ بالميلاد ولا تنتهي بالموت، بل تمتدّ من موتٍ سابقٍ على الوجود الدنيويّ إلى خلودٍ في كونٍ جديد. وكلّ مرحلةٍ فيها تجري على المنهج الذي قام عليه الكتاب؛ من التمييز بين الله والرب، إلى مفهوم الزمكان، إلى قاعدة الاتجاهات البنيوية التي نسبت الخروج من النسيج إلى الله والتدبير داخله إلى الرب.

وقد تبيّن في هذا الفصل تمييزٌ طالما التبس على القارئ؛ فأحداث الساعة ومآلاتها من جنةٍ ونارٍ وحسابٍ ليست أخبار غيبٍ بالمعنى الدقيق، بل أنباءٌ من عالم الأمر في علم الله، واجبةُ التحقّق متى قال لها كن. وليس طريق معرفة توقيتها الوحيَ ولا الرواية، بل العلمَ الكونيّ الذي يتتبّع مؤشّرات الوجود بمناهج الرصد والاستقراء؛ أمّا آلياتها ومآلاتها فمحجوبةٌ مطلقاً لأنها لم تُدرَج بعدُ في النسيج.

ومن استوعب هذه المعادلة عاش على مستويين متكاملين. على المستوى الفرديّ لا يعيش مستقرّه بعين الغافل، بل وهو يعلم أن كلّ ما يبذره في الوجود سيلقاه يوم تُوفّى كلّ نفسٍ ما كسبت. وعلى المستوى الكونيّ يعلم أن الوجود المادّيّ بكامل اتّساعه وصُوَره سائرٌ إلى لحظة انهيارٍ حتميةٍ يُبدَّل بعدها بكونٍ جديد، وأن كلّ ما يبنيه الإنسان ليس نهايةً بل مرحلةٌ في معادلةٍ أكبر منه. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ ؛ فالكدح مسارٌ واحدٌ متّصلٌ من المستقرّ إلى الملاقاة، فردياً في كلّ نفسٍ تُوفّى إلى الله وترجع إلى ربها، وكونياً في كلّ وجودٍ يسير إلى تبدّله، والعاقل من أعدّ لهذا اللقاء قبل أن ينقضي مستقرّه.

﴿الانشقاق: 6

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «المسار الكامل للنفس: من المستقرّ إلى الخلود»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث