- أصل الوجود
- ميزان الفعل الإنسانيّ
- العدل والقسط والميزان
العدل والقسط والميزان
4.9.1تمهيد: تحرير المفاهيم من القوالب الضيّقة
تُقرأ مفاهيم العدل والقسط والميزان في الوعي الشائع بوصفها قيماً أخلاقية يُمدَح فاعلها ويُذمّ تاركها، فتُحبَس في قوالب وعظية تفصلها عن سياقها الوجوديّ والسننيّ، فيُفصل العدل عن السنن، والميزان عن بنية الكون، فتتحوّل من قوانين حاكمة للوجود إلى شعاراتٍ تُعلَّق نتائجها على النية المجرّدة. والقرآن يتحدّث عن شيءٍ أعمق: عن اتزانٍ أو اختلالٍ في بنية الوجود نفسه. فالعدل فيه ليس صفةً كمالية بل شرط قيام، وليس قيمةً تجميلية بل قانون ضبطٍ لا يحابي أحداً، تجري آثاره سواء وعاه الإنسان أم غفل عنه، إذ هي من سنن الأخذ والردّ التي تأسّست في فصل نتائج الفعل.
ومن هنا لا يُدخَل في فهم هذه الآيات دون تحرير المفاهيم الثلاثة وفكّ الترادف المفترَض بينها، إذ القرآن لا يستعمل لفظاً مكان لفظ، ولا يجمع بين ثلاثةٍ في سياقٍ واحد إلا لمعنًى يخصّ كلّ واحدٍ منها. فالذي يتبيّن بتدبّر مواضعها أنّها ثلاث طبقاتٍ متساندة في ضبط الوجود: فالعدل ضبط الأمر بين طرفين بردّ الاستواء بينهما، والقسط ضبط الأمر بكرم طرفٍ لآخر بإقامة الحقّ مع فضل، والميزان ضبط الوجود بسننه، وهو السنّة الجامعة التي منها ينبثق العدل والقسط معاً.
4.9.2العدل: ضبط الأمر بين طرفين
العدل في أصل اللغة إزالةُ الميل ووضعُ الشيء في موضعه المستوي، فهو تقويمٌ لا تسوية، وردُّ استواءٍ بين طرفين متقابلين لا تماثلٌ بينهما. فليس العدل أن يُعطى الجميع الشيء نفسه، بل أن يُعطى كلّ ذي حقٍّ حقّه بحسب حاله وقدرته ومسؤوليته وحاجته، فمساواة المختلفين ظلمٌ كما أنّ التفريق بين المتساوين ظلم، والعدل هو التمييز المنضبط لا التوزيع الشكليّ.
وحين يأمر القرآن بالعدل ينسب الأمر إلى الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، ونسبة الأمر إلى اسم الله دالّةٌ، فالعدل قيمةٌ تشريعية مطلقة لا تتغيّر بزمانٍ ولا مكان، فإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه قاعدةٌ ثابتة في الرسالات كلّها، والمطلق الثابت يُنسب إلى الله بوصفه مقام التشريع المتعالي على الزمان، على ما تأسّس في قاعدة صفة الآية صفة مصدرها من أنّ المضمون التشريعيّ القيميّ إلهيّ. وكلّ أمرٍ يُنسب إلى الله تشريعٌ وجوديّ ملزم، قانونٌ لا يتخلّف ولا يتوقّف عن العمل سواء آمن به الإنسان أم أنكره. ولهذا اقترن العدل بالقول ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾، فالعدل في القول إقامةٌ للحقّ على وجهه دون مجاملة قريبٍ ولا نصرة هوى، لأنّ تحريف الحقيقة ميلٌ يكسر استواء الطرفين.
وهذا العدل ترجمةٌ إنسانية للميزان الكونيّ، كما يكشفه قرنُه بالسماء ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾، فالسماء مرفوعةٌ بنظامٍ لا يختلّ، والميزان موضوعٌ ليُقام حيث يمكن أن يختلّ، أي في الأرض حيث الإنسان ذو الإرادة والمشيئة. فالعدل محاولة إقامة الاتزان في عالمٍ يمكن أن يطغى فيه الإنسان فيكسر التوازن، وهو إنصافٌ وجوديّ يراعي الحال والقدرة والحاجة لا مساواةٌ حسابية. فأن تعطي الطفل من الطعام ما يكفيه وتعطي الكبير ما يناسب حاجته عدلٌ، وأن تساوي بينهما في المقدار ظلمٌ لأحدهما، فالمساواة لا تكون عدلًا إلا بين المتساوين أصلًا في مناط المساواة، كتكافؤ الفرص حين تتساوى الشروط.
ويتّسع العدل من مقام التشريع إلى سنّة الوجود في قوله ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، وكلمات الله هنا ليست الألفاظ ولا النصوص، بل الحقائق الوجودية وسننها، على ما تأسّس في فصل الكلمات. ونسبتها إلى «ربك» لا إلى «الله» دالّةٌ على هذا، إذ الكلمات بهذا المعنى مضمونٌ كونيٌّ تكوينيّ، والمضمون الكونيّ يُنسب إلى الرب مدبّر الوجود. فالوجود يصدق بعضه بعضًا ولا يتناقض، وتظهر فيه العدالة السننية، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها، لا محاباةً ولا مزاجًا، بل لأنّ الوجود يعمل بهذا الميزان، فمن تعامل مع السنن بوعيٍ وكشفٍ وتفكّرٍ وتناغمٍ اطمأنّ وكسب، ومن عارضها أو جهلها أو استبدلها بالخرافة خسر واضمحلّ.
ومن هنا يُفهم قوله ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا... وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، فـ«يعدلون» هنا لا تعني أنّهم عادلون، بل أنّهم يعدلون عن الحقّ، أو يجعلون لربّهم عِدلًا، أي مرجعيةً بديلة، على ما تأسّس في فصل الجبت والطاغوت من أنّ نصب المرجعية البديلة عينُ الإشراك. وهم الذين استبدلوا المعرفة بالجهل والسنن بالخرافة والعمل بالتمائم والتفكّر بالشعوذة، فصاروا يتداوون بالجهل بدل العلم، ويتقرّبون إلى الله بالزيف بدل فهم الواقع الذي خلقه، فلا يعرفون ربّهم معرفة حقّ، إذ معرفة الرب بمعرفة سننه لا بترديد ألفاظٍ عنه دون فهم. ويقابلهم من يهدون بالحقّ ويزنون به ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، أي يتعاملون مع الواقع وفق الحقّ لا الهوى، وبه يزنون الأمور فينضبطون ويستقيمون.
وأمّا قوله ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ فالعدل فيه تكوينيٌّ لا تشريعيّ، إذ هو تعديل الإنسان في بنيته ونقله من حالٍ إلى حال حتى صار كائنًا قائمًا حرّ اليدين قادرًا على الفعل والاختيار، ولهذا نُسب إلى «ربّك الكريم» في سياق التكوين، فهو من تدبير الرب لخلقه لا من الأمر التشريعيّ. غير أنّ هذه القدرة التكوينية على الاستواء هي نفسها التي جعلت الإنسان مكلَّفًا بإقامة العدل التشريعيّ، لا مجرّد متلقٍّ للأوامر، فمن عُدّل في خلقه قادرٌ على أن يَعدِل في فعله. وبذلك يتبيّن أنّ العدل قانون أخذٍ وردٍّ وميزان نتائجٍ وسنّةٌ لا ترتدّ، فمن أخذ أعطى، ومن اجتهد حصد، ومن كسر الميزان انكسر عليه.
4.9.3القسط: ضبط الأمر بكرم طرفٍ لآخر
القسط ليس لفظًا تابعًا للعدل ولا مرادفًا له، بل مفهومٌ مستقلٌّ له مجاله وزاوية نظره، ومن الخطأ أن يُقرأ القسط بعين العدل فيُظنّ أنّ إدراك أحدهما إدراكٌ للآخر، لأنّ القرآن حين يختار لفظًا بعينه يختار معه قانونًا دلاليًا. فالعدل في جوهره ردّ الشيء إلى موضعه وإقامة الحقّ على وجهه ومنع الاعوجاج، أمّا القسط فإقامة هذا الحقّ بطريقةٍ تمنع الطغيان وتغلق أبواب البغضاء وتفتح مساحات الفضل، فهو لا يقف عند المعاوضة بل يتجاوزها إلى عطاءٍ منضبط. ولهذا ارتبط القسط بالموازين والمعاملات والضعفاء والمصالحة والقضاء والحساب، لأنّها المواضع التي يُختبر فيها معنى الميزان عمليًا، ويتولّد فيها الخراب إذا صار الإنسان آلةً حسابيةً لا تعرف إلا الندّ بالندّ، أو متسلّطًا يميل بالميزان لصالحه. فالقسط اسمٌ للميزان حين يُقام ليحفظ الإنسان من الإنسان، والجماعة من الانقسام، والمستقبل من فساد الحاضر.
وأصل القسط يُفهم من أعلى موضعٍ وضعه القرآن فيه، وهو موضع الشهادة الكونية التي لا تُحمل على الوعظ بل على تعريف طبيعة الوجود ومصدره ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فلم يُقل إنّ الله يأمر بالقسط هنا، بل وُصف بأنّه قائمٌ به، أي أنّ قيام الوجود من جهة مصدره الأعلى قائمٌ على قسطٍ لا على عبث، وعلى ميزانٍ لا على فوضى، وعلى حكمةٍ لا على مزاج. وهذه العبارة المفتاحية تجعل القسط صفةً بنيوية في تدبير الوجود لا مجرّد توجيهٍ أخلاقيّ، فالقيام بالقسط وصفٌ لتدبير الله الفعليّ للوجود، إذ هو القادر الكريم الذي يضع السنن ويُجري النتائج ويضمن ألّا تضيع أعمال العاملين، ويجعل للوجود ميزانًا لا يظلم أحدًا. وهنا يظهر الفرق الذي لزم التنبيه إليه: حين يقول القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ فالأمر متّجهٌ إلى حقل التكليف حيث يوجد الإنسان وحيث يمكن أن ينحرف ويطغى ويكسر الاتزان، أمّا ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ فوصفٌ لطبيعة قيام الله على خلقه تدبيرًا: قيامٌ على ميزانٍ لا يظلم، وعلى فضلٍ واسعٍ لأنّ القسط في مقام التدبير لا ينفكّ عن الكرم، إذ هو القادر الذي يعطي فوق الاستحقاق ويجازي بأكثر ممّا يبلغه العمل، لا لأنّ الميزان مختلّ، بل لأنّ القسط هنا اتزانٌ واسعٌ بالرحمة لا اتزانٌ قاسٍ بلا باب.
ومن هذا الأصل ننتقل إلى موضعٍ يقرّبه إلى مجال التدبير داخل الزمن ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾، ونسبة الأمر إلى الرب هنا دالّةٌ كدلالة نسبة العدل إلى الله، فبينما العدل قيمةٌ تشريعية مطلقة لا تتغيّر، فالقسط تدبيرٌ يراعي حالًا متغيّرة من قدرةٍ وحاجةٍ وظرفٍ يجري في حركة الاجتماع والزمن، والتدبير المتغيّر داخل النسيج مجال الربوبية، على ما تأسّس في التمييز بين مقام الله الثابت المتعالي ومقام الرب المدبّر داخل الوجود. فالرب يأمر بالقسط لأنّه ما يحفظ العمران من الفساد، والعلاقات من الانهيار، ويمنع أن تتحوّل القوة إلى طغيان، أو التجارة إلى افتراس، أو الخلاف إلى حربٍ لا تنتهي. فالقسط ليس تفضّلًا شخصيًا متقطعًا، بل طريقٌ تدبيريٌّ يحمي الحياة ويضبطها، ولهذا جاء بصيغة الأمر الربوبيّ، لأنّه جزءٌ من التربية السننية للإنسان داخل المجتمع. فالقسط في مقام التدبير دائمًا، سواء أُسند إلى الرب آمرًا أو إلى الله قائمًا به، وكلاهما تدبيرٌ لا تشريعٌ مطلق.
ثم يتجلّى القسط في موضعٍ يبرز فيه العطاء التعويضيّ الذي لا يُختزل في المال، وهو موضع اليتامى، لأنّ اليتيم في منطق الوجود ليس مجرّد نقصٍ في النفقة، بل نقصٌ في السند والرعاية والتنشئة والأمان، ولهذا ارتبط القسط بهم كثيرًا ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾، وقوله ﴿وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾. فالقسط هنا ليس منعَ أكل أموالهم فحسب، بل إقامة حالةٍ اجتماعية تعوّضهم ما فُقد منهم، لأنّهم فقدوا شيئًا لا يعوّضه المال وحده، فالقيام لهم بالقسط دخولٌ في مسؤولية تعويضية من رعايةٍ وتربيةٍ وحمايةٍ وإدماج، تمنحهم ما يقاربهم بحال من لم يُبتلَوا بفقد السند. ومن هنا كان القسط مبادرةَ عطاءٍ من القادر تجاه من لم يعد قادرًا على حماية نفسه، فمن لا فضل له يستطيع ألّا يظلم، لكنّه لا يقدر أن يُقسط بالمعنى الكامل، إذ القسط متّصلٌ بالقدرة والكرم.
ثم ينتقل القرآن بالقسط إلى ساحةٍ ينهار فيها المجتمع سريعًا إن غاب الفضل المنضبط، وهي المعاملات والموازين والمكاييل، لأنّ السوق إذا بُني على الحدّة والافتراس وسوء الظنّ صار المجتمع كلّه غابة، وإذا بُني على القسط صار مولد ثقةٍ لا مولد نزاع ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقوله ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، وقوله ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، ومعها الجامعة في سورة الرحمن ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾. وهذه الآيات مجتمعةً يظهر منها أنّ القسط ليس منعَ الغشّ وحده، إذ منع الغشّ داخلٌ في العدل بوصفه منعًا للظلم الصريح، بل هو أن تُقام المعاملة على وجهٍ لا يولّد خصومة، فلا يتحوّل كلّ بيعٍ وشراءٍ إلى حربٍ صغيرة. ولهذا قيل ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾، لأنّ الخسران ليس نقص الوزن وحده، بل خسران الثقة والمودّة والاستقرار الذي يقوم به الاجتماع. ومن هنا خُتمت آية القسطاس بقوله ﴿ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، أي أنّ القسط في السوق ليس صدقةً ولا تمنّنًا، بل مشروعٌ اجتماعيّ يؤول إلى خيرٍ في المآلات ويصنع مستقبلًا أفضل إذا كان الحاضر قائمًا على القسط.
وتأتي آيةٌ تجعل التمييز أوضح حين تجمع بين القسط في المعاملة والعدل في القول ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ... وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾، فالمعاملات التي يكثر فيها الاحتكاك تحتاج إلى القسط لتبقى الثقة عنوان المجتمع، أمّا القول والشهادة والحكم فتحتاج إلى العدل لأنّه مقام حقيقةٍ لا مقام مجاملة، فالقول إن دخله الهوى سقط الميزان كلّه. فالقسط حيث يُخشى التوحّش الاجتماعيّ، والعدل حيث تُخشى خيانة الحقيقة.
ثم ينتقل القسط إلى باب الجزاء والحساب، وهو الباب الذي يكتمل فيه المعنى الذي بدأ بالقيام به ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾. فالجزاء بالقسط لا بمعنى أنّه بلا حقٍّ ولا حساب، بل بمعنى أنّه لا يظلم ولا يُختزل إلى معادلةٍ جامدة، إذ القسط في مقام التدبير يتّسع للفضل والتجاوز، فيُجزى العامل فوق مقدار عمله، ويُفتح باب الرحمة لمن رجع وأصلح وتاب، وهذا عين ما ينسجم مع القيام بالقسط: قيامٌ على حقٍّ محفوظٍ ورحمةٍ واسعة. وتتأكّد هذه الرؤية في تكرار التعبير «قُضي بينهم بالقسط وهم لا يُظلمون» ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وقوله ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ... وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ومعنى القسط هنا يظهر في أمرين متلازمين: أنّ الله لا يحاكم الناس قبل البيان والحجّة وإرسال الرسل، بل يُمهل ويؤجّل، وهذا من القسط إذ يمنع أن يُؤخذ أحدٌ بغير علمٍ ولا إنذار، وأنّ القضاء نفسه يقع بحيث لا يُزاد على أحدٍ ولا يُنقص، فلا يُظلم الصالح ولا يُحمَّل المسيء ما لم يستحقّه، مع بقاء باب العفو والصفح مفتوحًا، لأنّ القسط ليس انتقامًا بل ميزان حقٍّ واسعٌ بالرحمة. وهذا يلتئم مع كون الإمام المبين موضع انكشاف الأعمال ومآلاتها على ما تأسّس في فصله.
ثم يظهر القسط ضرورةً لحفظ الجماعة عند الفتن والحروب الداخلية ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا... فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، فالنصّ يجمع العدل والقسط لأنّ مقام الإصلاح بعد الاقتتال حسّاس، لا بدّ فيه من العدل لإظهار الحقّ ومنع تكرار البغي، ولا بدّ من القسط كي لا يتحوّل تثبيت الحقّ إلى ثأرٍ دائمٍ يزرع حربًا قادمة، فالقسط هنا الفضل الاجتماعيّ الذي يرمّم ما تهدّم ويغلق أبواب الدم ويمنع أن تتحوّل العدالة إلى تشفٍّ، إذ المقصود حفظ الجماعة ووحدتها وقدرتها على البناء. وأخيرًا يفتح القرآن باب القسط في العلاقة مع المختلف غير المحارب ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، فالقسط هنا ليس عدم الاعتداء وحده، بل مبادرة إنصافٍ وفضلٍ تخلق مناخ ودّ، لأنّ الودّ لا يُبنى على الامتناع عن الظلم فحسب، بل على خطوة حُسنٍ تسبق إلى الخير وتكسر التوجّس وتثبت الأمان، إذ من أراد سلامًا دائمًا لا يكفيه ألّا يظلم، بل يحتاج قسطًا يصنع الثقة.
فالقسط مفهومٌ جامعٌ يدور حول إقامة الميزان على وجهٍ يمنع الطغيان ويصنع الاستقرار ويتيح الفضل، يظهر في تدبير الوجود لأنّ الله قائمٌ به، وفي تدبير الحياة لأنّ الرب يأمر به، وفي المجتمع لأنّ الضعفاء لا يكفي فيهم منع الظلم بل يحتاجون عطاءً يرعى نقصهم، وفي السوق لأنّ المعاملات بلا قسطٍ تُخسر الثقة والمجتمع، وفي القضاء لأنّ الحكم الحقّ ميزانٌ لا ظلم فيه وبابُ رحمةٍ لا يُغلق، وفي الإصلاح لأنّ الفتن لا تُطفأ بالعدل وحده إن صار وقودًا لثاراتٍ جديدة، وفي التعايش لأنّ السلام لا يقوم على جفاف القانون بل على قسطٍ يثمر البرّ والودّ. فمن أقسط دخل في نسق الاتزان، ومن رفض القسط فتح أبواب الخسران قبل أن يفتح أبواب الخصومة.
4.9.4الميزان: ضبط الوجود بسننه
الميزان في القرآن ليس كلمةً للتجميل البلاغيّ ولا رمزًا أخلاقيًا يُذكر في المواعظ، ولا صورةً مؤجّلةً ليوم القيامة وحده، بل مفهومٌ تأسيسيّ يُقدَّم عمودًا من أعمدة البناء الكونيّ والإنسانيّ معًا. فهو مبدأ ضبطٍ يحكم الوجود، فيعطي كلّ حالٍ ما يوافقها، ويربط الأسباب بالنتائج، ويمنع الطغيان، ويقيم الحياة على اتزانٍ لا فوضى. فإعطاء الصغير حقّه والكبير حقّه ميزان، والأخذ على يد المعتدي وإكرام المصلح ميزان، والتعلّم يورث التفوّق والجهل يورث التأخّر ميزان، والاجتهاد يثمر الكسب والتقاعس يثمر الخسران ميزان. وليس الميزان المساواة في كلّ شيء، بل المساواة تُطبَّق على المتساوين في مناط المساواة وحده، أمّا حيث تختلف الأحوال فالميزان أن يُعطى كلٌّ ما يوافق حاله. ويُقدّمه القرآن في ثلاث طبقاتٍ متساندة: ميزانٌ في التنزيل، وميزانٌ في التكوين، وميزانٌ في الحساب.
فأمّا ميزان التنزيل فيظهر في قوله ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾. فالآية لا تعرّف الكتاب نصًّا منفصلًا عن العالم يُلقى من خارج حركة الوجود، بل تصفه بأنّه بالحقّ، والحقّ ليس صدقًا لفظيًا، بل الواقع الموضوعيّ كما خلقه الله من سننٍ وعللٍ ونتائجٍ وبنًى تقوم عليها الحياة. فتنزيل الكتاب بالحقّ يعني أنّ الوحي لا يصادم نظام العالم ولا يطلب تعطيل العقل، بل يأتي منسجمًا مع قوانين الوجود كاشفًا عنها مهديًا إلى طرائق التعامل معها. ثم يضمّ إلى الحقّ الميزان، فلا يكتفي الكتاب بأن يخبر الإنسان ماذا يؤمن، بل يضع له معيارًا يزن به الأمور ويميّز به ما يستقيم مع الوجود ممّا يصطدم به، وهو ما يلتحم بقراءة قرآن الواقع مع قرآن النصّ. ومن هنا تكون الإشارة إلى الساعة في ختام الآية ذات دلالة، فوجود ميزانٍ في التنزيل ليس زينةً معرفية، بل تمهيدٌ لميزانٍ أعظم تُكشف فيه النتائج وتظهر المآلات، لأنّ من عاش بلا ميزانٍ عاش بلا استعدادٍ للحساب.
وأمّا ميزان التكوين فيتجلّى في الآية الجامعة التي جعلت الميزان أصلًا من أصول بنية الكون لا فرعًا أخلاقيًا من فروع السلوك ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾. فرفع السماء لا يقتصر على علوٍّ مكانيّ، بل يدلّ على إقامة نظامٍ محكمٍ متماسكٍ لا يختلّ، فالسماء في النسق القرآنيّ ليست سقفًا، بل علامة النظام الأعلى الذي يسير وفق سننٍ ثابتةٍ لا تتخلّف. ثم يأتي مباشرةً «ووضع الميزان»، فهذا الاتزان ليس مصادفةً ولا اضطرابًا، بل مبدأٌ موضوعٌ في أصل الخلق. ثم يتحوّل الخطاب من التقرير الكونيّ إلى التكليف الإنسانيّ ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾، لأنّ الطغيان في الميزان ليس خللًا تجاريًا فقط، بل خللٌ وجوديّ، هو كسر الاتزان في أيّ مجالٍ من مجالات الحياة وانحرافٌ عن سنن النتائج. فالإنسان هو الكائن ذو الإرادة والاختيار، ولذلك يمكنه أن يطغى ويخسر الميزان ويعاند قانون الاتزان، أمّا السماء فلا تُطالب بإقامته لأنّها قائمةٌ عليه ضرورةً، لكنّها تُذكر نموذجًا مرجعيًا يُقال للإنسان من خلاله: كما لا يقوم الكون إلا على اتزانٍ، كذلك لا تقوم حياتك إلا على اتزان.
ومن هنا تتّضح عبارة ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾، فهي أوسع من «لا تنقصوا»، لأنّ الخسران لا يقع في مقدار الوزن وحده، بل في شبكة العلاقات التي تفسد إذا صار الميزان أداة افتراس، فتسقط الثقة ويكثر الاحتيال ويتحوّل الناس إلى خصومٍ، وتصير السوق ساحة نزاعٍ ويعمّ الجفاء، ثم يمتدّ هذا إلى السياسة والاجتماع والأخلاق. ولذلك كان القرآن شديد الربط بين الميزان والطغيان، لأنّ الطغيان استعمالُ القوة لإمالة الكفّة لصالح الذات، والميزان القانون الذي يمنع هذه الإمالة ويقيم الحياة على الاستقامة. والميزان في هذه الطبقة لا يقتصر على ميزان التجارة، بل يشمل كلّ ما يقع فيه طغيان: ميزان الحكم حين يستبدّ صاحب السلطة، وميزان القول حين يُحرَّف الحقّ ويُقدَّم الباطل، وميزان الأمانة حين تُؤكل الحقوق باسم الذكاء، وميزان الإنتاج حين يستهلك الإنسان ولا يبني، وميزان المسؤولية حين يطالب غيره ولا يحاسب نفسه، وميزان الطبيعة حين يخرّب البيئة ثم يطلب نتائج سليمة، فكلّه طغيانٌ في الميزان لأنّه إخلالٌ بالتوازن الموضوع في أصل الخلق.
وأمّا ميزان الحساب فيبيّن أنّ الميزان ليس قانونًا يعمل في الدنيا ثم يختفي في الآخرة، بل يُعلَن ويُكشف ويُحاسب عليه الإنسان، لأنّ الآخرة ليست اختراعًا لقوانين جديدة، بل إظهارٌ لما كان يعمل في الدنيا خفيًا أو متدرّجًا ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. ولم يقل الميزان بل «الموازين»، لأنّ أعمال الإنسان ليست نمطًا واحدًا، فلكلّ مجالٍ معيارٌ ولكلّ سلوكٍ وزنٌ ولكلّ نيةٍ أثرٌ ولكلّ فسادٍ حسابٌ ولكلّ إحسانٍ ثمر. ووصفها بأنّها القسط، أي ليست موازين قسوةٍ ولا مزاجٍ، بل تقوم على عدم الظلم مع مراعاة الدقائق التي قد يغفل عنها البشر من نيةٍ وسياقٍ وقدرةٍ ووسعٍ، ولهذا ختمت بقوله ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، إذ جوهر الميزان في الآخرة إغلاق باب الظلم إغلاقًا مطلقًا، فلا يُهدر حقٌّ ولا يُضاعف على أحدٍ ما لم يستحقّ، ولا تُلغى حسناتٌ ولا تُترك سيئاتٌ بلا أثر.
وبهذا تترابط الطبقات الثلاث برباطٍ واحد، فإذا نزل الكتاب بالحقّ والميزان فالإنسان مُعطًى معيارًا في الدنيا يهديه إلى اتزان الوجود، وإذا رُفعت السماء ووُضع الميزان فالاتزان بنية خلقٍ لا وعظ، وإذا وُضعت الموازين بالقسط يوم القيامة فالنتائج لا تضيع، وما يُزرع هنا يُحصد هناك، فمن عاش وفق الميزان عاش في انسجامٍ مع الوجود، ومن خسره عاش في خصومةٍ معه تظهر آثارها يوم تنكشف المآلات. فالميزان مبدأٌ سابقٌ على المجتمع، منطوقٌ في التنزيل، مثبَّتٌ في التكوين، معلَنٌ في الحساب، لا قانونًا يفرضه المجتمع ثم يغيّره. فمن أقامه في نفسه وبيته ومجتمعه وفكره واقتصاده وحكمه شارك في تناغم الوجود، ومن طغى فيه أو أخسره انفصل عن إيقاع العالم الذي خُلق فيه، فلن تكون نتائج فعله صدفةً ولا حظًّا، بل أثرًا طبيعيًا لانحرافه، ثم كشفًا نهائيًا يوم تُوضع الموازين القسط فلا تُظلم نفسٌ شيئًا.
4.9.5خاتمة: ثلاثية الاتزان
يتبيّن من هذا أنّ العدل والقسط والميزان ليست ألفاظًا متقاربة للتنويع البلاغيّ، بل ثلاث طبقاتٍ متساندة في بناء الاتزان. فالعدل ضبط الأمر بين طرفين بردّ الاستواء وإقامة الحقّ في موضعه داخل مجال التكليف، وهو قيمةٌ تشريعية مطلقة نُسب أمرها إلى الله، تمنع تحويل القوة إلى ظلمٍ والهوى إلى مرجعية. والقسط ضبط الأمر بكرم طرفٍ لآخر بإقامة الحقّ مع فضلٍ يمنع الطغيان ويفتح باب الفضل حيث يحتاج المجتمع إلى ترميمٍ وتوادٍّ وحفظٍ للوحدة، وهو تدبيرٌ يراعي الحال المتغيّرة نُسب أمره إلى الرب، ولهذا كان أوضح في اليتامى والموازين والإصلاح والقضاء، حيث العدل وحده إذا جُرّد من الرحمة قد يصير وقود صراع. والميزان ضبط الوجود بسننه، وهو الإطار الجامع الذي يفسّر العدل والقسط معًا، إذ يربط الأسباب بالنتائج، ويجعل الاتزان شرط قيامٍ في الدنيا ومعيار كشفٍ وحسابٍ في الآخرة. فالتديّن في هذا الباب ليس ترديد ألفاظ العدل والقسط والميزان، بل الدخول العمليّ في نسق الاتزان الذي وضعه الله في الوجود، فمن أقام ميزانه في فكره وقوله وعمله نجا واطمأنّ، ومن طغى فيه أو أخسره عاش خصومةً مع السنن قبل أن يعيشها مع الناس، ثم لا يكون له في النهاية إلا ظهور المآلات حين توضع الموازين القسط فلا تُظلم نفسٌ شيئًا.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «العدل والقسط والميزان»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث