- أصل الوجود
- ميزان الفعل الإنسانيّ
- قِراءة مَوضوعية لمَعنى «في سَبيل الله» من النَّصّ
قِراءة مَوضوعية لمَعنى «في سَبيل الله» من النَّصّ
4.10.1تَمهيد ـ لِمَ يَلزَم تَحريرُ المَعنى قَبل الحُكم
«سَبيل الله» في أَصل وَضعه اللُّغَوي طَريقُ الله، أَي ما يُبتَغى به وَجهُه ومَرضاتُه. غَير أَنَّ كَثيراً من القِراءات، عِند تَناوُل آيات الصَّون والقِتال، تُرَجِّح صورةَ القِتال على سائر صُوَر هذا السَّبيل، حتى يَنصَرِف الذِّهنُ ـ في مَقام الحَرب ـ إلى السَّيف وَحده، فيُقرَأ القِتالُ كأَنَّه أَصلُ السَّبيل لا صورةٌ من صُوَره. وهذا التَّرجيحُ، وإن لم يُنكِر صاحبُه سَعةَ اللَّفظ في غَير مَقام القِتال، يُفضي عَمَلياً إلى قَلبٍ في فَهم آيات الصَّون، إذ يُحَوِّل القِتالَ من فَردٍ من أَفراد السَّعي في السَّبيل إلى غايةٍ قائمةٍ بذاتها. ولأَنَّ المُلحَق اللاحِق في نِظام الصَّون (مُلحَق 5.5) يَتَناوَل الشِّقَّ القِتالي الدِّفاعي من هذا السَّبيل، ويَبني عَليه في موضعه، لَزِم أَن يُحَرَّر المَعنى الجامِع لـ«في سَبيل الله» أَوَّلاً في موضعه هذا، لا في الملحق، حتى يَتَبَيَّن أَنَّ القِتال صورةٌ من صُوَره لا أَصلُه، فيَبني الملحقُ على شِقٍّ مَعلوم الحَدّ من جِنسٍ مُحَرَّر. وتَحريرُ المَعنى يَكون من مَجموع مَواضعه في النَّصّ، لا من مَوضعٍ واحدٍ مَقطوع، فالاستقراءُ التامّ هو الذي يَكشف حُدودَ اللَّفظ، أَين يَبدأ وأَين يَنتَهي، ويَرُدّ كُلَّ صورةٍ إلى مَوضعها من الجِنس دون تَرجيحٍ لإحداها على سائرها إلَّا بقَرينة. وطَريقُ هذا التَّحرير مَسلَكان مُتَكامِلان، استقراءُ المَعنى المُوجَب بصُوَره، ثُمَّ استقراءُ نَقيضه «الصَّدّ عن سَبيل الله»، إذ يُضيءُ النَّقيضُ حَدَّ المَعنى كَما يُضيئه أَصلُه.
4.10.2المَعنى المُوجَب ـ سَبيل الله مَنهجُ الحَقّ لا القِتالُ وَحده
يَكشف استقراءُ المَواضع أَنَّ «سَبيل الله» هو مَنهجُ الحَقّ المُنَزَّل وطَريقُ إقامة قِيَمه في الوُجود، وأَنَّ تَحته صُوَراً من السَّعي والبَذل لا تَنحَصِر في القِتال. فمِنها الإنفاقُ على المُحتاجين، يَقول تعالى ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ﴾ ، فجَعَل الإنفاقَ على الفُقَراء سَعياً في سَبيله، لا عَلاقةَ له بقِتال. ومِنها البَذلُ في مُقابِل صَون الجَماعة، يَقول تعالى ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].
ومِنها الهِجرةُ فِراراً بالحَقّ من مَوطن الفِتنة، يَقول تعالى ﴿وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗ﴾ ، فالخُروجُ بالنَّفس صَوناً للحَقّ سَعيٌ في سَبيله. ومِنها الجِهادُ بالمال والنَّفس، يَقول تعالى ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [الأنفال: 72]، فالجِهادُ هنا جامعٌ للبَذل بالمال والنَّفس مَعاً، لا القِتالَ فَحَسب. ومِنها الجِهادُ غَيرَ مُقَيَّدٍ بصورةٍ بعَينها، فيَشمَل الدَّعوةَ والإصلاحَ والصَّبرَ على الأَذى، يَقول تعالى ﴿يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖ﴾ [المائدة: 54]، فأَطلَق الجِهادَ ولم يَقصُره على السِّلاح، فدَخَل فيه كُلُّ سَعيٍ لإقامة الحَقّ.
ثُمَّ يَأتي القِتالُ بوصفه صورةً واحدة من صُوَر هذا السَّبيل عِند الاقتِضاء، لا أَصلَه ولا غايَته، يَقول تعالى ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ . فانتَظَم من هذا أَنَّ سَبيل الله جِنسٌ واسع، القِتالُ فَردٌ من أَفراده يُلجَأ إليه حين يَتَعَيَّن صَونُ السَّبيل، لا هو السَّبيلُ نَفسه. ومَن حَصَره في القِتال فقَد بَتَر الجِنسَ إلى فَردٍ واحد، وأَسقَط سائرَ صُوَره التي صَرَّح بها النَّصّ.
4.10.3المَعنى بنَقيضه ـ الصَّدُّ عن سَبيل الله وصُوَره
يَتَّضِح حَدُّ المَعنى المُوجَب بنَقيضه، إذ يَكشف استقراءُ «الصَّدّ عن سَبيل الله» أَنَّه إحلالُ الظَّنّ والهَوى والمَوروث الأَعمى مَحَلَّ الحَقّ المُنَزَّل القائم على العِلم والهُدى. فمِن صُوَره الكُفرُ بآيات الله، يَقول تعالى ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا﴾ ، فجَعَل صَرفَ المؤمن عن الحَقّ وابتِغاءَ اعوِجاجه صَدّاً. ومِنها الفَسادُ في الأَرض، يَقول تعالى ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ﴾ [النحل: 88]، فقَرَن الصَّدَّ بالإفساد.
ومِنها الجِدالُ في الله بغَير عِلمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنير، يَقول تعالى ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ✫ ثَانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ ، فالجِدالُ المُتَعَصِّب بلا سَنَدٍ من عِلمٍ أَو هُدًى أَو نَصٍّ مُنير صَدٌّ، إذ يَنوب فيه الظَّنُّ عن البُرهان. ومِنها اتّباعُ الظَّنّ والمَوروث الأَعمى، يَقول تعالى ﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ﴾ [الأنعام: 116]، فصَريحُ الآية أَنَّ سَقفَ ما عَلَيه الأَكثَرُ هو الظَّنّ، وأَنَّ اتّباعه ضَلالٌ عن السَّبيل.
ومِنها الحُكمُ بالهَوى والرَّأي، يَقول تعالى ﴿فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ ، فجَعَل اتّباعَ الهَوى في القَضاء صَدّاً. ومِنها لَهوُ الحَديث، وهو اتّخاذُ المَرويّ الظَّنّي مَلهاةً يُصَدّ بها عن الحَقّ بلا عِلم، يَقول تعالى ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ [لقمان: 6]، فقَيَّد الإضلالَ بكَونه «بغَير عِلم»، فدارَ الصَّدُّ على فَقد العِلم والبُرهان.
ومِنها اتّخاذُ الأَيمان جُنَّةً، والأَيمانُ هنا مَراكزُ القُوَّة والسُّلطان، من اليَمين بمَعنى البَأس والقُدرة، لا جَمعُ القَسَم، إذ لم يَقُل النَّصُّ «يَحلِفون» بَل ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ﴾ على معنى الاستناد والاستقواء، يَقول تعالى ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ . ويَكشف السياقُ نَفسه أَنَّ مَنبَع قُوَّتهم ظاهرُهم وهَيئتُهم ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡ﴾ [المنافقون: 4]، ويُفَسِّر النَّظيرُ في المُجادَلة هذه القُوَّة بالمال والوَلَد، إذ يُعَقِّب على الآية نَفسها بقَوله ﴿لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا﴾ [المجادلة: 17]، فرَدَّ مَناطَ استقوائهم إلى الأَموال والأَولاد. فالصَّدُّ هنا إحلالُ قُوَّة السُّلطان والبَأس مَحَلَّ قُوَّة الحُجَّة، إذ يَتَّخِذ المَرءُ ما بيَده من مالٍ ووَلَدٍ وهَيئةٍ تُرساً يُبقي به قَولَه نافِذاً مُستَقوِياً بالبَأس لا بالحَقّ والهُدى.
فيَنتَظِم من صُوَر الصَّدّ كُلِّها مَعنًى واحد، هو إحلالُ ما دون الحَقّ المُنَزَّل ـ من ظَنٍّ وهَوًى ومَوروثٍ ورَأيٍ بلا عِلم ـ مَحَلَّ الحَقّ القائم على العِلم والهُدى والكِتاب المُنير. فالصَّدُّ نَقيضُ السَّبيل، وكَما أَنَّ السَّبيلَ طَريقُ الحَقّ بالعِلم، فالصَّدُّ صَرفٌ عنه بالظَّنّ.
4.10.4القاعدة الجامعة ـ حَدُّ سَبيل الله أَين يَبدأ وأَين يَنتَهي
يَنتَهي الاستقراءُ إلى قاعدةٍ تَحُدّ المَعنى من طَرَفَيه. فسَبيل الله يَبدأ من حَيث يَبدأ الحَقُّ المُنَزَّل القائم على العِلم والهُدى والكِتاب المُنير، ويَمتَدّ في كُلِّ سَعيٍ لإقامة هذا الحَقّ وقِيَمه، إنفاقاً ودَعوةً وإصلاحاً وهِجرةً وجِهاداً بالمال والنَّفس والكَلِمة، وصَوناً بالقُوَّة عِند الاقتِضاء. ويَنتَهي حَيث يَنتَهي الحَقّ ويَبدأ ضِدُّه، فما خَرَج عن الحَقّ المُنَزَّل إلى الظَّنّ والهَوى والمَوروث الأَعمى فهو خارجٌ عن السَّبيل، بَل صادٌّ عنه. فالحَدُّ الفاصِل بَين السَّبيل والصَّدّ عنه هو العِلمُ والهُدى والكتاب، فما قام عَليهما فهو السَّبيل، وما قام على الظَّنّ فهو الصَّدّ.
ويُثمِر هذا الحَدُّ ضابطاً يَحرُس آياتِ القِتال من القِراءة المُنفَلِتة، إذ يَتَبَيَّن أَنَّ القِتال «في سَبيل الله» إنَّما يَكون صَوناً لهذا المَنهَج الحَقّ حين يُعتَدى عَليه أَو يُظلَم أَهلُه، لا غَلَبةً على مُخالِفٍ في مُعتَقَد، ولا فَرضاً للحَقّ بالقُوَّة، إذ الحَقُّ يَقوم بالعِلم والهُدى لا بالسَّيف. فمَن جَعَل القِتالَ نَفسه غايةَ السَّبيل، أَو وَسيلةً لحَمل النَّاس على المُعتَقَد، فقَد عَكَس المَعنى، إذ القِتالُ صَونُ صورةٍ من صُوَر السَّبيل، والسَّبيلُ أَوسَعُ منه بكَثير.
4.10.5خاتمة
تَبَيَّن من مَجموع المَواضع أَنَّ «في سَبيل الله» مَنهجُ الحَقّ المُنَزَّل وطَريقُ إقامة قِيَمه، جِنسٌ واسعٌ تَحته صُوَرٌ من البَذل والسَّعي، القِتالُ أَحَدُها عِند الاقتِضاء لا أَصلُها. وأَنَّ نَقيضه «الصَّدّ عن سَبيل الله» إحلالُ الظَّنّ والهَوى والمَوروث مَحَلَّ الحَقّ القائم على العِلم والهُدى. وبهذا التَّحرير يَصِحّ البِناءُ على آيات القِتال في موضعها، إذ تُقرَأ بوصفها صَوناً للسَّبيل لا غايةً بذاتها، ويُحال إلى هذا الفصل عِند تَناول صُوَر الصَّون في مُلحَق 5.5.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «قِراءة مَوضوعية لمَعنى «في سَبيل الله» من النَّصّ»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث