- أصل الوجود
- ميزان الفعل الإنسانيّ
- الموتى والأموات
الموتى والأموات
4.8.1التعريف اللغويّ: معنى الموت وأبنيته الدلالية
الموت في أصل اللغة من الجذر «م وت»، وهو يدلّ على ذهاب القوّة الفاعلة وانقطاع الأثر. غير أن هذا الذهاب ليس واحدًا في طبيعته، بل يختلف باختلاف المحلّ الذي يقع فيه الانقطاع، فقد يكون انقطاعًا وجوديًا عضويًا، وقد يكون انقطاعًا وظيفيًا معنويًا مع بقاء الجسد حيًّا. ومن هنا جاءت دقّة اللسان القرآنيّ في التفريق بين الصيغتين، فلم يستعمل ألفاظ الموت استعمالًا واحدًا عامًا، بل وزّعها بحسب نوع الانقطاع. فـ«الموتى» موتٌ معنويّ، تعطّلٌ للوعي مع بقاء الجسد، وغيابٌ للاستجابة للحقّ، حالةٌ يعيشها الإنسان وهو بين الناس. و«الأموات» موتٌ فيزيائيّ، انتفاءُ الحياة الدنيا عن النفس، إمّا قبل إدراجها في الجسد وإمّا بعد توفّيها وخروجها من الحيّز الزمكانيّ، فليست موضع تكليفٍ ولا خطابٍ دنيويّ. وهذا التفريق ليس لغويًا فحسب، بل تشريعيٌّ وتربويّ، إذ يُخرج الإنسان من وهم أن الحياة تُقاس بالحركة، ويُدخله في وعي أن الحياة تُقاس بالفاعلية الإدراكية.
فأصل الإنسان وغاية إحيائه عضويًا لم تكن يومًا ليأكل ويشرب وينام في دورةٍ بيولوجيةٍ مكرّرة كسائر المخلوقات، فقد نفى الله هذا التصوّر نفيًا قاطعًا في قوله ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾، فالخلق الإنسانيّ لم يكن عبثًا، ولا الحياة العضوية غايةً بذاتها، بل وسيلةٌ لغايةٍ أعلى.
4.8.2تمهيدٌ فكريّ وجوديّ
خُلق الإنسان وأُحيي جسديًا ليكتسب من خلال وجوده الدنيويّ فكرًا وعقلًا ناضجًا، يختزن به المعارف ويطوّر المهارات ويتفاعل مع الوجود عبر التجربة والخطأ والتعلّم والمراجعة، فينمو وعيه ويرتقي إدراكه، ويخرج من حدود المشترك العضويّ الذي لا يبتعد فيه كثيرًا عن الحيوان إلى فضاءٍ إنسانيٍّ أعلى يتميّز فيه بالفهم لا بالحركة، وبالبصيرة لا بالبقاء. فالفارق الجوهريّ بين الإنسان وسائر المخلوقات ليس في الأكل أو النوم أو التناسل، بل في الوعي الذي يكتسبه وهو حيّ، وفي العقل الذي ينمو بالتفكّر. ولذلك كان الأصل في وجوده إحياؤه فكريًا وعقليًا، لا مجرّد استمرار وظائفه البيولوجية.
وعلى هذا الأساس جاء التكليف، فالله لم يُحمّل الإنسان مسؤوليةً إلا بعد أن منحه أدوات الوعي والتمييز، ولو لم يمنحه ذلك لما كان للحساب معنًى ولا للتكليف حكمة، كما قال ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾. فالسمع والبصر والفؤاد ليست أعضاءً محايدة، بل آليات بناء الوعي، بها يدرك الإنسان ويفهم ويحلّل ويختار، وبها يرتقي أو ينحدر. ومن خلالها يصعد في مراتب القرب من خالقه، لا بالجسد بل بالوعي، وبدون تفعيلها يبقى حيًّا في الشكل ميتًا في المعنى، كما وصفهم في قوله ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾، فالحياة بلا وعيٍ لا ترفع صاحبها عن الحيوان، بل قد تنقصه عنه، لأن الحيوان يؤدّي وظيفته الفطرية، أمّا الإنسان فقد عطّل ما خُصّ به.
ومن هنا فالحياة العضوية وسيلةٌ غايتها الحياة الفكرية، ومن استكان إلى الأكل والشرب والحركة دون وعيٍ ولا تفاعلٍ فكريٍّ ولا مساءلةٍ للوجود فقد قتل نفسه معنويًا قبل أن يُقتل جسده. ومن هنا كان للإنسان موتٌ فكريٌّ يسبق موته العضويّ، موتٌ يحدث وهو يمشي بين الناس ويتكلّم ويتحرّك، لكنه لا يعي ولا يتدبّر. فالحياة الحقيقية ليست أن ينبض القلب بالدماء، بل أن يَقلِب العقل الأفكار، وليست أن يتحرّك الجسد، بل أن يحيا الوعي. فمن عطّل وعيه فقد اختار أن يكون من الموتى قبل أن يكون من الأموات. وبهذا التمهيد يصير من الضروريّ قراءة الآيات التي ورد فيها وصف الموتى والأموات قراءةً تفريقية لا تجميعية.
4.8.3الموتى: الإحياء الفكريّ قبل الموت العضويّ
يستعمل القرآن لفظ «الموتى» استعمالًا دقيقًا لا يُراد به الموت العضويّ، بل تعطّلُ الوعي وغيابُ الاستجابة وموتُ الفاعلية الإدراكية مع بقاء الجسد حيًّا، وهذا يتكرّر في سياقاتٍ لا يمكن حملها على الموت الفيزيائيّ دون وقوع تناقضٍ مع سنن الوجود ونظام التكليف.
فمن ذلك إحياء الموتى في رسالة عيسى عليه السلام ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فمهمّة عيسى بوصفه رسولًا لم تكن خرق قوانين الوجود بإحياء الأجساد بعد توفّي الأنفس، بل إخراج الناس من الغفلة والانغلاق الفكريّ إلى الانفتاح على الحقائق، فإحياء الموتى هنا إحياءُ العقول بعد مواتها وبعثُ الوعي بعد تعطّله. وقوله ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ لا يدلّ على استثناءٍ خارق، بل على العمل ضمن السنن التي أودعها الله في الكون، إذ من مات موتًا عضويًا خرج من حيّز الزمان والمكان وتوفّيت نفسه إلى الله، كما في قوله ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، والنفس بعد توفّيها لا تعود إلى الوجود الكونيّ، على ما تأسّس في فصل المستقر والمستودع، فاستحال سننيًا أن يكون المقصود إحياء الأموات عضويًا.
ومن ذلك مقابلة الموتى بمن يسمعون ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، فالسمع هنا ليس استقبال الذبذبات، بل الإنصات الواعي القابل للحقّ، ومن لا يسمع بهذا المعنى فقد مات فكره وإن كان حيّ الجسد. وبعثُهم في سياق الموتى المعنويّين إرسالُ ما يوقظ فيهم الوعي من رسولٍ أو آيةٍ أو تجربةٍ أو قانونٍ من قوانين الوجود، ثم يكون رجوعهم إلى الله عند الموت العضويّ حيث تنتقل النفس إلى طورٍ خارج التكليف.
ومن ذلك تشبيه الإحياء الفكريّ بإحياء الأرض ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ... كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فالأرض الميتة إذا سُقيت بالماء دبّت فيها الحياة، وكذلك الإنسان الميت فكريًا إذا نزل عليه الوحي أو انفتح على سنن الكون حَيِيَ وعيه ونهض من غفلته، فالوحي كالماء والعقل كالأرض، إن لم يُسقَ بقي ميتًا. ومن ذلك قوله ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ... أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ﴾، فالقرآن نظامٌ معرفيٌّ وسننٌ وجودية مقروءة، بعضها في الكتاب وبعضها في الكون، وكما أن الذي يُسيّر الجبال هو النظام الكونيّ، فالذي يحيي العقول هو هذا النظام نفسه حين يُقرأ ويُفهم ويُتدبّر.
ومن ذلك ربط الإحياء بكون الله هو الحقّ ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾، فالله هو الحقّ الذي خلق الواقع الموضوعيّ الثابت الذي تُبنى عليه المعرفة، ومن خلال آياته في الآفاق والأنفس يحيي العقول القابلة للفهم، ولهذا قال ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا﴾ وقال ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾، فالوجود والكتاب مرآتان متقابلتان، ومن جمع بينهما حَيِيَ وعيه، إذ يقرأ قرآن الواقع مع قرآن النصّ.
غير أن هذا الإحياء مشروطٌ بالقبول، كما يحسمه قوله ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، فالمعرض المتكبّر الرافض للتفكّر لا يمكن إحياؤه لأنه لا يريد أن يسمع، فالموتى هم من أغلقوا باب الوعي بإرادتهم. ويعضد المعنى قوله ﴿فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾، فكما تنزل الرحمة على الأرض ماءً تنزل على الإنسان علمًا ووحيًا وفهمًا، والإحياء إحياءُ إدراكٍ لا إعادةُ أجساد. ويرتبط هذا الإحياء بالأثر في قوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾، فمن أُحيي وعيه صار فاعلًا ذا أثرٍ يُكتب من علمٍ وفكرٍ ومنهج، والإمام المبين موضع انكشاف نتائج الأفعال في الواقع، على ما تأسّس في فصل الكتاب المبين والإمام المبين. وأخيرًا فالله هو الوليّ في هذا الإحياء ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾، فالأولياء من دونه لا يحيون العقول بل يغلقونها، أمّا الله فهو الذي يُنشئ الوعي ويهدي العقل ويخرج الإنسان من التبعية إلى الفهم عبر الوجود والوحي.
فالموتى في القرآن هم الأحياء جسدًا الأموات وعيًا، الذين عطّلوا السمع وأغلقوا باب التفكّر واكتفوا بالحركة دون الفهم، وإحياؤهم ليس بإعادة نبض القلب بل بإعادة نبض العقل، إذ الموت الفكريّ يسبق الموت العضويّ، ومن مات فكره مات وهو يمشي بين الناس.
4.8.4الأموات: انتفاء الحياة الدنيا عن النفس
يستعمل القرآن لفظ «الأموات» للدلالة على انتفاء الحياة الدنيا عن النفس، أي كونها خارج الحيّز الزمكانيّ الذي تقوم فيه الحياة والتكليف، سواء قبل إدراجها في الجسد أو بعد توفّيها وخروجها منه. فالأموات غائبون وجوديًا عن الحياة الدنيا، أمّا الموتى فحاضرون جسديًا غائبون إدراكيًا، وهذا هو الفرق الجذريّ بين اللفظين.
ويتجلّى المناط الجامع للأموات في قوله ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. فقوله ﴿كُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ لا يعني العدم، بل يعني أن النفس لم تكن بعد في حيّز الحياة الدنيا، إذ النفس لها وجودٌ سابقٌ على الوجود العضويّ، فالإنسان كنفسٍ لم يأتِ من عدم، بل كانت عند الله فأرسلها وذرأها في جسدها، على ما تأسّس في فصل النفس. فهي قبل الإدراج موجودةٌ لكنها ميتةٌ، أي لا حياة دنيوية لها، لأن الحياة إنّما تكون في الدنيا. ثم يميتها، أي يخرجها من الحياة الدنيا إلى مستودع الله وحفظه ليوم البعث، حيث تُوفّى كلّ نفسٍ بما كسبت وتُلبَس جسمًا آخر من خلقٍ جديد، على ما تأسّس في فصل المستقر والمستودع. فلا تناقض بين كون النفس «أمواتًا» قبل الوجود أو بعده، إذ المناط واحدٌ في الحالين: انتفاء الحياة الدنيا، فمن لا حياة دنيوية له فهو من الأموات، قبل الإدراج أو بعد الخروج. ويتّسق هذا مع أصل النفس الواحدة في قوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، فالإحياء إدخالُ النفس إلى حيّز الحياة الدنيا عبر الجسد، لا خلقها من عدم.
ويعضد هذا المعنى لفظ «التوفّي» نفسه، فهو من الوفاء، ومناطه استردادُ ما أُعطي أمانةً بعد أجلٍ مسمّى، إذ لا يقال «توفّى» و«استوفى» إلا فيما أُودِع ابتداءً ثم استُرِدّ وافيًا كاملًا. فالاسترداد فرعٌ عن سبق الوجود، إذ لا يُستردّ إلا ما كان موجودًا قبل أن يُعطى، فدلّ اللفظ على أن النفس كانت موجودةً عند مُودِعها قبل إرسالها، ثم أُدرِجت في جسدها في الحياة الدنيا، ثم تُستردّ وافيةً محمّلةً بما كسبت، على ما تأسّس في فصل المستقر والمستودع. وهذا يتناغم مع قوله ﴿كُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾، فاللفظان يلتقيان على أصلٍ واحدٍ من طرفين، إذ تثبت «كنتم أمواتًا» سبق وجود النفس قبل الحياة الدنيا من جهة المبدأ، ويثبت «التوفّي» استردادها إلى ما كانت عليه من جهة المعاد، فالنفس موجودةٌ قبل الدنيا وبعدها، ميتةٌ دنيويًا في الطرفين، حيّةٌ بينهما، فهي وديعةٌ سابقةٌ مستردَّة لا معدومٌ خُلق ثم يُفنى.
غير أن القتلى في سبيل الله استثناءٌ من هذه القاعدة، لا نقضٌ لها. فالقاعدة أن الله يتوفّى الأنفس بالموت الطبيعيّ فتخرج من الحيّز الزمكانيّ إلى المستودع، فيكون انتقالها إلى يوم البعث كالصفر الزمنيّ لا تشعر بمدّته. أمّا القتلى في سبيل الله فلا يخرجون من الحيّز ابتداءً، كما يحسمه قوله ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾، وقوله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. وتجتمع في هذا أربع قرائن متضافرة على بقائهم في الحيّز الزمكانيّ. فقوله «عند ربهم» لا «عند الله» يدلّ على بقائهم في النسيج، إذ الرب محلّ التدبير داخل الوجود، على ما تأسّس من التمييز بين «عند ربي» المدرَج في الوجود و«عند الله» المتجاوز للنسيج. وقوله «بل أحياء» نفيٌ قاطع للموت وإثباتٌ قاطع للحياة. وقوله «يُرزقون» يستلزم وعيًا وفاعليةً حيّة، إذ لا يتماهى الرزق مع الموت. وقوله «ولكن لا تشعرون» يدلّ على أن الحجب في شعورنا نحن لا في حياتهم، فحياتهم قائمةٌ لكنها محجوبةٌ عن إدراك الأحياء في الدنيا.
ويتأكّد هذا التمييز بمقابلته بوصف المدعوّين من دون الله ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فقد نُفي الشعور هنا عنهم أنفسهم، لأنهم خرجوا من الحيّز خروجًا تامًا، بخلاف الشهداء الذين نُفي شعورُنا نحن بهم لا شعورهم. فالأموات الخارجون نُفي عنهم الشعور ذاتًا، والشهداء أحياءٌ يشعرون ويُرزقون لكن حياتهم محجوبةٌ عنّا. ويعضد فاعليتهم الحيّة قوله ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فالفرح والاستبشار والعلم بحال من خلفهم من المؤمنين المجاهدين الذين لم يُقتلوا بعد، كلّها إدراكٌ وتفاعلٌ حيّ لا يكون لميتٍ خرج من الحيّز.
وقد يعضد هذا الطورَ المخصوص قوله في مشهد رؤية سدرة المنتهى ﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ﴾، فجنة المأوى قد تكون الجنة المخصوصة لمن قُتل في سبيل الله، ولفظ المأوى يحمل ظرفيةً تدلّ على موضع إيواءٍ ينتقل منه روّاده يوم البعث إلى الجنة في الآخرة، لا الجنة الأخروية النهائية. فهو طورٌ خاصٌّ بالشهداء داخل النسيج، يوازي المستودع في كونه قبل البعث، ويفارقه في كونه حياةً فاعلةً يُرزقون فيها ويعون ويستبشرون، لا حفظًا خاملًا. فلا يستبق هذا الطورُ البعثَ ولا ينقض تمايز الأطوار، بل يكشف للشهداء طورًا مخصوصًا حيًّا متميّزًا عن مستودع سائر المتوفَّين.
ويبيّن القرآن أن الأموات بمعنى الخارجين من الحيّز لا يُخاطَبون ولا يُستجاب لهم، في قوله ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾. فالأحياء من لا يزالون داخل حيّز الوجود ولهم مشيئةٌ وقدرةٌ على التفاعل، والأموات من في القبور، أي من خرجوا خروجًا كاملًا من الحيّز الزمكانيّ، ولهذا نُفي إمكان إسماعهم، لأن الإسماع خطابٌ وجوديّ لا يقع على من هو خارج الوجود.
فالأموات من انتفت عنهم الحياة الدنيا بخروجهم من الحيّز الزمكانيّ، لا يشعرون ولا يُخاطَبون ولا يُستجاب لهم، ولا يُقاسون بالأحياء ولا بالموتى، ولا يعودون إلى الدنيا ولا تُطبَّق عليهم سننها، واستثناء القتلى في سبيل الله دليلٌ على القاعدة لا نقضٌ لها. وبهذا يتبيّن أن القرآن دقيقٌ في تفريقه بين موت الوعي داخل الحياة، وهو الموتى، وانتفاء الحياة الدنيا عن النفس بخروجها من الحيّز، وهو الأموات، وأن هذا التفريق ليس لغويًا فحسب، بل وجوديٌّ وتشريعيٌّ ومعرفيّ.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «الموتى والأموات»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث