4.z

خاتمة الباب الرابع

3 دقائق قراءة~457 كلمة0 مبحثاً في هذا الفصل

بَلَغَ البابُ غايتَه التي انطَلَقَ إليها: أَن تَستَبين منظومةُ الفِعل والقِيمة في الإنسان، استقراءً من النصّ لا إسقاطاً عَليه. وقد تَكَشَّفَ ـ في مَجموع فُصوله ـ أَن القيمَ القرآنيةَ ليست أَلفاظاً متقاربةً للتنويع، ولا قوائمَ أعمالٍ تُحصى، بَل بنياتٌ وجوديةٌ متماسكةٌ يُوزَن بها فِعلُ الإنسان، تَجري على سُنَنٍ تَربِط الفِعلَ بأَثره ربطاً لا انفكاكَ فيه.

فالبِرّ ـ في حَصاد الفصل الأَوَّل ـ منهجُ حياةٍ يَبدأ من عُمق الإيمان ويَمتَدّ إلى سَعة العطاء والوفاء والصبر، يُقابِله الإثمُ انغلاقاً وضِيقاً. ثُمَّ تَبَيَّنَ أَن الخَطأَ نَوعان: ذَنبٌ في ظِلّ الوعي وغفلةٌ مع المعرفة، وسيئةٌ في ظِلّ الجَهل وانحرافٌ مع نَقص الإيمان ـ لكلٍّ ميزانُه ومآلُه. وتَكَشَّفَ أَن نتائجَ الفِعل لا تَضيع، بَل تَنتَظِم في كتاب الحركة الوجودية حَيث تُضاعَف الحَسَنةُ بتفاعل الكون معها، ويَقتَصِر أثرُ السيئة على قَدرها، فالوجودُ نظامٌ حيٌّ تفاعليٌّ يَستجيب للفِعل بسُنَنه.

وامتَدَّ النظرُ إلى ما يُلابِس الفِعلَ من مفاهيم: فالحَظّ تصويبُ منهجٍ، والنصيبُ واقعُ حالٍ يُنال؛ والجبتُ والطاغوتُ باطلٌ يُعبَد من دون الحَقّ، والبيتُ مَقصِدُ التوحيد؛ والكفرُ والإيمانُ موقفان وجوديان يَتَحَرَّكان لا هويتان جامدتان، فالإيمانُ تفكُّرٌ واعٍ يَنتَهي إلى طمأنينة، والكفرُ تغطيةٌ وعداءٌ بَعد وضوح الحَقّ؛ والركوعُ بوّابةُ القبول، والسجودُ خضوعٌ واعٍ بَعد الفهم؛ والموتى مَن ماتَت بصيرتُهم قبل أبدانهم، والأمواتُ مَن فارَقَت الحياةُ الدنيا أنفُسَهم.

وانتَظَمَ ضَبطُ الفِعل في ثلاثية الاتزان: العدلُ ضَبطُ الأمر بَين طرفين قيمةً تشريعيةً مطلقةً لله، والقسطُ ضَبطُه بكَرَم طرفٍ لآخر تدبيراً يُراعي الحالَ للرَّبّ، والميزانُ ضَبطُ الوجود بسُنَنه إطاراً جامعاً يَربِط الأسبابَ بالنتائج ـ مُثبَّتاً في التكوين، منطوقاً في التنزيل، معلَناً في الحساب. فمَن أقامَ ميزانَه في فِكره وقَوله وعَمله شارَكَ في تناغُم الوجود، ومَن طَغى فيه أَو أَخسَره انفَصَلَ عن إيقاع العالَم الذي خُلِقَ فيه.

ثُمَّ خُتِمَ البابُ بتَحرير المَسار الجامِع الذي تُقام فيه هذه القِيَم كلُّها: «سَبيل الله»، إذ تَبَيَّنَ أَنَّه طريقُ الحَقّ المُنَزَّل القائم على العِلم والهُدى، جِنسٌ واسعٌ تَنضَوي تَحته صُوَرُ البَذل والسَّعي ـ إنفاقاً وهِجرةً ودَعوةً وإصلاحاً وجِهاداً بالمال والنَّفس والكَلِمة، وصَوناً بالقُوَّة عِند الاقتِضاء ـ لا يَنحَصِر في صورةٍ واحدةٍ منها. ويُقابِله «الصَّدُّ عن سَبيل الله» إحلالاً للظَّنّ والهَوى والمَوروث الأَعمى مَحَلَّ الحَقّ. فبهذا التَّحرير اتَّضَحَ أَنَّ القِيَمَ التي وُزِنَ بها الفِعلُ في هذا الباب لا تَقوم في فَراغ، بَل تَجري في مَسارٍ واحدٍ حَدُّه العِلمُ والهُدى، فما قام عَليهما فهو السَّبيل، وما قام على الظَّنّ فهو الصَّدُّ عنه.

وبهذا يَتِمّ تصوُّرُ الفِعل الإنساني موزوناً بقِيَمٍ تَحَرَّرَت من النصّ، مَربوطاً بنتائجَ تَجري بسُنَن الوجود، مَوكولاً إلى موازينَ تُكشَف يَومَ تُوضَع الموازينُ القسط فلا تُظلَم نَفسٌ شيئاً، جارياً في سَبيلٍ حَدُّه الحَقُّ بالعِلم. وإذا كان الباب الثالث قد أَسَّسَ الإنسانَ كياناً واعياً، فقد أَسَّسَ هذا البابُ فِعلَ هذا الكيان والقِيَمَ التي يُوزَن بها والمَسارَ الذي تَجري فيه. وما استَقَرَّ هنا يُمَهّد لما يَلي ـ حَيث يَنتَقِل النظرُ من فِعل الفَرد وقِيَمه إلى ما يَنتَظِم به اجتماعُ الناس وتشريعُ عَلاقاتهم، قائماً على هذا الأَساس الذي تَحَرَّرَ من النصّ، لا من سِواه.

الباب الخامس

العمران الإنسانيّ والتشريع

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «خاتمة الباب الرابع»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث