3.4

التَّعضيد لا التَّصديق

14 دقائق قراءة~2558 كلمة9 مبحثاً في هذا الفصل

والكليات بنيوياً تَستلزم تَعضيداً وتَوثيقاً لا تَصديقاً، والفَرق بَينهما بنيوي، فالتَّعضيد دَعم وقُوَّة من خارج جنسه تَجعل الكلية أَوضح في تَلَقّي المتَلَقّي، والتَّصديق إثبات لأَمر يُحتمل أَن يُشَكّ فيه يَأتي بُرهاناً يَكشف صدقه، والكليات لا تَستلزم بُرهان صدق لأَنها معلومة بتَكرارها عَبر الرسالات بَل تَعضيداً يُؤَكّدها بحُضور وُجودي ملازم.

والشاهد البنيوي على هذا التَّعضيد قَوله تعالى ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ، والآية تَكشف بنيوياً منظومة متَكاملة، فـ«الكتاب» أَمر الله بكلياته الثابتة، و«بالحَقّ» آيات الوجود والقَصص التي لها حضور وُجودي، والاثنان نَزلا متَعاضدَين، الكليات مع الآيات الكَونية مدمجتَين في الكتاب الجامع، ومن ثَمَّ كلاهما معاً يُصَدّقان «ما بَين يَديه» أَي المستَجَدّ التَّشريعي الحاضر في الرِّسالة الذي يَستلزم تَصديقاً لأَنه غَير مأَلوف للوَعي البَشري.

﴿المائدة: 48

3.4.1المقدمة: الوعي كنظامٍ مترابط

لا يَنظُر القرآن إلى الإنسان ككائنٍ مُنقَسِم بَين عَقل وجَسد، أَو عَقل وعاطفة، بَل كَكيانٍ واعٍ متَكامل، مُزَوَّد بشَبَكةٍ مُتَرابِطة من أَجهزة الإدراك، كلٌّ منها يُؤَدّي وَظيفةً لا تُعَوَّض في بناء الفَهم واليَقين.

فالمعرفة هي المَخزون المعلوماتي الأَوَّلي الذي يُدخَل إلى القَلب عَبر الحَواسّ، وأَهَمّها السَّمع ثُمَّ البَصَر، وهما مَصدر كلّ إدراك سَليم. والقَلب مَركز التَّقليب الفِكري لما خُزّن من معارف، يُوازِن ويَقبَل ويَرفُض، ويُعِدّ المُعطَيات للتَّحليل. والعَقل أَداة الرَّبط التَّحليلي لما قُلّب في القَلب، يَنسِج من المُعطَيات الداخلية صورةً ذِهنيةً مُتَرابِطةً تُحاكي الواقع. والتَّفَكّر ليس مَرتبةً داخلية، بَل فِعلٌ استقصائي يَبدأ من الخارج، يَنظُر في الآفاق والأَنفُس، ويَستنطق الظاهرة لِيُدخِلها ـ بَعد تَنقيتها ـ إلى دَورة الوَعي الداخلية كمعرفةٍ جَديدة. والفِقه ثَمَرة هذا النظام حين يُواجِه حَدثاً خارجياً طارئاً، فهو قِراءةٌ واقعيةٌ دَقيقة تَعتَمد على الخِبرة المعرفية المُتَراكِمة والبناء الذِّهني الناضِج. والفؤاد شاهد الباطن الأَعلى، الذي لا يُدرِك الجَوهر إلا بَعد اكتمال السِّلسلة بنَزاهة، وهو لا يَكذِب فيما يَرى، لأَنه رؤيةٌ من داخل اليَقين، لا استنتاجٌ من خارجه.

وهذه المُكَوّنات لا تَتَصارَع، بَل تَتَكامَل في دَورةٍ حَيَّة. يَبدأ الإدراك من الحَواسّ، ويُعالَج في القَلب والعَقل، ويُغَذّى باستمرار بالتَّفَكّر، ويُختَبَر في الواقع عَبر الفِقه، ويُثَبّت في النِّهاية بشَهادة الفؤاد. وأَيّ خَلَلٍ في واحدٍ منها ـ حَتى لَو كان في نَقاء السَّمع أَو صِدق النَّظَر ـ قَد يُعَطّل سِلسلة الوَعي بأَكملها، إذ النظام القرآني للإدراك لا يُثمر اليَقين إلا بالتَّكامل.

3.4.2المعرفة ـ المَخزون المعلوماتي الخام

إن لم يَكن القَلب غَنياً بالمعلومات، فلا معنى لحَركته، إذ لا بُدّ له من مَصدرٍ للمعلومات التي يَتَحَرَّك من خِلالها. وأَهَمّ الأَدوات المُدخِلة لتِلك المعلومات الحَواسّ الإنسانية ـ السَّمع والبَصَر واللَّمس وغَيرها ـ وأَهَمّها السَّمع ثُمَّ البَصَر، كَما قال تعالى ﴿أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [يونس 31].

وكُلَّما كانت مَصادر المعلومات نَقيةً، كان نِتاج التَّعَقّل والتَّفَكّر مَنطقياً يُحاكي الواقع. ومن هنا يَأتي حَثّ القرآن على تَوَخّي مَصادر المعرفة، لما لها من أَثَر في سَلامة الوَعي. وفيما يَخصّ دين الله ـ مَجال الهداية والتَّكليف ـ يَحصُر الله مَصدرية الهداية في ذاته، بقَوله ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾.

وقَد تَأَسَّس في فصل مَقام الإله (2.2) أَن «الإله» في القرآن مَقام الله في الهداية، أَي جِهة التَّوجيه المعياري الثابت. فعبارة التَّوحيد ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ تَكشف أَنه لا مَصدر للهداية إلا الله، فهو وَحده الهادي في مَجال التَّكليف، لا يُشارِكه فيه سِواه. ويُعَضّد هذا قَوله تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران 18]، إذ السِّياق سِياق العِلم والشَّهادة، فيَتَّصل مَقام الإله بمَصدرية الهداية والمعرفة في التَّكليف. ولَعَلَّ في هذا ما يُؤَسّس أَن أَوثَق مَصدر للمعرفة في مَجال الهداية هو الوَحي المُنزَّل من عند الله، صاحب العِلم المُطلَق.

3.4.3القَلب ـ مَركز التَّقليب الفِكري

القَلب المُخاطَب في القرآن ليس العُضو الذي يَضُخّ الدَّم، بَل الكِيان الذي يُقَلّب الأَفكار في «الصَّدر». ولَعَلَّ الصَّدر هنا بمعنى «الصَّدارة» والأَولوية، لا التَّجويف التَّشريحي، إذ يُقال «فُلان تَصَدَّر القائمة» أَي صار في مُقَدّمتها. فالقَلب يَحتَلّ مَوقع الصَّدارة في منظومة الوَعي.

والقَلب في هذا السِّياق مَركز التَّفَكّر الأَوَّلي، يَقبَل ويَرفُض، ويُوازِن بَين المَصادر، ويُقَلّب الأَفكار المَطلوبة. ومن ذلك قَوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج 46]. فقَوله ﴿يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ يُؤَكّد أَن وَظيفة القَلب تَقليب الأَفكار حَتى يُنتِج «عَقلاً», أَي رَبطاً للمعلومات بَعضها ببَعض، ناتجاً عن التَّحليل. فالقَلب بهذا أَقرب إلى مَقعد التَّفَكّر الأَوَّلي قَبل القَرار، منه إلى مَقعد العاطفة.

3.4.4العَقل ـ أَداة الرَّبط التَّحليلي بَين المُعطَيات الداخلية

العَقل في القرآن ليس هِبةً ساكنة يُولَد بها الإنسان، بَل أَداةٌ ديناميكية تُكتَسَب وتُدَرَّب، تُفَعّلها إرادة التَّفَكّر، وتَصقُلها مُمارَسة التَّقليب المُستَمِرّة. ووَظيفته الأَساسية رَبط المُعطَيات التي قَلَّبها القَلب ـ أَي المعلومات المُخَزَّنة داخلياً ـ ضِمن نَسَقٍ مَنطقي واحد، لِيَخرُج منها بصورةٍ ذِهنية مُتَرابِطة عن الظاهرة أَو المسأَلة المَدروسة.

وهنا يَبرُز فارق بنيوي بَين العَقل والفِقه. فالعَقل مَصدره داخلي، لا يَتَعامَل مباشرةً مع الواقع الخارجي، بَل يَنطَلِق من المعلومات المُخَزَّنة سَلَفاً من معارف ومُشاهَدات. أَمّا الفِقه فيَتَعامَل مع الحَدث الظاهر من الخارج، مُستَنِداً إلى البناء الداخلي الذي شَيَّده العَقل. وهذه العَملية ـ التي يُسَمّيها القرآن «يَعقِلون» ـ لا تَتمّ في فَراغ، بَل تَعتَمد على شَرطَين جَوهريَّين: مَخزونٌ معرفيٌّ نَقيّ مُستَمَدّ من مَصادر مَوثوقة خالية من الشَّوائب، واستقلاليةٌ عن الهَوى والتَّقليد الأَعمى، فلا يُوَجَّه العَقل إلا بالحَقّ، لا بالرَّغبة أَو العادة.

ومن هنا، لا يَدعو القرآن إلى «العَقل» كقِيمة مُجَرَّدة، بَل يَربطه دائماً بمَشاهد واقعية سَبَق اكتسابها وإدراكها، لِيُعمِل العَقل في رَبطها، كَما في قَوله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ... لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة 164]. فـ«يَعقِلون» هنا ليست فِعلاً مباشراً على المَشهد الحاضر، بَل استحضاراً لما شاهَدوه ثُمَّ رَبطاً له بَعضه ببَعض ـ كَيف يَرتَبِط اختلاف اللَّيل والنَّهار بخَلق السماء، وكَيف يَرتَبِط إنزال المَطَر بإحياء الأَرض ـ وهو عَمل داخلي بَعد انتهاء المُشاهَدة. وكُلَّما تَمَرَّن الإنسان على رَبط الظَّواهر في ذِهنه، ازدادَت حِرفيته في الرَّبط، وصار أَسرَع في تَكوين الصُّوَر الذِّهنية الدَّقيقة.

غَير أَن العَقل وَحده لا يَكفي، لأَنه أَداةٌ مُحايدة، قَد تُوَجَّه للحَقّ، وقَد تُستَغَلّ للباطل. ومن هنا يُحَذّر الله من عُقولٍ تَعمَل على مُعطَيات فاسدة، كَما في قَوله تعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف 179]. فهؤلاء لهم «عُقول»، لكنّها عاجزة عن التَّعَقّل لأَن مُدخَلاتها مُشَوَّهة ـ قُلوبٌ لا تَفقَه، وعُيونٌ لا تُبصِر، وآذانٌ لا تَسمَع ـ أَي أَن الحَواسّ لم تُدخِل معلوماتٍ صالحة للقَلب، فلَم يَبقَ للعَقل ما يَربِطه من الداخل.

ولهذا، فالعَقل السَّليم لا يُعارِض الإيمان، بَل يَطلُبه، لأَنه يَبحَث عن الأَسباب والسنن التي تُظهِر وَحدة النظام الوُجودي. لكنّ هذا البَحث لا يُثمر إلا إذا وَجَّهه قَلبٌ سَليم ـ قَلبٌ نَقيّ السَّمع والبَصَر، مُنفَتِح على الحَقّ، لا على الهَوى. فالعَقل الحَقيقي هو الذي يَبدأ من مُعطَيات داخلية ناتجة عن تَأَمّل سابق، ويُغَذّى بمعلوماتٍ صادقة مُخَزَّنة، ويُدَرَّب على رَبطٍ مُستَمِرّ بَين ما في الذِّهن بتَقليبها، لِيُخرِج في النِّهاية تَصَوّراً ذِهنياً يُحاكي الواقع، لا يَبتَعِد عنه.

3.4.5التَّفَكّر ـ البَحث الوُجودي وتَنقية المُعطَيات

التَّفَكّر في القرآن ليس تَأَمّلاً ذاتياً مُنعَزِلاً، ولا مُجَرَّد «تَفكير» عابر، بَل فِعلٌ استقصائي واقعي يَبدأ من النَّظَر في الآفاق ـ في السماوات، والأَرض، والنَّفس، والتاريخ، والظَّواهر الحِسّية من حَول الإنسان. وهو لا يَتَوَقَّف عند المُشاهَدة، بَل يَستنطق الظاهرة لِيَكتَشِف نظامها الداخلي، ويَربط عَناصرها بَعضها ببَعض، حَتى يَخرُج بصورةٍ ذِهنية مُتَرابِطة تُحاكي الواقع، لا وَهماً مُزَوَّراً.

والتَّفَكّر الحَقيقي لا يَكتَفي بالجَمع، بَل يُنَقّي. فالمعلومة التي لا تُلامِس الحَقّ ـ أَي التي تَحمل غِشّاً، أَو تَقليداً أَعمى، أَو تَزييفاً ـ لا يُمكن أَن تَرتَبِط مَنطقياً بغَيرها، لأَن الكَون كلّه بُنيَ على «الحَقّ»، كَما في قَوله تعالى ﴿مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران 191]، وقَوله ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص 27]. ولذلك يَبدأ التَّفَكّر برَفض الشَّوائب المعرفية، ويَستمرّ حَتى يَتَأَكَّد من أَن كلّ مُعطىً يَدخُل إلى الذِّهن قابل للرَّبط مع باقي شَبَكة الحَقّ. ومن ثَمَّ، فالتَّفَكّر حارس نَقاء المُدخَلات، والشَّرط الأَوَّلي لنَجاح التَّعَقّل. فإذا دَخَلَت معلومةٌ زائفة ـ كأَن يَرى الإنسان الطائر فيَفترض أَن طَيرانه سِحر أَو صُدفة ـ لم يَستَطِع رَبطها بقَوانين الطَّبيعة، لأَنها خارجة عن نظام الكَون المُتَرابِط.

وهذا ما يَجعل التَّفَكّر مُحَرّكاً تَفاعلياً، لا مَرحلةً سَلبية. فهو يَرى الظاهرة ـ كنُمُوّ الزَّرع بَعد المَطَر ـ ثُمَّ يَتَساءَل عن سَبَب زَوالها فَجأةً، ثُمَّ يَربط بَين الوَفرة والزَّوال، لِيَصِل إلى استنتاج وُجودي: أَن الحياة الدُّنيا زائلة، وأَن القُدرة الحَقيقية ليست للإنسان بَل للخالق. وهذا ما عَبَّرَت عنه الآية ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ... فَجَعَلْنَاهُ حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس 24].

فالتَّفصيل الإلهي لا يُفهَم دَفعةً واحدة، بَل يَستلزم من الإنسان أَن يَربط الآيات بَعضها ببَعض ـ آيات الكَون مع آيات النَّفس، والظَّواهر المادية مع السنن الوُجودية ـ لِيَتَكَوَّن لدَيه تَصَوّرٌ متَكامل عن الحَقيقة. والرَّبط بَين هذه الآيات لا يُنتِج فَهماً جُزئياً فَحَسب، بَل يُوَلّد تَصَوّراً كُلياً مُتَرابِطاً.

ولَعَلَّ في هذا التَّصَوّر الكُلّي المُتَرابِط ما يَتَّصل بمعنى «الكتاب» في أَصله البنيوي. فقَد تَأَسَّس في فصل القرآن والكتاب والفُرقان (3.3) أَن الكتاب في جَوهره اللُّغوي ضَمٌّ وجَمعٌ مُنَظَّم لعَناصر متَفَرّقة تُخرِج معنىً واحداً متَكاملاً. ومن هذا الأَصل قَوله تعالى ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ 29]، إذ كلّ ظاهرة في الوجود قابلة لأَن تُضَمّ إلى غَيرها ضِمن شَبَكة مَنطقية واحدة. فإذا تَأَمَّل الإنسان ورَبَط، انكَشَفَت له صورة ذِهنية مُنَظَّمة، تُحاكي ما في الوجود من انتظام، وتُظهِر وَحدة النظام الكَوني. ولا تَعارُض بَين هذا وبَين ما سيَتَبَيَّن في بحث الكتاب المبين والإمام المبين (3.7) من كَون «الكتاب المبين» سننَ الوجود نَفسها، إذ الصُّورة الذِّهنية المُتَرابِطة إنَّما هي انعكاس هذه السنن في وَعي المُتَفَكّر، فالكَون كتاب قائم بسننه، والوَعي يَستنسخ بناءه حين يَتَفَكَّر.

وقَد بَيَّن الله أَن التَّفَكّر يَبدأ من الكَون ثُمَّ يَنتَقِل إلى النَّفس، في قَوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الروم 8]. فمَن لا يَتَفَكَّر ـ أَي من لا يَنظُر، ولا يَسأَل، ولا يَربط ـ يَنغَلِق وَعيه عن إدراك وَحدة النظام، ويُعرِض عن مَصدر الهداية، حَتى يُوصَف بأَنه ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾. ولَعَلَّ الكُفر في هذا السِّياق ليس جُحوداً لَفظياً وَحده، بَل يَتَّسع لمعنى التَّغطية والحَجب ـ حَجب الوَعي عن إدراك آيات الله ـ الناشئ عن إهمال التَّفَكّر.

وقَد وَصَف الله عباده المؤمنين بقَوله ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران 191]. فهؤلاء لم يَعرِفوا الحِكمة أَوَّل الأَمر، لكنّ التَّفَكّر حَوَّل مُشاهَدتهم إلى يَقين، فانتَقَلوا من الرُّؤية إلى الاستنتاج، ومن الشَّكّ إلى الاعتراف. وحَتى في التَّفاصيل الدَّقيقة للخَلق يَدعو الله إلى التَّفَكّر، كَما في قَوله ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد 3]. فكلّ عُنصر هنا ـ الرَّواسي، والأَنهار، والزَّوجية، وتَعاقُب اللَّيل والنَّهار ـ ليس مَعزولاً، بَل جُزء من نظامٍ واحد، لا يُدرَك إلا عَبر التَّفَكّر المُتَتابِع الذي يَربط النِّقاط لِيُكَوّن الصُّورة الكاملة.

ومن لا يَتَفَكَّر، لا يُنتِج عَقلاً، بَل قَد يَنغَلِق قَلبه، كَما في قَوله ﴿أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد 24]. فالقَلب لا يُقَلّب إلا ما يُدخَل إليه، وإذا لم يُدخَل إليه إلا التَّقليد أَو الهَوى، فلا عَجَب أَن يُنتِج ضَلالاً.

فالتَّفَكّر إذَن استقبالٌ نَقدي للواقع، وتَنقيةٌ من الشَّوائب المعرفية، ورَبطٌ تَجريبي بَين الظَّواهر، وبناءٌ تَراكُمي لصورة ذِهنية مُطابِقة للحَقّ. وهو الجِسر الأَوَّل بَين الإنسان والكَون، والباب الذي يَنفَتِح منه الإيمان، لأَن الإيمان في مَنظور القرآن ليس قَبولاً أَعمى، بَل رؤيةٌ عَقلية مَبنية على تَأَمّل، ورَبط، واستنتاج، وتَطابُق مع الواقع.

3.4.6الفِقه ـ الفَهم السِّياقي للواقع

الفِقه ليس مُجَرَّد «استنباط قانوني»، بَل فَهمٌ عَميق للواقع، يَقوم على مَخزونٍ معرفيٍّ نَقيّ وعَقلٍ مُدَرَّب. وهو يُغايِر العِلم والتَّعَقّل في أَنه لا يَنطَلِق من الداخل وَحده، بَل يَستجيب للحَدث الخارجي ـ نَصاً، أَو مَوقفاً، أَو أَزمةً، أَو تَحَوّلاً اجتماعياً.

والفِقه في عُمقه القرآني ليس معرفةً نَظرية مُجَرَّدة، بَل قُدرةٌ تَطبيقية على قِراءة الواقع، أَشبه بخَبير الأَرصاد الذي يَفهَم التَّغَيّر الجَوّي من مُؤَشّراتٍ دَقيقة لا يَراها غَير المُتَمَرّس. فكُلَّما كان لدى الإنسان مَخزونٌ معرفيٌّ نَقيّ، وتَقليبٌ مُستَمِرّ للمُعطَيات، وتَصَوّراتٌ ذِهنية واضحة ناتجة عن تَفَكّرٍ عَميق، كان أَقدَر على استيعاب الأَحداث الخارجية وتَحليلها بمَنطقٍ يُوافِق نظام الوجود. والفِقه الصَّحيح لا يُولَد من الهَوى، بَل من قَلبٍ مُنفَتِح على الحَقيقة، وعَقلٍ قادر على رَبط السنن بالواقع.

ومن هنا يُظهِر الله أَن الفِقه شَرطٌ لفَهم الآيات، في قَوله تعالى ﴿انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام 65]، أَي أَن تَصريف الآيات ـ الكَونية والتاريخية والنَّصّية ـ موَجَّه لمَن لدَيه القُدرة على الاستيعاب، لا لمُجَرَّد السَّمع. أَمّا من أَدخَل إلى قَلبه معلوماتٍ مُشَوَّهة، فقَد يَحول ذلك بَينه وبَين الفِقه، كَما في قَوله ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام 25].

ومن لا يَفقَه قَد يَضِلّ وإن «قَرأَ»، كَما في قَوله تعالى ﴿لَّهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف 179]. وفي قَوله ﴿فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء 78] ما يَربط الفِقه باستيعاب الخارج، إذ الفَقيه هو الذي يَعقِل الأَحداث الخارجة عن ذاته، من خِلال نَقاء ما لدَيه، ورَبط الحَدث الخارجي بوَعيه النَّقيّ. ولذلك قَد يَكون عَدَم الفِقه ثِقَلاً في الفَهم الوُجودي لا اللُّغوي وَحده، كَما في قَوله ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف 93]، أَي أَنهم لَو رأَوا حَدثاً أَمامهم، أَو سَمِعوا قَولاً واضحاً، لم يَستَطيعوا رَبطه بواقعهم، لأَن أَدوات الفِقه لدَيهم مُعَطَّلة.

فالفِقه إذَن ثَمَرة الوَعي المتَكامل ـ قَلبٌ لا يَغفُل، وعَقلٌ لا يَجمُد، وتَفَكّرٌ لا يَتَوَقَّف، وخِبرةٌ وُجودية تُخرِج من التَّأَمل إلى القِراءة الدَّقيقة للواقع.

3.4.7الفؤاد ـ ذُروة الإدراك الباطني واليَقين

بَعد أَن يَجتاز الإنسان مَراتب الوَعي ـ نَقاء المعرفة، وانفتاح القَلب، وتَدريب العَقل، واستمرار التَّفَكّر، وصِدق الفِقه ـ يَنفَتِح له بابٌ أَعمق، هو باب الفؤاد. والفؤاد ليس عاطفةً تَتَفَجَّر في لَحظة ضَعف، ولا خَيالاً يَنسِج الأَوهام، ولا شُعوراً عابراً يَزول بزَوال الظَّرف، بَل وَظيفة إدراكية تُمنَح لمَن أَكمَل مَراتب الوَعي السابقة بنَزاهةٍ تامَّة، وهو مَركز اليَقين الباطني الذي لا يَحتاج إلى بُرهان خارجي، ولا يَخضَع لشَكٍّ مَنطقي.

وقَد أَشار القرآن إلى هذه المَرتبة في قَوله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ [النجم 11]. فالفؤاد هنا لا يَرى بالعَين، بَل يُدرِك الجَوهر مباشرةً، وهو لا يُخطئ لأَن إدراكه ليس استنتاجاً، بَل أَقرب إلى الكَشف.

غَير أَن هذا اليَقين قَد لا يَكون دائماً، بَل يَحتاج إلى تَثبيت. فحَتى أُمّ موسى، حين أُلهِمَت أَن تُلقيَ ولَدها في اليَمّ، كانت في حالة يَقينٍ راسخ ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص 7]. لكن بَعد أَن زال الخَطَر الفَوري، وبَدأَ القَلب يَتَأَمَّل مَصير الوَليد، تَسَلَّل القَلَق مَكان اليَقين، فأَصبَح ﴿فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا﴾ ـ لا فارغاً من الحُبّ، بَل فارغاً من اليَقين الذي كان يَملؤه، حَتى ﴿كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾.

ولَعَلَّ في هذا ما يُشير إلى أَن الفؤاد، رَغم عُلُوّ مَرتبته، عُرضةٌ للفَراغ إن انفَصَل عن مَصدر التَّثبيت. ومن هنا يُثَبّت الله فؤاد نَبيّه، ويُثَبّت فؤاد المؤمن، لا بالعاطفة، بَل بما يُحَقّقه من تَرابُطٍ بَين الآيات والسنن والحَقائق، كَما في قَوله ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان 32]. كَما جَعَله مَوضعَ مَسؤوليةٍ، في قَوله ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء 36].

فالسَّمع والبَصَر يَأخُذان، والقَلب يُقَلّب، والعَقل يَربط، والتَّفَكّر يَجمَع ويُحَلّل، والفِقه يَفهَم ويَستوعِب، والفؤاد يَشهَد، وشَهادته لا تُرَدّ، لأَنها رؤيةٌ من داخل اليَقين. ولَعَلَّ الفؤاد ليس مَقاماً دائماً مُكتَسَباً، بَل حالة تَثبيتٍ متَجَدّدة. ومن بَلَغ هذه المَرتبة، لم يَعُد يَحتاج إلى دَليل خارجي على وُجود الله أَو صِدق الوَحي، لأَن فؤاده «رأَى»، وما كَذَب ما رأَى.

3.4.8التَّدَرّج الوَظيفي في مَسار الوَعي

الوَعي في القرآن لا يَنمو عَشوائياً، بَل عَبر تَسَلسُلٍ وَظيفي مُتَرابِط. فالسَّمع والبَصَر مَصدرا المعرفة النَّقية، يُدخِلان إلى القَلب المُعطَيات الأُولى. والقَلب المُنفَتِح يَستَعِدّ لتَلَقّي الحَقيقة دون قُفلٍ أَو زَيغ. والعَقل المُفَعَّل يُحَلّل الظَّواهر، ويَستَخرِج السنن من المُعطَيات التي قَلَّبها القَلب. والتَّفَكّر المُستَمِرّ يَجمَع بَين النَّظَر في الكَون والنَّظَر في النَّفس، ويُغَذّي المنظومة بمعارفَ جَديدة مُنَقّاة. والفِقه الحَيّ يُطَبّق هذا الوَعي على ما يَستَقبِله من الواقع، بفَهمٍ دَقيق. والفؤاد الحاضر يَختِم المَسار برؤيةٍ من داخل اليَقين.

وكُلَّما كان المَخزون المعرفي أَصفى، وكُلَّما كان القَلب أَبعَد عن الزَّيغ، كان العَقل أَنصَع، والتَّفَكّر أَعمَق، والفِقه أَصدَق. فالمَنظومة سِلسلة مُتَّصلة، صَفاء أَوَّلها يَنعَكِس في صِدق آخِرها.

3.4.9الخاتمة ـ الوَعي القرآني، تَكامل لا تَقسيم

لا يَدعو القرآن إلى «العَقل وَحده» فيَنفَصِل عن الواقع، ولا إلى «القَلب وَحده» فيَسقُط في الهَوى، بَل إلى إنسانٍ واعٍ متَكامل: قَلبه يُقَلّب دون تَعَصّب، وعَقله يَربط دون جُمود، وتَفَكّره يَجمَع بَين الآفاق والأَنفُس، وفِقهه يَستوعِب الواقع ويُحَقّق العَدل في الأَرض.

فمَن أَهمَل قَلبه، قَد يَصير عَقله أَداةً للضَّلال، إذ يَربط على مُعطَيات فاسدة. ومن أَهمَل عَقله، قَد يَصير قَلبه باباً للهَوى، إذ يُقَلّب بَلا رَبطٍ مُحكَم. ومن أَهمَل تَفَكّره، انقَطَع عنه مَدَد المعرفة النَّقية. ومن أَهمَل فِقهه، بَقيَ حَبيس النَّظَريات، لا يَصِل وَعيه إلى الواقع.

وغاية الوَحي أَن يَجعل الإنسان خَليفةً واعياً، يَقرأ آيات ربّه في النَّصّ والكَون والنَّفس، فلا يَكون مُتَّبِعاً أَعمى، ولا مُتَأَمّلاً عَقيماً، بَل واعياً يَصِل تَفَكّره إلى يَقين، ويَصِل يَقينه إلى عَمَل.

3.5ـ هل آدم أبو البشرية؟ الخلق البشري والاستخلاف الآدمي في القرآن

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «التَّعضيد لا التَّصديق»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث