- أصل الوجود
- الإنسان وموضعه من الوجود
- القرآن والكتاب والفُرقان
القرآن والكتاب والفُرقان
تمهيد
يَتَناوَل هذا الفصل ثَلاث موضوعات في بنية الكتاب الذي أَنزله الله: القرآن (3.3.1) بمعناه المتَشابه الكَوني القَصصي، والكتاب (3.3.2) بمعناه التَّشريعي المحكَم، والفُرقان (3.3.3). والأَوَّلان شِقّا الكتاب الجامع: القرآن فِكرٌ وبُرهانٌ وهداية، والتَّشريع مسارٌ وسلوك. أَمّا الفُرقان فمن جِنس آخر، آلية تَثبيتٍ ونَصرة تَحمي الكتاب الجامع بشِقَّيه وتُمَكّنه في الواقع، لا قِسماً ثالثاً موازياً لهما.
والتَّرتيب بَين هذه الموضوعات يَنبثق من منهج تَنَزّل الكتاب الجامع ومن البِنية الفِطرية للتَّلَقّي معاً. فقَد نَزل بمَنهج محكم: في المَرحلة المكّية تَنَزَّلَت الآيات الإيمانية الكَونية القَصصية، تَكشف عَظَمة الخَلق وسنن الوجود وقَصص الأَنبياء، فتُؤَدّي وَظيفة التَّأسيس الإيماني حَيث يَتَلَقَّى المخاطَب شُهود الوجود فيُصَدّق بمَصدر الوَحي قَبل أَن يَتَلَقَّى التَّكليف. والقرآن بهذا فِكرٌ ووَعيٌ وبُرهان، لكنّه هدىً لمن يَسمع ويَرى ويَطلب الهداية ويَسعى وراء المنطق، لا لمن كَفر وأَعرَض واستَكان لما وَجد عَليه آباءه. وفي المَرحلة المدنية، بَعد أَن تَكَوَّن مجتَمَع مؤمن مصَدّق، تَنَزَّلَت الآيات التَّشريعية التَّفصيلية، فأَدَّت وَظيفة تَنظيم سلوك من صَدَّق بمسارٍ محبَّب بَلا إعراض. والتَّرتيب يَتَّسق مع البِنية الفِطرية للتَّلَقّي، إذ الإنسان يُؤمن قَبل أَن يُطيع، والإيمان شَرط بنيوي للطاعة؛ فالقرآن يَعرض شُهود الوجود التي يُصَدّقها المتَلَقّي بنَفسه، وبَعد التَّصديق يَتَلَقَّى التَّشريع بَلا قَسر لأَنه موَجَّه ممَّن يَثق به.
أَمّا الفُرقان فآلية تَثبيتٍ تُلازم الكتاب الجامع لا تَتلوه طَوراً، تَفصل بَين الحَقّ والباطل في النَّصّ والواقع معاً، وتَأتي على مستَوَيَين متَكاملَين. الأَوَّل سنّةٌ متَجَدّدة يَجعلها الله لكلّ من آمن واتَّقى، فَرداً كان أَو جَماعة، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ، وقَوله ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]، فهو نَصرةٌ ومَخرَجٌ وتَثبيتٌ يَلازم التَّقوى في كلّ حين. والثاني الفُرقان الأَكبر، نُقلةٌ حضارية كُبرى نَزَلَت مَرَّتَين في التاريخ مرافِقةً لإنزال الكتاب الجامع: مع موسى حَيث ثَبَّت رِسالته وكَسر شَوكة فرعون ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 53]، ومع محمد حَيث نَصَر المؤمنين يَوم بَدر ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: 41]. فالكتاب الجامع يَنزل ومعه فُرقانٌ يُثَبّته في الواقع، يُمَكّنه ويَكسر شَوكة من عارَضه وأَبى التَّجديد، نُقلةً نَوعية من ماضٍ إلى مستَقبل بالنَّصّ والواقع معاً. ولا يَستقيم تَناوُل هذه الموضوعات الثَّلاثة بمَعزل بَعضها عن بَعض، لأَن بنية الكتاب الجامع تَستوعب شِقَّيه وتَحفظهما آليةُ الفُرقان في وَحدة محكمة؛ ومن لم يَستوعب هذه البنية أَوَّلاً عَسر عَليه فَهم الأَقسام بَعدها، فظَنَّ القرآن والكتاب مترادفَين، أَو اختزل أَحدهما في الآخر، أَو فَتح بَينهما تَناقضاً لا حَقيقة له.
3.3.1القرآن ـ النظام المعرفي الجامع
تَأَسَّس في تَمهيد الفصل (3.3) بنية الكتاب الجامع بقِسمَيه، التَّشريع المحكَم والقرآن المتَشابه. وهذا القسم الأَوَّل من الفصل يُخَصَّص للقرآن بمعناه المتَشابه، يَكشف حَقيقته البنيوية ومَوقعه الوجودي وآلية نُزوله وصِفاته الذاتية ووَظيفته المعرفية وعَواقب هَجره، استقراءً داخلياً من النَّصّ نَفسه دون استيراد تَعريف من خارجه. ويَتلوه قسمان يُكَمّلان منظومة الكتاب الجامع: القسم 3.3.2 يُؤَسّس الكتاب بمعناه التَّشريعي المحكَم، أَوامرَ ونَواهيَ تَضبط السلوك المجتَمعي، والقسم 3.3.3 يُؤَسّس الفُرقان آليةَ تَثبيتٍ تَفصل الحَقّ عن الباطل في الواقع والنَّصّ معاً. والقارئ الذي يَستوعب هذه الأَقسام الثَّلاثة في تَكاملها يَنفتح له النَّصّ بنيةً معرفية محكمة، يَتجاوز بها الفَهم السطحي إلى رؤية شاملة لطبيعة الكتاب الجامع ومنهج التَّعامل معه.
3.3.1.1الاسم مفسِّراً للمسمَّى ـ تَعريف لُغوي
قبل أَن يَنزل الكتاب على لُغة، تَنزل اللُّغة على الكتاب. ومن هنا فإن أَوّل ما يَنبغي للقارئ أَن يَتَوَقَّف عنده اسم الكتاب نَفسه: «القرآن». فالاسم في القرآن ليس عَلَماً اعتباطياً، بَل مفسِّرٌ للمسمَّى وشارحٌ لطبيعته. ومن قَرأ الاسم بحَقّه عَرف المسمَّى من أَوّل عَتبته.
1. الجَذر اللُّغوي ـ قَرَنَ وقَرَأَ
كَلمة «قرآن» في الجَذر العَربي تَجمع بَين فعلَين متَكاملَين: «قَرَنَ» الذي يَدلّ على الجَمع بَين شَيئَين فأَكثر في وَحدة واحدة لا تَنفصل فيها الأَجزاء بَعد اقترانها، و«قَرَأَ» الذي يَدلّ على استخراج المعنى من المكتوب أَو المنظور. ومن هذا الاقتران الجَذري يَتجلَّى المعنى المركَّب للقرآن، فهو نَصّ مقترن في بنيته، مقروء في وَظيفته: مقترن لأَنه يَجمع بَين شَيئَين لا يَفترقان، ومقروء لأَنه يُقَدّم نَفسه للقراءة الواعية لا للحفظ الآلي.
2. معجزة في المضمون
والإعجاز الحقيقي في الاسم يَتجلَّى حين يَنطبق على المسمَّى انطباقاً تاماً. فالقرآن في حقيقته البنيوية اقترانٌ بَين شَيئَين لا يَنفصلان: الآيات الكَونية التي تُمَثّل سنن الوجود وقَوانينه، والقَصص الإنسانية التي تُمَثّل سجلّ التَّفاعل البَشري مع تلك السنن. والاثنان مقترنان في نَسيج واحد، لا تَنفصل آية كَونية عن قصة إنسانية إلا فُقدت دَلالة كلٍّ منهما، فلا تَستقيم الآية الكَونية وَحدها دَليلاً ما لم تَقترن بسلوك الأمم في التاريخ، ولا تَستقيم القصة الإنسانية عِبرةً ما لم تَقترن بالسنن الكَونية التي حَكمت مَصير أَصحابها. وهذا الاقتران في نظام محكم لا فَوضى فيه، بَل بنية متَّسقة تَحفظ كلّ عُنصر في موضعه دون خَلط أَو تَكرار عَبثي، إحكامٌ يَكشف نَفسه عَملياً حين يَتفحَّص القارئ النَّصّ فلا يَجد فيه اضطراباً ولا تَناقضاً. وهو مع ذلك يُمكن قراءته إنسانياً، لأَن المراد من الاقتران ليس مجرَّد الجَمع بَين الكَونيات والقَصص، بَل أَن يُقرأ ويُفهم؛ فالاسم لا يُمَثّل نَصاً مغلقاً على ذاته، بَل نَصاً مَطلوبَ التَّناوُل، مَوضوعاً للعَقل البَشري والوَعي الإنساني.
3. لماذا يَقترن النَّصّ بالوجود؟
وأمّا الاقتران الثاني، اقتران النَّصّ بالوجود، فيَستحقّ تَأَملاً في عِلَّته: لماذا قَرن القرآن الحَدث الكَوني بالحَدث الإنساني في نَسيج واحد، ولم يَفصل بَينهما فيَجعل للقَوانين الكَونية كتاباً وللقَصص الإنسانية كتاباً، فيَكون كلٌّ منهما واضحاً في حَدّ ذاته؟ والجَواب يَنبثق من بنية الوجود نَفسه. فالنظام الكَوني المسيِّر للوجود ـ وهو ما سيُسَمّى في فصل 3.7 بالكتاب المبين ـ ليس قَوانين مجرَّدة منفصلة عن السلوك البَشري، بَل آلية حَيَّة متَحَرّكة يَتفاعل معها الإنسان شَاء أَم أَبى: كلّ فعل فيها يُنتج رَدَّة فعل، وكلّ سَبب يُولّد نَتيجة، وكلّ نَتيجة تَصير سَبباً لأَخرى، في شَبكة متَّصلة لا انفصام فيها بَين الكَون والإنسان والتاريخ.
والإنسان داخل هذه الآلية يَمرّ بمَرحلتَين. في المرحلة الأُولى يَكون البَشر تابعاً للنظام، فقبل أَن يَستيقظ وَعيه يَكون مَنقاداً للسنن كأَيّ دابة، تَجري عليه نَتائجها دون أَن يَفهم سَببها، مَقروءاً بالسنن لا قارئاً لها. وفي المرحلة الثانية يَصير الإنسان فاعلاً في النظام، فحين يَستيقظ وَعيه ويَتعَلَّم يَنتقل من التَّبَعية إلى الفِعل، يَتفاعل مع السنن ويُطَوّعها لنَفسه ويُنتج ويُؤَثّر، فتَتجلَّى نَتائج سَعيه أمامه فيما يُسَمّى في الفصل ذاته بالإمام المبين. والقاعدة الكُبرى التي تَكشفها هذه الآلية أَنه كلَّما ازداد الإنسان علماً بالسنن استَطاع التَّفاعل معها وتَطويعها فيَرتَقي ويَتَرَسَّخ، وكلَّما جَهلها واتَّبع الخُرافة أَدارته السنن نَتائجها فيَنحسر ويَندَثر، وهي قاعدة عاملة في كلّ زَمن وفي كلّ أُمَّة.
ومن هنا يَتجلَّى لماذا قَرن القرآن الحَدث الكَوني بالحَدث الإنساني: لأَن الاثنَين آلية واحدة، السنّة تَعمل والإنسان يَتفاعل والنَّتيجة تَتجلَّى، فلا يَستقيم فهم السنّة دون رؤية كيف عَملت في الإنسان، ولا يَستقيم فهم التاريخ دون إدراك أَيّ سنّة جَرت فيه. ويَدلّ على شُمولية الإمام المبين قَوله تعالى ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ ، فأَصحاب الأَيكة كانوا ظالمين ومع ذلك يُؤَكّد القرآن أَنهم في إمام مبين، أَي أَن مسارهم الجاهل وانتقام السنن منهم بائنٌ مَرئيٌّ للأَجيال القادمة، شاهدٌ على ما يَؤول إليه الجَهل بالسنن. ويُؤَكّده قَوله تعالى ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ [النجم: 39-40]، فـ«سَوف يُرى» يَكشف أَن كلّ سَعي يَتجلَّى ويُرى، نَجاحاً كان أَم اندثاراً، علماً كان أَم جَهلاً، محفوظاً كَونياً لا يُمحى أَبداً، شاهداً على صاحبه ولمن يَأتي بَعده.
ومن هنا يَستوعب القارئ لماذا قَصّ القرآن قَصص الأمم الهالكة: ليست تَسلية ولا حكايات منعزلة، بَل شُهوداً على آلية الكتاب المبين، كيف جَهلت تلك الأمم السنن وكيف انساقت بَلا وَعي وكيف فَرضت السنن نَتائجها عليها فاندَثرت؛ وفي المقابل قَصص الأَنبياء وأَتباعهم شُهودٌ على النَّجاة، كيف وَعى أُولئك آلية الوجود وكيف اقترنوا بسننه وكيف تَرَسَّخوا في وجدان الأَجيال. ومن هذا يَنبثق أُفقٌ معاصر مهمّ، فالسنن عاملة الآن كما كانت تَعمل قَديماً: الأمم التي تَعَلَّمت الكَون وتَفاعلت معه ـ كاليابان التي تَجري فيها زَلازل كلّ يَوم ـ ارتَقت وتَرَسَّخت لأَنها فَهمت آلية الكتاب المبين، والأمم التي جَهلت السنن واتَّبعت الخُرافة يَكفيها زَلزال واحد لتَنتهي عن بكرة أَبيها؛ إذ إن فاعليَّة الأمم نَفسها تَصير جزءاً من الوجود، فتَجري عليها سننه التي لا تُحابي، فيَكون انهيار الجاهلة بها نَتيجةَ عَدم انسجامها مع النظام الذي صارت جزءاً منه، لا عُقوبةً مفروضة من خارجه. فالقَصص في القرآن لم تَنته بنَهاية أَصحابها، بَل تَستمرّ شُهوداً على آلية تَجري في كلّ زَمن.
ومن ثَمَّ، حين يَنزل القرآن مطابقاً لأَصله المنشور في الوجود يَأتي مقترناً بطبيعته، يَجمع بَين الآية الكَونية (السنن) والقصة الإنسانية (آثار التَّفاعل)، لأَن الاثنَين في الأَصل آلية واحدة لا تَنفصل: السنّة جانب من الآلية، والقصة جانب آخر منها، وكلاهما في الكتاب المبين الذي تَجري فيه أَفعال الإنسان وتَتجلَّى نَتائجه. فاقتران النَّصّ بالوجود ليس قَراراً تَأليفياً، بَل استخراجٌ أَمين من حقيقة الوجود نَفسه، فما اقترن في الأَصل ـ السنن وأَثرها في الإنسان ـ اقترن في النَّصّ المنزَّل، ومَن طَلب فَصلهما في القرآن طَلب فَصل ما لا يَنفصل في الوجود. والقارئ بهذا الاقتران يُدعى إلى وَعي مَوقعه في الآلية: إمّا أَن يَتعَلَّم السنن ويَتفاعل معها فيَرتَقي ويَكون من أَهل الإمام المبين الفاعل، وإمّا أَن يَجهلها ويَنساق فيَكون شاهداً سَلبياً تَتجلَّى عليه نَتائج جَهله كما تَجلَّت على من سَبقه؛ وفي كلتا الحالَين لا انفلات من الآلية، فإمّا تَفاعل واعٍ وإمّا انسياق محتوم.
4. التَّطابق بَين الاسم والمسمَّى
ومن هذا التَّأسيس اللُّغوي تَتجلَّى المعادلة المنهجية الأُولى التي يَنطلق منها هذا الفصل. فالاسم مفسِّرٌ للمسمَّى، إذ «قرآن» تَعني نَصاً مقترناً مقروءاً، فإذا فَتحت النَّصّ وَجدته فعلاً اقتراناً بَين الكَون والتاريخ مَدعواً للقراءة الواعية. والمسمَّى شارحٌ للاسم، إذ يَزداد فَهمك للاسم كلَّما تَعَمَّقت في النَّصّ، لأَنه يَكشف لك بنيته الاقترانية في كلّ صَفحة فيَستقرّ في وَعيك أَن «قرآن» ليست تَسمية اعتباطية بَل وَصفٌ بنيويٌّ يَنطق بحقيقة المسمَّى. والاثنان متَلازمان لا يَفترقان، لا يَستقيم فهم أَحدهما إلا بفَهم الآخر.
5. مَوقع هذا التَّأسيس في فَهم القرآن
من هنا، فإن السؤال الذي يَفتتح به هذا الفصل ليس «ما هو القرآن؟» بصورة مفتوحة، بَل «كيف يَشرح القرآن نَفسه باسمه؟»، وهذا منهج استقرائي يَلتزم منذ العَتبة الأُولى أَلَّا يَستورد تَعريفاً من خارج النَّصّ، بَل أَن يَستنطق النَّصّ باسمه قبل أَن يَستنطقه بمضمونه. ومن لم يَقف عند الاسم بحَقّه فاته نِصف المسمَّى، ومن وَقف عنده وعَقل ما فيه دَخل المضمون بعَين قارئ يَعرف ما يَنتظره: اقترانٌ محكم بَين الكَون والتاريخ والسنن، مَفتوحٌ للقراءة الواعية، ممتنعٌ عن الفَوضى والتَّجزئة.
3.3.1.2القرآن في الوجود ـ كَمنٌ وإشهار وتَجَلٍّ
قَبل أَن نَخوض في صِفات القرآن وآليات نِزاله وتَلَقّيه، يَنبغي أَن يَستقرّ في وَعي القارئ أَين يَستقرّ القرآن في حقيقته الأَصلية. لأَن مَن ظَنَّ القرآن حادثاً مع نُزوله على النَّبي فاته أَنه سابق على ذلك بكَمَنه في الوجود نَفسه. والقَرائن القرآنية على هذا التَّأسيس صَريحة لا تَحتاج إلى تَأويل.
1. القَرينة الأَولى ـ آية البروج
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ . والآية تَكشف بنيوياً مَوقع القرآن، فهي لم تَقل «من لوح محفوظ» التي تُفيد المصدر، بَل قالت «في لوح محفوظ» التي تُفيد الظَّرفية والاستقرار، فالقرآن إذن يَستقرّ في اللوح المحفوظ. واللوح المحفوظ كما تَأَسَّس في فصل 2.9 من الباب الثاني ليس خزانة سَماوية يُخزن فيها القرآن، بَل الكَون نَفسه بوصفه مَكشوفاً لمن طَلبه (من الجَذر «لاح» = الإظهار)، ثابتاً بسننه (المحفوظ بالتَّسبيح والتَّقديس الملائكي). فاللوح المحفوظ بنية الكَون الكاشفة الثَّابتة، والقرآن في هذا اللوح، أَي في الكَون نَفسه.
2. القَرينة الثانية ـ آية الطور
﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ﴾ . والآية في سياق القَسَم الإلهي الذي افتَتحت به سورة الطور (والطور، وكتاب مَسطور، والبَيت المعمور، والسَّقف المرفوع)، والقَسَم هنا يَكشف العَلاقة الجَوهرية بَين القرآن في صورتَيه. فـ«كتاب مَسطور» هو المصحف، النَّص العَربي المخطوط الذي بَين أَيدي الناس، الذِّكر القابل للتِّلاوة في سُطور منتظمة؛ و«في رَقّ منشور» هو الوجود المنشور، الكَون المفتوح المبسوط أمام البَصيرة الذي تَنطق سننه بكل ما يَحوي المسطور. والآية تَكشف أَن الكتاب المسطور (المصحف) يَستقرّ في الرَّقّ المنشور (الوجود)، أَي أَن القرآن المخطوط مطابق لأَصله المنشور في الوجود، فلا يَستقيم فَهم المسطور إلا بمطابقته للمنشور، ولا يَتَّضح المنشور إلا بقراءته من خلال المسطور. وهذا تَأسيس بالغ الأَهَمّية: القرآن في صورتَين متَطابقتَين لا متَباينتَين، المسطور ذِكرٌ بَين الأَيدي مستخرَجٌ من المنشور، والمنشور كَونٌ هو أَصل المسطور وشاهده.
3. القَرينة الثالثة ـ آية البقرة
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ . فالفعل «أُنزل» مع ظَرفية «فيه» يَدلّ على الإشهار في الزَّمن، إذ لو كان المراد نُزولاً مادياً لمخطوط لَجاء بـ«أُنزل عليه» أَو «أُنزل إليه»، لكنّ «فيه» تَكشف أَن القرآن أُشهر في رَمضان، أَي انتَقل من حال الكَمن إلى حال الإشهار. ورَمضان شَهر إشهار في الوجود، لا حَدث مخطوط.
4. النَّتيجة البَنيوية
من اقتران هذه القَرائن الثَّلاث يَتجلَّى التَّأسيس قاطعاً: القرآن في حقيقته الأَصلية مَوجود في الوجود نَفسه، في اللوح المحفوظ الذي هو الكَون المكشوف الثَّابت بسننه، كتاباً مسطوراً في رَقّ منشور أَي قَوانينَ محكمةً في الوجود المفتوح يَكشفها النَّصّ المتلوّ، أُنزل في رَمضان أَي أُشهر في الزَّمن وانتقل من الكَمن إلى الإشهار. والقرآن إذن بنية معرفية كامنة في الكَون تَنكشف للناس عَبر مَراحل التَّجَلّي، سابقٌ على نُزوله على النَّبي، قائمٌ في الوجود قَبل أَن يَتلَقَّاه أَحد، تَلَقَّاه النَّبي من حال الكَمن إلى حال الوُصول ولم يُنشئه إنشاءً.
ويَكشف القرآن في وَصف نَفسه ثُنائية بنيوية بالغة الدقَّة، تَتجلَّى من اقتران آيتَين بصياغة متَوازية تَنطقان ببُعدَين متَكاملَين للقرآن في الوجود: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ ، و﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 77-79]. والآيتان متَوازيتان في الصياغة (قرآن + صفة + ظَرفية) لكنّهما تَكشفان بُعدَين مختَلفَين متَكاملَين. البُعد الأَوَّل القَوانين الناظمة في الوجود ﴿قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾، والمجد كَما سيَتَأَسَّس في 3.3.1.9 يَدلّ على السعة والعُلوّ والثَّبات الذي لا يَنطفئ، وهي صفات ذاتية للقَوانين الكَونية الناظمة تَنبثق من بنيتها نَفسها، واللوح المحفوظ مَوضع تَجَلٍّ ثابت من «لاحَ» الإظهار يَستوعب القَوانين مَكشوفةً لمن طَلبها بالاستقراء ثابتةً بسننها، فالاقتران يَكشف القَوانين العُلوية الثابتة في بنية الكَون المكشوفة. والبُعد الثاني النَّصّ الذي بَين أَيدينا ﴿قُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾، والكَرم كَما سيَتَأَسَّس في 3.3.1.9 يَدلّ على العَطاء السَّخي المعرفي المتَجَدّد، وهي صفة تَنبثق من عَلاقة القرآن بالقارئ فالكَريم يُعطي لمن يَتَلَقَّى بقَلب صافٍ، والكتاب المكنون حالٌ للنَّصّ بالنِّسبة لمن لم يَطهر فكره لا حالٌ للنَّصّ بذاته، فالاقتران يَكشف النَّصّ المعرفي السَّخي الذي يَستقرّ في حال إكنانٍ بالنِّسبة لمن لم يَطهر فكره.
ولاحظ التَّمييز اللُّغوي الدَّقيق بَين الصياغتَين: اللوح من «لاحَ» مَوضع تَجَلٍّ ذاتي، والكتاب من «ك-ت-ب» جَمع متراصّ منتَظم؛ والمحفوظ ثابت بذاته، والمكنون حال نِسبية للقارئ؛ والمجيد صفة ذاتية لما هو في اللوح، والكَريم صفة عَطائية لما هو في الكتاب. وكلّ تَمييز يَنسجم مع البُعد الذي يَنتمي إليه: القَوانين ذاتية ثابتة عُلوية، والنَّصّ مَوضع عَطاء سَخيّ مشروط بطُهر المتَلَقّي. والبُعدان متَطابقان ضَرورةً بنيوية، فالنَّصّ يُحاكي القَوانين فيَكتسب صفاتها، والقَوانين تَنكَشف عَبر النَّصّ فيَكتسب النَّصّ إحكامها، ولا يَستقيم أَن يَكشف النَّصّ القَوانين المحكمة بصياغة غَير محكمة، ولا أَن تَنكَشف القَوانين المحكمة عَبر نَصّ مضطرب. ومن هنا تَنبع قاعدة «مطابقة المسطور بالمنشور» التي هي قاعدة فَهم القرآن، فالمسطور في النَّصّ يُطابق المسطور في الوجود لأَنهما وَجهان لحَقيقة واحدة محكمة.
5. التَّوازي البنيوي بَين المسطور والمنشور
«المسطور» في الجَذر العَربي يَدلّ على المحكم المبرم الذي لا يَحيد، من «السَّطر» المستَقيم الذي لا اعوجاج فيه، ومنه «المسَيطر» الذي يَفرض حُكمه بإحكام لا انفلات منه. والمسطور بهذا المعنى محكم مبرم لا يَحيد ولا يَسهو ولا يُحابي. ومن آية الطور ﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ﴾ تَتجلَّى ثُنائية بنيوية تَتَكامل مع ثُنائية البروج والواقعة. فالبُعد الأَوَّل الكتاب المسطور في الوجود، منظومة القَوانين المحكمة المضبوطة التي تَحكم الرَّقّ المنشور (الكَون)، قَوانين لا تَحيد ولا تَسهو ولا تُحابي تَجري على كلّ من اجتَمعت فيه شُروطها بصَرف النَّظر عن هَويَّته. والبُعد الثاني الكتاب المسطور بَين الأَيدي، النَّصّ القرآني المتلوّ، مسطورٌ أَيضاً لأَنه يَكشف تلك القَوانين بصياغة محكمة، محكمٌ في بنيته كَما القَوانين التي يَكشفها، مضبوطٌ لا يَحيد كَما النظام الحاكم للوجود.
ويَتأَكَّد هذا الإحكام في آية الإسراء 58 ﴿إِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾، فالصياغة بحَصر قاطع «إن من قَرية إلا...» تَكشف أَن قانون هَلاك القُرى محكم مبرم، يَجري على كلّ قَرية اجتَمعت فيها الشُّروط بصَرف النَّظر عن هَويَّتها أَو انتمائها، ويَنتظم تَراتبياً في سُطور: القَرية ذات اللون الواحد، فرَفض الرَّأي المغاير، فتَوحيد النظام بمعزل عن قَوانين الوجود، فحَمل بذور الفَناء الذاتي، فالهَلاك؛ وهذه السُّطور المتَراتبة قانون كَوني سائد يَجري بإحكام لا يُحابي. وعلى النَّسق نَفسه يَكتسب الرَّقّ المنشور بُعداً مزدوجاً: في الوجود هو الكَون المفتوح المبسوط المَكشوف للبَصيرة مَحلّ تَجَلّي القَوانين، وفي النَّصّ هو صفحات النَّصّ المفتوحة المتاحة للقراءة المَكشوفة لكلّ من طَلبها مَحلّ تَجَلّي الكَشف اللَّفظي للقَوانين، والاثنان مفتوحان مَكشوفان لا حجاب فيهما. ومن هذا التَّأسيس تَنبع قاعدة «مطابقة المسطور بالمنشور» بصورتها البنيوية المحكمة، فالنَّصّ المسطور بَين الأَيدي مطابق للقَوانين المسطورة في الوجود لأَنهما وَجهان لحَقيقة واحدة، ومن قَرأ النَّصّ بحَقّ قَرأ القَوانين الحاكمة للوجود، ومن طَلب التَّفصيل عَبر حارس بَشري طَلبه في غَير مَوضعه لأَن الحارس الحَقيقي إحكام القانون نَفسه.
6. التَّمييز الدَّقيق ـ القرآن والوجود
ها هنا تَدقيق منهجي بالغ الأَهَمّية: القرآن في الوجود لا يَعني أَنه هو الوجود بصورته المادية. فالوجود المادي هو الذَّرّة والجَبل والإنسان كأَجسام والأَحداث كوقائع، أَمّا القرآن فهو البنية المعرفية الكامنة في هذا الوجود، التي تَكشف سننه وقَوانينه ومَصائر الأمم في تَفاعلها معها. أَي أَن القرآن ليس الكَون المادي نَفسه، بَل بنيته المعرفية الكامنة: السنن والقَوانين والعَلاقات والأَنماط والحقائق التي تَنطق بها الأَشياء حين يَنفذ إليها الفَهم. ومن هنا يَستقيم القَول إن القرآن بنية كامنة في الوجود، فمن قَرأ الوجود (المنشور) قراءة واعية بَلغ بَعض القرآن، ومن قَرأ المخطوط (المسطور) بَلغ بَعضه الآخر، والاثنان مَصدران للقرآن نَفسه لكنّ كلّ واحد منهما يَستلزم نَوعاً من التَّناوُل.
7. مَراحل تَجَلّي القرآن
من هذا التَّأسيس تَتجلَّى مَراحل سَبع لتَجَلّي القرآن من الكَمن إلى القراءة. الأُولى الكَمن في الوجود، فالقرآن في اللوح المحفوظ في الرَّقّ المنشور، بنية كامنة في الكَون ثابتة بسننه مَكشوفة لمن طَلبها بالتَّأَمل. والثانية الإشهار في الزَّمن ﴿أُنزل فيه القرآن﴾ في رَمضان، انتقالٌ من حال الكَمن إلى حال الإشهار وتَهيئةٌ لتَنزيله في صورة قابلة للوُصول. والثالثة التَّنزيل على قَلب النَّبي ﴿أَنزلنا إليك الذِّكر﴾، تَجَلّي القرآن في وَعي مَخصوص بصورة متَدَرّجة وَفق مَواقع الزَّمن وحاجات السياق. والرابعة التَّيسير للذِّكر ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ ، تَحويل القرآن إلى صورة مَيسَّرة قابلة للتِّلاوة والتَّناوُل هي «الذِّكر»، صورةٌ مَيسَّرة من القرآن مسطورٌ يُطابق المنشور. والخامسة البَلاغ من النَّبي ﴿لتُبَيّن للناس ما نُزّل إليهم﴾ [النحل: 44]، فالنَّبي يُظهر الذِّكر للناس لا يَكتمه عنهم، بَلاغٌ لا تَفسير. والسادسة المسطور بَين أَيدي الناس، المخطوط المتلوّ النَّصّ العَربي المبين الذي يَتداوله الناس قراءةً وتلاوةً. والسابعة القراءة الواعية بمطابقة المسطور بالمنشور، أَي العَودة من المسطور إلى المنشور بمطابقة المخطوط للكَون، فيَكتشف القارئ كيف يَنطق المسطور بسنن المنشور وكيف يَكشف المنشور معاني المسطور، وهذه هي القراءة بمعناها الكامل مقابل التِّلاوة التي تَقف عند المسطور وَحده.
8. ما يَترتَّب على هذا الفهم
يَترتَّب على هذا الفهم أَن القرآن لا يُفهم بمعزل عن الوجود، لأَن المسطور استخراجٌ من المنشور لا انفصالٌ عنه، ومن قَرأ المسطور دون أَن يُطابقه بالمنشور قَرأ ظَلَّه لا أَصله. وأَن الكَون مَصدر فَهم القرآن لا منافس له، فحين يَكتشف العلم سنناً جَديدة لا يُضيف إلى القرآن بَل يَكشف بَعضه الذي كان كامناً في المنشور، ولذلك قال تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ، فالآيات تَتبَيَّن في الآفاق والأَنفس لأَنها هَناك أَصلاً في الرَّقّ المنشور. وأَن التَّفَكُّر في القرآن تَفَكُّرٌ في الوجود والعَكس، لأَن المسطور في المنشور والمنشور يَنطق بالمسطور، ومن طَلب القرآن في المسطور فقَط دون المنشور فقد طَلبه في صُورته دون أَصله. وأَن القرآن متَشابهٌ مثاني، يُفكّ تَشابُهه بتَعاضد آياته بَعضها مع بَعض لا بمَرجع من خارجه، فالآية المنفردة قَد يَتَشابه عَليها المعنى، فإذا استُحضر قَرينها المثاني في النَّصّ تَطابق المسارَان وانفكّ التَّشابه وتَجَلَّى المعنى نَقياً، كَما في قَوله تعالى ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 29] الذي يَنفكّ تَشابُهه بقَرينه ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31] فتَتَبَيَّن نَفخة الرُّوح طَفرةً معرفية، ومن طَلب فَكّ التَّشابه في الرواية والحديث دون مثاني النَّصّ طَلبه في مكان غير مكانه كَما سيَتَأَسَّس في 3.3.1.10. وأَن هَجر القرآن الذي ذَكره الفرقان 30 ﴿اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ يَأخذ بُعداً أَعمق، فالهَجر ليس تَرك التِّلاوة فقط بَل تَرك القراءة بمعناها الكامل، إذ تَلا الناس المسطور دون أَن يَطابقوه بالمنشور فاكتَفوا بالصورة وتَركوا الأَصل.
3.3.1.3القرآن نُبُوّة محمَّدية ـ البُرهان الوجودي
كلّ نَبيٍّ بَعثه الله أَيَّده ببُرهان وجودي يَكشف صِدق رِسالته، يَتجاوز الحُجَّة اللُّغوية إلى الحُضور الموضوعي. فموسى أُيّد بالعَصا التي تَتحَوَّل ثُعباناً مبيناً، وعيسى أُيّد بالروح التي يُكَلّم الناس بها في المهد كَهلاً ويُحيي الموتى ويُبرئ الأَكمه والأَبرص، وكلّ بُرهان يَتناسب مع طبيعة الرِّسالة وعَصرها. والبُرهان هو الفيصل الذي يُطلَب عند دَعوى الحَقّ، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ ، فالنَّصّ يَطلب البُرهان على دَعوى الباطل، ثُمَّ يُقابله بأَن «الذِّكر» نَفسه ـ ما مع النَّبي وما قَبله ـ هو البُرهان القائم على الحَقّ. والنَّبي محمد لم يَخرج عن هذه السنّة الإلهية، فقد أُيّد ببُرهان وجودي يَفوق ما سَبقه يُناسب رِسالةً خاتمةً عامّةً للناس كافة، هذا البُرهان هو القرآن نَفسه.
ويَتجلَّى مَوقع القرآن من الرِّسالة المحمَّدية في آية يونس 37 ﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، وهي تَكشف عَلاقة ثُلاثية محكمة تَستحقّ التَّأَمل في كلّ بُعد منها.
1. البُعد الأَوّل ـ نَفي الافتراء
«ما كان هذا القرآن أَن يُفترى من دون الله». الآية لا تَدفع تُهمة الافتراء بحُجَّة لُغوية أَو بَلاغية، بَل بطبيعة القرآن نَفسه. فالقرآن في حقيقته الوجودية كَما تَأَسَّس في القسم السابق بنية كامنة في الكَون، مستخرَجة من الرَّقّ المنشور، مطابقة لأَصلها، وهذا ليس ما يَستطيع بَشر أَن يُنشئه افتراءً. ومن ادَّعى أَن محمداً افتراه فعَليه أَن يَأتي بمثله، والتَّحَدّي قائم لكلّ من اجتَمعت همَّته على المحاكاة، فعَجز الناس مجتَمعين عن الإتيان بمثله شاهدٌ على نَفي الافتراء.
2. البُعد الثاني ـ تَصديق التَّشريع
«ولكن تَصديق الذي بَين يَديه». التَّشريع المجرَّد، مهما عَلت قِيمه وسَمت أَخلاقه، يَبقى محتاجاً إلى حُضور وجودي يُؤَكّده، والقرآن يَأتي بهذا الحُضور: آياته الكَونية تَكشف سنن الوجود التي يَتأَسَّس عليها التَّشريع، وقَصصه تَعرض كيف تَفاعلت الأمم معه نَجاحاً وفَشلاً، وأَمثاله تُجَلّي قِيمه في صُور حَيَّة، ووَعيده يُؤَكّد عَواقب مخالفته، وتَبشيره يُؤَكّد ثَمرات الالتزام به. والنَّتيجة أَن التَّشريع لا يَقف وَحده مجرَّداً، بَل مُسنَداً بكلّ ما في القرآن من شُهود الوجود؛ فحين يُواجَه بتَشكيك يَجد القرآن خَلفه يَعضده، وحين يُحاوَل تَحريفه يَجد البَشر القرآن شاهداً يَكشف الحَقّ.
3. البُعد الثالث ـ نَفي الرَّيب وتَفصيل الكتاب من رَبّ العالمين
«وتَفصيل الكتاب لا رَيب فيه من رَبّ العالمين». فبَعد أَن صَدَّق القرآن المستَجَدّ التَّشريعي («تَصديق الذي بَين يَديه»)، يَنتقل إلى بُعد آخر مستقلّ هو «تَفصيل الكتاب»، منظومة تَخصّ المحكَمات الأَزَلية المشتَركة بَين الرسالات تَحديداً، تَتَأَسَّس بدقَّتها في فصل الكتاب (3.3.2.6). فالكليات التَّشريعية ثابتة تُنسب لله دلالةً على إطلاقها وأَزليَّتها، لكنّ تَفصيلها يَجري عَليه الزَّمن، إذ يَختَلف بَين رِسالة ورِسالة بما يُوائم تَطَوّر الأمم، فيُفَصَّل في كلّ رِسالة بما يُناسب زَمنها وثَقافتها، ولذلك يُنسب التَّفصيل لرَبّ العالمين لتَماهيه مع الزَّمن لا لله. ونَفيُ الرَّيب في الآية مُعَلَّقٌ بهذا التَّفصيل تَحديداً: «لا رَيب فيه»، أَي لا اضطراب فيه ولا تَناقض، فاختلاف تَفصيل الكليات بَين رِسالة وأُخرى ليس تَبَدُّلاً في الأَصل ولا رَيباً في الحُكم، بَل توقيتٌ ربوبيّ حكيم يُنزل كلّ تَفصيل في زَمنه المتَوائم مع تَطَوّر البشرية، فلا رَيب في تَفصيلٍ هذا شَأنه، إذ هو من رَبّ العالمين الذي يُدَبّر الزَّمن وأَهله.
ويَكشف هذا التَّمييزَ التحامُ آيات التَّفصيل بنِسبتها الربوبية صَراحةً في خاتمتها، مقابل نِسبة المحكَم لله صَراحةً. فتَحريم الميتة والدَّم محكَمٌ يُنسب لله في نَصّ الآية ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، فالتَّحريم لله وخاتمتها «إنّ الله غفور رحيم». فإذا طُلب تَفصيل المحَرَّم من الدَّم، جاء بنِسبة ربوبية صَريحة ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: 145]، حَيث فُصّل الدَّم المحَرَّم بالمسفوح وَحده دون ما لا يَخرج من الذَّبيحة، وخُتمت بنِسبة ربوبية «فإنّ ربّك غفور رحيم». فالتحامُ الختام بالنِّسبة الربوبية في آية التَّفصيل، مقابل النِّسبة الإلهية في آية المحكَم، بُرهانٌ بنيوي على أَن تَفصيل المحكَم لرَبّ العالمين.
ويَستثنى من ذلك المستَجَدّ التَّشريعي المحمَّدي، فإن تَفصيله يُنسب لله لا لرَبّ العالمين. والعِلَّة بنيوية: المستَجَدّ محكَمٌ لم يَسبقه تَفصيلٌ في رِسالة ماضية يَتَطَوَّر عَنه، بَل نَزل محكَماً ومفصَّلاً في زَمن واحد من عند الله، فلم يَجرِ الزَّمن على تَفصيله، فيُنسب هو وتَفصيله لله معاً. فالتَّفصيل الربوبيّ خاصٌّ بالمحكَمات الأَزَلية المشتَركة التي يَجري الزَّمن على تَفصيلها عَبر الرسالات، لا بالمستَجَدّ الذي نَزل دفعةً واحدة. والذي يَعني القرآن في هذا المَوضع كَونه البُرهان المصَدّق بحُضوره للمستَجَدّ، لا تَفصيل المحكَم الذي مَوضعه فصل الكتاب
4. القرآن الدَّليل الذي يَفوق ما سَبقه
ما يَجعل القرآن برهاناً يَفوق العَصا والروح أَنه برهان دائم متَجَدّد. فالعَصا أَيَّدت رِسالة موسى في مَوقفها ثم انقَضى مَوقفها فبَقي أَثرها رواية، والروح في عيسى أَيَّدت رِسالته في زَمنه ثم انقَضى زَمنه فبَقي أَثرها رواية، لكنّ القرآن لا يَنقضي زَمنه ولا يَتَوَقَّف تَأييده، يَتجَدَّد فهمه مع كلّ عَصر، وتَتكَشَّف طَبقات معناه مع كلّ تَقَدّم معرفي، وتَنطق آياته الكَونية لكلّ جيل بما يُوافق علومه. ولذلك جاء التَّحَدّي بصياغة دائمة ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ لا بصياغة وَقتية تَنقضي، لأَن التَّحَدّي قائم في كلّ عَصر يُواجَه به الناس في كلّ زَمن فلا يَستطيعون.
5. نَقل آيات تَأييد النُّبُوّة من شَخص النَّبي إلى الكتاب
ومن أَعمق ما يَكشفه التَّأَمل في الانتقال بَين منظومتَي النُّبُوّات السابقة والنُّبُوّة المحَمَّدية، أَن الله أَزال بنيوياً آيات التَّأييد المادية المرتَبطة بشَخص النَّبي، ونَقل آيات التَّأييد إلى الكتاب نَفسه. فالنُّبُوّة في النَّبي محمد ثابتة بنَصّ الكتاب، لكنّ آيات تَأييدها لم تَعد مادية معجزة تَلتَصق بشَخصه، بَل عَقلية معرفية قائمة في القرآن، وهذا النَّقل يَكشفه اقتران آيات متَعَدّدة تَستحقّ التَّأَمل المتَتابع.
فالنُّبُوّات السابقة أُيّدَت بآيات معجزة مرتَبطة بشَخص النَّبي (موسى بالعَصا واليَد، وعيسى بإحياء الموتى وإبراء الأَكمه والأَبرص)، وكلّ آية مادية مرتَبطة بشَخص النَّبي تُنشئ إشكالاً بنيوياً ثلاثياً. الإشكال الأَوَّل الالتباس في الفَهم، إذ شَذّ بَعض الناس فعَبدوا الشَّخص بَدل الرِّسالة، فالنَّبي الذي يَأتي بآية مادية قَد يُؤَلَّه بنَظر القاصرين عن التَّمييز بَين الفاعل والمفعول فيَنحرفون عن التَّوحيد إلى تَقديس الشَّخص. والإشكال الثاني الانقضاء بمَوت النَّبي، فآية التَّأييد المادية تَنقَضي بانقضاء صاحبها، عَصا موسى لم تَعد تَتَحَوَّل بَعده وإحياء الموتى لم يَعد بَعد عيسى، فيَبقى أَثرها رواية تاريخية لا حجَّة قائمة على الأَجيال اللاحقة. والإشكال الثالث الحَصر بمَن أَبصرها، فالآية المادية محصورة فيمن شاهدها مباشرة، ومَن لم يَرها يُكَذّبها فتُصبح أَساطير الأَوَّلين.
ومن اقتران آياتٍ متَعَدّدة تَتَجَلَّى المنظومة البنيوية لهذا الانتقال. فعَهد الآيات المادية الباهرة قد انقَضى، لأَنها كانت تُلجئ من رآها إلى الإيمان جَبراً إذ لا تُضحَد، ومن كَذّب بها بَعد رُؤيتها أُهلك، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ ، فالآية المادية تَخويف يُلجئ لا بُرهان يَهدي العَقل. ولذلك حين طَلب القَوم آيةً مادية، جاء الجَواب أَن عَهدها مَضى وخَبرها في الصُّحف الأُولى ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ﴾ [طه: 133].
ويَتأَكَّد بنيوياً أَن النَّبي محمداً لا يَملك تلك الآيات المادية المعهودة، بَل هو نَذير مبين يَحمل آية من جِنس آخر، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ ۖ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ، وقَوله ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 37]. ولاحظ نِسبة الآية المطلوبة إلى «رَبّه»، فهم يَطلبون آيةً مادية باهرة فاعليتها ربوبية حاضرة في الوجود؛ والله قادر عليها، لكنّ طَلبهم جَهلٌ وقَصرُ نَظر، إذ لم يَعقلوا أَن ما نَزل على النَّبي أَعظم آية عَرفها الوجود، تُقرأ إلى يَوم الدِّين، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [العنكبوت: 49].
ويَكشف القرآن هذه النَّقلة في جِنس الآية صَراحةً، إذ كانت آيات الرسالات السابقة ربوبيةً مادية بصرية تُؤتاها الأَنبياء بُرهاناً مرئياً على نُبُوّتهم، فتَغَيَّر النَّمط في الرِّسالة المحمَّدية من آية ربوبية مادية إلى آية إلهية معرفية مجرَّدة، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ . فهذا «الحَديث» المتَشابه المثاني هو القرآن، بُرهان من جِنس آخر يُقشعرّ منه الجِلد ويَلين له القَلب، لا آية بصرية تُلجئ البَصر. ولاحظ نِسبة التَّنزيل إلى «الله» لا إلى رَبّ العالمين، لأَن صياغة هذا البُرهان على هَيئة الكتاب المتَشابه المثاني صياغة إلهية الإحكام، كَما سيَتَأَسَّس في فصل الكتاب (3.3.2.4)، وإن كان مضمونه الكَوني القَصصي ربوبياً. ويَختم هذه المنظومة قَوله تعالى ﴿لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 166]، فالقرآن أَنزله الله بعلمه، والله نَفسه يَشهد به والملائكة، فلا يَحتاج إلى آية مادية تَشهد له، إذ شَهادة الله بعلمه أَعظم بُرهان.
ومن هذا التَّمييز تَتَجَلَّى معادلة بنيوية حاسمة تَكشف سرّ تَفَوّق القرآن بُرهاناً. فالآية الربوبية المادية قُوَّتها في لحظة مشاهدتها، فمن شَهدها في عَهد الرسالات الأُولى آمن بها جَبراً، ثُمَّ كلَّما تَتابعت الأَجيال وبَعُدت عن زَمنها خَفَت بَريقها واضمحلّ، حتى تَحَوَّلت إلى رواياتٍ يُكَذّبها اللاحقون، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾. فعَلاقة الإيمان بالآية المادية عَكسية مع الزَّمن، كلَّما بَعُد الناس عن رِسالة موسى وعيسى خَفّ إيمانهم بآياتهما، إذ صارت خَبراً يُروى لا حُضوراً يُشاهَد. أَمّا القرآن، آية الرِّسالة الخاتمة الخالدة، فعَلاقة الإيمان به طَردية مع الزَّمن، عَكس الآية المادية تَماماً. فكلَّما بَعُدنا عن زَمن نُزوله تَوافرت أَدوات التَّدَبّر وتَطَوَّرت العلوم، فتَكَشَّفت طَبقات آياته واتَّسقت مع الواقع المتَطَوّر، فازداد الإيمان به رُسوخاً. وهذا هو سرّ كَونه بُرهان الرِّسالة الخاتمة، إذ لا يَصلح للخلود إلا بُرهان يَقوى بمرور الزَّمن لا يَضعف، يَتَجَدَّد تَأييده مع كلّ اكتشاف بدل أَن يَضمحلّ مع كلّ جيل. فالآية المادية بَريق يَخبو، والقرآن نُور يَتَّسع، وفي هذا التَّناظر العَكسي بُرهان بنيوي على أَن القرآن أَعظم آية عَرفها الوجود، تُقرأ إلى يَوم الدِّين.
ومن هذا النَّقل تَتَجَلَّى فائدة بنيوية مضاعَفة. أُولاها حماية التَّوحيد، فالنَّبي لا يُؤَلَّه بآيات مادية لأَنها منفَصلة عن الشَّخص قائمة في الكتاب، ومن أَتى الكتاب وَجد فيه آيات بَيّنات لا تَلتَصق بشَخص النَّبي فلا يَنحرف إلى تَقديسه، وهذا يَنسجم مع احتكار الله للأُلوهية ومع منهج الرِّسالة الخاتمة في تَنقية التَّوحيد. وثانيتها امتداد الحجَّة، فآيات التَّأييد في الكتاب قائمة إلى يَوم القيامة لا تَنقَضي بمَوت النَّبي، والقرآن آيات بَيّنات في صدور الذين أُوتوا العلم يَتَجَدَّد بَيانها مع كلّ عَصر، ولذلك صحَّ التَّحَدّي الدائم ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ يُواجَه به الناس في كلّ زَمن. وثالثتها تَعضيد المحكَمات، فالقرآن العَقلي المعرفي بحُضوره الوُجودي يُعَضّد المحكَمات التَّشريعية الإلهية ويَنفي عنها الرَّيب ويُصَدّقها بشُهود الكَون والتاريخ، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: 4] حَيث القرآن في أُمّ الكتاب يُعَضّدها بحُضوره.
ومن اقتران ما تَأَسَّس تَتَجَلَّى المنظومة كاملةً: الرُّسل السابقون آيات تَأييد نُبُوّاتهم في أَشخاصهم مرتَبطةً بمعجزاتهم المادية، والرِّسالة المحَمَّدية آيات تَأييد نُبُوَّتها في الكتاب نَفسه مفصولةً عن شَخص النَّبي، والنَّبي نَبيٌّ بنَصّ الكتاب الذي يَحمل آيات تَأييد نُبُوَّته يُبَلّغها للناس بصورتها العَقلية المعرفية، ويَنطفئ شَخصه ليَبقى الكتاب وَحده شاهداً على الرِّسالة. ولذلك جاءت صياغة الفُرقان 30 ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ بـ«الرَّسول» بأَل التَّعريف يُمَثّل القرآن نَفسه في عَلاقته بالقَوم، كَما سَيَتَأَسَّس في البَند التالي، فالرَّسول والقرآن متَلازمان بنيوياً يَنوب أَحدهما عن الآخر في الدَّلالة على الرِّسالة
6. «الرسول» المعرَّف ـ القرآن جَوهرةً والمنظومة المَدَنية الجامعة
من دقَّة التَّعبير القرآني التَّمييز بَين «رَسوله» المضاف بضَمير الهاء و«الرَّسول» المعَرَّف بأَل. فصياغة «الله ورَسوله» المضافة تَخصّ المستَجَدّ التَّشريعي المُلزِم للأُمَّة المحمَّدية تَحديداً، عَقداً إيمانياً خاصّاً بأَتباع الرِّسالة، كَما يَتَأَسَّس في فصل مَراتب الطاعة (5.5.4.4). أَمّا «الرَّسول» المعَرَّف بأَل دون إضافة، فيَحمل بنيةً جامعة أَوسع، يُمَثّل الرِّسالة في الكتاب الحَيّ بوَجهَين متَلازمَين.
الوَجه الأَوَّل، القرآن جَوهرةً، حَيث يُمَثّل «الرَّسول» القرآن بُرهانَ الرِّسالة في علاقته بالقَوم، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ، فحين هَجر القَوم القرآن هَجروا «الرَّسول» نَفسه، إذ هو الوَجه المبَلّغ للقرآن. والوَجه الثاني، المنظومة المَدَنية الجامعة، حَيث يُمَثّل «الرَّسول» المعَرَّف التَّشريع المدنيّ الجامع المشتَرك بَين كلّ الرسالات، وقيادة بناء الدَّولة، مفتوحاً لكلّ المؤمنين بالله بكلّ طَوائفهم تَحت سَقف المواطنة، لا للأُمَّة المحمَّدية وَحدها. ولذلك يُرَدّ النِّزاع المجتَمعي إلى «الله والرَّسول» المعَرَّف ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] لا إلى «الله ورَسوله» المضاف، حِفاظاً على عَدالة المنظومة الجامعة التي تَستَوعب كلّ المنطَوين تَحت سَقف الوَطَن، كَما يَتَأَسَّس بدقَّته في فصل مَراتب الطاعة (5.5.4.5 و5.5.4.6).
7. الثُّنائية التَّعبيرية المحكمة
ومن اقتران الصياغتَين تَتجلَّى ثُنائية مَنهجية دَقيقة. صيغة «الله ورَسوله» المضافة تَخصّ الأُمَّة المحمَّدية بشِقَّي تَشريعها معاً: الثابت الكلّيّ المشتَرك بَين كلّ الرسالات، والمستَجَدّ المُلزِم الخاصّ بها؛ فهي تَنبثق من ثَوابت الله الأَزَلية ثُمَّ تُضيف إليها محدث تشريعي وتَفصيلها المحمَّدي الخاصّ. وصيغة «الرَّسول» المعَرَّفة تَنبثق من خطاب رَبّ العالمين، تَحمل المنهج المعرفيّ الجامع: القرآن بُرهاناً يَهدي العَقل، والتَّشريع المدنيّ المشتَرك الذي تُبنى عَليه الدَّولة الجامعة المتَعَدّدة المِلل. والاثنان يَتكاملان لا يَتعارضان، فالمؤمن المحمَّدي مواطنٌ مَدَني تَحت «الرَّسول» المعَرَّف، ومؤمنٌ رساليّ تَحت «رَسوله» المضاف؛ والمؤمن من غَير المحمَّديين يَنخَرط في «الرَّسول» المعَرَّف مواطناً مَدَنياً دون أَن يَلتَزم بخصوصية «رَسوله» المضاف. وبهذا يَكون النَّبي مبَلّغ التَّشريع المحمَّدي الخاصّ بصياغة «الله ورَسوله»، وحامل القرآن وقائد الدَّولة المَدَنية الجامعة بصياغة «الرَّسول» المعَرَّف.
8. نَتائج هذا التَّأسيس
يَنبثق من هذا الفهم عدَّة نَتائج. أَوّلها أَن القرآن جَوهرةٌ مخصوصة بالرِّسالة المحمَّدية، فرَسول الله محمد خاتم النَّبيّين والقرآن آيته، ولأَنه آية الرِّسالة العامّة للناس وَجب أَن يَبقى خالداً إلى يَوم الدِّين، إذ لا نَبيَّ بَعده يَحمل آيةً جَديدة، فبَقي القرآن وَحده بُرهاناً قائماً لا يُتجاوز ولا يَنقضي. وثانيها أَن القرآن للناس كافة في خطابه، فمع اختصاصه بالرِّسالة المحمَّدية بصياغته المتَشابهة الكَونية القَصصية يَبقى خطابه للناس كلّهم، والنَّبي قناة بَلاغ لا حصر اختصاص. وثالثها أَن هَجر القرآن هَجرٌ للرِّسالة، لأَن «الرَّسول» المعرَّف يُمَثّل القرآن، فمَن تَرك القرآن وادَّعى اتّباع النَّبي ناقَض نَفسه، إذ النَّبي والقرآن مقترنان لا يَنفصلان في معنى الرَّسول. ورابعها أَن التَّشريع يَستند إلى القرآن، فلا يَستقيم منعَزلاً عنه لأَن القرآن يُصَدّقه ويَدعمه بشُهود الوجود، ومن أَخذ التَّشريع دون القرآن فَقد تَصديقه ووَقع في الجُمود. وخامسها أَن القرآن بُرهان دائم لا يَنقضي بانقضاء عَصر ولا يَتقادم بمَرور زَمن، يَتجَدَّد تَأييده مع كلّ اكتشاف ويَتعَمَّق فهمه مع كلّ تَدَبّر.
3.3.1.4الإنزال والفَرق والتَّنزيل ـ آلية النُّزول
نُزول القرآن ليس حَدثاً بَسيطاً وَقع لحظة واحدة، بَل آلية محكمة تَجري في مَراحل متَكاملة يَكشفها القرآن نَفسه بصياغات لُغوية دَقيقة، تُمَيّز بَين الإنزال الواحد والفَرق المحكم والتَّنزيل المتَدَرّج. ومن لم يُمَيّز بَين هذه المَراحل اضطَرب في فهم آيات النُّزول، فظَنّها متَناقضة وهي متَكاملة، أَو حَملها على معنى واحد فأَفقدها دقَّتها.
1. المرحلة الأُولى ـ الإنزال جملة واحدة
يَفتتح القرآن آلية نُزوله بحَدث جامع في آية البقرة ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ . والآية تَستعمل الفعل «أُنزل» بصيغة الإنزال الكلّي مع ظَرفية «فيه»، وهو تَركيب بالغ الدقَّة، إذ لو كان المراد نُزولاً مادياً لمخطوط لَجاء بـ«أُنزل عليه» أَو «أُنزل إليه» بصياغة الوُصول، لكنّ «أُنزل فيه» تَكشف أَن القرآن أُشهر في رَمضان إشهاراً واحداً، انتَقل من حال الكَمن في الوجود إلى حال الإشهار في الزَّمن، فرَمضان شَهر إشهار في الوجود لا حَدث مخطوط. والإنزال بهذا المعنى هو التَّجَلّي الكلّي للقرآن، حَيث يَنتقل من بنيته الكامنة في الكَون كَما تَأَسَّس في القسم الثاني إلى حال يَكون فيه قابلاً للتَّنزيل المتَدَرّج، وهذا يَتسق مع التَّمييز المؤَسَّس في فصل 1.5 من الباب الأَوّل حَيث الإنزال إسقاط دفعة واحدة والتَّنزيل إسقاط متَدَرّج.
2. المرحلة الثانية ـ الفَرق المحكم
ثم تَأتي مرحلة الفَرق التي يَكشفها قَوله تعالى ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ . والآية تَجمع في صياغة واحدة بَين فعلَين متَتابعَين، «فَرَقناه» ثم «نَزَّلناه تَنزيلاً»، والمفعول به في الفعلَين القرآن نَفسه، فالفَرق متَماهٍ مع التَّنزيل المنجَّم على دَفعات لا منفصل عنه. والفَرق هنا ليس تَجزئة عَشوائية بَل فَكّ للتَّشابك البَياني المحتمَل لدى القارئ، فلو كانت الكَلمة «جَزَّأناه» لكان المعنى تَقطيعاً للقرآن إلى أَجزاء متَفَرّقة قد يَختلط بَعضها ببَعض، لكنّ «فَرَقناه» تَكشف معنى أَدقّ، وهو جَعل القرآن قابلاً للتَّتَبّع المنظَّم بحَيث يُرَتَّل كلّ موضوع منه على حدة ويُفهم بمعزل عن غَيره.
وسرّ هذا التَّنجيم يَتَجَلَّى في اعتراض الذين كَفروا وجَوابه، قَوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ . فالقرآن في إشهاره الأَوَّل جملةٌ واحدة، كَما الوجود نَفسه جملةٌ متناغمة من السنن والنظم المترابطة يَعضد بَعضها بَعضاً فيَسير بها الوجود، بنيةٌ واحدة متعاضدة لا أَجزاء مبعثرة. لكنّ الله نَزَّله منجَّماً لا لأَن أَصله مجزَّأ، بَل رَحمةً وحكمةً: لئلا يَشقّ على النَّبي حَملُه دفعةً فيُثَبّت به فؤاده على المُكث، ولئلا يَشقّ على الناس استيعابُه فيَقرؤونه على مُكث.
وهنا يَتَّضح سرّ اختيار لَفظ «فَرَقناه» دون «جَزَّأناه»، فالفَرق في أَصله اللُّغوي يَدلّ على أَمرَين: أَن المفروق واحدٌ في ذاته، وأَن فَرقه يَلزمه عاملٌ خارجٌ عنه يَفصل بَين أَجزائه. فالمرء وزوجه واحدٌ في أَصلهما، والشَّيطان عاملٌ خارجيّ يُفَرّق بَينهما ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ، والحَقّ والباطل قد يَختلطان فيَأتي الفُرقان عاملاً يَفصل بَينهما ﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29]. فالفَرق فعلٌ يَقع بمؤثّرٍ خارجيّ على ما هو في ذاته واحد، لا تَقطيعٌ ذاتيّ يُبَعثر أَصلاً مجزَّأً.
وعلى هذا، فالقرآن واحدٌ في أَصله، جملةٌ متناغمة كَما الوجود نَفسه، والله هو العامل الذي فَرَقه بالتَّنزيل المنجَّم على دَفعات أَداءً لحكمة التَّثبيت والمُكث. وكَما فَرَقه بقُدرته فهو قادرٌ بنَفس قُدرته أَن يَجمعه ويُعيده متَّحداً كَما كان، إذ قال ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ، فتَكَفَّل بجَمعه كتاباً جامعاً يَلتئم في وَحدته الأَصلية. فالعِبرة في الفَرق بوَحدة الأَصل وبالعامل القادر على الفَرق والجَمع معاً، لا باشتراط التئامٍ يَلزم عن ذات الفَرق؛ فمن فَرَق القرآن بحكمة قادرٌ أَن يَجمعه بحكمة، ووَحدته الأَصلية ثابتة قبل التَّنجيم وبَعد الجَمع.
ومن هنا يَنبثق سرّ تَميُّز القرآن بصفة الإبانة، فهو مفروق أَي مَجعول قابلاً للتَّرتيل الموضوعي، فالقارئ لا يَجمع كلّ ما فيه بكليته استقراءً دفعة واحدة فيَشقّ عليه ويَلتبس عليه الفَهم، بَل يَتَتَبَّعه موضوعاً موضوعاً يَستخرج كلّ ما يَتعَلَّق بمَوضوع واحد ويُرَتّبه ثم يَنتقل إلى موضوع آخر فيَفعل به مثل ذلك، وبهذه الآلية المنظَّمة يُحيط بمَواضيع القرآن واحداً بَعد آخر دون أَن يَضيع في زَخم النَّص الكلّي.
ويُؤَيّد هذا الفهم قَوله تعالى ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ، فالصُّحف المطهَّرة تَحوي «كُتباً قَيّمة» بصيغة الجَمع، ومعنى ذلك أَن القرآن في حقيقته مجموعة كُتب منتظمة، كلّ كتاب منها بمَوضوع قائم بذاته لا تَتَشابك في الفَهم وإن جَمعها النَّص الواحد، والرَّسول يَتلوها بهذا التَّرتيب المنظَّم لا خَلطاً ولا إجمالاً. وقَوله «لتَقرأه على الناس على مُكث» يَكشف نَتيجة الفَرق، فالقرآن المفروق يُستطاع قراءته على رَويَّة وتَأَنٍّ لأَن القارئ يَأخذه موضوعاً موضوعاً فيَثبت ويَتَمَكَّن من استقرائه، ولو كان مختلطاً تَتَشابك مَواضيعه في الفَهم لتَطلَّب جُهداً مضنياً لفَكّ تَشابكه ولشَقَّ على الناس استيعابه، لكنّ الله جَعله مفروقاً ميسوراً يُرَتَّل بصورة منظَّمة فيَستوعبه الناس بمُكث وَفق طَبقات تَفَكُّرهم وتَدَبُّرهم.
3. المرحلة الثالثة ـ التَّنزيل المتَدَرّج للنَّص
ثم تَأتي مرحلة التَّنزيل التي يَكشفها ختام آية الإسراء «ونَزَّلناه تَنزيلاً»، وتَتأَكَّد في قَوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا﴾ . والتَّنزيل في هاتَين الآيتَين تَنزيل للنَّص نَفسه، يَجري على قَلب النَّبي تَدَفّقاً متَدَرّجاً مستمراً على مَدار فَترة النُّبُوّة والرِّسالة، فالقرآن لم يَنزل نَصاً مكتوباً جامعاً دفعة واحدة على النَّبي، بَل تَدَفَّق نَصاً متَدَرّجاً حتى اكتَملت الرِّسالة بختم النُّبُوّة. وهذا التَّنزيل المتَدَرّج يُلاحظه القارئ في تَنَوّع سياقات الآيات، فبَعضها يَنزل في مَكَّة وبَعضها في المدينة، وبَعضها في موضوع كَوني وبَعضها في موضوع قَصصي، وكلّ ذلك يَنبثق من آلية التَّنزيل المتَدَفّق على قَلب النَّبي بما يُناسب طَور الرِّسالة ووَعي المخاطَبين
4. التَّنزيل المتَجَدّد للمعنى
غَير أَن للتَّنزيل بُعداً ثانياً يَنبغي للقارئ أَن يُمَيّزه، يَكشفه قَوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ . فعبارة «حين يُنَزَّل القرآن» لا تَتَحَدَّث عن تَنزيل النَّص الذي انتَهى بختم النُّبُوّة، بَل عن تَكَشّف المعنى الذي يَجري في الزَّمن، أَي أَن القرآن وإن اكتَمل نَصّاً تَتَنَزَّل معانيه باستمرار وَفق ظَرف الوَقت وحاجة العَصر، فما يُبدى للأَجيال المتَأَخّرة من معاني الآيات لم يَكن مدركاً للأَوّلين، وما يَنكشف لجيل قد لا يَكون مكتَملاً عند جيل آخر.
ومن هنا يَتَّضح معنى «تَسؤكم»، فالسوء لا يَأتي من المعنى ذاته بَل من كَشفه قبل أَوانه المعرفي، إذ المعنى الصَّحيح إذا أُبدي للمرء قبل أَن يَبلغ المحلّ المعرفي الذي يَستوعبه أَربكه ونَفَّره، لأَنه ليس مهَيَّأً فكرياً لاستقباله. ومثاله قَوله تعالى ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ ، فقد فَهمها الأَوَّلون كَلماتٍ عَربية جَليَّة ولم يَنتبهوا لها قرآناً وجودياً؛ ولو قيل لهم في زَمنهم إنها تُشير إلى انبثاق الوجود ومَراحله الأُولى ـ الفَجر مَبدأ الانبثاق، والليالي العَشر المَراحل الممتدة قبل أَن تَتَكَوَّن المادة ويَظهر الضَّوء، والشَّفع والوَتر أَوَّل لَبنات التَّكوين المادّي ـ لَساءهم ذلك ونَفروا منه، لأَنهم ليسوا في محلٍّ معرفيّ يُوائم تلك الإفادات.
وليست هذه القاعدة ماضيةً انقَضت بانقضاء الأَوَّلين، بَل سارية في كلّ عَصر، فحتى نحن اليَوم حين نُحاول تَأويل بَعض الآيات الكَونية كَقَوله تعالى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ ، لو شُرح معناها الوجودي لمن ليس في محلّ وَعي بها لابتَأَس وساءه المعنى، لعَدم مجاراة مستواه المعرفي لما شُرح. فالعِبرة أَن لكلّ معنىً وَقتاً يُوائم بُلوغ المتَلَقّي محلَّه المعرفي، فرداً كان أَو جيلاً، ومن أَبدى المعنى قبل أَوانه ساء صاحبَه وإن كان حَقّاً، لا لخَلل في المعنى بَل لقُصور الاستعداد عن استيعابه.
ولذلك جاء النَّهي عن السؤال قبل أَوانه رَحمةً وحكمةً، حِفظاً للمتَلَقّي من معنىً يُربكه قبل أَن يَبلغ استعداده له، إذ المعنى لا يُبدى إلا حين يَنزل، أَي حين يَأتي وَقته في تَكَشّف الفَهم، ومن طَلبه قبل وَقته طَلب ما لا يَستوعبه الوَعي البَشري بَعد.
5. استمرار تَنزيل المعنى إلى ما شاء الله
والقاعدة الكُبرى التي يَنبثق منها هذا الفهم أَن آيات القرآن تَتَكَشَّف تَباعاً عبر العُصور وَفق التَّطَوّر الإنساني، فالنَّص اكتَمل بختم النُّبُوّة لكنّ المعنى يَتَدَفَّق إلى يَوم يَرث الله الأَرض ومن عليها، كلّ عَصر يَستخرج من القرآن معاني تُلائم فَهمه ويَترك لمن بَعده ما لا يَستوعبه، وهذه السنّة الإلهية مستمرَّة إلى يَوم القيامة. ويَدلّ على هذا الاستمرار قَوله تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ، فسِين الاستقبال في «سَنُريهم» تَكشف أَن الإراءة لم تَنقطع بحَدثٍ ماضٍ، بَل هي عَملية مستمرّة متَجَدّدة تَتوالى جيلاً بَعد جيل، كلَّما تَقَدَّم العلم تَبَيَّن من الآيات في الآفاق والأَنفس ما لم يَكن بائناً من قبل، لأَنها هَناك أَصلاً في الرَّقّ المنشور تَنتظر بُلوغ الوَعي محلَّها. ولذلك تَتَكَشَّف للأَجيال المتَأَخّرة آيات لم تَكن مفهومة بعمقها لمن سَبق، فآيات الكَون التي تَتَحَدَّث عن خَلق السَّماوات والأَرض وعن الذرة وعن الإنسان في تَكَوّنه وعن البَحر والرياح والجبال تَنفتح طَبقات معانيها مع كلّ تَقَدّم معرفي، وهذا تَنزيل للمعنى لا للنَّص، فالنَّص واحد ثابت لكنّ معانيه تَتَجَدَّد في وَعي القارئ.
6. التَّنزيلان في وَحدتهما
من اقتران الحالَتَين تَتجلَّى آلية محكمة: تَنزيل النَّص انتَهى بانتهاء النُّبُوّة فالقرآن اكتَمل نَصاً ثابتاً لا يُزاد فيه ولا يُنقَص، وتَنزيل المعنى مستمرّ إلى ما شاء الله فالقرآن مفتوح مَعنىً متَجَدّداً يَكتشفه كلّ عَصر بقَدر تَفَكّره. والقارئ الذي يَستوعب هذه الثُّنائية يَدخل القرآن بفَهم متَوازن، لا يَتَوَقَّف عند فَهم الجيل الأَوّل بحَيث يَجمد، ولا يَتَجاوز ضَوابط النَّص بحَيث يَتيه في تَأويلات لا أَساس لها، بَل يَتَعَلَّم أَن النَّص محكم ثابت وأَن المعنى يَنفتح بالتَّدَبّر ومطابقة الواقع المتَجَدّد.
7. القرآن لا يُفهم بآية منتَزَعة
ومن نَتائج هذا التَّأسيس فهم قَوله تعالى ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ . فقَوله «ولا تَعجل بالقرآن» يَكشف خَصيصة منهجية بالغة الأَهَمّية مَردُّها أَن القرآن متَشابهٌ مثاني، فالآية فيه لا يَكتمل معناها إلا بقَرينتها المثاني الكاشفة لها، ومن عَجل بآية قبل أَن يَبلغها مثناها تَعَجَّل معنىً ناقصاً قبل أَن يُقضى إليه وَحيه. فالقرآن لا يُفهم بآية مُنتَزَعة ولا ببَعض آيات مَعزولة عن سياقها، فآياته مَواضيع علمية تَنزل من رَبّ العالمين تُحاكي الوجود في كَونياته وقَصصه وسننه، ولا يَستقيم فَهم موضوع منها إلا بأَخذ كلّ آياته الموضوعية وتَرتيلها معاً ومطابقة بَعضها ببَعض، حتى يُقضى الوَحي في الموضوع فيَكتمل معناه بمثانيه، كَما سيَتَأَسَّس في 3.3.1.10. وقَوله «وقُل رَبّ زدني علماً» يَختم الآية بأَن العلم بالقرآن لا يَكتمل دفعةً بَل يَتَدَرَّج بالتَّدَبّر واستحضار المثاني.
8. التَّرتيل الموضوعي شَرط الفَهم
وهذا ما تُؤَكّده آية المُزَّمِّل ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ . فالتَّرتيل ليس قراءة بَطيئة متزنة، بَل تَرتيب الآيات وَفق مَواضيعها، فالقارئ يَجمع آيات الموضوع الواحد ويُقَلّبها معاً ويَستخرج من اقترانها ما لا يَستخرجه من كلّ واحدة منها على حدة، وهذا التَّرتيل الموضوعي شَرط الفَهم الصَّحيح، ومن أَخلّ به وقَع في خَطأ التَّفسير المنفرد للآيات. ولذلك ختم الله الآية بقَوله «وقُل رَبّ زدني علماً»، فالعلم بالقرآن لا يَكتمل دفعة واحدة بَل يَتَدَرَّج مع تَدَبّر القارئ ويَتَوَسَّع مع كلّ ترتيل موضوعي جَديد، ومن طَلب الاستزادة في العلم بالقرآن فقد فَهم آلية نُزوله وآلية تَلَقّيه.
9. الآليات الخَمس في وَحدتها
من اقتران هذه الآليات تَتجلَّى منظومة محكمة لنُزول القرآن وتَلَقّيه. فالإنزال يُعطي القرآن حُضوراً واحداً في رَمضان فيَكون قائماً مَوجوداً قابلاً للتَّفاعل، انتقالاً من الكَمن في الوجود إلى الإشهار في الزَّمن. والفَرق يُنَجّم هذا الأَصل الواحد على دَفعات متَماهياً مع التَّنزيل، رَحمةً لتَثبيت فؤاد النَّبي وقراءته على الناس على مُكث، ويُعطيه في الوقت نَفسه بنية مفروقة قابلة للتَّرتيل الموضوعي لئلا تَتَشابك مَواضيعه في فَهم القارئ. وتَنزيل النَّص يُعطيه تَدَفّقاً متَدَرّجاً على قَلب النَّبي طوال فَترة النُّبُوّة حتى يَكتمل النَّص بختمها، ثُمَّ يَلتئم كتاباً جامعاً كَما كان في أَصله الواحد. وتَنزيل المعنى يَفتح طَبقاته للأَجيال المتَلاحقة فيَتكَشَّف لكلّ عَصر بقَدر تَفَكّره ومعرفته. والتَّرتيل الموضوعي يَجعل القارئ يَتَتَبَّع كلّ موضوع على حدة، يَجمع آياته ويُقَلّبها فيَستخرج معناها من اقترانها لا من انفرادها. والقارئ الذي يَستوعب هذه الآليات يَدخل القرآن بفَهم مغاير، لا يَقرأه آية مُنتَزَعة من سياقها، ولا يَجمع كلّ ما فيه دفعة واحدة فيَتيه، ولا يَتَوَقَّف عند فَهم سَبق فيَجمد، ولا يَتَجاوز ضَوابط النَّص فيَتأَوَّل عَبثاً، بَل يَتَتَبَّع موضوعاته بالتَّرتيل ويُطابق المسطور بالمنشور كَما تَأَسَّس في القسم الثاني ويَستزيد من العلم به في كلّ عَصر. والقرآن بهذه الآليات المتَكاملة نَصّ مفتوح للوَعي البَشري في كلّ زَمن، لا يُغلق عند تَفسير ولا يَنحصر في فَهم، النَّص محكم ثابت والمعنى متَجَدّد بقَدر تَدَبّر القارئ ومطابقته للواقع، وهذه آلية الرَّحمة التي يَنزل بها كتاب يُخاطب الناس كافة لا قَوماً بعَينهم ولا عَصراً دون عَصر.
3.3.1.5عَربياً لا أَعجمياً ـ نَقاء البَيان
من المفاتيح المنهجية التي يُسلّمها القرآن للقارئ صفة «عَربياً» التي يَصف بها القرآن نَفسه في مواضع متَعَدّدة. والقارئ السطحي قد يَختزل هذه الصفة في كَونها إشارة إلى لُغة قَوم بعَينهم، فيَظنّ أَن القرآن «عَربي» لأَنه نَزل بلسان العَرب وكَفى، لكنّ الاستقراء الداخلي يَكشف بُعداً أَعمق لهذه الصفة يَنقلها من المستوى اللُّغوي الضَّيّق إلى المستوى المنهجي الجامع.
1. شَواهد الصِّفة في القرآن
يَصف القرآن نَفسه بأَنه «عَربي» في سياقات متَعَدّدة تَستحقّ التَّأَمل في اقترانها، كَقَوله تعالى ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ، وقَوله ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، وقَوله ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: 7]، وقَوله ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: 28]. والمتأَمّل في اقتران هذه الآيات يُلاحظ أَن «عَربياً» تَأتي مقترنة بأَهداف منهجية، فهي تُقترن بـ«لعلَّكم تَعقلون» وبـ«غَير ذي عِوَج» وبالنذارة العامّة لـ«أُمّ القُرى ومن حَولها»، والاقتران يَكشف أَن «عَربياً» ليست مجرَّد إخبار بلُغة النُّزول بَل صفة منهجية تَخدم وَظيفة القرآن.
2. شَواهد الاستعمال الحَيّ ـ كَشف من اللسان نَفسه
ما يُؤَكّد المعنى البنيوي لـ«عَربي» شَواهده في الاستعمال الحَيّ للُغة، التي تَكشف أَن العَرب أَنفسهم لم يَستعملوا الكَلمة بمعنى لُغوي قَومي فقط بَل بمعنى الأَصالة والنَّقاء. فنَقول «خَيل عَربي» ولا يُقصد به أَن الخَيل يَتَكَلَّم العَربية، بَل أَنه أَصيل في سلالته نَقي من الشَّوائب الجينية صافٍ من الخَلط بسلالات أُخرى. ونَقول «قَعدة عَربية» ولا يُقصد بها جَلسة بلُغة قَوم، بَل الجَلسة الأَصيلة الأُولى للبَشر على الأَرض التي يَتَّبعها جلّ البَشر في فطرتهم. بَل إن العَرب أَنفسهم إنما سُمّوا «عَرباً» من هذا المعنى، فقد كانوا قَوماً يَعتنون بالأَنساب ويُوثّقونها ويَحرصون على نَقائها من الدَّخيل، فاكتَسبوا الاسم من صفة الأَصالة والنَّقاء النَّسبي التي اشتَهروا بها، لا من لُغةٍ يَتكَلَّمونها. ولم يَكن نَقاؤهم في النَّسب وَحده، بَل في البَيان والفِكر كَذلك، فقد اشتَهروا بفَصاحة اللسان وصَفاء التَّعبير ونَقائه من اللَّحن واللَّغو، حتى صار «العَربي» فيهم وَصفاً للأَصيل النَّقي في نَسبه وبَيانه وفِكره معاً، والأَصالة جامعُ ذلك كلِّه: نَقاء العِرق، ونَقاء النُّطق، ونَقاء الإدراك. وكلّ هذه الاستعمالات تَكشف أَن كَلمة «عَربي» في الفطرة اللُّغوية تَدلّ على الأَصالة والنَّقاء والصَّفاء لا على انتماء قَومي، ومن هنا تَتأَكَّد دَلالة «قرآناً عَربياً» وَفق الفطرة اللسانية ذاتها: قرآن أَصيل في معانيه، نَقي من الشَّوائب، فَصيح البَيان صافٍ من اللَّغو الزَّمني، لم تَدخل عليه الكَلمات المحدَثة العارضة، بَل جلّ محتواه ذو جُذور أَصيلة ثابتة.
3. آية الزُّمر ـ غَير ذي عِوَج
تَتأَكَّد هذه الصِّفة المنهجية في قَوله تعالى ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ، فاقتران «عَربياً» بـ«غَير ذي عِوَج» في آية واحدة كَشف بنيوي، إذ العَربية هنا مرادفة لانعدام العِوَج، والعِوَج في اللسان العَربي هو الالتواء والانحراف عن الاستقامة، فالقرآن «عَربي» بمعنى أَنه مستقيم في بَيانه سَوي في تَعبيره لا التواء فيه ولا غموض. ولو كان معنى «عَربياً» مجرَّد لُغة العَرب لما كانت إضافة «غَير ذي عِوَج» إلا تَكراراً لا داعي له، لأَن أَيّ لُغة بَشرية قد تَكون مستقيمة أَو ملتوية، لكنّ الاقتران يَكشف أَن «عَربياً» نَفسها صفة بَيان تَتأَكَّد بـ«غَير ذي عِوَج».
4. آية يوسف ـ لعلَّكم تَعقلون
ويَتأَكَّد البُعد المنهجي في قَوله تعالى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ، فلو كانت «عَربياً» مجرَّد إخبار بلُغة النُّزول لما كانت العِلَّة «لعلَّكم تَعقلون»، إذ أَيّ نَصّ يَنزل بلُغة قَوم يَعقلونه بصورة طَبيعية لا يَحتاج إلى تَعليل، لكنّ القرآن يَجعل من «عَربياً» شَرطاً للعَقل والفَهم، لأَنه يَقصد بها النَّقاء البَياني الذي يَستطيع به العَقل أَن يَنفذ إلى المعاني دون حواجز.
5. «حُكماً عَربياً» ـ شاهد قاطع على المعنى البنيوي
ومن أَقطع الشَّواهد على أَن «عَربياً» صفة منهجية لا وَصف لُغوي قَومي قَوله تعالى ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ ، فالآية تَصف الحُكم نَفسه بأَنه «عَربي» لا اللُّغة التي صيغ بها، والفَرق جَوهري. فلو كان معنى «عَربياً» في هذا السياق لُغة العَرب لكان معنى الآية أَن الحُكم نَفسه قَومي محلّي يُلائم العَرب دون غَيرهم، وهذا يَتَعارض جَذرياً مع كَون الرِّسالة عالمية للناس كافة، لأَن الأَحكام التي تُوصف بأَنها «عَربية» بمعنى قَومي لا تَصلح للأَجيال والثَّقافات المختلفة وتَتَحَوَّل مع الزَّمن إلى قَوالب جامدة لا تُحاكي الواقع المتَجَدّد. لكنّ المعنى الصَّحيح أَن «عَربياً» صفة لطبيعة الحُكم في ذاته، والأَدقّ ليس مجرَّد الوضوح بَل النَّقاء من أَيّ شائبة، فالحُكم العالمي لا يَكفي أَن يَكون واضحاً ليَكون صالحاً للناس كافة بَل يَنبغي أَن يَكون صافياً من أَيّ نَزعة أَو مَيل أَو انحراف يُخرجه من عالمية الرِّسالة.
والشَّوائب التي قد تَدخل على الحُكم تَتَنَوَّع، فمنها انحياز ثَقافي يَجعل الحُكم يُلائم قَوماً دون قَوم، ومَيل عاطفي يَجعله يَتأَثَّر بحالة وَجدانية، وتَحَزّبية تَجعله يَنحاز لفئة دون أُخرى، وقُصور معرفي يَجعله لا يَستوعب أَوضاعاً أُخرى، وكلّ شائبة من هذه تَنفي عن الحُكم صفة العالمية وتَجعله محدوداً بزَمنه ومكانه. ومن هنا تَتجلَّى استحالة بَشرية للتَّشريع النَّقي العالمي، فالبَشر بطبيعتهم لا يُحيطون بكلّ المجتمعات والأَزمنة، فيهم عاطفة وتَحَزّبية لا انفلات منها، يَنطلقون من ثَقافات محدودة لا يَملكون رؤية كلية للوجود، ولو وَضعوا تَشريعاً وادَّعوا له العالمية لكشف الزَّمن نَزعاتهم ومَيولهم وأَخرج التَّطَوّر التاريخي شَوائبه إلى السطح. ولا يُمكن أَن يَكون الحُكم نَقياً عالمياً إلا ممَّن خَلق السَّماوات والأَرض، الذي يَملك الرُّؤية الكلية ويَتجاوز الزَّمكان والثَّقافات ومنزَّه عن العَواطف والتَّحَيّزات ويَعرف ما يُلائم البَشر في كلّ عَصر. وهذا هو المعنى ـ النَّقاء العالمي ـ يَنطبق على الكتاب الجامع بشِقَّيه، كلٌّ بحَسب طبيعته: فالتَّشريع «عَربي» نَقيّ من التَّحَيّز الثَّقافي والمَيل العاطفي والانحياز الفِئوي، والقرآن «عَربي» نَقيّ بمحاكاته الأَمينة لواقعه في الوجود، صافٍ في معانيه لا انحراف فيها لمن أَقبل عليه بقَلب سَليم من الإشراك. فكلاهما نَقيّ من العَبث البَشري، لكنّ نَقاء التَّشريع في تَجَرّده عن الهَوى، ونَقاء القرآن في مطابقته للمنشور وصَفاء بَيانه للقلب الطاهر.
6. آية فُصّلت 44 ـ السيناريو الكاشف
تَكشف آية فُصّلت بصورة قاطعة الفَرق بَين الفهم البسيط والفهم البنيوي لصفة «عَربياً» عَبر سيناريو افتراضي يَطرحه القرآن، قَوله تعالى ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ . والمتأَمّل في الآية يُلاحظ أَن المواجهة لم تُوضع بَين «العَربية» وأَيّ لُغة قَومية بعَينها، فلم يَقل القرآن «لو جَعلناه قرآناً فارسياً» أَو «رومياً» أَو «عبرياً» رَغم أَن هذه لُغات موجودة معروفة في زَمن النُّزول، بَل قال «أَعجمياً»، وهذه الكَلمة في العَربية لا تُشير إلى لُغة قَومية محدَّدة بَل إلى صفة في البَيان نَفسه: ما لا يُفصح عن نَفسه، ما يَأتي مبهماً ملتوياً.
7. الأَصل المسجَّل والترجمة العَربية
والسيناريو الذي تَطرحه الآية بنيوي بالغ الدقَّة، فقَوله «لو جَعلناه قرآناً أَعجمياً» ليس فَرضية مجرَّدة من العَدم بَل إشارة إلى الأَصل الفعلي للمحتوى قبل الجَعل. والمعنى أَن قَصص الأمم في أَصل تَسجيلها الكَوني مسجَّلة بلسان زَمن الحَدث نَفسه كَما وَقعت في حينها، فقَصص إبراهيم مسجَّلة بلسان قَومه، وقَصص موسى بلسان قَومه، وقَصص عاد وثَمود وقَوم لوط بأَلسنتهم، وقَصص يوسف بلسان عَصره، والنُّسخ في الأَصل طبق الأَصل تَحفظ الحَدث بكلّ ما حَوله من لسان وثَقافة ومصطلحات، كَذلك آيات الكَون في أَصل تَسجيلها مسجَّلة بمصطلحاتها الكَونية المباشرة كَما هي مودَعة في بنية الوجود. ولو نَزل القرآن بهذا الأَصل المسجَّل دون تَرجمة لكان مَزيجاً من أَلسنة قَديمة لا يَفهمها أَحد، ومصطلحات كَونية مبهمة للمتَلَقّي، وثَقافات منقَرضة لا حياة فيها لمن جاء بَعدها، عَسراً شَديداً على المتَلَقّي وصُعوبة بالغة في الفَهم.
8. التَّمييز بَين «الجَعل» و«الإنزال»
ولذلك جاء قَوله «جَعلناه قرآناً عَربياً» بصياغة الجَعل، ويَستحقّ هذا الاختيار اللُّغوي توضيحاً منهجياً، فالقرآن أُنزل بلا شَكّ وآيات الإنزال صَريحة كَقَوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا﴾ وقَوله ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، فلا يَستقيم القَول بأَن القرآن «جُعل» ولم «يُنزَل» بَل أُنزل وجُعل معاً. والتَّمييز ليس في نَفي الإنزال بَل في الإدراج اللُّغوي الذي اختاره النَّص، ففي وَصف عَربية القرآن أَدرج النَّص مصطلح «الجَعل» صَراحةً ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: 3]، أَمّا في وَصف عَربية التَّشريع فلم يُدرج «الجَعل» مطلقاً بَل اكتَفى بصياغة الإنزال المباشر ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: 37].
و«الجَعل» يُفيد كيفية الإنزال لا يَنفيه، فالقرآن أُنزل لكنّ إنزاله جَرى بصورة مخصوصة عَبَّر عنها النَّص بـ«الجَعل»، والجَعل في العَربية يَدلّ على التَّحويل من حال إلى حال، فيَكشف إدراجه في وَصف عَربية القرآن أَن إنزاله جَرى مع تَحويل لا إنزالاً مجرَّداً، أَي مترجَماً من أَصله الكَوني المسجَّل في الإمام المبين والرَّقّ المنشور إلى لسان عَربي يَفهمه الناس. أَمّا التَّشريع فأُنزل بدون إدراج للجَعل، وعَدم إدراجه كَشف بنيوي، إذ التَّشريع لم يُحَوَّل من أَصل سابق لأَنه مجرَّدات إلهية من خارج الوجود كَما تَأَسَّس في الباب الثاني، تَنزل مباشرة من الذات المطلقة، فأُنزل بصورته النهائية دون حاجة إلى تَحويل أَو ترجمة فجاء «حُكماً عَربياً» مباشرة. ومن هنا تَتجلَّى دقَّة الإدراج اللُّغوي القرآني، فالفعل «أَنزل» مشترك بَين القرآن والتَّشريع، لكنّ «الجَعل» مدرَج في وَصف القرآن دون التَّشريع، والإدراج الانتقائي يَكشف فَرقاً في آلية الإنزال: القرآن أُنزل بجَعل وتَحويل من أَصل كَوني، والتَّشريع أُنزل مباشرة بدون جَعل لعدم حضور سابق له في الوجود.
9. «أَأَعجمي وعَربي» ـ قَرينة تَحسم التَّمييز
ومن أَدقّ ما يَكشف صحَّة هذا الفهم الصياغة اللُّغوية لاعتراض المستَنكرين في الآية نَفسها: «أَأَعجمي وعَربي». فلو كان النَّص في السيناريو الافتراضي كلّه أَعجمياً بصورة موحَّدة لاكتَفى المستَنكرون بقَولهم «أَأَعجمي» يَستَنكرون كلّ النَّص، لكنّهم قالوا «أَأَعجمي وعَربي» فأَضافوا «وعَربي» التي تَستلزم لُغوياً وجود قِسم عَربي يُقابل القِسم الأَعجمي في النَّص. والسؤال البنيوي: ما القِسم العَربي الذي بَقي عَربياً رَغم أَن السيناريو افتَرض جَعله أَعجمياً؟ والجَواب يَنبثق من بنية الكتاب الجامع كَما تَأَسَّس في تَمهيد الفصل: الكتاب يَحوي قِسمَين، القرآن (القَصص والكَونيات) والتَّشريع (الأَحكام)، والسيناريو الافتراضي يَستهدف القرآن فقط («لو جَعلناه قرآناً أَعجمياً»)، أَمّا التَّشريع فيَبقى عَربياً نَقياً كَما تَأَسَّس في «حُكماً عَربياً». ومن هنا يَستَنكر المستَنكرون الخَلط بَين قِسم أَعجمي (القرآن) وقِسم عَربي (التَّشريع)، فيَقولون «أَأَعجمي وعَربي»، ولو كان التَّشريع جزءاً من القرآن بمعنى يُلغي التَّمييز بَينهما لانتَفت كَلمة «وعَربي» من اعتراضهم، لكنّ النَّص يَفصل بَين القِسمَين عَبر هذه الصياغة الدَّقيقة فيُؤَكّد البنية الثُّنائية للكتاب الجامع.
10. «لولا فُصّلت آياته» ـ الإبانة الذاتية شَرط لا خيار
«فُصّلت» في الآية تَعني استَبانت وانكَشفت من ذاتها، والمعنى أَن الناس في هذا السيناريو يَطلبون أَن يَتَّضح القرآن بذاته وأَن تَنكَشف آياته بنَفسها، لأَن الأَصل المنهجي أَن يَكون البَيان داخلياً ذاتياً لا خارجياً مفروضاً. وهذا الطَّلب الفطري الذي يَنشأ في السيناريو الافتراضي يَكشف قاعدة بنيوية، فالقرآن يَستحقّ أَن يَكون مفصَّلاً بذاته لأَنه نَزل ليُقرأ ويُفهم، وأَيّ نَصّ يَفقد إبانته الذاتية يَفقد قُدرته على الهداية. ومن هنا جاء القرآن «عَربياً» ابتداءً، أَي مترجَماً من أَصله المسجَّل إلى لسان نَقي، فلم يَحتَج الناس إلى أَن يَطلبوا تَفصيله كَما طَلبوه، فالنَّص مفصَّلاً بذاته منذ البداية.
11. التَّبعة على وَظيفة النَّبي
ويَنبثق من هذا الفهم نَتيجة بالغة الأَهَمّية، أَن النُّبُوّة غَير ملزَمة بالكَشف التَّفصيلي للقرآن بَل فقط بإظهاره، فحتى في السيناريو الافتراضي حَيث يَكون القرآن أَعجمياً تَكون مَهمَّة النَّبي البَلاغ والإظهار لا الكَشف عن المعنى. فالنَّبي يُظهر النَّص للناس سَواء كان أَعجمياً أَو عَربياً، أَمّا الإبانة فشَأن النَّص نَفسه: إن كان مفصَّلاً بذاته أُبين، وإن لم يَكن مفصَّلاً اعتَرض الناس بأَنفسهم. وهذا يضع حداً لسَردية أَن أَحداً مَوكَّل ببَيان القرآن فَهماً وشَرحاً، لأَن الأَصل في الآية أَن البَيان داخلي لا أَن النَّبي يَكشفه، ولو كان النَّبي مَوكَّلاً بكَشف المعنى لما كان لطَلب «فُصّلت آياته» معنى، إذ يَستطيع الناس الرُّجوع إليه ليَشرح لهم، لكنّ الآية تَفترض أَن الإبانة لا تَأتي إلا من النَّص ذاته، فإن لم تَأتِ منه اعتَرض الناس وطَلبوها.
12. خاتمة الآية ـ هدى وشِفاء
ولذلك ختم الله الآية بقَوله ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾، فالقرآن هدى وشفاء لأَنه عَربي مبين بذاته، يَستطيع كلّ مؤمن أَن يَجد فيه الهداية والشِّفاء بصورة مباشرة دون حاجة إلى وَسيط يَكشف معناه، ومن طَلب الهداية في القرآن من خلال شَرح خارجي منفصل ناقَض صفة «عَربياً» التي تَستلزم الإبانة الذاتية.
13. «لسان عَربي مبين» ـ كَشف بنيوي عن طبيعة القرآن
من دقائق الاختيار اللُّغوي القرآني أَن النَّص لم يَستعمل كَلمة «لُغة» في وَصف القرآن في أَيّ مَوضع، بَل قال ﴿وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ ، والفَرق بَين «اللسان» و«اللُّغة» في الجَذر العَربي بنيوي عَميق. فاللسان في أَصله من النُّطق الكاشف الموضح، تَقول «لسان الحال» لما يَكشف عن حقيقة الشَّيء دون كَلام، واللسان يُبَيّن ويُفصح بذاته وَصفاً لازماً لطبيعة النَّاطق به، ولذلك حين يُوصف القرآن بأَنه «لسان عَربي» يَكون المعنى أَنه كَشف ذاتي مفصح عن نَفسه يَنطق بحقيقته بصورة مباشرة لا تَحتاج إلى وَسيط. أَمّا اللُّغة فمن «لَغا» بمعنى ما تَغَيَّر وتَطَوَّر، وهي ثَقافة تَواصل بَين قَوم في زَمن مخصوص، محلية بطبعها تَتَغَيَّر بتَغَيّر الثَّقافة وتَطَوّرها، فاللُّغة التي يَتكَلَّم بها الناس اليَوم مختلفة عن لُغتهم قبل مئتَي عام، ولو تَكَلَّم أَحد اليَوم بلُغته الحالية أَمام من عاش قبل مئتَي عام لصعُب عليه الفهم، لأَن اللُّغة استَوعبت ثَقافة العَصر وتَطَوَّرت بمصطلحات جَديدة لم تَكن مَوجودة من قَبل كالبرمجيات والتكنولوجيا والمواصلات الحديثة والاتصالات، الثقافات بشكل عام، وما لا يَنتهي من المصطلحات التي تَدخل اللُّغة كلّ يَوم.
14. شاهد قاطع ـ آية إبراهيم 4
وما يُؤَكّد دقَّة هذا الاختيار قَوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ . ووَجه الشاهد أَن الآية قَرنت «اللسان» بعِلَّته صَراحةً، فقالت «بلسان قَومه» ثُمَّ علَّلت «ليُبَيّن لهم»، فجَعلت غاية اللسان هي البَيان. وهذا الاقتران يَكشف تَعريف اللسان من النَّصّ نَفسه: اللسان أَداة الكَشف والإبانة في بنيته، لا مجرَّد لُغة قَوم. إذ لو كان المراد مجرَّد اللُّغة القَومية وَسيلةً للتَّخاطب، لما لَزم أَن تَتَّصل بعِلَّة «ليُبَيّن»، لأَن أَيّ لُغة وَسيلة تَخاطب سَواء أَبانت أَم لم تُبِن؛ لكنّ النَّصّ حين قال «بلسان قَومه ليُبَيّن لهم» وَصل الوَسيلة بغايتها، فدَلّ على أَن اللسان إنما اختير لأَنه في أَصله ناطقٌ كاشفٌ يُبَيّن.
ومن هنا يَتأَكَّد أَن القرآن يَطّرد في اختيار «لسان» دون «لُغة» حتى في هذا المَوضع الذي يَتَحَدَّث فيه عن أَقوام بأَعيانهم، وهو المَوضع الذي كان يُتَوَقَّع فيه أَن تَأتي «لُغة» لو كانت مرادفةً للسان. فاطّراده على «لسان» مَقروناً بعِلَّة البَيان يَقطع بأَن الكَلمة اختيرت لوَظيفتها الكاشفة لا للانتماء اللُّغوي القَومي. وإذا ثَبت أَن اللسان بنيته الكَشف والبَيان، ثَبت أَن وَصف القرآن بأَنه «لسان عَربي مبين» يَعني أَنه نَصّ كاشفٌ مبينٌ بذاته، لا نَصّ منسوب إلى لُغة قَوم. وسيَتَبَيَّن في البَند التالي فَرقٌ آخر دَقيق تَكشفه الآية: أَن الرُّسل السابقين «بلسان قَومه» بإضافة قَومية لأَن رسالاتهم محدَّدة لأَقوامها، والقرآن «لسان عَربي» بلا إضافة لأَن رسالته عامّة للناس كافة.
ويَزداد هذا التَّمييز جَلاءً حين نَستنطق النَّصّ تَعريفَ «اللَّغو» ـ وهو أَصل «اللُّغة» من «لَغا» ـ كَما استَنطقناه تَعريفَ «اللسان». فقَوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ يَكشف أَن «اللَّغو» في بنيته فعلُ تَغييرٍ وصَرفٍ للمعنى عن مَوضعه، فالذين كَفروا دُعوا إلى أَن يُحدثوا في القرآن لَغواً، أَي يُغَيّروا معانيه ويَصرفوا كَلماته عن أَصلها تَشويشاً يُفقده بَيانه ليَغلبوا. فبَان من اقتران الشاهدَين أَن «اللسان» و«اللَّغو» نَقيضان: اللسان في بنيته الكَشف والبَيان يُظهر المعنى على أَصله، واللَّغو في بنيته التَّغيير والصَّرف يَنقل المعنى عن أَصله. ومن هنا يَتَّضح لِمَ نَأى القرآن عن وَصف نَفسه بـ«اللُّغة» المشتَقَّة من «اللَّغو»، إذ لا يَليق بنَصّ الإبانة أَن يُنسب إلى جَذرٍ معناه التَّغيير والصَّرف، فاختار «اللسان» المبين الذي يَنطق بالمعنى على أَصله.
وهذا «اللَّغو» بعَينه هو ما أَصاب كَثيراً من معاني القرآن حين صُرفت عن مَوضعها الأَصيل إلى غَيره، فاللَّغو ليس فعلاً ماضياً انقَضى بأَصحابه الأَوَّلين، بَل آفةٌ متَّصلة في كلّ زَمن، كلَّما حُمّل المعنى ما لا يَحتمل أَو نُقل عن أَصله بتَأويل دَخيل، فكان ذلك لَغواً في القرآن وإن لم يَقصد صاحبه ما قَصده الأَوَّلون. ومن هنا كان رَدّ هذا اللَّغو إلى أَصل اللسان المبين سبيلَ حفظ المعنى على نَقائه، إذ الأَصل أَن يُؤخذ القرآن لساناً يُبَيّن لا لَغواً يُصرَف.
15. القرآن لم يُنسَب إلى قَوم
ومن القَرائن البالغة الأَهَمّية في وَصف القرآن لنَفسه أَنه لم يَنسب لسانه إلى قَوم بعَينهم، فلم يَقل النَّص إن القرآن نَزل بلسان قُرَيش رَغم أَنها قَبيلة النَّبي، ولا قال إنه نَزل بلسان مُضَر أَو بلسان العَرب بأَل التَّعريف الذي يُحيل إلى قَوم بعَينهم، بَل قال «لساناً عَربياً مبيناً» بصياغة تَجعل «عَربياً» صفة منهجية للسان نَفسه لا انتساباً قَومياً. والفَرق بَين الصياغتَين بنيوي، فلو قال «بلسان قُرَيش» أَو «بلسان قَوم محمد» لَحَصَر القرآن في ثَقافة قَومية محدودة ولَجَعله مرهوناً بزَمنها وعَوائدها، لكنّ النَّص اختار صياغة تَكشف أَن اللسان يَحمل صفات الأَصالة والنَّقاء والإبانة لا انتساباً قَبَلياً. ويَتَأَكَّد هذا الاختيار حين يُقارَن بآية إبراهيم 4، فالرُّسل السابقون أُرسلوا ﴿بلسان قَومه﴾ بإضافة قَومية صَريحة لأَن كلّ رسالة كانت لقَومها بصورة مباشرة، أَمّا القرآن فلسان عَربي بدون إضافة قَومية لأَن رسالته للناس كافة، والاختيار اللُّغوي ذاته يَكشف الفَرق بَين رسالة محدَّدة لقَوم ورسالة عامّة للبَشر. ومن هنا يَتجلَّى أَن صفة «عَربياً» مقصودة لإثبات العالمية لا لتَقييدها بقَوم، فلو كانت تَدلّ على لُغة قَومية لكانت قَيداً يَنفي العالمية، لكنّها تَدلّ على صفة بَيان أَصيلة نَقية تَجعل القرآن مفتوحاً للناس كافة بصَرف النَّظر عن أَلسنتهم القَومية الأَصلية.
16. «العَرب» و«الأَعراب» ـ كَشف من بنية التَّسمية
ومن أَدقّ ما يُؤَكّد المعنى البنيوي لـ«عَربياً» بنيةُ التَّسمية القرآنية، فقَوم النَّبي سُمّوا «عَرباً» لأَنهم كانوا يَعتنون بالأَنساب ويَحرصون على نَقائها من الدَّخيل، فاكتَسبوا الاسم من صفة الأَصالة والنَّقاء النَّسبي، والتَّسمية في اللسان العَربي اسم على مسمَّى يَكتسب صفة الوَظائف الاسمية، فمن سُمّي «عَربياً» اكتَسب صفة الأَصالة والنَّقاء. ويُجَلّي هذا التَّمييزَ الفَرقُ الصَّرفي بَين الفعلَين «عَرَبَ» و«أَعرَبَ»، فالثُّلاثي المجرَّد «عَرَبَ» فعل لازم يَدلّ على صفة قائمة بالفاعل نَفسه تَنبثق من ذاته، فمن «عَرَبَ» اتَّصف بالعَربية في نَفسه صفةً لازمة لا تَحتاج إلى مَفعول، كَما «صَحَّ» و«قَويَ» و«نَقُيَ». أَمّا «أَعرَبَ» بهَمزة القَطع فمتعدٍّ تَنقله الهَمزة من اللُّزوم إلى التَّعَدّي، وهَمزة القَطع وَظيفتها التَّسبيب أَي جَعل الفعل واقعاً على غَير الفاعل، فمن «أَعرَبَ» جَعل غَيره يَفهم أَو بَيَّن لغَيره ما لم يَكن واضحاً عنده، والصِّفة هنا عارضة من الخارج لا قائمة في ذات المعرَب. ومن هذا التَّمييز تَتجلَّى نَتيجة بالغة الأَهَمّية، أَن القرآن وَصف نَفسه بأَنه «عَربي» (من «عَرَبَ» اللازم) لا «معرَب» (من «أَعرَبَ» المتعدّي)، فهو نَقي مفصح في ذاته لا يَحتاج إلى من يُعربه ويُبَيّنه، إبانته داخلية لازمة قائمة فيه لا خارجية مفروضة عليه، ولو كان «معرَباً» لكان محتاجاً إلى من يُبَيّنه، وهذا يُناقض كلّ التَّأسيس من إبانة النَّص لذاته وانعدام الحاجة إلى حارس بَشري للتَّأويل.
ومن المقابلات البنيوية التي تَكشف هذا الفهم استعمال القرآن لكَلمة «الأَعراب» في سياق سَلبي، قَوله تعالى ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ﴾ . والأَعراب في الآية ليسوا البَدو ابتداءً كَما يَستقرّ في الفهم الشَّعبي، ولا هم العَجم أَو من تَعَرَّب منهم، بَل هم الضُّعفاء في الفَهم البسطاء في الإدراك، من لا يَبين له الأَمر حتى لو كان واضحاً بذاته. ويُبرهن على ذلك تَتمَّة الآية «أَجدر أَلَّا يَعلموا حُدود ما أَنزل الله على رَسوله»، إذ حُدود ما أَنزل الله هي التَّشريع، والتَّشريع واضح في النَّص لا يُراد له تَدَبّر طَبقي وليس فيه طَبقات معرفية كَالآيات المتَشابهات، بَل هو أَوَّل طَبقة معرفية واضحة في ذاتها، ومع ذلك لا يَعقلها الأَعرابي. فالمعنى أَن الأَعرابي ليس بحاجة إلى تَدَبّر عَميق ليُحيط بالتَّشريع، بَل التَّشريع واضح بَيّن في ذاته، لكنّ الأَعرابي ضَعيف في الفَهم بحَيث لا يَعقل حتى الواضح، وهذا يَنسجم مع وَصف كَثير من الناس البُسطاء الذين لا يَعقلون التَّشريع البَسيط فضلاً عن المتَشابهات. ويَنسجم هذا مع كَون القرآن في مجمله يُخاطب ذَوي العُقول وأُولي الأَلباب، فالنَّص يَطلب من قارئه التَّفَكُّر والتَّدَبّر والعَقل واللُّبّ، وهذه طاقات لا تَتَوَفَّر في كلّ الناس بصورة متَساوية.
ومن هنا تَتجلَّى المنظومة المتَكاملة في اللسان العَربي: فالعَربي ما يَكون أَصيلاً نَقياً مفصحاً بذاته يَعقله صاحب اللُّبّ بفطرته، والأَعرابي الضَّعيف في الفَهم الذي لا يَعقل حتى الواضح في ذاته يَحتاج تَبييناً خارجياً، والأَعجمي ما يَكون مبهماً في ذاته يَحتاج تَبييناً ليَتَّضح. والقرآن «عَربي» بهذا المعنى البنيوي، مفصح بذاته أَصيل نَقي مكتفٍ بإبانته الذاتية، ومع ذلك لا يَستوعبه إلا ذَوو العُقول وأُولو الأَلباب، أَمّا الأَعراب بحاسة الفَهم القاصرة فلا يَعقلون حتى الطَّبقة الأَوّلية الواضحة منه.
17. النَّقاء بمعناه المنهجي
«عَربياً» إذن في القرآن صفة منهجية تَجمع خَصائص متَكاملة: النَّقاء من الشَّوائب أَي خُلوّه من النَّزعات والمَيول والتَّحَيّزات الثَّقافية والقَومية والعاطفية، والأَصالة (يتبع جذوره الأصيلة) أَي أَن النَّص يَنبع من ذاته لا يَستعير من خارجه ولا يَعتمد على وَسيط، والوضوح بذاته أَي أَنه مبين دون حاجة إلى شارح له يُحَوّل غموضه إلى وضوح فالوضوح فيه أَصلي لا مكتسَب، والاستقامة أَي أَنه غَير ذي عِوَج لا التواء فيه يَخرجه عن الإبانة المباشرة. وهذه الخَصائص شَرط وجودي للنَّص الذي يُقَدّم نَفسه «هدى للناس كافة»، فالنَّص الذي يَخاطب الناس كافة لا يَستقيم إلا إذا كان نَقياً من شَوائب التَّأليف البَشري أَصيلاً مفصحاً عن ذاته مستقيماً لا التواء فيه، ومن طَلب فَهم القرآن من خارجه ـ من رواية أَو تَفسير سابق أَو سَلطة بَشرية ـ فقد ناقَض صفة «عَربياً» التي تَستلزم النَّقاء والاستقلال.
18. النَّتيجة المنهجية
من هذا التَّأسيس تَتجلَّى نَتائج بالغة الأَهَمّية تَختم القسم. الأُولى أَن القرآن لا يَحتاج إلى مفسِّر بَشري يُحَوّل غموضه إلى وضوح لأَنه «عَربي» أَي مفصح بذاته. والثانية أَن من ادَّعى وضوحاً للقرآن لا يَجده الناس فيه فقد خَرج عن صفة «عَربياً» وأَدخل عليها ما ليس فيها. والثالثة أَن الاستعانة بالكَون في فَهم القرآن ليست خروجاً عنه بَل مطابقة للمسطور بالمنشور كَما تَأَسَّس في القسم الثاني. والرابعة أَن صفة «عَربياً» تَستلزم صفة «للناس كافة»، لأَن النَّص النَّقي المفصح بذاته يَستطيع أَن يُخاطب كلّ عَقل بَشري لا قَوماً بعَينهم.
3.3.1.6الشِّعر مقابل الذِّكر ـ نَفي وجودي
من المفاتيح المنهجية التي يَطرحها القرآن لقارئه نَفيُه الصَّريح أَن يَكون شِعراً. والقارئ البسيط قَد يَظنّ النَّفي بَلاغياً، أَي أَن القرآن يَتَعالى عن الشِّعر بَلاغةً وفَصاحة، لكنّ الاستقراء الداخلي يَكشف أَن النَّفي وجودي بنيوي، يَنبع من اختلاف جَذري بَين طبيعة الشِّعر وطبيعة القرآن.
1. آية يس ـ كَشف بنيوي
يَكشف هذا النَّفيَ قَوله تعالى ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ . والآية لا تَنفي عن النَّبي قُدرة بَشرية، بَل تَكشف أَن طبيعة القرآن لا تَقبل الشِّعرية، ولذلك جاء النَّفي مقترناً بإثبات صفتَين تَستحقّان التَّأَمل: «ذِكر» و«قرآن مبين».
2. طبيعة الشِّعر ـ خَصائص تَنفي الموضوعية
الشِّعر في طبيعته الوجودية يَرتكز على خَصائص أَربع تَجعله مغايراً لطبيعة القرآن. أُولاها المجاز، فالشاعر يَبتعد عن الحقيقة المباشرة يَستعير ويُكَنّي ويُمَوّه، وهذا مشروع في عالم الشِّعر لكنّه خروج عن المطابقة الموضوعية للواقع. وثانيتها الحَشو البَلاغي، فالشاعر يُضيف الكَلام الزائد عن الحاجة لأَجل الوَزن والقافية فيُضَحّي بدقَّة المعنى لأَجل جَمال اللَّفظ. وثالثتها الانفعال الذاتي، فالشِّعر يَنبع من حالة وَجدانية للشاعر من حُزن أَو فَرح أَو مَدح أَو هِجاء، فيَكون منبثقاً من ذاته لا من حقيقة موضوعية. ورابعتها التَّخَيّل غَير المرتبط بالواقع، فالشِّعر يَنطلق من الخَيال يُضَخّم البَسيط ويَختزل الكَبير، فيُغَيّر الواقع لا يُحاكيه.
3. القرآن ـ ذِكر يُحيي البَصيرة مبينٌ بذاته
أَمّا القرآن فهو ذِكر، أَي إعادة الإنسان إلى الحقيقة التي يتناساها، والذِّكر بهذا المعنى يَنبثق من حقائق موضوعية مودَعة في الوجود يَستخرجها النَّص ويُقَدّمها للناس ليَستيقظ وَعيهم بسنن الكَون ومَصائر الأمم. وهو مع ذلك مبين، أَي واضح بذاته لا غموض فيه ولا زينة لَفظية تُشَتّت، وقَد تَأَسَّس في القسم السابق أَن «المبين» شَرط وجودي لا صفة زائدة، يَستلزم أَن يَكون النَّص مفصحاً من ذاته دون وَسيط خارجي، والشِّعر يَفتقد هذه الصِّفة لأَنه يَستلزم تَأويلاً ذَوقياً يَختلف من قارئ إلى قارئ.
4. النَّفي الوجودي لا البَلاغي
ومن اقتران هذه التَّأسيسات يَتجلَّى أَن نَفي الشِّعر عن القرآن ليس بَلاغياً بمعنى التَّعالي عن الشِّعر فَصاحة، بَل وجودي بنيوي. فالشِّعر يُضَيّع البَصيرة لأَنه يَعتمد على التَّخَيّل والمجاز والانفعال، فيُبعد القارئ عن الحقيقة الموضوعية ويُغرقه في عالم وَجداني خاصّ؛ والذِّكر يُحييها لأَنه يَعتمد على المطابقة للواقع، فيُعيد القارئ إلى حقائق الوجود ويُذَكّره بسننه وقَوانينه ومَصائر أمَمه، والاثنان لا يَجتَمعان في نَصّ واحد. ومن ثَمَّ يَنسجم نَفي الشِّعر عن القرآن مع صفة «عَربياً» التي تَأَسَّسَت في القسم السابق، فالقرآن «عَربي» بمعنى النَّقاء من الشَّوائب، ومن جملة الشَّوائب التي يَنفيها النَّص عن نَفسه شائبةُ الشِّعرية بكلّ ما تَحمله من مَيل عاطفي وتَخَيّل ومجاز.
3.3.1.7هدى للناس كافة ـ نظام معرفي عامّ
من المفاتيح المنهجية التي يَفتحها القرآن لقارئه سؤالُ الخطاب: لمن يَتَوَجَّه القرآن في حقيقته، أَهو خطاب لفئة دون فئة أَم رِسالة عامّة لكلّ عَقل بَشري؟ والاستقراء الداخلي يَكشف أَن القرآن يُمَيّز بصورة دَقيقة بَين خطابه العامّ للناس كافة وخطاب الكتاب الخاصّ بالمؤمنين، ومن لم يَستوعب هذا التَّمييز اختَلط عليه الأَمر فظَنَّ القرآن خطاباً نُخبوياً أَو ظَنَّ التَّشريع خطاباً عاماً.
1. آية البقرة 185 ـ القرآن «هدى للناس»
يَكشف القرآن طبيعة خطابه في قَوله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ . والآية تَنسب القرآن إلى «الناس» بصورة مطلقة لا تَخصيص فيها ولا تَقييد، فلم يَقل النَّص «هدى للمؤمنين» ولا «هدى للمتَّقين» ولا «هدى لقَوم بعَينهم» بَل قال «هدى للناس»، والإطلاق هنا مقصود يَكشف أَن القرآن في طبيعته خطاب عامّ لكلّ الناس، يَنفتح على الفطرة الإنسانية المشتَركة بَين الناس جَميعاً. ويَستحقّ التَّأَمل اختيارُ لَفظ «الناس» دون «العالمين»، مع أَن الله رَبّ العالمين، إذ عَوَّدنا القرآن دقَّة اختيار اللَّفظ في موضعه. فـ«العالمين» تَشمل كلّ الموجودات ممّا سوى الله، والله رَبّها جَميعاً تَدبيراً، لكنّ القرآن هدىً لا تَدبير، والهداية تَخصّ من يَملك الوَعي القابل للاهتداء. و«الناس» كَما تَأَسَّس في فصل 3.2 اسمُ جَمعٍ يَدلّ على الكُتلة المنكَشفة المتَفاعلة، وهي على وَجه الدقَّة الفئة الحاضرة المكَلَّفة التي يَحضرها النَّصّ، أَي الأَحياء المتَلَقّون الذين بَلغهم البَلاغ، فمن حَضر وبَلغه النَّصّ فهو من الناس كَما نحن اليَوم، ومن لم يَأتِ بَعد ليس منهم لأَن النَّصّ لم يَحضره، والمتَوَفَّى خَرج منهم لأَنه فارَق كُتلة الحُضور المتَفاعل. وهذا هو جُمهور القرآن بدقَّة، فالقرآن يُحاكي سنن الوجود ومَصائر الأمم في تَفاعلها كَما تَأَسَّس في 3.3.1.1، فجاء خطابه للكُتلة الحاضرة المتَفاعلة التي تَجري عَليها تلك السنن وتَقرأ تلك المَصائر. ومن هنا كان القرآن متَجَدّد الحُضور، يَحضر كلّ جيلٍ في زَمنه فيَكون أَهلُه «الناس» المخاطَبين به، فلم يَقل «هدى للعالمين» لأَنها أَوسع من جُمهور الهداية، ولا «هدى للمؤمنين» لأَنها أَضيق وهي خطاب الكتاب، بَل «هدى للناس»: الكُتلة البَشرية الحاضرة المنكَشفة المتَفاعلة التي تَتأَمَّل الكَون وتَقرأ التاريخ وتَنفعل بسننه في كلّ زَمن.
2. آية البقرة 2 ـ الكتاب «هدى للمتَّقين»
ويُقابل ذلك خطاب الكتاب في قَوله تعالى ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ، فالآية تَنسب الكتاب إلى «المتَّقين» بصورة محَدَّدة، والكتاب بهذا الخطاب لا يَكون هدى لكلّ بَشر بَل لمن سَبق وآمن وأَقَرّ بمَصدره، ومن هنا يَتجلَّى الفَرق بَين خطابَين متَكاملَين لا متَعارضَين.
3. الفَرق البنيوي بَين الخطابَين
التَّمييز بَين الآيتَين يَكشف فَرقاً جَوهرياً في طبيعة الخطاب. فالكتاب يَستلزم إيماناً مسبقاً ليُتَقَبَّل، إذ التَّشريع لا يَستقيم على من لا يُقرّ بمَصدره الإلهي، لأَن الأَوامر والنَّواهي تَفترض سُلطة معتَرفاً بها يَلتزم بها المخاطَب، ومن لم يُقرّ بسُلطة الله لا يَلتزم بأَوامره، ولذلك جاء خطاب الكتاب للمتَّقين أَي الذين أَقَرّوا بالمَصدر فَصاروا مهَيَّئين للالتزام. أَمّا القرآن فيُخاطب الفطرة ذاتها، لا يَستلزم إيماناً مسبقاً لأَنه يَنطلق من حقائق وجودية مشتَركة بَين كلّ البَشر، فالكَون أَمام الناس جَميعاً يَتأَمَّلونه ويَستخرجون منه السنن، والتاريخ مَوروث الناس جَميعاً يَقرؤون فيه مَصائر الأمم، والقرآن يُقَدّم لهم بَياناً منظَّماً لهذَين المَصدرَين فيَستطيع كلّ عَقل سَليم أَن يَتفاعل معه سَواء كان مؤمناً أَم باحثاً.
4. بَيّنات من الهدى والفُرقان ـ بَراهين الرِّسالة الخاتمة
ويَستحقّ التَّأَمل في آية البقرة 185 إضافتُها صفتَين فَرعيتَين بَعد الصِّفة الكلية، فقَد قال النَّص «هدى للناس» ثم أَضاف «وبَيّنات من الهدى والفُرقان»، فيَطرح القارئ المتَأَمّل سؤالاً بنيوياً: ما هذه البَيّنات، ولماذا قُسّمَت إلى صنفَين، صنف من الهدى وصنف من الفُرقان؟
والبَيّنة في الاستعمال القرآني من الإبانة، أَي الوضوح والكَشف والظهور الذي لا لبس فيه، فهي الآية البائنة الظاهرة التي يَتَّضح بها الحَقّ وتَنكشف من ذاتها لمن عاينها، لا تَحتاج إلى ما يَعضدها ولا تَعضد غَيرها، بَل هي بائنة بنَفسها. وقَد جَرت سنّة الله أَن يُؤَيّد كلّ نَبي ببَيّنة تُناسب رِسالته، فموسى أُيّد بـ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ لقَومه، آياتٍ باهرةً مبصرةً واضحةً لا يَلتبس أَمرها على من عاينها، وعيسى أُيّد بـ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: 87] لبَني إسرائيل، وصالح أُيّد بـ﴿بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 73] لثَمود، وكلّ هذه البَيّنات جاءت آنية ظَرفية لرِسالات قَومية وَقتية انقَضت بانقضاء مَواقفها
أَمّا الرِّسالة المحمَّدية الخاتمة فطبيعتها مغايرة، فهي رِسالة عامّة للناس كافة أَبدية إلى يَوم الدين، لا تَستقيم لها بَيّنات ظَرفية تَنقضي بَل تَستلزم بَيّنة خالدة متَجَدّدة، وما هذه البَيّنة الخالدة إلا القرآن نَفسه كَما يُؤَكّد قَوله تعالى ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ ، فالقرآن نَفسه بُرهان النَّبي، يَجمع ذِكر من معي (أَحداث النُّبُوّة المسجَّلة في القرآن عن زَمن النَّبي وأَصحابه ومَواقفهم) وذِكر من قَبلي (قَصص الأَنبياء السابقين والأمم الهالكة)، والاثنان يَلتقيان في القرآن نَفسه فيَكون هو البَيّنة الخالدة على صدق الرِّسالة. ويُعَزّز هذا الفهم تَكرار وَصف القرآن بأَنه «آيات بَيّنات»، فقَوله تعالى ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: 15] يَكشف بنيوياً أَن آيات القرآن المتلوَّة بَيّنات، إذ الكافرون يَطلبون «ائت بقرآن غَير هذا» أَي أَن «هذا» الذي يُريدون استبداله هو الآيات البَيّنات نَفسها، فالمعادلة البنيوية: آياتنا بَيّنات = هذا القرآن، ويُعَزّزه قَوله ﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور: 1] فالبَيّنية صفة لازمة لآيات القرآن.
5. التَّرتيب البنيوي ـ الهدى يَسبق الفُرقان
ويَكشف ترتيب الآية في البقرة 185 سنّة إلهية بنيوية، فالنَّص قَدَّم «بَيّنات من الهدى» ثم «والفُرقان»، والترتيب مقصود يُؤَكّده قَوله تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ، فالقاعدة الكُبرى أَن الهدى يُقَدَّم أَوّلاً فتُقام الحُجَّة وتُعرَض البَراهين ويُدعى الناس إلى الحَقّ، ثم يَأتي الفُرقان إن أَعرضوا فَصلاً وجودياً يَكشف انتصار الحَقّ على الباطل.
6. بَيّنات من الهدى ـ بَراهين طَريق الحَقّ
بَيّنات من الهدى آيات داخل القرآن تَعضد طَريق الحَقّ الذي يَدلّ عليه، تَكشف بسنن الكَون والتاريخ ما يُؤَدّي إلى الرُّسوخ والاستقامة، وتُؤَكّد بالبُرهان لماذا يَنبغي اتّباع هذا الطَّريق، فكلّ آية كَونية تَدلّ على نظام محكم تَستلزم اتّباع سننه، وكلّ قِصَّة لنَبي ناجٍ ومن آمَن معه تَكشف ثَمرة اتّباع الهدى، وهذه بَراهين دائمة يَستطيع كلّ عَقل أَن يَستخرجها من النَّص ويُطابقها بالواقع.
ومن أَبرز بَيّنات الهدى قانونُ هَلاك القُرى، فقَصص الأمم الهالكة ـ طُوفان نَوح وريح عاد وصَيحة ثَمود وخَسف قَوم لوط وغَرق فرعون ـ ليست تَدَخّلات فُرقانية تَخرق السنن، بَل تَجلّياتٌ لسنّة وجودية محكمة: أَن الأُمَّة التي تُعارض سنن الوجود ولا تُحاكيها تَنحسر وتَنتهي بمقتضى السنّة نَفسها، لا بعُقوبة خارجة عنها. وهذا القانون مسطورٌ في الكتاب كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ ، فالحَصر القاطع «إن من قَرية إلا...» يَكشف أَنه قانون سننيّ يَجري على كلّ قَرية اجتَمعت فيها شُروطه بصَرف النَّظر عن هَويَّتها، كَما تَأَسَّس في 3.3.1.2. فهذه بَيّنات هدى تُنذر بعاقبة معارضة السنن، تَدخل في نظام الوجود الجاري لا في خَرقه.
7. بَيّنات من الفُرقان ـ تَدَخّل إلهي يَصرف السنن لنَصرة الحَقّ
أَمّا بَيّنات من الفُرقان فبَراهين من نَوع آخر تُغاير بَيّنات الهدى في جِنسها ونِسبتها معاً. فبَيّنات الهدى سننٌ كَونية جاريةٌ تَتكَشَّف زمنياً، تُنسب لرَبّ العالمين لأَنها من نظام الوجود الجاري، على قاعدة أَن صفة الآية صفة مَصدرها. أَمّا بَيّنات الفُرقان فآياتٌ واضحة تَخطّت السنن، تَدَخّلٌ إلهي آنيّ يُحيل السنن عن نَسقها العامّ لنَصرة الحَقّ ورسالاته والمؤمنين المتَّقين، فتُنسب لله لأَنها فعل إرادةٍ حرّة من خارج النَّسق السننيّ لا سنّة ربوبية جارية فيه. وقَد تَجَلَّت بصورتها الجَوهرية في رِسالتَين: عند موسى بشَقّ البَحر وإغراق فرعون، وعند محمد بالنَّصر ببَدر، حَيث صُرفت السنن المعتادة آنياً لتَفصل بَين الحَقّ والباطل فَصلاً قاطعاً. ويُؤَكّد هذا الالتزام الإلهي بالنَّصرة قَوله تعالى ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، ويَتجَدَّد الفُرقان سنّةً لكلّ متّقٍ في قَوله ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. فالفُرقان حصراً ما خَرق نَسق السنن لنَصرة الحَقّ، لا ما جَرى على وَفقها. ولتَفصيل مفهوم الفُرقان بصورة شاملة يُراجع القسم 3.3.3 الذي يَستوفي شَواهده في الكَون والتاريخ والتَّشريع والتَّمكين.
8. التَّكامل البنيوي بَين البَيّنتَين
والصنفان متَكاملان في وَظيفتهما، فبَيّنات الهدى تَكشف بالسنن الجارية طَريقَ الحَقّ وعاقبةَ معارضته معاً: ثَمرةَ من حاكى السنن فرَسخ، وانحسارَ من عارَضها فاندَثر، وكلاهما من نظام الوجود الجاري الذي يَتكَشَّف زمنياً. أَمّا بَيّنات الفُرقان فتَكشف سنّة الفَصل الإلهي حين يَتَدَخَّل بنَصرة الحَقّ خَرقاً للسنن المعتادة، فتُعلن انتصار الحَقّ وزَوال الباطل فَصلاً قاطعاً. فالأُولى تَجري على وَفق السنن وتُصَدّق النَّصّ بمطابقته للواقع المتَطَوّر، والثانية تَخرق السنن آنياً لنَصرة الحَقّ وتُثَبّت الرِّسالة في الواقع. وهذه البَراهين كلّها مفتوحة لكلّ عَقل أَراد أَن يُبصر، لا تَستلزم انتماءً سابقاً ولا إيماناً مسبقاً، بَل تُخاطب الفطرة العامّة بأَدلَّة الكَون والتاريخ.
9. التَّمييز البنيوي بَين «النَّبي» و«الرَّسول» في الخطاب
ويَنبثق من هذا الفهم تَمييز منهجي بالغ الأَهَمّية، فالقرآن يَستعمل صيغةً متَمَيّزة في خطاب النبي محمد تَكشف ظَرفية السياق. فالأَصل في الخطاب القرآني العموم الرِّساليّ الخالد للناس كافّة، وهو أَصلٌ لا يَحتاج إلى علامةٍ تَدلّ عليه، إذ العموم هو القاعدة. وإنّما الظَّرفية هي الخارجة عن هذا الأَصل، فاحتاجَت علامةً تُخَصّصها، وتلك العلامة هي صيغة «يا أَيّها النَّبي»، فحَيثُ وَرَدَت دَلَّت على أَن السياق مَشدودٌ إلى زَمن النُّبُوّة وأَحداثه، فيَكون الخطاب ظَرفياً لا يُعَمَّم. ومن أَمثلة ذلك سورة الأَحزاب، فقَد افتُتِحَت بهذه الصيغة ﴿يا أَيّها النَّبيُّ اتَّقِ اللهَ ولا تُطِعِ الكافرينَ والمنافقين﴾ [الأحزاب 1]، فجاءَ النِّداءُ للنَّبي علامةً على ظَرفية ما تَحمله السورة، ثُمَّ صَدَقَ ذلك في مَضمونها، إذ حَوَت أَحداثاً زَمنية ظَرفية تَخصّ النَّبي وأَصحابه ومَواقفهم في غَزوة الأَحزاب وشَؤون بَيته، وكذلك الآيات التي تَتَحَدَّث عن مَواقف بَدر وأُحد والخَندق، وعن المنافقين في زَمنه، وعن صُلح الحُدَيبية، فكلّها أَحداث ظَرفية خاصّة بزَمن النُّبُوّة، دَلَّت عليها الصيغةُ في افتتاحها وصَدَّقها المَضمونُ في تَفصيلها.
ومن أَوضح ما يَكشف هذه الظَّرفية تَطبيقاً ـ أَحكامُ الطَّلاق في سورة الطلاق، فقَد افتُتِحَت بصيغة ﴿يا أَيّها النَّبي إذا طَلَّقتُمُ النِّساء﴾ [الطلاق 1]، فجاءَ النِّداءُ للنَّبي علامةً على ظَرفية السياق، ثُمَّ تَحَوَّلَ الخطابُ إلى عامّة المؤمنين في زَمن النُّبُوّة بصيغة الجَمع ﴿طَلَّقتُم﴾. ودلالةُ هذا أَن أَحكامها، وإن وُجّهَت إلى المؤمنين، خاصّةٌ بظَرف زَمن النُّبُوّة وعِلَّته، لا تَطّرد اطّرادَ الحُكم الرِّساليِّ العامِّ إلا إذا تَناسَبَ الظَّرفُ والعِلَّةُ ذاتُها. فحُكمُ التربّص في البيوت وعَدمِ الإخراج منها ﴿لا تُخرِجوهُنَّ من بُيوتِهِنَّ ولا يَخرُجنَ﴾ مَناطُه حالُ المهاجِرات اللاتي تَرَكنَ ديارَهُنَّ، فلا بَيتَ لهُنَّ يَتَرَبَّصنَ فيه كَما في حُكم الطَّلاق الكلّيِّ في سورة البقرة؛ فإذا زالَ هذا الظَّرفُ لم يَطّرِد الحُكمُ اطّرادَ الكلّياتِ الثابتة، بَل بَقيَ مَخصوصاً بظَرفه وعِلَّته. وتَفصيلُ هذا الحُكم بوصفه حُكماً ظَرفياً مَخصوصاً يَأتي في موضعه من الفصل الخامس (5.5.2.3).
ويُؤَكّد هذا التَّمييز قَوله تعالى ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ، فالآية تَكشف بصورة قاطعة دقَّة الاختيار اللُّغوي، إذ وُصف محمد بأَنه «رَسول الله» فالرِّسالة فيه مستَمرّة، و«خاتم النَّبيين» فالنُّبُوّة فيه منتَهية، ولم يَقل النَّص «خاتم الرسل» بَل «خاتم النَّبيين»، تَأكيداً على أَن النُّبُوّة هي التي ختمت بمحمد أَمّا الرِّسالة فخالدة مستَمرّة إلى يَوم الدين، ومعنى ذلك أَنه لا اتّباع لشَخص النَّبي بَعد وَفاته بَل الاتّباع للرِّسالة الخالدة التي حَملها، وهي القرآن جَوهرةً والمنظومة الجامعة التي تَأَسَّسَت في 3.3.1.3.
ويَنبثق من الآية تَمييز ثانٍ، فالنَّص قال «النَّبيين» ولم يَقل «الأَنبياء» رَغم أَن الكَلمتَين قَد تَبدوان في الظاهر مترادفتَين، والقرآن لا تَرادف فيه. فـ«النَّبيون» صفة لمن يَحمل رِسالة إلى قَومه يَجمع بَين النُّبُوّة والرِّسالة، و«الأَنبياء» صفة لمن ظَهرت نُبُوّته دون رِسالة خاصّة، يَكون نَبياً يُؤَيّد رِسالة سابقة دون أَن يَحمل تَشريعاً جَديداً. ومحمد ختم النَّبيين أَي ختم الذين يَحملون رِسالة، ومن لم يُمَيّز بَين الصيغتَين خَلط الظَّرفي بالخالد فحَمَل أَحكاماً نَبوية ظَرفية على أَنها تَشريع عامّ للأمم. ولتَفصيل الفَرق بَين النُّبُوّة والرِّسالة ومَراتب الطاعة يُراجع الفصل 5.5.2 (الرَّسول ـ الرِّسالة المنزَّلة لا الشَّخص).
10. الضَّرورة الوَظيفية لعالمية القرآن
يُصَرّح القرآن بعالمية الرَّسول نَفسه تَصريحاً قاطعاً، فيَقول ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ، ويَقول ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، فالرَّسول موجه للناس جَميعاً ـ الحاضرين المتَلَقّين في كلّ زَمن ـ لا لقَوم بعَينهم. وتَتمَّة آية الأعراف تَكشف بنية الدَّعوة كاملة ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، فالإيمان بـ«الله ورَسوله» إيمانٌ بالتَّشريع الكلّيّ والمستَجَدّ معاً، وهو موصولٌ بأَن النَّبي نَفسه «يُؤمن بالله وكَلماته»، وكَلمات الله متعلَّقها الوجود الذي يَنطق به القرآن، فالتَّشريع الذي يُدعى الناس إلى الإيمان به واتّباعه يَستمدّ بُرهانه من القرآن، إذ آمن النَّبي بالله وكَلماته (القرآن البُرهان) فحَمل التَّشريع مبرهَناً، واتّباعه اتّباعٌ لتَشريعٍ يُصَدّقه القرآن ويَعضده كَما تَأَسَّس في 3.3.1.3.
ويُؤَكّد هذه العالمية الضَّرورةُ الوَظيفية التي تَستلزمها قَصص القرآن وكَونياته، فهي تُؤَدّي وَظيفتها للمؤمن وغَير المؤمن معاً، لا تَقتصر على فئة دون أُخرى كَما يَقتصر التَّشريع على المتَّقين. فقَصص الأمم وآياتُ الكَون بَراهين فكرية تَدعو من لم يُؤمن بَعد إلى التَّصديق بمَصدر الوَحي، يَستقري بها الكَون ويَقرأ مَصائر الأمم فيُذعن للحَقّ، فإذا آمن انسجَم إيمانه بتَطبيق التَّشريع؛ ولو كانت موجَّهة للمؤمنين وَحدهم لانتَفت وَظيفتها الدَّعوية ولانحَصر القرآن فيمن سَبق وآمن، وهذا يُناقض عالمية الرِّسالة. وهي في الوقت نَفسه لا تُفارق المؤمن، بَل تُقَوّي فؤاده وتَزيده بَصيرةً وتَقوى، فيَزداد بقَصص الأمم ثَباتاً وبآيات الكَون يَقيناً، كَما قال تعالى في قَصص الرُّسل ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ . فالقرآن إذن خطاب جامع، يَدعو غَير المؤمن بالبُرهان فيُؤمن، ويُثَبّت المؤمن فيَزداد تَقوى ويَقيناً، وكلاهما داخل في عالمية «هدى للناس».
11. خَلاصة المنهج ـ نظام معرفي مقابل نظام تَشريعي
من اقتران هذه التَّأسيسات تَتجلَّى خَلاصة منهجية بالغة الأَهَمّية، فالقرآن نظام معرفي عامّ يُقَدّم حقائق وجودية يُمكن لأَيّ عَقل سَليم أَن يَتفاعل معها، ومن ثَمَّ خطابه للناس كافة لا فَرق بَين مؤمن وباحث ومعرض، الكلّ مَدعوّ إلى التَّأَمل والتَّدَبّر. والكتاب نظام تَشريعي خاصّ يُطَبَّق بَعد أَن يُقَرّ العَقل بصدق المَصدر، ومن ثَمَّ خطابه للمتَّقين الذين سَبق وآمنوا فصاروا مهَيَّئين لقَبول الأَوامر والنَّواهي. والاثنان متَكاملان لا متَعارضان، فالقرآن يَفتح الباب للوَعي العامّ والكتاب يُنَظّم سلوك من دَخل الباب، القرآن يَدعو والكتاب يُنَظّم، القرآن للجَميع والكتاب للذين قَبلوا الدَّعوة.
12. الانسجام مع التَّأسيسات السابقة
ويَنسجم هذا التَّمييز مع كلّ ما تَأَسَّس في الأَقسام السابقة، فقَد تَأَسَّس في القسم الخامس أَن القرآن «عَربي» بمعنى النَّقاء من الشَّوائب القَومية فلا يَنحاز لقَوم دون قَوم بَل يَفتح للناس كافة، وتَأَسَّس أَنه «لسان مبين» مفصح بذاته فلا يَحتاج إلى وَسيط يُحَوّل غموضه إلى وضوح، وتَأَسَّس أَنه لم يُنسب إلى قَوم بعَينهم فالنَّص لم يَقل «بلسان قُرَيش» بَل «لساناً عَربياً مبيناً» بصياغة تَكشف العالمية. وكلّ هذه التَّأسيسات تَلتقي عند نَتيجة واحدة: القرآن للناس كافة خطاباً ووُصولاً ووَظيفة، والكتاب للمتَّقين خطاباً والتزاماً.
3.3.1.8القَصص ـ استنساخ وجودي لا سَرد تاريخي
من المفاتيح المنهجية التي يَطرحها القرآن لقارئه طبيعةُ قَصصه وآلية نُزولها. والقارئ البسيط قَد يَظنّ القَصص في القرآن سَرداً تاريخياً يَحكي أَخبار الأمم السابقة بصورة أَدبية، شَبيهة بما يَفعله المؤَرّخون والقُصّاص، لكنّ الاستقراء الداخلي يَكشف أَن القَصص في القرآن آلية وجودية مغايرة، تَنبثق من بنية الكتاب المبين والإمام المبين كَما تَأَسَّس في الفصل 3.7، وتَستحقّ تَأَمّلاً منهجياً يَكشف فَرقها الجَوهري عن السَّرد البَشري.
1. التَّمهيد ـ القَصص ليست رواية بَشرية
السَّرد التاريخي البَشري يَنطلق من شاهد يَروي ما رأى، أَو ناقل يَنقل عن شاهد، أَو مؤَرّخ يَجمع روايات متَفَرّقة فيُنسّقها، ومَهما اجتَهد المؤَرّخ في الدقَّة فإن سَرده يَبقى محكوماً بثَلاث محدوديات: نَقصِ المعلومة، فالشاهد لا يَرى كلّ شَيء والناقل يَنقل ما تَعَلَّق بسَمعه والمؤَرّخ يَجمع ما وَصل إليه؛ وانحيازِ الراوي، فالشاهد يَرى من زاويته والناقل يَنحاز لمَيوله والمؤَرّخ يَتأَثَّر بثَقافته؛ واقتطاعِ السياق، فالواقع متَّصل بسنن كَونية لا يَستطيع الراوي البَشري الإحاطة بها، فيَقطع الحَدث عن سَببه السنني ويَكتفي بظاهره. والقرآن يَنفي عن قَصصه هذه المحدوديات الثَّلاث، لا بدَعوى مجَرَّدة بَل بكَشف بنيوي عن آلية مغايرة لاستخراج القَصص.
2. آية يوسف 3 ـ كَشف بنيوي للآلية
يَكشف القرآن آلية قَصصه في قَوله تعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ، والآية تَكشف ثَلاثة أَبعاد متَكاملة. الأَوَّل أَن الفاعل في القَصّ «نَحن» بالمثنى الوَظيفي لا النَّبي ولا الرواة، وهذا المثنى يَجمع بُعدَين متناغمَين: محلَّ القَصص الربوبيّ، إذ هو استنساخ أَحداث الأمم وتَفاعلها مع السنن من الإمام المبين في الوجود، وهو شَأن ربوبيّ يُدَبّر الزَّمكان؛ وصياغةَ القَصّ الإلهية، إذ الذي يَنتقي من المستَنسخ ويَصوغه ويُرَتّبه بعلمه هو الله العليم، على قاعدة أَن صفة الآية صفة مَصدرها. فتَناغم البُعدان في «نَحن نَقُصّ»: الوجود يُسَجّل أَحداث الأمم استنساخاً، والله يَصوغ قَصَّها انتقاءً وترتيباً بعلمه، فجاء المثنى الوَظيفي ناطقاً بهذا التَّوافق. والبُعد الثاني أَن المضمون «أَحسن القَصص»، وهي صفة بنيوية تَستحقّ تَدَبّراً مفصَّلاً. والثالث أَن النَّبي «من قَبله من الغافلين»، أَي لم يَكن لديه علم سابق بهذه الأَحداث، فهي ليست استرجاعاً لذاكرته ولا جَمعاً من ثَقافته بَل وحي يُكشف له من خارج علمه.
ولا يَستقيم القَول بأَن القرآن نَقل قَصصاً متَداولة في زَمن النَّبي، لأَن النَّص نَفسه يَنفي ذلك صَراحة في قَوله ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا﴾ ، فالنَّبي وقَومه لم يَعلموا بهذه القَصص قَبل القرآن، فلا تَكون منقولة من ثَقافة سابقة.
3. الجَذر «قَصَّ» ـ التَّتَبّع المختزَل على المفيد
كَلمة «القَصَص» في الجَذر العَربي (ق-ص-ص) تَدلّ على التَّتَبّع المختزَل على المفيد، لا على الرواية أَو الإغراق في التَّفاصيل، والاستعمال الحَيّ للُّغة يَكشف هذا المعنى مباشرةً. فتَقول العَرب «قَصَّ الحَلَّاق الشَّعر» إذا قَطع منه الزائد وأَبقى ما يُلائم، فالقَصّ انتقاء واختزال يَنزع ما لا يَنبغي ويُبقي ما يَنبغي، وتَقول «قِصاص» للحَدّ الذي يَقطع الزائد عن العَدل فلا يَزيد ولا يَنقص، وتَقول «قَصَصتُ أَثره» إذا تَتَبَّعتَه، والتَّتَبّع نَفسه اختزال لأَنه يَلتزم خَيط الأَثر وَحده لا يَلتفت يَميناً ولا شِمالاً. والقاسم المشتَرك أَن القَصّ يَنطلق من كَثير ليُبقي قَليلاً ذا دَلالة، ولذلك جاء في القَصص 11 ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أَي تَتَبَّعي أَثره خَطوة خَطوة دون أَن تَلتفتي إلى ما حَوله.
ومن هنا يَتجلَّى المعنى البنيوي لـ«قَصَّ القرآن»، فليس رواية يُغرق فيها التَّفاصيل ولا سَرداً يَستوفي الحَدث بكامله، بَل تَتَبّع مختزَل على المفيد يَنقل من الحَدث ما يُحقّق العبرة ويَترك ما لا يُحقّقها، فالرواية تَطلب الإغراق والإحاطة الشاملة، والقَصّ يَطلب الاختزال على ذي الدَّلالة. ويُؤَيّده قَوله تعالى ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ، فعبارة «من أَنباء الرسل» بـ«مِن» التَّبعيضية صَريحة في أَن القَصّ بَعض من كلّ، والمعيار في الانتقاء «ما نُثَبّت به فؤادك» أَي ما يُحَقّق وَظيفة التَّثبيت لا كلّ ما حَدث، ومثله ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: 164]، فوجود رُسل لم يَقُصّهم القرآن كَشف قاطع على أَن القَصّ انتقاء لا إحاطة شاملة. ويَتجلَّى هذا في قِصَّة يوسف التي وُصفَت بأَنها «أَحسن القَصص»، فالسورة لم تَستوف حياته بكاملها، لم تَذكر طُفولته قَبل الرُّؤيا، ولا استَطردت في سَنوات السجن إلا بقَدر ما يَتَعَلَّق بتَأويل رُؤيا الفَتيَين، ولا ذَكرت حياته بَعد لقاء إخوته، بَل اختَزلت حياته على المفاصل ذات الدَّلالة السننية: الرُّؤيا، فالإلقاء في الجبّ، فالبَيع، ففتنة امرأة العَزيز، فالسجن، فتَأويل الرُّؤيا، فالتَّمكين، فاللقاء بالإخوة، وبَين هذه المفاصل قَفزات زَمنية لا تَتَوَقَّف عندها لأَنها لا تَخدم العبرة.
4. النَّبأ مقابل الخَبر ـ كَشف بنيوي
ويَنبغي للقارئ أَن يَتَوَقَّف عند خَصيصة بنيوية للنَّبأ تَفصله عن جنس الخَبر تَكشفها مفاتيح الكتاب نَفسه. فالنَّبأ مادَّة معرفية مكثَّفة مقتَضَبة غَير مدرَكة بتَفاصيلها، تَأتي إلى المتَلَقّي موجَزةً قَبل أَن يَستوعب أَبعادها، والخَبر هو المادَّة نَفسها بَعد إدراكها بتَفاصيلها وانتشارها بَين الناس، فالانتقال من النَّبأ إلى الخَبر انتقال إدراكي توزيعي يَتَحَقَّق باستيعاب التَّفاصيل في وَعي المتَلَقّي وانتشار المادَّة فتَصير متَداوَلة معروفة. ولذلك جاء في ختام الزلزلة ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ ، فالأَرض تُحَدّث أَخباراً لا أَنباءً، لأَنها يَوم القيامة تَنفذ من حال الكَتم والإيجاز إلى حال الإفصاح والانتشار، فما كان نَبأً مكثَّفاً عنها صار خَبراً مدرَكاً متَجَلّياً، ولو قال «تُحَدّث أَنباءها» لانتَفى معنى التَّجَلّي والإفصاح.
ويُؤَيّد هذا التَّمييز شَواهد متَعَدّدة، فقَوله ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ يَكشف أَن النَّبأ في طَوره الأَوَّل يَحتمل الاختلاف لأَنه لم يُدرَك بتَفاصيله ولم يَنتشر موحَّداً، والاختلاف نَفسه دَليل على أَنه لا يَزال نَبأً، وقَوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 88] يَكشف أَن النَّبأ يَنتظر العلم به فحين يُعلم يَنتقل إلى طَور الخَبر، وقَوله ﴿إِن جَاءَكُم فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] أَوجب التَّبَيّن لأَن النَّبأ لم يُدرَك بَعد بتَفاصيله فيَحتمل الصدق والكَذب، ولو كان خَبراً متَداوَلاً لانتَفت الحاجة إلى التَّبَيّن.
ومن اقتران هذه الخَواصّ يَتجلَّى الانسجام البنيوي بَين «النَّبأ» و«القَصّ» في آية هود 120، فالنَّبأ مكثَّف مقتَضَب في طبعه والقَصّ اختزال على المفيد، فالقرآن حين يَقُصّ من أَنباء الرسل يَنقل نَبأً مضغوطاً مختزَلاً على ما يُحَقّق العبرة، فيَبقى المقصوص في طَور النَّبأ لا يَنتقل إلى طَور الخَبر المستوفَى بتَفاصيله. ومن هنا يُفهم قَوله للنَّبي ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾، فالنَّبي لم يَعلم القِصَّة قَبل القرآن البتَّة، ثُمَّ لم يَعلم بَعد نُزوله إلا بقَدر ما قَصَّه القرآن عَليه من النَّبأ المختزَل على العبرة، لا بكامل تَفاصيل الحَدث، فما عَلِمه النَّبي والقارئ معاً هو القَصّ المفيد لا الخَبر المستوفَى، إذ القَصص القرآني يَبقى نَبأً مكثَّفاً على ما يَخدم العبرة، لا روايةً تَستوفي الحَدث.
5. الإمام المبين والقَصّ ـ تَمييز بَين الاستنساخ والانتقاء
ها هنا يَنبغي التَّمييز بَين فعلَين مختَلفَين بنيوياً لا يُرادف أَحدهما الآخر، وَفق منهج «لا تَرادف في القرآن». الفعل الأَوَّل الاستنساخ، وهو الذي يَجري في الكَون نَفسه، فالإمام المبين سجلّ شامل تَستنسخ فيه السنن الكَونية أَفعال البَشر وأَقوالهم وأَفكارهم بكامل تَفاصيلها طَبق الأَصل دون نَقص ولا انتقاء، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ ، فكلّ شَيء محصى إحصاءً كاملاً لا يُفَوّت تَفصيلاً، ما قاله الناس بأَلفاظهم وما فَعلوه بدَوافعه ونَتائجه وما اعتَقدوه بمَنطقه، والسنن التي تَفاعلت مع أَفعالهم والنَّتائج التي تَجَلَّت في الزَّمن، كلّ ذلك مودَع في الإمام المبين بكامله طَبق الأَصل دون انتقاء.
والفعل الثاني القَصّ، وهو الذي يَجري في القرآن فاعله الله، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ، والقَصّ ليس استنساخاً بَل انتقاء من المستَنسخ، فالنَّص لم يَقل «نَستنسخ عَليك» ولا «نروي عليك» بَل «نَقُصّ عَليك من» بـ«مِن» التَّبعيضية. والعَلاقة بَين الفعلَين محكمة، فالاستنساخ مَصدر والقَصّ آلية انتقاء منه، الإمام المبين يَحفظ كلّ شَيء بصورة إغراقية شاملة ثُمَّ يَأتي القَصّ القرآني فيَنتقي منه ما يُحَقّق وَظيفة التَّذكير والتَّثبيت، ولولا الاستنساخ الإغراقي لما كان للقَصّ مادَّة، ولولا القَصّ الانتقائي لجاء القرآن إغراقاً يَتشَتَّت فيه القارئ. ويَنبغي أَن يَتَنَبَّه القارئ إلى أَن الاستنساخ في الإمام المبين فعل كَوني يَجري في السجلّ بصورة مَخفيَّة عن الناس عامَّة، ويُقابله بُعد آخر يَكشفه قَوله تعالى ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ [النجم: 39-40]، وهو تَجَلّي السَّعي البَشري ونَتائجه في الواقع الدنيوي حَيث يَرى الإنسان ـ فَرداً وأُمَّة ـ ثَمرة سَعيه أَمامه فيَكون له رادعاً أَو محفّزاً، ولتَفصيل آلية تَجَلّي السنن من الإمام المبين إلى الواقع يُراجع الفصل 3.7، وخاصَّة القسم 3.7.9 الذي يَكشف أَن الإمام المبين بَيان سابق لا سجلّ مؤَجَّل.
6. «أَحسن القَصص» ـ دقَّة وجودية لا جَمال أَدبي
«أَحسن القَصص» في آية يوسف 3 لا تَدلّ على جَمال أَدبي بَل على دقَّة وجودية، والقَرينة على ذلك من الجَذر «حَسَن» نَفسه، فالحُسن في اللسان العَربي يَدلّ على الإحسان والإتقان لا على الزُّخرف والزينة، والإحسان أَن يَأتي الشَّيء وَفق غايته بكامل دقَّته، ومنه «أَحسنتَ» إذا أَتقنت، و«المحسن» في الصَّنعة من يَأتيها بدقَّة كاملة. ومن هنا «أَحسن القَصص» قَصص أَتقن وأَدقّ لا قَصص أَجمل في زَخرفه. وأَحسنية القَصص القرآني تَتجلَّى في خَصائص أَربع: المطابقةِ الكاملة لما يَخدم العبرة من الأَصل المسجَّل في الإمام المبين فلا انفصال بَين الحَدث الفعلي والمَروي في حُدود ما اختير، والإحاطةِ بكلّ السنن العاملة في الحَدث فلا تَقطع القِصَّة عن سياقها السنني، وانعدامِ النَّقص والانحياز فيما اختير فالقاصّ هو الله العالم بكلّ شَيء لا شاهد بَشري محدود، واستخراجِ العبرة الكلية من الجُزئي بحَيث تَكون القِصَّة شاهدة على سنّة كَونية تَجري في كلّ زَمن لا حادثة منعَزلة في تاريخها. ومن اقتران هذه الخَصائص تَكون القَصص «أَحسن» بمعنى أَدقّ وأَتمّ لا «أَجمل» بمعنى أَبهى زَخرفاً.
7. الجَعل والتَّحويل ـ إنطاق المستَنسَخ بلسان مبين
ها هنا يَنبثق سؤال بنيوي: إذا كان القَصّ القرآني انتقاءً من الإمام المبين، فما طبيعة الأَصل المسجَّل فيه، وكَيف صار قَصصاً عَربياً مبيناً؟ والجَواب يَكشفه النَّصّ بكَلمتَين مفتاحيتَين: الإحصاء والاستنساخ. فقَوله تعالى ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ يَكشف ضَبطاً دَقيقاً لكلّ شَيء لا يَفوته شَيء، وقَوله ﴿هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29] يَكشف أَن المستَنسَخ هو «ما كُنتم تَعملون» أَي العَمل نَفسه بحَقيقته الوجودية، لا كَلامٌ بلسانٍ قَومي. فالإمام المبين سجلٌّ يَستنسخ الأَعمال والوقائع طَبق الأَصل، يُحصي الفعل بدافعه وسننه ونَتيجته، مجرَّداً عن اللسان لأَنه نُسخة للعَمل لا للكَلام.
ومن هنا يَتَّضح معنى «الجَعل» في القَصص القرآني، فالأَصل المسجَّل ليس نَصاً بلسانٍ مخصوص ـ لا عَربياً ولا أَعجمياً ـ بَل استنساخٌ وجوديّ للعَمل بحَقيقته، و«الجَعل» إنطاقٌ لهذا المستَنسَخ بلسان عَربي مبين، تَحويلٌ من نُسخةٍ وجودية محصاة إلى نَصّ منطوق يَفهمه الناس، كَما تَأَسَّس في 3.3.1.5. ومن هنا تَتجلَّى دقَّة آية فُصّلت 44 ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾، فالأَعجمي هنا ليس وَصفاً للأَصل المسجَّل، بَل للصياغة المبهمة غَير المفصحة التي رُفضت، إذ لو أَنطق الله المستَنسَخ بصيغة مبهمة لاعتَرض الناس وطَلبوا تَفصيلها، لكنّه جَعله عَربياً مبيناً مفصحاً بذاته. والإنطاق هنا ليس ترجمة لَفظية، بَل إعادة ترميز كاملة، فالنَّص العَربي المبين يَحمل المضمون الفعلي للعَمل بكلّ أَبعاده النَّفسية والسننية والوجودية في صياغة موجَزة محكمة، ولذلك تَستطيع آيات معدودة أَن تَنقل قِصَّة قَوم بإحاطة متقنة، لأَن الترميز كَثيف يَختزل الأَبعاد المتَعَدّدة في عبارات بنيوية.
8. التَّكرار بسياقات مختلفة ـ زَوايا متَكاملة وموقع قِصَّة يوسف
من المَلامح البارزة في القَصص القرآني تَكرارُه للقِصَّة الواحدة بسياقات متَعَدّدة، فقِصَّة موسى تَتَكَرَّر في عَشرات السور، وقِصَّة إبراهيم في سور كَثيرة، وقِصَّة نوح في مَواضع عَديدة. والقارئ المتَأَمّل يَقف هنا أَمام سؤال يَستحقّ البَحث: لماذا يُعيد القرآن القِصَّة الواحدة مرّاتٍ في سور شَتَّى، أَهو تَكرار لتَأكيد المعنى، أَم لحكمة أَعمق تَكشفها بنية النَّصّ؟
والاستقراء الداخلي يَهدي إلى وَجهٍ من الحكمة يَكشفه النَّصّ نَفسه، وهو أَن العبرة الكاملة من قِصَّة لا تَنبثق من سَرد واحد منفرد بَل من اقتران سَرديات متَعَدّدة تَكشف القِصَّة من زَوايا متَكاملة. فالنَّص لا يَكتفي بعَرض القِصَّة من زاوية واحدة، بَل يَعرضها في سور متَعَدّدة، كلّ سورة تُسقط على القِصَّة طابعها وموضوعها، فالسورة التي تَتَحَدَّث عن الصبر تَستخرج من قِصَّة موسى أَبعاد الصبر، والتي تَتَحَدَّث عن مواجهة الطُّغاة تَستخرج أَبعاد المواجهة، والتي تَتَحَدَّث عن التَّوَكُّل تَستخرج أَبعاد التَّوَكُّل، والقِصَّة في كلّ سورة هي الواحدة لكنّها تَنطق بلسان مختلف يَكشف زاوية لم تَكن مكشوفة في غَيرها. والقارئ الذي يُرَتّل القَصص ترتيلاً موضوعياً كَما تَأَسَّس في 3.3.1.4 يَجمع كلّ ما تَفَرَّق عن قِصَّة واحدة فتَنبثق له بكامل أَبعادها، لا يَكتفي بزاوية الصبر فتَنقصه المواجهة، ولا بزاوية المواجهة فيَنقصه التَّوَكُّل، بَل يَجمع الزَّوايا فتَنبثق له القِصَّة محكمة متَكاملة.
ويَعضد هذا الوَجهَ قَوله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ، فالعبرة تَنبثق من «قَصصهم» مجتَمعاً بصيغة الجَمع لا من قِصَّة منفردة، والترتيل الموضوعي شَرط استخراج العبرة الكاملة، لأَن العبرة سنّة كلية لا تَتجلَّى من حَدث واحد بزاوية واحدة بَل من اقتران زَوايا تَكشف بَعضها بَعضاً. ويَنفتح من هذا الوَجه أُفقٌ آخر، أَن عَرض القِصَّة الواحدة بألسنة متَعَدّدة في سور متَعَدّدة يَنفي عنها ما يَلحق السَّرد البَشري المنفرد من تَلَوّن بهَوية الراوي ومَيوله، إذ المتَحَيّز يَكتفي بزاوية تَخدم انحيازه، والقرآن في تَعَدّد الزَّوايا يَكشف أَن القاصّ عارف بكلّ الأَبعاد يَعرض منها ما يَخدم العبرة في كلّ سياق.
ومن هذا الوَجه المكشوف يَتَبَيَّن ما يُرَجّح تَفسير تَفَرّق أَكثر القَصص وانفرادِ قِصَّة يوسف بسورة واحدة. فقَصص الأمم المتَكَرّرة ـ نوح وعاد وثَمود ولوط ومدين وفرعون وسبأ ـ يَجمعها أَنها قَصص أَقوام عارَضت سنن الوجود وأَعرَضت عن الحَقّ بَعد بُلوغ الحُجَّة، فكان مآلها الهَلاك، ويَترجَّح أَنها هي المعنية بـ«سبع من المثاني» التي تُقابل «سبعة أَبواب جهنَّم» في سورة الحِجر ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ ، أَي سبعةُ مسارات للغواية تُثنّى عِبَراً وتَتَكَرَّر في سور شَتَّى لتَنبثق العبرة من اقتران زَواياها، فكلّ مسار سَلكته أُمَّة أَفضى بها إلى باب من أَبواب الهَلاك. أَمّا قِصَّة يوسف فيَترجَّح أَنها انفردت لأَنها من جِنس مغاير، فهي قِصَّة أُمَّة نَجَت لا أُمَّة هَلَكت، حاكَت سنن الوجود فلم تَبطر في رَخائها ولم تَتكاسل في شدَّتها، فتَجاوزت محنة السنين العِجاف بالتَّدبير والتَّعاضد واستشراف ما هو آتٍ، فلم تَكن باباً من أَبواب الغواية بَل مثالاً للنَّجاة، فناسب أَن تُفرَد متَّصلةً عن مسارات الهَلاك المتَفَرّقة.
وهذا التَّرجيح يُعرَض دون قَطع، فالنَّص لم يَسرد الأَقوام السبعة في موضع واحد ولم يُصَرّح بحَصرها، فيَبقى تَعيينها ممّا يَترجَّح بالاستقراء لا ممّا يُجزَم به، ويُترك بابُ التَّحَرّي فيه مفتوحاً لمن يُكمل. وتَفصيل هذا الوَجه ـ سبعِ المثاني وأَبوابها، وعِبَرِ القَصص في بناء الأُمَّة، وموقعِ قِصَّة يوسف نموذجاً للنَّجاة ـ مَوضعه الفصل 5.5 حَيث يُستوفى بَيانه.
9. القَصص بَيّنات من الهدى ـ شَواهد على السنّة الكُبرى
تَأَسَّس في 3.3.1.7 أَن قَصص الأمم الهالكة بَيّنات من الهدى، تَكشف قانون هَلاك القُرى السننيّ، ويَتَعَمَّق هذا التَّأسيس هنا ببُعد إضافي، فالقَصص ليست مجَرَّد إخبار عمّا حَدث بَل شَواهد متَجَدّدة على سنن جارية في كلّ زَمن. فطُوفان نوح شاهد على سنّة أَن الأُمَّة حين تَستنفد فُرصتها في الاستجابة للحَقّ تَأتيها السنن بنَتائجها، وريح عاد شاهد على سنّة الاستكبار بالقُوَّة الجَسدية في غَفلة عن سنن الكَون، وصَيحة ثَمود شاهد على سنّة التَّحَدّي السافر للآيات، وخَسف لوط شاهد على سنّة الانحراف الجَماعي عن الفطرة الوجودية، وغَرق فرعون شاهد على سنّة الطُّغيان السياسي. وهذه السنن لا تَنقضي بانقضاء أَصحابها بَل تَجري في كلّ أُمَّة تَتَكَرَّر فيها الشُّروط ذاتها، ومن هنا قَوله تعالى ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ ، فالسنن جارية ثابتة والقَصص شَواهد تَكشف عَملها في الأَجيال السابقة لتَنذر اللاحقة بمَصير مشابه إن استَمَرَّت في الشُّروط ذاتها، ولا فَرق في تَطبيق السنّة بَين أُمَّة آمنت لَفظاً وأُمَّة أَنكرت بَل المعيار الفعلي السَّير وَفق منهج الوجود أَو معارضته. وقَد تم ذكر قانون هَلاك القُرى في 3.3.1.2 (البند الخامس) بشاهد الإسراء 58.
10. العبرة لأُولي الأَلباب ـ شَرط استخراج المعنى
تَختم سورة يوسف القَصص بكَشف بنيوي في قَوله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . وقَبل تَأَمّل أَبعادها الخَمسة، يَحسن الوُقوف عند تَصدير السورة بوَصف «أَحسن القَصص» ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3]، فالأَحسنية ـ كَما تَأَسَّس ـ إتقانٌ في البناء الوجوديّ لا جَمالٌ في الزَّخرف، ويَترجَّح أَنها تَحمل هنا وَجهاً إضافياً يَكشفه سياق السورة: أَنها أَحسنُ ما يُروى عن نَجاح أُمَّة بَعد امتحانها، إذ نَجَحت حَيث فَشلت أُمَم سَلكت مسارات الغواية، فحاكَت السنن باستقراء المستَقبل واستشرافه ـ متَمَثّلاً في يوسف الذي عَلَّمه الله تَأويل الأَحاديث ـ فبَنَت مستَقبلها على قراءة الواقع والإعداد له. وهذا الوَجه يُذكر هنا ترجيحاً لا قَطعاً، ويُستوفى تَأصيله في الفصل 5.5 عند بناء الأُمَّة.
والأَبعاد الخَمسة في الخاتمة تُكَمّل هذا الكَشف. الأَوَّل «عبرة لأُولي الأَلباب»، فالعبرة لا تَنبثق لكلّ قارئ بَل لمن يَملك «اللُّبّ» أَي العَقل الذي يَنفذ من ظاهر الحَدث إلى السنّة العاملة فيه، ومن لم يَملكه يَقرأ القَصص قِصَصاً يَتأَثَّر بها وَجدانياً ولا يَستخرج منها سنّة. والثاني «ما كان حَديثاً يُفترى»، و«الحَديث» هنا يَنصرف إلى النَّصّ القرآني بمجمله لا إلى القَصص وَحدها، كَما في وَصفه «أَحسن الحَديث» في الزُّمر 23، فالآية تَنفي الافتراء عن القرآن كلّه، والقَصص داخلةٌ في هذا النَّفي بوصفها جزءاً منه لا مقصورةً عليه، وهذا يَنسجم مع آية يونس 37 ﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ﴾، فالقرآن بقَصصه وكَونياته وسننه ليس حَديثاً بَشرياً يُفترى، بَل القَصص خاصَّةً استنساخ مختزَل من الإمام المبين لا يَملك بَشر القُدرة على إنتاجه. والثالث «تَصديق الذي بَين يَديه»، فالقَصص تُصَدّق المستَجَدّ التَّشريعي كَما تَأَسَّس في 3.3.1.3، إذ الأَوامر والنَّواهي تَجد في القَصص شَواهد عَملية تَعضد وجودها ومَصدريتها الله. والرابع «وتَفصيل كلّ شَيء»، وهو وَصف للنَّصّ نَفسه بأَنه مفصَّل مبيَّن بذاته، يُفَصّل لطالب البَيان كلّ ما يَحتاجه دون أَن يَفتقر إلى وَصيٍّ يُفَصّله من خارجه، فالنَّصّ «عَربي مبين» كَما تَأَسَّس في 3.3.1.5، ولذلك صُدّرت الآية بـ«لأُولي الأَلباب»، فالمفصَّل المبيَّن إنما يَنفذ إلى معناه من يَعقل، يَستخرج العبرة من النَّصّ مباشرةً لا من مفصِّل خارجي. والخامس «هدى ورَحمة لقَوم يؤمنون»، فالقَصص هدى يَدلّ على الطَّريق ورَحمة تُجَنّب القارئ السلوك في الطَّرق المهلكة، فمَن قَرأها بهذا الفَهم نَجا بعَقله من تَكرار أَخطاء السابقين ووَجد فيها رَحمة تَنذره قَبل وُقوع المحذور.
11. الفَرق بَين القَصص القرآني والسَّرد البَشري
من اقتران كلّ ما تَأَسَّس يَتجلَّى الفَرق الجَوهري بَين القَصص القرآني والسَّرد البَشري في خَمسة محاور. في المَصدر، السَّرد البَشري يَستمدّ من شُهود محدودين أَو روايات منقولة، والقَصص القرآني يَستمدّ من الإمام المبين السجلّ الكَوني الكامل. وفي الدقَّة، السَّرد البَشري عُرضة للنَّقص والانحياز والتَّحريف، والقَصص القرآني استنساخ أَمين لا نَقص فيه ولا انحياز فيما اختير. وفي الإحاطة، السَّرد البَشري يَنقل الظاهر، والقَصص القرآني يَكشف الظاهر والباطن، ما قاله الناس وما اعتَقدوه وما فَعلوه ودَوافعه. وفي العِلَّة، السَّرد البَشري يَنقل الحَدث منفصلاً عن السنن، والقَصص القرآني يَكشفه في سياقه السنني فيَربط الجُزئي بالكلي. وفي الوَظيفة، السَّرد البَشري يُؤَرّخ الماضي، والقَصص القرآني يَستخرج العبرة للحاضر والمستَقبل، فالسَّرد يَخبر عمّا كان والقَصص يَنذر عمّا سَيَكون إن تَكَرَّرت الشُّروط. ومن هنا يَستقيم القَول إن القَصص القرآني نَوع مغاير من المعرفة لا يَنتمي إلى جنس السَّرد التاريخي البَشري، بَل معرفة سننية كاشفة تَنبثق من الإمام المبين بأَمانة الاستنساخ المختزَل، وتَتَنَزَّل بلسان عَربي مبين بدقَّة الجَعل، لتَكون عبرة لأُولي الأَلباب وبَيّنة من الهدى وتَفصيلاً لكلّ شَيء.
3.3.1.9صِفات القرآن الذاتية ـ المجيد والكَريم والميسَّر والمعجز
من المنهج البنيوي للقرآن أَن يَصف نَفسه بنُعوت تَكشف خَصائصه الذاتية، لا تَكريماً بَلاغياً ولا زَخرفاً لَفظياً. وأَربع من هذه الصِّفات تَستحقّ الجَمع تَحت قسم واحد لتَناسقها البنيوي: المجيد والكَريم والميسَّر والمعجز، كلّ صفة منها تَكشف بُعداً ذاتياً للقرآن يُكَمّل ما تَأَسَّس في الأَقسام السابقة.
1. القرآن المجيد ـ ثابت في الأَصل، خالد في الأَثر
﴿ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ . «المجيد» في الجَذر العَربي (م-ج-د) يَدلّ على العُلوّ والسعة والثَّبات الذي لا يَنطفئ، ومنه «المجد» للسعة في الكَرم والعُلوّ في القَدر، و«التَّمَجّد» للثَّبات على الرفعة في الزَّمن، فالمجيد ما اجتَمعت فيه السعة والعُلوّ والثَّبات. وصفة المجد في القرآن تَنبثق من تَأسيس 3.3.1.2، فالقرآن بنية كامنة في اللوح المحفوظ أَي في الكَون نَفسه بسننه الثَّابتة، ومن ثَمَّ يَنبثق مَجده من ثَلاثة أَبعاد متَكاملة: السعةِ، فهو يَستوعب كلّ ما في الوجود من سنن وقَصص وأَمثال لا يَنحصر في موضوع ولا يَضيق عن مضمون؛ والعُلوِّ، فهو فَوق إدراك العَصر الواحد، تَتَنَزَّل معانيه على الأَجيال بحَسب تَدَبّرها فلا يَستوعبه جيل بكامل أَبعاده ولا تَنفد كنوزه بفَهم سابق؛ والثَّباتِ، فهو لا يَتَقادم بمَرور الزَّمن لأَنه يَنطق بسنن جارية لا تَتَبَدَّل وقَصص تَنبئ عن سنن لا تَنقَضي، ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [فاطر: 43]، وما كان قائماً على سنن ثابتة ثبَت ثَباتها. ومن هنا يَتجلَّى الفَرق بَين القرآن وأَيّ نَتاج بَشري، فالنَّتاج البَشري يَنبثق من زَمن فيَحمل أَوزان زَمنه ويَتَقادم مع تَجاوزه، أَمّا القرآن فيَنبثق من بنية الوجود الثابتة فيَتَجَدَّد فهمه مع كلّ عَصر، لا يَنطفئ بَريقه ولا يُختزل في عَصر دون آخر.
2. القرآن الكَريم ـ كَنز لا يَنكَشف لقَلب امتَزج بالمستَعار
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ . «الكَريم» في الجَذر العَربي (ك-ر-م) سَخاءٌ بلا انقطاع وعَطاءٌ متَجَدّد، ومنه «الكَرم» للشَّجرة لأَنها تُعطي ثَمرها سَخاءً، فالقرآن «كَريم» عَطاؤه المعرفي لا يَنقطع. لكنّ هذا العَطاء لا يَنكَشف لكلّ قارئ، وعِلَّةُ ذلك في قَوله «في كتاب مكنون».
و«المكنون» ليس المخفي المستور بذاته، بَل المستور سَتراً مقصوداً مستعاراً، يَكشفه الجَذر «ك-ن-ن» في استعمالاته الحَيَّة: فـ«الكنَّة» زَوجة الابن تُنسب لعائلة زَوجها وليست منهم أَصلاً، و«الكُنية» اسم مستعار (أَبو فلان) ليس الاسم الأَصلي، و«الأَكنان» ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ مأوى مستعار للحماية لا مَسكن أَصلي. فالجَذر يَدلّ على الاستعارة لا على الإخفاء، والكتاب «مكنون» أَي استعار التَّستّر على ذاته سَتراً مقصوداً، لا أَنه مغلق بطبعه.
ولماذا هذا التَّستّر المقصود؟ ليَكون مفتاحه واحداً لا غَير: الطُّهر الفكري. فالقرآن نَقي مفصح بذاته، إبانتُه فيه لا تُستعار من خارجه، فمن أَتاه بقَلب سَليم خالٍ من الإشراك انكَشف له كَرمه، ومن أَتاه بفِكر امتَزج بمَوروث ليس من النَّص بَقي عنه مكنوناً. ويُؤَيّده ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ ، فالأَكنَّة ليست أَغطية تَحجب بَل عَناصر مستعارة امتَزجت بالقلب فأَفسَدت فطرته، فحالت بَينه وبَين الفقه. فالإكنان وَصفٌ لحال القارئ لا لحال النَّص: النَّص كَريم أَبداً، والقارئ المحَمَّل بالمستَعار هو الذي يَستقبله مكنوناً.
ولذلك خَتمت الآية بمفتاح الكَشف ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، وفيها تَمييزان دَقيقان. الأَوَّل بَين «المسّ» و«اللَّمس»: فاللَّمس اتّصال جَسدي بحاسَّة اليَد ﴿لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ، والمسّ اتّصال يَنفذ إلى الجَوهر يُستعمل للمجَرَّدات ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: 201]، فالآية قالت «لا يَمَسّه» لا «لا يَلمسه»، فالمنفي اتّصالٌ فكري بالمعنى لا لَمسُ المصحف باليَد. والثاني بَين «المطَهَّرون» و«المتَطَهّرون»: فالمتَطَهّر فعلٌ ذاتي مقصود للطَّهر المادي ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]، والمطَهَّر حالُ طَهرٍ لازمة قائمة بصاحبه، فاختيار «المطَهَّرون» إثباتٌ للطُّهر الفكري اللازم لا الطُّهر المادي العارض بالوُضوء. فالآية كلّها في حَقل المجَرَّدات: كَريمٌ صفة معرفية، ومكنونٌ سَترٌ مقصود، ويَمَسّه اتّصالٌ فكري، والمطَهَّرون طُهرٌ فكري لازم، ومن أَنزلها على لَمس المصحف بوُضوء أَخرجها من سياقها كلّه.
ومن اقتران الآية تَتجلَّى منظومة واحدة: الكَرم صفة ذاتية للقرآن، والإكنان سَترٌ مقصود مفتاحُه الطُّهر، والمَسّ لا يَتحَقَّق إلا بقَلب صافٍ من المستَعار. فالكَنز يَبقى كَريماً في النَّص لا يَنقص، يَنتظر مَن يَأتيه بقَلب سَليم لا يَستعير فَهمه من خارجه، فالإبانة فيه ذاتية لا تُستعار.رَفضاً للطُّهر المادي العارض الذي يَتَحَقَّق بالوُضوء وإثباتاً للطُّهر الفكري اللازم الذي يَتَحَقَّق بصَفاء الفِكر من الأَكنَّة. ومن اقتران التَّمييزَين يَتجلَّى أَن الآية كلّها في حَقل المجَرَّدات لا الماديات، فكَريم صفة معرفية، ومكنون حال فكرية، ويَمَسّه اتّصال مجَرَّد، والمطَهَّرون حال فكرية لازمة، ومن أَنزل الآية على لَمس المصحف بيد جَسدية ووُضوء عارض أَخرجها من سياقها كلّه وأَسقط عَليها معنى لا تَنبثق منه.
فالمَسّ بهذا المعنى الفكري مشروط بالطُّهر الفكري، وهو التَّنَقّي من الأَكنَّة المستعارة أَي خُلوّ القلب من الأَفكار والعقائد التي ليست من النَّص نَفسه، فالمطَهَّر فكرياً مَن أَزال عن قلبه المسبَّقات الموروثة والتَّحَيّزات المذهبية والروايات التي لا تَنبع من القرآن فأَتى النَّص بقَلب صافٍ يَستقبل ما يَنطق به النَّص نَفسه، أَمّا المحَمَّل بأَكنَّة فكرية فيُسقط على القرآن ما لا يَنبثق منه فلا يَصل إلى كَرمه بَل يَستخرج منه ما يُصَدّق أَكنَّته. ومن اقتران بنود الآية الثَّلاثة تَتجلَّى منظومة محكمة: الكَرم صفة ذاتية للقرآن نَقي بطبعه، والإكنان حال للقارئ المتَلَقّي حين يَأتي النَّص بفِكر امتَزج بالمستَعار، والمَسّ شَرط الكَشف لا يَتحَقَّق إلا بطُهر فكري لازم يُزيل الأَكنَّة، والكَنز يَبقى كَريماً في النَّص لا يَنقص ولا يُستَهلك يَنتظر مَن يُحسن مَسّه بقَلب صافٍ من المستَعار.
3. القرآن المعجز ـ التَّحَدّي الخالد
﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ . تَأَسَّس في 3.3.1.3 نَفي الافتراء عن القرآن ودائمية التَّحَدّي بصياغته الخالدة، والقسم هنا يَكشف آلية التَّحَدّي ووَجهه البنيوي. والتَّحَدّي في الآية يَستهدف القرآن خاصَّة لا الكتاب الجامع، وهذا الاختيار اللُّغوي مقصود، فالكتاب بقِسم تَشريعه أَوامر ونَواهٍ يَستطيع البَشر تَأليف ما يُشبهه ظاهرياً كَما فَعل من ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 79]، فالتَّقليد الظاهري للتَّشريع ممكن لأَن صياغة الأَوامر متاحة للبَشر، أَمّا القرآن في بنيته الاقترانية بَين الكَون والتاريخ والسنن فلا يُمكن تَقليده لأَنه يَستلزم ما لا يَملكه بَشر.
ووَجه الإعجاز يَنبثق من تَأسيسات سابقة تَجتَمع في القرآن اجتماعاً يَستحيل تَقليده. فتَقليده يَستلزم الوُصول إلى السجلّ الكَوني الكامل لكلّ سَعي بَشري المستَنسَخ في الإمام المبين كَما تَأَسَّس في 3.3.1.8 وهذا غَيب لا يَملكه بَشر، ويَستلزم معرفة ما يُفيد العبرة بدقَّة كاملة وهو علم بكلّ السنن العاملة لا يَتَوَفَّر لبَشر، ويَستلزم نَسج الآيات الكَونية بالقَصص الإنسانية في وَحدة لا تَنفصل كَما تَأَسَّس في 3.3.1.1 بحَيث تَكشف الآية الكَونية سنّةً عاملة في القِصَّة وتَكشف القِصَّة تَجَلّي السنّة وهذا نَسج يَستلزم رؤية كلية للوجود لا يَملكها بَشر، ويَستلزم نَصاً مفصحاً بذاته يَنطق بمعناه دون حارس بَشري للتَّأويل كَما تَأَسَّس في 3.3.1.5 والبَشر لا يُنتجون نَصاً يَستقلّ عن مفسّريه لأَن نَصوصهم تَعكس محدوديات أَزمنتهم. ومن اقتران هذه الأَوجه يَتجلَّى الإعجاز بنيوياً لا بَلاغياً، فالتَّحَدّي ليس على فَصاحة لَفظية يَتباهى بها العَرب فقَط بَل على بنية معرفية تَجتَمع فيها صفات لا تَجتَمع في غَيره، ولذلك صيغ بصيغة عامَّة «الإنس والجنّ» تَتَجاوز قَوماً بعَينهم لتَشمل كلّ كائن قادر على التَّأليف، وعَجز الجَميع عَبر القُرون شاهد على أَن العَجز بنيوي لا قَومي ولا زَمني.
4. تَكامل الصِّفات الأَربع
من اقتران الصِّفات الأَربع تَتجلَّى منظومة بنيوية متَكاملة، فالمجد يَكشف القرآن في عُلوّه وثَباته، والكَرم يَكشف عَطاءه السَّخي المشروط بطُهر القلب من الأَكنَّة، والتَّيسير يَكشف فَتح الأَصل العَسير ليَكون قابلاً للتَّناوُل، والإعجاز يَكشف امتناع التَّقليد البَشري له. والصِّفات الأَربع لا تَتَعارض بَل تَتَكامل في كَشف بنية القرآن الذاتية: مجيد لأَنه ثابت سَنني، كَريم لأَنه عَطاء معرفي مفتوح لمن طَهر فكره، ميسَّر لأَن أَصله العَسير حُوّل إلى صورة قابلة للتَّناوُل، معجز لأَن الجَميع عَجزوا عَبر القُرون عن مثله.
3.3.1.10المتشابه المثاني والذكر والبيان
من المفاتيح المنهجية التي يكشفها القرآن لقارئه صفتُه «متشابهاً مثاني». وقد يظنّ القارئ البسيط هاتين الصفتين وصفاً جمالياً للنصّ أو إشارةً إلى تكرارٍ بنيويّ، لكنّ الاستقراء الداخليّ يكشف أنّهما بنيةٌ واحدة محكمة تنطق بمنظومة البيان في القرآن، حيث التشابه طبيعة النصّ والمثاني آلية فكّه.
1 ـ آية الزمر 23 ـ كشفٌ بنيويّ للمتشابه المثاني
يكشف القرآن هذه البنية في قوله تعالى ﴿اللهُ نزّل أحسنَ الحديث كتاباً متشابهاً مثانيَ تقشعرّ منه جلودُ الذين يخشون ربّهم﴾ . والصفتان في الآية ليستا منفصلتين، بل بنيةٌ واحدة محكمة تكشف منظومة البيان، ومن لم يستوعب الوحدة بينهما اختلّ عليه فهم آلية القرآن في تجلّي معانيه. فالمتشابه يكشف طبيعة النصّ في ذاته، إذ الجذر (ش ب ه) يدلّ على التماثل والالتباس معاً، والآية المنفردة يتشابه عليها المعنى فلا يستقيم لها يقينٌ بمفردها، يقف القارئ أمامها فيلتبس عليه فهمها ويحتمل وجوهاً متعدّدة لا ينبثق منها معنىً نقيٌّ واحد. والمثاني يكشف آلية الفكّ، إذ الجذر (ث ن ي) يدلّ على الازدواج في وحدة، ومنه «الثنائيّ» للمزدوج و«الثَّنية» للحدّ الذي يُثنى عليه، فالمثاني بنيوياً أنّ لكلّ آيةٍ متشابهةٍ مثنىً آخر في النصّ نفسه، باستحضاره يتطابق المساران فيزول التشابه ويتجلّى المعنى نقياً. فالنصّ متشابهٌ في طبيعته مثانٍ في بيانه، والتشابه حالٌ أوّليّة للآية المنفردة، والمثاني آلية الفكّ باستحضار المثيل من داخل النصّ، والوجهان لحقيقةٍ واحدة لا صفتان مستقلّتان.
2 ـ التطبيق البنيويّ ـ نفخةُ الروح نموذجاً
والتطبيق يتجلّى في كلّ آيةٍ من القرآن، ومثاله قوله تعالى ﴿ونفختُ فيه من روحي﴾ ، فالآية في ذاتها يتشابه عليها المعنى، ما الروح وما معنى «من روحي»؟ يقف القارئ أمامها فيحتمل وجوهاً متعدّدة لا ينبثق منها يقين. والمثنى الآخر في قوله تعالى ﴿وعلّم آدمَ الأسماءَ كلّها﴾ [البقرة: 31]، فباستحضاره يتطابق المساران فيتجلّى أنّ نفخة الروح طفرةٌ معرفية وتسريعٌ في أنسنة آدم بإعطائه قدرة المعرفة والإدراك، أي صيرورته يسمّي الأشياء بوظائفها، وذلك أوّل التجريد. والمساران كلاهما من داخل النصّ يلتقيان فيزول التشابه وينبثق اليقين. ومن هنا يتجلّى الفرق القاطع بين القارئ البنيويّ والبسيط، فالبسيط يكتفي بالآية المنفردة فيستورد فهمها من خارج النصّ من روايةٍ أو موروثٍ أو فلسفةٍ سابقة فيزيغ بمعناها، والبنيويّ يستحضر المثنى من داخل النصّ فيفكّ التشابه بمسارٍ نصّيّ محكم فينبثق المعنى نقياً.
3 ـ تطبيقٌ ثانٍ ـ الإله في السماء نموذجاً
ومن أبين النماذج على آلية المثاني قوله تعالى ﴿وهو الذي في السماء إلهٌ وفي الأرض إله﴾ ، فالآية تُنشئ التباساً للناظر، إذ مقام الإله مقام هدايةٍ لعاقلٍ مكلّفٍ يضلّ فيُهتدى، والسماء في ظاهر ما يُتصوَّر نظمٌ وملائكةٌ منقادةٌ لا تضلّ فتحتاج هدايةً إرشادية، فكيف يكون فيها إله؟ ولا يستقرّ للآية المفردة يقينٌ، فيحتمل الناظر وجوهاً. والمثنى الذي يفكّها في قوله تعالى ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بثّ فيهما من دابّةٍ وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ [الشورى: 29]، فقد أثبت أنّ في السماوات دوابَّ مبثوثةً لا في الأرض وحدها، والدابّة ما يدبّ بحياةٍ وحركة. فباستحضار المثنى يتطابق المساران، إذ أثبتت الزخرف مقام الهداية في السماء فلزم فيها العاقل، وكشفت الشورى أنّ في السماء دوابَّ مبثوثة وأنّ ثمّ جمعاً بينها وبين أهل الأرض، فيترجّح بمجموعهما أنّ من دوابّ السماء عاقلاً مكلّفاً محلّاً للهداية. فبالمثنى انفكّ ما التبس في الآية المفردة، ولم يُطلَب البيان من خارج النصّ بل من نظيره فيه، على سنّة المثاني التي يصدّق بعضها بعضاً.
4 ـ تخصيصٌ بنيويّ ـ المثاني للقرآن المتشابه لا للتشريع
وينبغي للقارئ أن يتنبّه إلى تخصيصٍ بالغ الأهمّية، فصفة «متشابهاً مثاني» تتعلّق بالقرآن بمعناه المتشابه الكونيّ والقصصيّ لا بالتشريع، فالتشريع أحكامٌ محكمةٌ وأمُّ الكتاب، أوامرُ ونواهٍ تستلزم وضوحاً بيّناً ليلتزم بها المخاطَب، ولا يستقيم أن يتشابه التشريع في ذاته فيحتاج مثنىً يفكّ تشابهه، لأنّ الإلزام السلوكيّ يستلزم وضوحاً مباشراً. أمّا القرآن المتشابه فهو الذي ينطق ببنية «متشابهاً مثاني»، لأنّه يحاكي الوجود في كونياته وقصصه، وهذه طبقةٌ معرفية تستلزم آليةً بيانية محكمة تستخرج المعنى نقياً من اقتران المثيلات، فينفتح للقارئ المتدبّر الذي يجمع المتشابهات في مواضعها المتعدّدة فيفكّ تشابهها باستحضار المثاني فينبثق المعنى يقيناً نقياً. وقد تأصّلت الأبعاد الأعمق لهذه المنظومة، من تجميد المتشابه بإغلاق تكشّفه الزمنيّ، وآلية الزيغ بابتغاء الفتنة والتأويل، في موضعها من منظومة آل عمران 7 (3.3.2.3)، كما تأصّل تعاضد المتشابه بالترتيل والمثاني في مفتاحه (7.6).
5 ـ السبع المثاني ـ تكرارُ العبرة إنذاراً
يتميّز هذا الوجه من المثاني عمّا تقدّم في هذا المبحث تمييزاً جوهرياً يجب التنبّه إليه لئلّا يختلطا. فالمثاني فيما سبق آياتٌ متشابهةٌ يُفَكّ غموضها بنظائرها التي تصدّقها فتكشف معناها، فالتثنية هناك فكٌّ للمتشابه بالنظير المعنويّ، غايتها البيان. وأمّا السبع المثاني فتثنيةٌ من وجهٍ آخر، هي تكرار العبرة الواحدة عبر الأمم إنذاراً للأمم التالية، فالتثنية هنا تكرارٌ للعبرة لا فكٌّ للغموض، وغايتها التحذير لا البيان. فكلاهما راجعٌ إلى جذر «ثنى» في أصل التكرار والعطف، لكنّ أحدهما تصديقُ آيةٍ بآيةٍ تكشف معناها، والآخر تكرارُ عبرةٍ عبر الأمم تنذر من بعدها.
ومن تطبيقات هذه البنية ما خُصّ به النبيّ في قوله ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾ ، والعطف بين «سبعاً من المثاني» و«القرآن العظيم» يميّز السبع المثاني بوصفها جزءاً مخصوصاً إلى جانب القرآن العظيم لا القرآن كلّه. ويترجّح في تعيين مرادها وجهٌ تأمّليٌّ يُستنبَط من بنية سورة الحجر نفسها، يُعرَض فرضيةً قابلةً للاستقراء والمراجعة لا قطعاً، إذ تستفتح السورة ببدء الغواية في حوار إبليس ﴿لأغوينّهم أجمعين﴾، ثمّ تقرّر مآل الغاوين ﴿وإنّ جهنّم لموعدهم أجمعين، لها سبعة أبواب لكلّ بابٍ منهم جزءٌ مقسوم﴾ [الحجر: 43-44]. ويترجّح أنّ الأبواب السبعة هنا سبعةُ مساراتٍ مؤدّية إلى الهلاك لا سبعةُ مداخلَ حسّية جامدة، بقرينة قوله ﴿لكلّ بابٍ منهم جزءٌ مقسوم﴾، أي أنّ كلّ مسارٍ مقسومٌ له أهلُه الذين يسلكونه فيُفضي بهم إليه، فالأبواب على هذا الوجه مساراتٌ مفعَّلةٌ يدخلها أقوامُها الذين سلكوها لا أبنيةٌ ثابتة يُولَجُ منها. ثمّ تقصّ السورة تباعاً مصارع الأمم الغابرة، كلّ أمّةٍ سلكت مساراً من تلك المسارات فأفضى بها إلى الهلاك، ثمّ تختم بإيتاء النبيّ ﴿سبعاً من المثاني﴾. فيترجّح أنّ السبع المثاني سبعُ عِبَرٍ تُثنّى وتُكرّر، تقابل المسارات السبعة، كلّ عبرةٍ تكشف باباً من أبواب الهلاك تذكرةً للأمم التالية لتتدارك ذلك المسار فلا تسلكه، فتكون تطبيقاً مخصوصاً لتكرار العبرة إنذاراً.
ويتبيّن في استقراء هذه المسارات أنّ المدار على «الأقوام» لا على «الأصحاب»، فالقوم جماعةٌ يربطها النسب والأرض والمصير الجماعيّ، انحرافها جماعيٌّ وهلاكها جماعيٌّ استئصاليّ، بخلاف «الأصحاب» وهم فئةٌ تجمعها صفةٌ لا نسب. ولا يُشترَط في هذا الاستقراء ذكرُ رسولٍ مُسمّى لكلّ قوم في سياق قصّته، إذ سبقُ الرسالة مفترَضٌ بسنّةٍ قرآنية ثابتة ﴿وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولاً﴾ ، فكلّ أمّةٍ هلكت فقد سُبقت بإنذارٍ أعرضت عنه، ذُكر رسولها في سياقها أو طُوي. وعلى هذا يترجّح أن تكون المسارات السبعة المتمايزة، وكلّها أسبابٌ وجوديةٌ مادّية مُهلِكة، مسارَ قوم نوحٍ في الشرك وعبادة الأصنام والإصرار عليها جيلاً بعد جيل، ومسارَ عادٍ في الاستكبار بالقوّة والبطش والعلوّ في الأرض، ومسارَ ثمود في الجمود على الموروث ورفض الهدى اطمئناناً إلى وهم المنعة، ومسارَ قوم لوطٍ في الانحلال عن الفطرة والمجاهرة بالفاحشة، ومسارَ مدين في أكل الأموال بالباطل وبخس الناس والإفساد في الأرض، ومسارَ فرعون في الطغيان والتألّه واستعباد الناس وقهرهم، ومسارَ سبأ في بطر النعمة وكفر الرخاء والإعراض بعد التمكين. سبع مساراتٍ متمايزةٍ لا يتشابه بعضها ببعض، تقابل المسارات السبعة المؤدّية للهلاك.
غير أنّ هذه المسالك السبعة مساراتٌ تُصادم سننَ الوجود، والسننُ لا تُهلك أمّةً قبل أن تُكشَف لها وتُنبَّه إلى مصادمتها، على سنّة ﴿وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولاً﴾. فالرسولُ كاشفٌ منبّهٌ مرشد، يكشف للأمّة سننَ الوجود وينبّهها أنّ مسارها يصادمها، ويدعوها إلى وقفة مصيرٍ ومراجعةٍ تُطابق بها سلوكَها مع الواقع قبل فوات الأوان. فإذا أعرضت عن هذا الكشف ونأت عن وقفة التغيير وأصرّت على مصادمة السنن، أهلكتها لا محالة، لا عقوبةً مفروضةً بل نتيجةً لازمةً لمصادمتها، إذ السننُ لا تحابي من عارضها. وبهذا يكون كلّ بابٍ من أبواب الهلاك السبعة بنيةً مزدوجة، مساراً يصادم السننَ، وإعراضاً عن النذير الذي كشفها ودعا إلى التطابق معها.
وفي هذا يتجلّى مغزى تثنية هذه العِبَر وتكرارها، فكما أُرسل إلى الأمم الغابرة نُذُرٌ من الرسل يدعونها إلى وقفة المصير، فإنّ النصّ القرآنيَّ ذاته يقوم مقام النذير للأمم التالية، إذ يكشف لها أبواب الهلاك ومساراتها، ويقصّ عليها مصارع من سلكها، فيضع أمامها وقفة المراجعة التي رفضتها الأمم قبلها. وهذه العِبَر المقصوصة هي من مضمون الذِّكر الذي يُيسَّر للأمم تذكرةً، على ما يأتي في موضعه من أنّ قصص الأمم المقترنة وجوداً ممّا يُسِّر ذِكراً للاعتبار، فالسبع المثاني وجهٌ من إنذار الذِّكر بتكرار عبره. فالنصّ بقصّه هذه المسارات لا يؤرّخ لأممٍ مضت، بل يُنذر أمماً حاضرة، شاهداً عليها إن هي سلكت مسلكها بعد البيان. ولذلك خُصّ بها النبيّ ﴿سبعاً من المثاني﴾، إذ هي أداةُ النذارة الدائمة التي بها يقوم النصّ لكلّ أمّةٍ مقام الرسول المنذر، فلا تهلك أمّةٌ بعدها إلا وقد قامت عليها الحجّة بهذا البيان المُثنّى.
ولأنّ المدار على المسارات لا على عدد الأمم، لا يُحرَج في حصر الأمم في سبعٍ بأعيانهنّ، فالأمم المهلكة كثيرةٌ قد تتوزّع على المسارات السبعة الجامعة. ويتبيّن على هذا الوجه ما قد يفسّر إفراد سورة يوسف وحدها بقصّتها كاملةً في مكانٍ واحد دون تثنيةٍ لها في النصّ، خلافاً لقصص الأمم التي تتكرّر في مواضع. فهلاكُ الأمم السبع لم يكن عقوبةً مفروضةً عليها، بل نتيجةً لازمةً لمصادمتها الواقعَ والسننَ التي لا تحابي أحداً، إذ من عارض السننَ بمساره أفنته كما يُفني النارَ مصادمُها، وإنّما كانت الرسل كاشفةً منبّهةً مرشدةً تكشف للأمّة سننَ الوجود وتنبّهها أنّ مسارها يصادمها لتتداركه قبل فواته. فلمّا أعرضت عن محاكاة الواقع وأصرّت على مصادمته، أهلكتها السننُ لا محالة. أمّا قصّة يوسف فهي النموذج الذي تناغم مع الوجود ولم يعارض الواقع، فقرأ سننه في تعاقب سنيّ الخصب والجدب، وطابَق سلوكه معها بالادّخار والتدبير، فاستمرّ انسجامه معها حياةً ونماءً ونجاةً من المحنة. ولذلك وُصفت بأنّها ﴿أحسن القصص﴾ ، لا لأنّ سردها أبلغ من سواه فالقرآن كلّه بليغٌ محكم، بل لأنّها أحسن القصص مآلاً ونتيجةً، إذ هي قصّة المسار الذي حاكى السننَ فبقي، مقابل المسارات التي صادمتها فهلكت. فكان مدار الأمر كلّه تطابقَ سلوك الأمّة ومسارها مع الواقع والسنن، تَبقى ما طابقتها وتَهلك ما صادمتها، فالسننُ واحدةٌ لا تحابي. فكانت يوسف العبرة الإيجابية الجامعة مقابل العِبَر السلبية السبع، مسار انسجامٍ مع السنن لا مسار مصادمةٍ يُفضي إلى الهلاك، فاستحقّت أن تُفرَد بسورةٍ كاملةٍ بمكانها قدوةً تُعرَض مرّةً، لا تحذيراً يُثنّى ويُكرّر. ويبقى هذا كلّه وجهاً يترجّح ويُتأمّل، قابلاً للاستقراء والمراجعة، لا قطعاً مجزوماً به، إذ النصّ لم يسرد الأمم في موضعٍ واحدٍ محصور ولم يصرّح بحصرها، لكنّ الرابط البنيويَّ بين المسارات السبعة والسبع المثاني في السورة الواحدة قرينةٌ تُقوّي هذا التأمّل.
3.3.1.11الذِّكر ـ المادّةُ المعرفيّة التي تَبين للناس
تمهيد الفصل
قلّ مفهومٌ في القرآن أصابه من الاختزال ما أصاب الذِّكر، فقد استقرّ في الأذهان أنّه لفظٌ يُردَّد يُقاس بالعدد والتكرار، أو صوتٌ يُتعبَّد بترديده دون وعيٍ بما يحمل. وهذا الفهم يقف عند القشرة ويغفل عن حقيقةٍ يحملها النصّ في نسيجه، هي أنّ الذِّكر صيغةٌ منطوقة ذات معنى، يلتئم فيها معنىً فكريٌّ مصدره الله ونطقٌ صوتيٌّ آليتُه كونية، فليس صوتاً مجرّداً من معنى، ولا معنىً مجرّداً من صيغة، بل مادّةٌ معرفيّة تُستحضَر فتُبان للناس.
ويقوم هذا الفصل على تتبّع اسم «الذِّكر» في مواضعه، رادّاً كلّ شاهدٍ إلى نظيره، على سنّة المثاني التي يصدّق بعضها بعضاً، حتى تتبيّن بنيته من داخل النصّ لا من خارجه. فيتبيّن أوّلاً أنّه اسمٌ للقرآن المعرفيّ دون التشريع، بقرينةٍ استقرائية تكشف غيابه عن سور التشريع الكبرى وحضوره في مقام المعرفة والعبرة. ثمّ يتحرّر أصله اللغويّ نقيضاً للنسيان، وماهيتُه التي قوامها أن يُبان للناس لا أن يُكتَم، وأنّه محلّ تصديقٍ لا محلّ عمل، وأنّه غير العلم وإن كان بابه. ثمّ ينكشف كيف يُحفَظ منطوقاً ومخطوطاً بالمثنى الوظيفيّ، وكيف يُسِّر ذِكراً يعين المُدَّكِر بعد أن كان مضمونه متعذّراً على الاقتفاء، وكيف يفارق التلاوةَ التي هي إتباعٌ لمنصوصٍ معيَّن، إذ الذِّكر مضمونٌ معرفيٌّ عامّ يُستحضَر بحسب المقام. ثمّ يتبيّن من هم أهله الذين يُرجَع إليهم، وما مآل من أبانه فادّكر أو أعرض فنسي. فبهذا التتبّع تنجلي بنية الذِّكر كاملةً من داخل النصّ، صيغةً منطوقةً ذات معنى، لا لفظاً يُقاس بالعدد ولا صوتاً يُتعبَّد بترديده.
1 ـ الذِّكر اسمُ القرآن المعرفيّ لا التشريع
«الذِّكر» اسمٌ بنيويٌّ للقرآن يستعمله النصّ في غير موضع، كقوله ﴿إنّا نحن نزّلنا الذكرَ﴾ ، وقوله ﴿وأنزلنا إليك الذكرَ لتبيّن للناس ما نُزِّل إليهم﴾ [النحل: 44]، وقوله ﴿والقرآنِ ذي الذكر﴾ [ص: 1]. وقد وردت اللفظة معرَّفةً بالألف واللام في اثنتين وعشرين سورة، جاء عامّتها مكّياً في مقام التأسيس الإيمانيّ الأوّل، من التوحيد والنذارة والقصص والمصير، وغابت عن كبريات سور التشريع كالبقرة والنساء والمائدة والنور. وليس هذا التوزيع مصادفةً في الورود، بل قرينةٌ بنيوية على أنّ «الذِّكر» ليس اسماً للتشريع ولا للأمر والنهي، وإنّما اسمٌ للقرآن في مادّته المعرفية الكونية القصصية التي تخاطب الناس كافّةً قبل أن يتميّز المؤمن بتقواه.
والذِّكر في حقيقته صيغةٌ منطوقة ذات معنى، يلتئم فيها طرفان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر، معنىً فكريٌّ مصدره الله، ونطقٌ صوتيٌّ آليتُه كونية. فمحتوى الذِّكر الفكريّ مصدره من خارج الوجود، من الله الذي ينبثق منه المعنى، وأمّا آلية تنزيله وتدوينه ومقاطع أصواته فكونيةٌ من داخل الوجود، إذ النطق نفسه حقٌّ ذو أصلٍ مادّيّ لا مجرّد معنىً مجرّد، كما يكشفه قوله تعالى ﴿فوربّ السماء والأرض إنّه لحقٌّ مثل ما أنّكم تنطقون﴾ . ومن هنا نُزِّل الذِّكر بالمثنى الوظيفيّ في قوله ﴿إنّا نحن نزّلنا الذكر﴾ [الحجر: 9]، فإنّ المثنى الوظيفيّ كما تقرّر في موضعه يجمع مصدرية الله مع السنن الكونية، وهو يطابق بنية الذِّكر نفسه، إذ تنزيله تشاركيةٌ بين طرفين، المعنى ينبثق من المصدر خارج الوجود، والصيغة المنطوقة المدوَّنة تجري بالسنن الكونية داخله. فلا الذِّكر معنىً مجرّدٌ بلا صيغة، ولا صوتٌ أصمّ بلا معنى، بل صيغةٌ منطوقة ذات معنى، التأم فيها ما انبثق من المصدر بما جرى بالسنن.
ويعضد هذا التخصيصَ اشتراكُ المخاطَب بين القرآن والذِّكر، فالقرآن ﴿هدىً للناس﴾ ، والذِّكر كذلك ﴿لتبيّن للناس﴾ [النحل: 44]، بخلاف الكتاب الذي هو هدىً للمتّقين خاصّة، فاشتراكهما في عموم المخاطَب يكشف أنّ الذِّكر هو القرآن لا التشريع. ودقّةُ قوله ﴿والقرآنِ ذي الذكر﴾ [ص: 1] تزيد الأمر بياناً، إذ لم يقل «القرآن الذِّكر» بالعطف البيانيّ الذي يُطابق بين اللفظين، بل «ذي الذكر» بالإضافة، والإضافة تكشف أنّ الذِّكر صفةٌ ملحقةٌ بالقرآن تنبثق منه، فالقرآن مادّةٌ جامعة، والذِّكر وظيفتُها التذكيرية التي تبين للناس.
وهذا الحصر يفارق ما استقرّ في الفهم الشائع، إذ جرى الناس على تسمية النصّ المنزَّل كلّه «الذِّكر»، فيدخلون فيه التشريع بأحكامه وأمره ونهيه كما يدخلون القصص والكونيّات. والتحقيق البنيويّ يردّ هذا التعميم، فالذِّكر اسمٌ للقرآن في مادّته المعرفية الكونية القصصية وحدها، دون الكتاب التشريعيّ، على ما تقرّر من التمييز بين القرآن والكتاب في موضعه. يكشف ذلك أنّ الذِّكر يُواجَه بالتصديق والتكذيب كما سيأتي، والتشريع يُواجَه بالامتثال والمخالفة، فاختلاف المواجهة دليلُ اختلاف الحقيقة. ويكشفه غيابُ اسم الذِّكر عن كبريات سور التشريع مع حضوره في سور التوحيد والقصص، فلو كان اسماً للنصّ كلّه لاطّرد حيث يطّرد التشريع، لكنّه اطّرد على خلافه. فالذِّكر إذن مادّةٌ معرفيّة يُذكَّر بها الإنسان من قصص الأمم وسنن الوجود وآيات الكون والمصير، لا التشريعُ الذي يُلزَم به ويُمتثَل.
2 ـ الأصلُ اللغويّ ـ الذِّكر نقيضَ النسيان
للذِّكر في جذره (ذ ك ر) وجهان متلازمان لا يقوم تمام معناه إلا بهما: الاستحضار نقيضَ النسيان، والجَرْيُ على اللسان أي النطق. فمن الوجه الأول كان استحضاراً لما غاب بعد حضوره، ومن الوجه الثاني كان إخراجاً لهذا المستحضَر بالنطق، فهو استحضارٌ في الباطن ونطقٌ في الظاهر، ولا يقع على معلومٍ لم يسبق حضوره، إذ لا يُقال للجاهل بالشيء اذكُره، ولا يُستحضَر ما لم يكن حاضراً قطّ.
وتتجلّى مقابلةُ الذِّكر للنسيان صريحةً حيث يجتمعان في سياقٍ واحد، يقول الله تعالى ﴿وإمّا يُنسِيَنَّك الشيطانُ فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ ، فالشيطان يُنسي والذكرى تَستدعي، والنسيان في هذا الموضع غفلةٌ يُحدِثها الشيطان لا فقدٌ للمعلومة، تزول باستدعاء الذكرى التي تعيد صاحبها من الغفلة إلى الحضور حتى يستدرك موقفه فلا يقعد مع الظالمين.
ويقترن هذا النسيان بفقد العزم على ترسيخ المعرفة، يقول الله تعالى في شأن آدم ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبلُ فنَسِيَ ولم نجد له عزماً﴾ ، فما نُسِي لم يُحجَب لضعفٍ في الحفظ، بل لأنّه لم يُتَّخذ عزماً راسخاً، فمن لم يعزم على المعرفة المستحضَرة نَسِيَها. وعلى هذا يكون الذِّكر استحضاراً يثبت بالعزم فيصير حياةً متّسقةً مع الواقع، ويكون النسيان انحجاباً بفقد العزم فيصير تكدّراً واضطراباً. فمن ثبّت الذكرى بالعزم اتّسقت حياته مع الواقع لأنّها مطابقةٌ له، ومن فرّط في العزم نَسِيَ فاختلّ تناسقه مع الواقع فأصابه الضنك، يقول الله تعالى ﴿ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشةً ضنكاً﴾ [طه: 124]، فالضنك ليس عقوبةً خارجيةً مقحمة، بل اختلالُ التناسق مع الواقع حين تُفقَد المعرفةُ المطابقةُ له.
3 ـ الماهيّةُ ـ الذِّكر يَبين للناس لا يُكتَم
إذا تقرّر أنّ الذِّكر مادّةٌ معرفيّة تُستحضَر، تبيّن أنّ تمامها في إخراجها للناس، فالذِّكر يبدأ استحضاراً في الوعي وينتهي إبانةً وإظهاراً، ومن استحضره ثمّ كتمه لم يبلغ به تمامه، ومن نطق بلا استحضارٍ لم يبلغ أصله. فالذِّكر مادّةٌ لها حالان: كمونٌ في المدوَّن، وظهورٌ حين تُجهَر وتُعمَّم، فإذا بانت للناس فقد بُيِّنت، وهذا هو البيان.
يقول الله تعالى ﴿وأنزلنا إليك الذكرَ لتبيّن للناس ما نُزِّل إليهم﴾ ، فجعل الغاية من إنزال الذِّكر أن يُبان للناس، لا أن يُتلى في خلوةٍ أو يُحفظ في صدر. والبيان في أصله الإظهار والإعلان لا الشرح والتفصيل، يكشف ذلك مقابلتُه بالكتمان في قوله تعالى ﴿لتُبَيِّنُنَّه للناس ولا تكتمونه﴾ [آل عمران: 187]، فقابل البيان بالكتمان لا بالإجمال، فدلّ أنّ تبيين الذِّكر إظهارُه وإعلانُه ضدَّ حبسه وكتمانه، لا شرحُه من خارجه. فالقرآن مُبينٌ بذاته يفكّ بعضُه بعضاً لمن تدبّر واستقرأ كما تقرّر في المتشابه المثاني، فلا يفتقر إلى بيانٍ من خارجه، وإنّما البيان المطلوب من حامله إظهارُه وتعميمه، لا تفسيرُه. فالذِّكر إذا جُهر به وعُمِّم صار ذكراً بائناً، ومعنى ﴿الذكر بيانٌ للناس﴾ أنّ المادّة المعرفية إذا أُظهرت للناس بانت، فمن أظهرها بيّنها، ومن حبسها كتمها.
4 ـ الذِّكر محلُّ تصديقٍ لا محلُّ عمل
ومن دقائق ما يكشفه استقراء مواضع الذِّكر أنّه يُواجَه بالتصديق أو التكذيب، لا بالامتثال والعمل كما يُواجَه التشريع، وهذا فرقٌ بنيويّ بين الذِّكر والكتاب. فالذِّكر مادّةٌ معرفيّة تُعرَض على العقل فإمّا صدّقها وإمّا كذّبها، والتشريع أمرٌ ونهيٌ يُعرَض على الإرادة فإمّا امتثلها وإمّا خالفها.
يكشف ذلك قوله تعالى ﴿بل هم في شكٍّ من ذكري بل لمّا يذوقوا عذابِ﴾ ، فجعل موقفهم من الذِّكر شكّاً، والشكّ نقيض اليقين، وهما من باب التصديق لا العمل. ويؤكّده قوله تعالى على لسانهم ﴿أأُلقي الذكرُ عليه من بيننا بل هو كذّابٌ أشِر﴾ [القمر: 25]، فقابلوا الذِّكر بوصف صاحبه بالكذب، والتكذيب موقفٌ من صدق الخبر لا من إلزام الأمر، فدلّ أنّ الذِّكر خبرٌ يُصدَّق أو يُكذَّب، لا حكمٌ يُطاع أو يُعصى. ونظيرُه قوله تعالى ﴿إنّ الذين كفروا بالذكر لمّا جاءهم﴾ [فصّلت: 41]، فالكفر بالذِّكر تكذيبٌ به، والكفر ضدّ الإيمان وهما من باب التصديق.
ودقّةُ قوله ﴿لمّا جاءهم﴾ في هذا الموضع تكشف بُعداً آخر، فإنّ «جاءهم» تفيد الورود المفاجئ لا سبق العلم به، بخلاف التشريع الموروث الذي يعرفه الناس من الرسالات السابقة. فالذِّكر ورد عليهم مفاجئاً لم يسبق لهم به علمٌ مقرَّر، فكفروا به إنكاراً لوروده على بشرٍ من بينهم، لا اعتراضاً على حكمٍ يعرفونه. ويتّسق هذا مع استنكارهم نزوله على النبيّ في قوله ﴿أأُنزل عليه الذكرُ من بيننا﴾ ، فاستنكارُهم أن يناله بشرٌ من بينهم يكشف أنّهم عدّوه مادّةً معرفيّة رفيعة استكثروها على واحدٍ منهم، لا تشريعاً مألوفاً.
وممّا يعضد أنّ الذِّكر يُخرَج جهراً فيُسمَع، لا يُتلى في خلوة، قوله تعالى ﴿وإن يكاد الذين كفروا لَيُزلقونك بأبصارهم لمّا سمعوا الذكرَ ويقولون إنّه لمجنون﴾ ، فعلّق موقفهم بسماعهم الذِّكر، والسماع إنّما يكون لمجهورٍ به مُخرَجٍ للعلن، فدلّ أنّ الذِّكر يُبان جهراً فيُسمَع، ثمّ يُواجَه بالتصديق أو التكذيب. وليس في هذا نفيٌ لوجهه المدوَّن، بل السماع يخصّ وجه الإخراج المنطوق، والحفظ يخصّ وجهه المدوَّن كما سيأتي.
5 ـ الفرقُ البنيويّ بين الذِّكر والعلم
ومن دقائق ما يكشفه استقراء الذِّكر فرقٌ بنيويّ بينه وبين العلم، فليسا طبقةً واحدة وإن اشتركا في كونهما معرفة. فالعلم ما اكتسبه الإنسان باستحضارٍ ذاتيّ من فهمٍ وتدبّرٍ واقترانِ معرفته السابقة بالنصّ، فرسخ في بنية وعيه وصار جزءاً من ذاته فلا يُنسى، وقرينتُه قوله تعالى ﴿لكنِ الراسخون في العلم﴾ ، فالرسوخ صفةٌ لازمة تدلّ على ثباتٍ لا يزول. والذِّكر مادّةٌ تُتلقّى في وجهها المنطوق، فلا ترسخ بالضرورة، بل تبقى عُرضةً للنسيان إن لم تُتبَع بادّكارٍ ذاتيّ ينقلها من التلقّي إلى الاستحضار الحيّ.
يؤكّد ذلك قوله تعالى ﴿فنَسُوا حظّاً ممّا ذُكِّروا به﴾ ، إذ لو كان ما تلقّوه علماً راسخاً باستحضارهم لما نُسي، لكنّه ذِكرٌ تُلقُّوه تلقّياً فنُسي بعضُه. فالفرق القاطع أنّ العلم لا يُنسى لرسوخه بالاستحضار الذاتيّ، والذِّكر يُنسى إن بقي تلقّياً بلا ادّكار. ومن هنا يتبيّن أنّ الذِّكر مادّةٌ تُبان للناس كافّةً ليتذكّروا، فمن ادّكرها وعزم عليها رسخت في وعيه فصارت علماً، ومن تلقّاها ولم يدّكرها نَسِيَها فبار. فالذِّكر بابُ المعرفة المفتوح للناس، والعلم ثمرتُه الراسخة لمن استحضر وعزم.
6 ـ حفظُ الذِّكر ـ حفظُ المنطوق وحفظُ المخطوط
مناط الحفظ في قوله تعالى ﴿إنّا نحن نزّلنا الذكرَ وإنّا له لحافظون﴾ هو الذِّكر، إذ عاد الضمير في ﴿له﴾ عليه وحده فخُصّ الحفظ به. والذِّكر كما تقرّر صيغةٌ منطوقة ذات معنى، يلتئم فيها معنىً فكريٌّ مصدره الله ونطقٌ صوتيٌّ آليتُه كونية، فحفظ الذِّكر حفظٌ لهذا الملتئم، أي للقرآن المنطوق بمعناه، لا للفظٍ أصمّ ولا لمعنىً مجرّد.
ولذلك جاء الحفظ بالمثنى الوظيفيّ في ﴿إنّا نحن... لحافظون﴾، فإنّه كما تقرّر في موضعه يجمع مصدرية الله مع السنن الكونية، لا تعدّداً ولا تعظيماً. والمصدرية غير الكونية، فالمصدر هو الله خارج الوجود الذي ينبثق منه المعنى، والسنن هي النظم الكونية داخل الوجود التي بها يجري النطق والصوت. فناسب المثنى الوظيفيّ حفظَ الذِّكر لأنّ الذِّكر نفسه ملتئمٌ من الطرفين، فحفظه يجمع حفظهما، إذ المعنى محفوظٌ بالمصدر الذي انبثق منه، والنطق محفوظٌ بالسنن الكونية التي تجري بها الأصوات. فلا يُحفَظ المعنى بمعزلٍ عن نطقه فيصير تجريداً، ولا النطق بمعزلٍ عن معناه فيصير لفظاً أصمّ، بل يُحفَظ الذِّكر ملتئماً منطوقاً بمعناه. ولهذا احتاج الحفظُ الطرفين، للمصدر دورُ الضمان والإمساك من فوق الوجود فيجعل الحفظ قطعياً لا يتخلّف، وللسنن دورُ الإجراء والتنفيذ في الواقع فهي المجرى الذي يجري به الحفظ داخل الوجود، فلو أُفرد المصدر لانقطعت صلة الحفظ بالوجود، ولو أُفردت السنن لانقطعت صلته بالضامن الأعلى، فكان الاشتراك بينهما بنية الحفظ نفسها.
وممّا ينبغي التصريح به أنّ حصر الحفظ في هذه الآية بالذِّكر دون التشريع يفتح مسألةً لم يتبيّن لنا فيها القول الفصل، وهي كيفية حفظ التشريع في صيغته المنطوقة، إذ وصلت آيات التشريع محفوظةً منطوقةً كالقرآن سواء، مع أنّ اسم الذِّكر ومناط الحفظ فيه إنّما هو القرآن المعرفيّ دون التشريع. وقد يترجّح أنّ التشريع يُحفَظ تبعاً لاقترانه بالذِّكر في النصّ المتلوّ الواحد، أو بعلاقة التصديق التي تربطه بالذِّكر المصدِّق له، إذ القرآن ﴿مصدّقاً لما بين يديه﴾، فلا يبقى المصدِّق المحفوظ دون مصدَّقه. غير أنّ هذا وجهٌ يُعرَض للنظر لا يُقطَع به، فنتركه لتأمّل القارئ، مكتفين بتقرير ما نطق به النصّ من حصر الحفظ المنصوص في الذِّكر.
على أنّ آية الحفظ من المتشابه الذي لا يستقرّ له معنىً بمفرده، فحقُّها أن يُفَكّ تشابهها بمثناها من النصّ، على سنّة المثاني التي يصدّق بعضها بعضاً. ومثناها في سياقها المتّصل بها، في قوله تعالى ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين، لا يؤمنون به، وقد خلت سنّة الأوّلين﴾ ، فإنّ الضمير في ﴿نسلكه﴾ يعود على الذِّكر المذكور، وهو القرآن نفسه، إذ القرآن مادّةٌ والرسول حاملها، وهما وجهان لحقيقةٍ واحدة كما تقرّر في موضعه.
وتنكشف دلالة المثنى بتفكيك ألفاظه. فقوله ﴿نسلكه﴾ من السلك، وأصله الإدخال في مجرىً ضيّقٍ بقوّةٍ ونفاذ، كسلك الخيط في الإبرة، وفي ضيق المجرى دلالةٌ دقيقة، فإنّ الذِّكر في ذاته واسعٌ جامع، مرجعٌ للحياة بعمله ومعرفته وتدبّره واستنباطه، لكنّ هؤلاء لا يأخذون منه إلا مجرىً ضيّقاً، هو الصوت المنطوق وحده، دون العمل ولا المعرفة ولا التدبّر ولا اتّخاذه مرجعاً، فضيّقوا ما هو واسع، وحصروا الجامع في اللفظ المردَّد. فناسب الفعلُ الضيّقُ ما يأخذونه منه الضيّق، إذ لم يُدخِلوه في صدورهم اتّساعاً بل سُلك فيهم بقدر ما اتّسعوا له، وهو الصوت. وقوله ﴿في قلوب المجرمين﴾ يكشف محلَّ هذا الإدخال، والمجرم من الجَرم، وأصله في اللسان القطع والفصل، يقال جَرم الثمرَ إذا قطعه، وجَرم اللحمَ عن العظم إذا فصله عن أصلٍ هو منه، فالمجرم من فصل نفسه عن أصلٍ كان متّصلاً به، كالقاتل فصل نفسه عن الإنسانية التي هي أصله. فبفصلهم أنفسهم عن الأصل الواسع، وهو الذِّكر مرجعاً للحياة، ضاق ما بقي لهم منه فصار صوتاً يُسلَك لا حياةً تُعاش، فالجرم والسلك متلازمان، إذ من انفصل عن الأصل ضاق مجراه فيه. وقوله ﴿لا يؤمنون به﴾ يكشف ثمرة هذا الفصل، فقد دخل الذِّكر قلوبهم نافذاً في مجرىً ضيّقٍ ولم يؤمنوا به.
فيلتئم من فكّ المتشابه بمثناه معنىً يترجّح، أنّ الصيغة المنطوقة للذِّكر تُسلَك في قلوب البشر إدخالاً نافذاً فتُحفَظ فيهم، حتى في قلوب المجرمين الذين فصلوا أنفسهم عنه فلا يؤمنون به، فقد صار فيهم أصلاً مودَعاً محفوظاً وانفصلوا عنه إيماناً وعملاً، فأجرموا بهذا الفصل. فحفظ المنطوق موكولٌ في وجهٍ منه إلى البشر، يجري على ألسنتهم وفي صدورهم، ولو لم يؤمنوا بمضمونه.
ويصدّق هذا المعنى المستخرَجَ الواقعُ المشهود، على سنّة أنّ النصّ يطابق الواقع فيشهد له، فإنّا نرى أقواماً يحفظون الصيغة المنطوقة حفظاً بالغاً، ويقيمون لها المدارس والمجالس، ويبالغون في ضبط ألفاظها ومخارج حروفها، ثمّ لا يعملون بمضمونها، بل يتّبعون في العمل ديناً موازياً لها، فحُفظ اللفظ في صدورهم وانفصلوا عن معناه، مصداقاً لسلكه في قلوب المجرمين. وفي هذا من حكمة الحفظ ما يُشبه أن يكون ضدُّ الشيء حافظاً له، كما يكون سمُّ الأفعى القاتلُ دواءً حين يُوضَع في موضعه، فبقاء الصيغة المنطوقة على ألسنة من لا يؤمن بها وجهٌ من وجوه صونها من الاندثار.
ويفكّ هذا إشكالاً يلوح في مواضع الذِّكر، إذ يوصَف بأنّه محفوظٌ لا يضيع في ﴿إنّا له لحافظون﴾، ويوصَف بأنّه يُنسى في قوله ﴿حتى نَسُوا الذكرَ﴾ ، ولا يجتمع الحفظ والنسيان في شيءٍ واحد من جهةٍ واحدة. فيُفكّ بأنّ الحفظ لبقاء الذِّكر في الأمّة، إذ يُسلَك في القلوب فيبقى لا يضيع، والنسيان لنصيب الفرد الذي تلقّاه ولم يدّكره، فنسي حظّه منه وإن بقي أصله محفوظاً. فالقوم في الفرقان نَسُوا ما تلقّوه ولم يستحضروه، وأصلُ الذِّكر باقٍ لمن عاد إليه، فالحفظ للبقاء العامّ والنسيان للتفريط الفرديّ، فلا تعارض. وقد تقرّر في تمييز الذِّكر عن العلم أنّ ما يُتلقّى ولا يُستحضَر يُنسى، كما في ﴿فنَسُوا حظّاً ممّا ذُكِّروا به﴾ [المائدة: 14]، فالنسيان يلحق نصيب المفرّط لا أصل الذِّكر المحفوظ.
ويكشف سياقُ الآية بُعداً أدقّ في تناغم هذا الحفظ، فقد سبق آيةَ الحفظ قولُه تعالى ﴿ما ننزّل الملائكة إلا بالحقّ﴾ ، والحقّ هو القرآن والآيات الكونية والسنن، والملائكة هي النظم الحاكمة للوجود كما تقرّر في موضعه، فناسب أن يُذكَر حفظُ الذِّكر بعد تنزيل الحقّ بالملائكة، إذ هما في نوعٍ واحد. ثمّ ناسب هذا وصفُ حامله بالرسول في قوله ﴿وما يأتيهم من رسولٍ إلا كانوا به يستهزئون﴾ [الحجر: 11]، فاتّسق السياق كلّه، من تنزيل الحقّ بالملائكة إلى حفظ الذِّكر إلى حامله الرسول إلى سلكه في القلوب.
ويُعمّق هذا الوجهَ أنّ النطق نفسه حقٌّ ذو أصلٍ مادّيٍّ في الوجود لا مجرّد معنىً فكريّ، يكشفه قوله تعالى ﴿فوربّ السماء والأرض إنّه لحقٌّ مثل ما أنّكم تنطقون﴾ ، إذ شبّه الحقّ بالنطق، ووجهُ الشبه أنّ النطق واقعٌ محقَّقٌ لا يُدفَع. فيترجّح أنّ أحكام النطق من إدغامٍ وإقلابٍ وإخفاءٍ وإظهارٍ ذات أصلٍ كونيٍّ مادّيّ منسوبٍ إلى النطق، فيكون حفظ الصيغة المنطوقة بهذه الأحكام حفظاً جارياً على سننٍ كونية في بنية الصوت نفسه، لا حفظاً بشرياً اعتباطياً، فتُسخَّر هذه السنن بإمساكٍ من المصدر لصون المنطوق على الألسنة.
ويجري هذا كلّه على سنّةٍ إلهية كاشفة، هي قوله تعالى ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ ، فإنّ هؤلاء لمّا استهزأوا بالرسول وأعرضوا عن تدبّر الذِّكر، وحصروا عنايتهم في نطقه دون معناه، أجرى الله بحكمته استهزاءهم لغايةٍ حافظة، فأدّوا بمكرهم ما لم يريدوه، إذ حفظوا الطرف المنطوق الذي بالغوا في ضبطه وهم على غير إيمانٍ بمضمونه، فجعلوا أصله ثانوياً وثانويَّه أصلاً، فبقي لفظه محفوظاً على ألسنتهم. فكان مكرُ الله بهم أن سخّر تعطيلهم للأصل لحفظ الطرف، فأدّوا أمره وهم يظنّون أنّهم يُفرغونه من أثره.
وأمّا حفظ النصّ المخطوط فآليةٌ أخرى لم تُوكَل إلى البشر بل إلى الملائكة، يكشفها قوله تعالى ﴿في صحفٍ مكرّمة، مرفوعةٍ مطهّرة، بأيدي سفرةٍ كرامٍ بررة﴾ ، فجعل صون المخطوط ﴿بأيدي سفرةٍ كرامٍ بررة﴾، والسفرة الكتبة من الملائكة، فالطهارة طهارةٌ من التحوير، والرفعة صونٌ عن الابتذال، والتكريم حفظٌ من الامتهان. ويعضده قوله تعالى ﴿رسولٌ من الله يتلو صحفاً مطهّرة، فيها كتبٌ قيّمة﴾ [البيّنة: 2-3]، فإنّ التلاوة كما تقرّر في موضعها إتباعٌ للمدوَّن المخطوط، فدلّ أنّ ثمّة صحفاً مطهّرةً مدوَّنةً يُتلى منها، لا نصّاً يُملى إملاءً بشرياً، وتناظرُ «الصحف المطهّرة» في الموضعين يكشف أنّ المدوَّن مصونٌ مطهّرٌ من التحوير في الحالين.
ولم يُوكَل حفظ المخطوط إلى البشر كما وُكِل إليهم حفظ المنطوق، لعلّةٍ بنيوية، هي أنّ المخطوط لم يخطّه بشرٌ بأيديهم ابتداءً، لما في رسمه من إعجازٍ في أنماط خطّه على ما تفصّل في موضعه من إعجاز المخطوط ودلالة الرسم على المصدر (1.8)، فما عجز البشر عن خطّه ابتداءً عجزوا عن حفظه مخطوطاً تبعاً، فوُكِل صونه إلى السفرة الكرام البررة، وجرى حفظ المخطوط على سنّة تنزيله، إذ لم يكن رسمه من صنع البشر فلم يكن صونه إليهم.
فيتبيّن أنّ للنصّ حفظين متمايزين، حفظُ الذِّكر في صيغته المنطوقة يجري على ألسنة البشر وفي صدورهم ولو لم يؤمنوا، وحفظُ المخطوط المدوَّن مصونٌ بأيدي السفرة لأنّه ليس من خطّ البشر، وكلاهما راجعٌ إلى المثنى الوظيفيّ في ﴿إنّا له لحافظون﴾، إذ الحفظ من الله بمصدريّته الضامنة وسننه المُجرية، سواءٌ أجرى على ألسنة البشر أم بأيدي الملائكة.
7 ـ تيسيرُ الذِّكر ـ تنزيلُ الغامض المتعذّر ذِكراً يعين المُدَّكِر
يقول الله تعالى ﴿ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكِر﴾ ، والتيسير في الآية مضبوطٌ على غايته، وهي المُدَّكِر، أي المتذكِّر من عامّة الناس لا الباحث العالم. فالقرآن يُسِّر للذكر، وغايته أن يجد المُدَّكِر ما يعينه على التذكّر، فيُفهَم نوع الميسَّر وكيفيته من هذه الغاية، إذ الميسَّر هو ما يعين العامّيّ على التذكّر والاعتبار، لا ما يخدم بحث العلماء وتقفّيهم.
وقد تردّدت هذه الآية في سورة القمر لا مرّةً واحدة، بل عقب كلّ قصّة أمّةٍ من الأمم، بعد قوم نوح، وبعد عادٍ، وبعد ثمود، وبعد قوم لوط، وبعد آل فرعون، فتكرّرت ﴿ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكِر﴾ في أعقابها اطّراداً. وهذا التكرار المنظَّم عقب كلّ قصّةٍ قرينةٌ قاطعة على أنّ الآية تشير إلى وجهٍ بعينه من القرآن، هو الأحداث المقترنة وجوداً من قصص الأمم، لا إلى القرآن بجملته، إذ لو كان التيسير للقرآن مطلقاً لجاءت الآية مرّةً واحدة، لكنّ اقترانها بالقصص خاصّةً، مطّردةً في أعقابها، يكشف أنّ الميسَّر ذِكراً هو هذه القصص المقترنة وجوداً.
فإنّ في القرآن ذكراً للنظم الكونية وبداية الخلق ونشوء آدم والظواهر الكونية، وهذه لم تُذكَر تيسيراً للذكر، إذ قد تُقرأ من الوجود بالبحث والنظر، وإنّما ذُكرت لدقّة الوصف، فوصف الخالق لها أدقّ من وصف أيّ عالمٍ بها، بل أدقّ من أن تصف هي نفسها. وأمّا التيسير الذي عناه قوله ﴿يسّرنا القرآن للذكر﴾ فموضعه الشيء الغامض المتعذّر من القرآن، وهو الأحداث المقترنة وجوداً كقصص الأمم الغابرة، التي مضت وعبرت الوجود، فتعذّر على الإنسان أن يقتفيها ويصفها بحرفيّتها مهما بلغ علمه. فإنّ هذه الأحداث وإن كانت مسجَّلةً كونياً في الكتاب المبين والإمام المبين كما تقرّر في موضعه، فإنّ هذا التسجيل نبأٌ استشففناه من النصّ نفسه لا من الوجود، إذ يصعب على علماء اليوم، رغم ما بلغوه من تطوّرٍ عظيم، أن يصفوا تلك الأمم ووقائعها بتلك الدقّة. فكان تيسيرها ذِكراً، أي نقلها نصّاً مقروءاً دقيقاً، هو التيسير على الحقيقة، لأنّها ممّا يتعذّر على الإنسان الوصول إليه واقتفاؤه، فيسّرها الله ذِكراً للمُدَّكِر بعد أن كانت متعذّرةً على أعلم العلماء.
ولفظ ﴿مُدَّكِر﴾ في الآية أصله «مُذتَكِر» من الافتعال، أُدغمت ذاله في تاء الافتعال فصارت دالاً مشدَّدة، وصيغة الافتعال تدلّ على المعالجة والاجتهاد في الفعل، فليس المُدَّكِر مجرّد مستذكِرٍ للفظ، بل هو من فطن وتذكّر معاً. ويكشف هذا المعنى قوله تعالى في قصّة يوسف ﴿وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أُمّةٍ أنا أُنبّئكم بتأويله فأرسلون﴾ ، فإنّ الذي نجا من صاحبَي السجن لم يستذكر يوسف استذكاراً مجرّداً، بل فطن حين استعصى تأويل رؤيا الملك إلى الصلة بين هذا الموقف وقدرة يوسف على التأويل، فأدرك بفطنته أنّ الحلّ عنده، ثمّ استحضره بعد أن نسيه أُمّةً من الزمن. فجمع الادّكار الفطنةَ التي أدرك بها الصلة عند الحاجة، والتذكّرَ الذي استحضر به المناسب. فالمُدَّكِر فطنٌ متنبّهٌ يستحضر بوعيٍ عند مقتضاه، لا مردِّدٌ للصوت بلا إدراك، فمن ردّد اللفظ بلا تنبّهٍ للمعنى لم يكن مُدَّكِراً وإن حفظ اللفظ، إذ فاتته الفطنة التي بها يصير الذكر ذكرى معتبَرة.
والتيسير إنّما هو للذكر لا للبناء النظريّ والتفلسف، فالذكر وعيٌ ومعرفةٌ عامّة تُيسَّر للناس كافّة، وهو أدنى مراحل العلم، كالثقافة العامّة التي يشترك فيها الناس، تعينهم على الوعي والاعتبار دون أن تبلغ بهم مرتبة البحث البرهانيّ. فليس الميسَّر للناس هو الفلسفة والبناء النظريّ المعمّق، الذي هو مرتبةٌ أعلى لا ينالها إلا الراسخون في العلم كما تقرّر في التمييز بين الذكر والعلم، بل الميسَّر هو الذكر الذي يعين العامّيّ على التذكّر. فمن ادّكر نال الوعي العامّ الميسَّر له، ومن رسّخ ذلك بالاستحضار الذاتيّ ارتقى إلى العلم، فالذكر بابٌ عامّ ميسَّر للناس، والعلم ثمرةٌ خاصّةٌ لمن استحضر وعزم.
ويتجلّى هذا التيسير في أبعادٍ متكاملة تخدم غايته. منها تيسيرُ اللسان، فإنّ الأصل لو بقي على صياغته الوجودية لعسر إدراكه، فصيغ قرآناً عربياً مبيناً يفهمه الناس. ومنها تيسيرُ البنية، فجُعل مفصَّلاً قابلاً للترتيل الموضوعيّ، يتتبّع القارئ كلّ موضوعٍ على حدته. ومنها تيسيرُ الإتاحة، فأُنزل مخطوطاً متاحاً بين الأيدي لا محفوظاً في صدور قلّة، فصار في متناول كلّ قارئٍ يأخذه من النصّ مباشرةً، لا من فئةٍ تحتكر تأويله. فالتيسير كلّه راجعٌ إلى إعانة المُدَّكِر على التذكّر، وهذا ينسجم مع كون القرآن هدىً للناس، فلا يستقيم أن يكون هدىً للناس ثمّ لا يُنال إلا بجهد الخاصّة.
ولذلك ختم الله الآية بـ﴿فهل من مُدَّكِر﴾ تحدّياً لا استفهاماً، إذ يُسِّر القرآن ذِكراً يعين المُدَّكِر، فلم يبقَ عذرٌ لمن أعرض، ومن لم يدّكر بعد هذا التيسير فعجزُه في إعراضه لا في النصّ. ويؤيّد ارتباط التيسير بالذكر قوله تعالى ﴿والقرآنِ ذي الذكر﴾ ، فالقرآن مادّةٌ جامعة، والذكر وظيفتُها التذكيرية التي تُيسَّر منها للناس، ينتفع بها كلّ من فطن واعتبر بفطرةٍ سليمة لم تُغطِّها الأكنّة.
8 ـ التلاوةُ والذِّكر ـ إتباعُ المنصوص واستحضارُ المضمون
يفرّق القرآن بين فعلين يتعلّقان بالنصّ، هما التلاوة والذِّكر، وقد تجلّى الفرق بينهما بتتبّع استعمالهما. فالتلاوة في جذرها (ت ل و) اتّباعٌ وتتابع، فالتالي يتبع المتلوّ ويقتفيه كما هو، ومن ثمّ كانت التلاوة إتباعاً لمنصوصٍ محدَّدٍ مُثبَت، يُتلى كما هو بترتيبه لا يُستحضَر معناه اقتطاعاً، سواءٌ أكان مخطوطاً يُتلى كما رُسِم أم محفوظاً يُتلى كما هو. ولذلك اقترنت التلاوة أبداً بمنصوصٍ معيَّن، كقوله ﴿رسولٌ من الله يتلو صحفاً مطهّرة﴾ ، و﴿واتلُ عليهم نبأ نوحٍ﴾ [يونس: 71]، و﴿واتلُ عليهم نبأ ابنَي آدم بالحقّ﴾ [المائدة: 27]، و﴿اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب﴾ [العنكبوت: 45]، و﴿واتلُ ما أوحي إليك من كتاب ربّك﴾ [الكهف: 27]، فكلّها منصوصٌ معيَّن، صحفٌ أو نبأٌ أو كتاب، يُتلى كما هو.
وليست التلاوة سرداً آلياً بلا فهم، بل لها مراتب، أعلاها حقُّ التلاوة الذي يقترن بالتركيز والفهم فيُثمر الإيمان، يكشفه قوله تعالى ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حقّ تلاوته أولئك يؤمنون به﴾ ، فإنّ إثبات «حقّ» للتلاوة يدلّ على أنّ لها وجهاً كاملاً تُؤدّى به، وأنّ منها ناقصاً لا يُوفّيها حقّها، فمن تلاه حقّ تلاوته آمن به، فدلّ أنّ التلاوة الكاملة إتباعٌ للمنصوص مع فهمٍ وتركيزٍ يُثمر الإيمان، لا نطقٌ أصمّ. فالتلاوة إتباعٌ للمنصوص كما هو، وحقُّها أن يُتبَع بفهمٍ ووعي.
ويؤيّد تمييزها عن الذِّكر دقّةُ قوله تعالى ﴿ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم﴾ ، فإنّ التلاوة نُسبت إلى الآيات، إذ قال ﴿نتلوه عليك من الآيات﴾، ولم يقل نتلوه من الذكر، إذ لا يُقال نتلو ذكراً، فالذِّكر لا يُتلى بذاته، بل هو جنس المضمون الذي وُصف به «ذلك»، فذلك من الذكر الحكيم مضموناً، ويُتلى بآياته نصّاً. فتبيّن أنّ الآيات تُتلى نصّاً محدَّداً، والذِّكر مضمونٌ معرفيّ يُستحضَر، فلا يجتمع في اللسان نتلو وذكر على أنّ الذكر متلوّ، بل تُتلى الآيات ويُذكَّر بالذكر.
وأمّا الذِّكر فمضمونٌ معرفيٌّ عامّ، أوسع من التلاوة، إذ ليس إتباعاً لمنصوصٍ معيَّن، بل استحضارٌ للمعنى بحسب مقام الحدث، لا يُحصَر في مخطوطٍ يُتبَع. فالإنسان يكون في موقفٍ من مواقف الحياة، فيصادف أمراً، فيستحضر من النصّ ما يوافق هذا الحدث فيُخرجه بناءً على الواقعة، لا يتبع نسقاً محدَّداً بترتيبه. فالذِّكر يستدعيه المقام ويحدّده الحدث، فهو عامٌّ بحسب الاستحضار، إلا أن يُقيَّد بأمرٍ فيبقى عامّاً في استحضاره، كقوله ﴿فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ ، فقيّد التذكير بالقرآن ووجّهه لمقام الخائف، ومع ذلك يبقى استحضاراً للمناسب بحسب المقام لا إتباعاً لنسقٍ مثبَت.
فيتبيّن الفرق يقيناً، فالتلاوة إتباعٌ لمنصوصٍ معيَّن يُتلى كما هو، من مخطوطٍ أو محفوظ، له حقٌّ يُوفّى بالفهم والتركيز، ولذلك يقترن أبداً بمنصوصٍ يُتلى، صحفاً أو نبأً أو كتاباً. والذِّكر مضمونٌ معرفيٌّ عامّ يُستحضَر بحسب المقام، لا يُحصَر في منصوصٍ يُتبَع، يحدّده الحدث لا النسق، فإن قُيِّد بأمرٍ بقي عامّاً في استحضاره. فالتلاوة إتباعٌ للمنصوص المعيَّن، والذِّكر استحضارٌ للمضمون العامّ.
ويترتّب على هذا الفرق تقابلٌ بديع في شمول كلٍّ منهما واقتصاره. فالتلاوة شاملةٌ في متلوّها، إذ يُتلى فيها الكتاب كلّه، قرآنُه المعرفيّ وتشريعُه، لأنّها إتباعٌ للمنصوص كما هو، لكنّها مقتصرةٌ في مخاطبها على المؤمن، إذ لا يُتلى الكتاب بتشريعه إلا على من يتلقّاه ويلتزمه، فمجلس التلاوة لأهله. والذِّكر بعكس ذلك، مقتصرٌ في مادّته على القرآن المعرفيّ دون التشريع، لكنّه شاملٌ في مخاطبه للناس كافّة، إذ يُذكَّر به في أيّ مقامٍ وأيّ قوم، لأنّه خطابٌ للفطرة العامّة لا يتوقّف على إيمانٍ سابق. فالتلاوة شاملةٌ مقتصرةُ المخاطَب، والذِّكر مقتصرٌ شاملُ المخاطَب، على تقابلٍ متعاكس.
ومن هنا يتبيّن وجهٌ لحصر الذِّكر في القرآن دون التشريع، فإنّ التشريع هو الذي قصر مخاطَب التلاوة على المؤمن، إذ لا يُذكَّر من لا يؤمن بحكمٍ لا يلتزمه، فلا يُذكَّر قومٌ يبيحون أكل الخنزير بتحريمه، لأنّ ذلك تشريعٌ لمن آمن لا ذِكرٌ لمن لم يؤمن. فلمّا خلا الذِّكر من التشريع اتّسع مخاطَبه للناس كافّة، إذ صار خطاباً للفطرة العامّة من توحيدٍ ومصيرٍ وعبرة، يُذكَّر به كلّ أحد. فخلوُّ الذِّكر من التشريع هو الذي وسّع مخاطَبه، ووجودُ التشريع في المتلوّ هو الذي قصر مخاطَب التلاوة.
9 ـ أهلُ الذِّكر ـ أهلُ السير والنظر ومَن تمسّك بالنصّ
من المفاتيح التي يكشفها تأصيل الذِّكر فهمُ قوله تعالى ﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ . وقد شاع أنّ أهل الذكر هم العلماء أو الفقهاء، وهذا يناقض ما تقرّر، فلو أرادهم علماء لقال اسألوا العلماء كما قال ﴿إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماء﴾ [فاطر: 28]، ومنهج عدم الترادف يستلزم ألّا يكون أهل الذكر مرادفاً للعلماء. ولا يستقيم أيضاً أن يكونوا أهل الرسالات السابقة على إطلاقهم، إذ منهم من بدّل وأشرك، فقالت طائفةٌ ﴿عزيرٌ ابن الله﴾ وطائفةٌ ﴿المسيح ابن الله﴾ [التوبة: 30]، فلو أُحيل إليهم في بشريّة الرسل لأجابوا بما يوافق شركهم، فينهار الاستدلال، إذ لا يشهد ببشريّة الرسول من جعله ابناً لله.
ويُفكّ تعريفهم بمثنى الآية الصريح، في قوله تعالى ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾ ، فإنّ مطلعها مطابقٌ لمطلع آية أهل الذكر، ﴿وما أرسلنا... إلا رجالاً نوحي إليهم﴾، ثمّ عدلت من ﴿فاسألوا أهل الذكر﴾ إلى ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾، فتبيّن أنّ سؤال أهل الذكر هو السير في الأرض والنظر في عاقبة الأمم، فأهل الذكر أهل السير والنظر في مصائر الأمم الغابرة، الواقفون على دقائق آثارها وأحوالها.
وأهل الذكر بهذا أهلُ مضمون الذِّكر لا أهلُ صيغته المنطوقة بما هي لفظ، فإنّ مضمون الذِّكر قصصُ الأمم المقترنة وجوداً، ولها وجودٌ مزدوج، في آثارها المبثوثة في الأرض تُقرأ بالسير والنظر، وفي النصّ الذي صيغت فيه منطوقةً تُقرأ تلاوةً. فأهل الذكر أهل معرفة هذا المضمون، يحصّلونه من الآثار بحثاً أو من النصّ تمسّكاً، لا أهل اللفظ المجرّد.
ومن هنا كان تعريفهم يختلف باختلاف الزمن. ففي زمن نزول الآية كان الأمر مختصراً على الذين يسيرون في مساكن الأمم المهلَكة ويدقّقون في آثارها وأحوالها، إذ كان مضمون الذِّكر يُقرأ من الآثار، والقرينة أنّ الآية تخاطب من استنكر رسالة النبيّ في زمنه، فأُحيلوا إلى ما هو متاحٌ لهم من النظر في آثار الأمم، لا إلى المبدِّلين من أهل الكتاب. وأمّا اليوم فأهل الذكر هم أهل البحث الأثريّ أنفسهم، الواقفون على آثار الأمم من فراعنة مصر وممالك الشام وغيرها ممّا انتشر في الأرض، يُضاف إليهم المتمسّكون بالقرآن، إذ صار مضمون الذِّكر يُقرأ من الآثار ومن النصّ الميسَّر معاً، فاتّسعت دائرة أهله ولم تُلغَ أصلها، على ما تقرّر في تيسير الذِّكر من أنّه انتقل من قراءةٍ في الآثار مقصورةٍ على الباحثين إلى نصٍّ ميسَّرٍ متاحٍ لمن تمسّك به.
ويتبيّن ربطُ هذا ببشريّة الرسل بالنظر في المآل، فإنّ الاستنكار في الآية كان لنزول الوحي على بشر، فجاء الجواب ﴿وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين﴾ ، فنفى عنهم أن يكونوا أجساداً لا تأكل، وأثبت أنّهم غير خالدين، أي يموتون. وكشف ذلك قوله ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنّهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق﴾ [الفرقان: 20]. ووجه الاستدلال من السير والنظر أنّ من دقّق في آثار الأمم وجد لكلّ أمّةٍ رسولها الخاصّ منها، لا اسماً موحَّداً واحداً في آثار الأرض كلّها. ولو كان الرسول غير بشريٍّ لا يموت لبقي رسولاً واحداً لكلّ الأمم، إذ لا يعتوره الموت فيخلفه غيره، فوُجد اسمه موحَّداً في كلّ الآثار، بل لكان باقياً بيننا الآن نعاينه. فلمّا كشف النظر في الآثار تعدّد الرسل، لكلّ أمّةٍ رسولها منها، دلّ ذلك على أنّهم بشرٌ يموتون، فيخلف كلَّ أمّةٍ رسولُها، ولو خلدوا لبقي واحدٌ للجميع. فتعدّدهم في الآثار دليل موتهم، وموتُهم دليل بشريّتهم، وغيابُ رسولٍ خالدٍ بيننا اليوم قرينةٌ حاضرةٌ تعضد القرينة الأثرية.
فتبيّن أنّ أهل الذكر أهل السير والنظر في مصائر الأمم، ومن تمسّك بالنصّ الذي صيغ فيه مضمونها، لا العلماء بحكم التخصّص ولا الفقهاء بحكم التشريع ولا المبدِّلون من أهل الكتاب، وأنّ الإحالة إليهم إحالةٌ في أمرٍ معرفيٍّ عقديّ، هو بشريّة الرسل، يُستدَلّ عليه من تعدّدهم في آثار الأمم، لا في تشريعٍ يُفتَى فيه.
10 ـ مآلُ الذِّكر ـ النفعُ والرفعة أو البوارُ والضنك
يختم تأصيل الذِّكر ببيان مآله عند من انتفع به ومن أعرض عنه، فإنّ للذِّكر ثمرةً لمن ادّكر ومصيراً لمن نسي، وكلاهما مآلٌ بنيويٌّ لازمٌ لا جزاءٌ خارجيٌّ مقحَم.
فأمّا مآل من ادّكر فالنفع والرفعة، يكشفه قوله تعالى ﴿وذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين﴾ ، ودقّة الآية أنّها قالت ﴿تنفع﴾ ولم تقل تُنجي، فالمؤمن ناجٍ بعمله وتقواه، فليست الذكرى محلَّ نجاته، بل محلَّ نفعه وارتقائه. فالذكرى تزيد المؤمن نفعاً على نفعه ورفعةً على درجته، لا تُنجيه ابتداءً، إذ نجاته بعمله وتقواه، والذكرى تُثمر فيه زيادةً ورُقياً. فمآل المُدَّكِر نفعٌ جوهريّ، إذ كلّ ما ينفع يُضيف إلى صاحبه أمراً يرفعه، لا نفعٌ سطحيٌّ عابر.
وأمّا مآل من أعرض ونسي فالبوار، يكشفه قوله تعالى ﴿حتى نَسُوا الذكرَ وكانوا قوماً بوراً﴾ ، والبَوار في اللسان فراغٌ من النفع لا فقدٌ للمعلومة، فمن نسي الذِّكر فرغ من نفعه فبار، إذ كان الذِّكر رادعه ومرجعه، فلمّا نُسِيَ فُقِد الرادع فهوى. فليس البوار عقوبةً تلحقه من خارج، بل هو فراغه هو من نفع الذِّكر الذي فرّط فيه.
ويؤكّده قوله تعالى ﴿ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشةً ضنكاً﴾ ، فالضنك اختلالُ التناسق مع الواقع حين تُفقَد المعرفةُ المطابقةُ له، إذ من نسي ما يطابق الوجود اضطرب سيرُه فيه فضاقت معيشته. فالمعيشة الضنك أثرٌ بنيويٌّ لفقد المعرفة المطابقة، لا ضيقٌ في الرزق مقحَم، إذ من فقد ما يطابق الواقع سار فيه على غير هدى فتعثّر.
ويكشف القرآن أنّ هذا المآل ليس اعتباطياً، إذ الذكرى إنذارٌ سابقٌ بالمصير، فمن أعرض عنها في زمن الإمكان فاته أوان الاعتبار، يكشفه قوله تعالى ﴿يومئذٍ يتذكّر الإنسانُ وأنّى له الذكرى﴾ ، فإنّ الإنسان يوم القيامة يتذكّر حين يرى المصير، لكن قد فات أوان الذكرى، إذ كانت إنذاراً سابقاً في الدنيا، فمن أعرض عنها في وقتها لم تنفعه حين يقع المصير. فالذكرى مقدَّمةٌ على المصير إنذاراً، فمن ادّكر في وقتها نفعته ورفعته، ومن أعرض عنها بار وضنك، ثمّ لم تنفعه حين يتذكّر بعد فوات الأوان.
فيتبيّن أنّ مآل الذِّكر بنيويٌّ في الحالين، فمن رسّخ المعرفة المطابقة للواقع بالادّكار تناسق مع الواقع فحيي حياةً متّسقةً نافعةً رافعة، ومن نسيها فقد التناسق فبار وضنك، لا عقوبةً خارجيةً مقحمة، بل نتيجةً لازمةً لفقد المعرفة المطابقة للوجود. فالذِّكر مادّةٌ نافعةٌ رافعة، من ادّكرها ارتقى، ومن نسيها هوى، على سنّةٍ بنيوية لا جزاءٍ اعتباطيّ.
3.3.1.12الشِّفاء المعرفي ـ تَنوير العُقول لا الرُّقية الجَسدية
من أَخطر الانحرافات التي وَقعت في فَهم القرآن تَحويلُ صفة «الشِّفاء» فيه من شِفاء معرفي إلى شِفاء جَسدي مادي، فالقارئ البَسيط يَستَدلّ بآيات الشِّفاء على ما يُسَمَّى بـ«الرُّقية الشَّرعية» لمداواة الأَمراض الجَسدية أَو فَكّ السِّحر أَو غَير ذلك من المآرب، لكنّ الاستقراء الداخلي يَكشف أَن هذا التَّحريف للكَلم عن مَواضعه يَنقض وَظيفة القرآن البنيوية، ويَسلب الناس شِفاءهم الحَقيقي ليُغرقهم في وَهم.
1.الشِّفاء لما في الصُّدور ـ كَشف بنيوي
يَتجلَّى محور هذا التَّأسيس في قَوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وقَوله ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]. فالمحور البنيوي في الشِّفاء قَوله «لما في الصُّدور»، والصُّدور في اللسان العَربي من «التَّصَدّر» أَي ما يَتصَدَّر الجَسد ويَتقَدَّمه، تَقول «تَصَدَّر المجموعة» إذا كان أَوَّلها، فالصَّدر بهذا المعنى يَدلّ على أَعلى الجَسد أَي الرَّأس الذي يَتصَدَّر سائر الأَعضاء. والقُلوب التي تَستوطن الصُّدور، كَما تَكشف آية الحجّ ﴿وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحجّ: 46]، هي ما يَقلب الأَفكار، والقَلب في الجَذر العَربي من «قَلَب الشَّيء» أَي حَوَّله ودار به، فالقَلب الذي في الصَّدر ليس العُضو الذي يَضخّ الدَّم بَل المَوضع الذي تَتقَلَّب فيه الأَفكار وتَدور فيه المعاني.
ومن هنا يَتجلَّى المعنى البنيوي القاطع، فالشِّفاء للفكر والوَعي والإدراك، شِفاء للمَوضع الذي يَقلب الأَفكار لا شِفاء للجَسد بأَعضائه. ولو أَراد النَّصّ الشِّفاء الجَسدي لقال «شِفاء للأَجساد» أَو «شِفاء للأَمراض»، لكنّه قال «شِفاء لما في الصُّدور» تَخصيصاً قاطعاً للمَوضع المعرفي. ويُؤَكّد ذلك ختام آية الإسراء «ولا يَزيد الظالمين إلا خَساراً»، فلَو كان الشِّفاء مادياً يُصيب الجَميع بمجَرَّد التِّلاوة لانتَفى تَفريق الآية بَين المؤمنين والظالمين، لكنّ الشِّفاء معرفي يَنال من تَفاعل مع النَّصّ بقَلب صافٍ من الأَكنَّة، ويَزيد الظالم خَساراً لأَنه يَستَخرج من النَّصّ ما يُؤَكّد أَكنَّته فتَتَرَسَّخ في وَعيه.
2.القرآن لا يُلغي السنن بَل يَكشفها ـ قِصَّة أَيّوب شاهداً
ها هنا تَوقّف منهجي بالغ الأَهَمّية، فالقرآن لا يَنزل ليُلغي سنن الله في الوجود بَل ليَكشفها ويَدعو إلى السَّير وَفقها، ومن ثَمَّ كان طَلب الشِّفاء الجَسدي بمجَرَّد تلاوة آيات تَعطيلاً لسنن الله ومناقضةً لمنهج النَّصّ نَفسه. ويَتجلَّى هذا في قِصَّة أَيّوب بدقَّة بنيوية يَكشفها التَّمييز في مَن نُودي، فأَيّوب «نادى ربّه» لا الله، ومحلّ الرَّبّ متعلَّقه التدبير وفق السنن والأَسباب كَما تَأَسَّس، فلمَّا قال ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ لم يَأتِه الشِّفاء المباشر، بَل جاء الجَواب كَشفاً للعِلَّة لا معافاةً من العَدم، فلم يَقل النَّصّ «فعافيناه» ولا «فشَفيناه» بَل ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: 84]، أَي بُيّنت العِلَّة وراء ضُرّه.
ثُمَّ يَأتي في سورة ص بَيان كيف زال عنه الضُّرّ بالعَمل بالسَّبب المكشوف، قَوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ، فالجَواب على نِداء الرَّبّ سَبب يُباشره أَيّوب بنَفسه «اركض برجلك» فيُعالَج الضُّرّ بمباشرة السَّبب لا بخَرقه، ولذلك خُتم بـ«ذِكرى لأُولي الأَلباب» الذين يَعقلون أَن المعافاة جَرت على سنّة الأَسباب.
ولو جاء الدُّعاء باسم الله لتَغَيَّر المسار، إذ نِداء الله تَكون استجابته من خارج النَّسق السننيّ بتَسخير السنن عن محورها المعتاد لا بالجَري على وَفقها، لكنّ هذا لا يَكون إلا حين تَستحيل السنن عن تَحقيق الطَّلب، فيَستجيب الله دَعوة المضطرّ إذا دَعاه عند تَعَذّر الأَسباب، وهو خاصٌّ بالمؤمنين المتَّقين بطبيعة الحال على سنّة ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ ، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62]، فالإجابة من خارج السنن مَشروطة بالاضطرار أَي ببُلوغ حال تَتعَذَّر فيها الأَسباب. وقِصَّة ذي النون شاهد هذا المسار ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 87-88]، فهو في ظُلمات تَعَذَّرت فيها كلّ الأَسباب، فدَعا الله فجاءت الاستجابة مباشرةً نَجاةً تَخرق المعتاد. فبَان الفَرق بَين النِّداءَين: نِداء الرَّبّ كَشفٌ للسَّبب ضمن السنن حَيث الأَسباب متاحة، ونِداء الله استجابةٌ تُسَخّر السنن عن محورها حَيث تَعَذَّرت الأَسباب على المضطرّ. والقاعدة البنيوية الكاشفة أَن مَن طَلب الشِّفاء الجَسدي وأَسبابه متاحة فطَريقه السَّعي في سنن الطِّبّ التي هي سنّة من سنن الله في الوجود، لا انتظار معافاة من العَدم بمجَرَّد تلاوة آيات، لأَنه نَقض لمنهج الرَّبوبية في تَفعيل السنن.
3.الانحراف نَحو الرُّقية ـ تَناقض بنيوي مع منهج القرآن
الانحراف السائد تَحريفٌ للكَلم عن مَواضعه، فالنَّصّ أَنزل القرآن شِفاءً معرفياً يَتنَوَّر به العَقل ويُضحَد به الجَهل، والمنحرفون يَنزعونه من سياقه المعرفي ويُسقطونه على أَوهام مادية، فتَتحَوَّل آياته إلى رُقى تُتلى لمداواة الأَمراض الجَسدية أَو فَكّ السِّحر أَو طَرد الجنّ.
ويُناقض هذا الانحراف منهج القرآن من ثَلاث جهات متَلازمة، فهو أَوَّلاً يُعَطّل سنن الله في الطِّبّ ويَدعو إلى أَوهام بَدَلاً من الأَسباب الحَقيقية، وهذا يُناقض دَعوة القرآن إلى استقراء الكَون والسَّير وَفق سننه؛ وهو ثانياً يَنقل النَّصّ من حَقل العَقل إلى حَقل السِّحر، وهو نَقيض ما نَزل لأَجله، إذ نَزل القرآن ليُحارب السِّحر والخُرافة لا ليَحلّ مَحلَّهما بصورة جَديدة؛ وهو ثالثاً يُلغي صفة التَّدَبّر فيَستعمل النَّصّ آلياً كتَعويذة، بَدَلاً من أَن يُتَدَبَّر فيُستخرَج معناه بفكّ متشابهه بمثانيه كَما تَأَسَّس في 3.3.1.10. والنَّتيجة أَن القرآن يَصير على أَهل الرُّقية عَمى بَدَلاً من أَن يَكون شِفاءً، كَما تَكشف آية فُصّلت ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ .
4.مخاطر نَقل النَّصّ من مَجاله ـ التَّشبيه الكاشف
من يُؤمن بالرُّقية يَأخذ النَّصّ إلى مسار ليس مساره، فالنَّصّ نَزل في مَجال الفكر والمعرفة والسموّ والارتقاء، فيَأخذه المنحرف إلى مَجال الرُّقية والجَهل والانحدار، فالمسار الذي يُنقل إليه النَّصّ نَقيض المسار الذي نَزل لأَجله.
والتَّشبيه البنيوي الكاشف أَن مَن يَستعمل القرآن للرُّقية كَمن يَنتسب لأَرقى الجامعات ليَتعَلَّم السِّحر والخُزَعبلات، فالجامعة الراقية مَوضع علم ومعرفة، فاستعمالها لتَعَلّم الخُرافة نَقضٌ لطبيعتها وسَلبٌ لوَظيفتها. والقرآن أَعلى مَقام معرفي عَرفه الإنسان، فاستعماله للرُّقية نَقضٌ أَكبر وسَلبٌ أَعمق، فالمنحرف لا يُحَقّق غاية بَل يَنحدر بنَفسه من عُلوّ المعرفة إلى حَضيض الخُرافة، ويَفقد ما كان يَستحقّه من شِفاء معرفي حَقيقي.
5.الشِّفاء الحَقّ
من قَرأ القرآن قراءة معرفية طالباً تَنوير عَقله وتَصحيح أَفكاره ومعرفة سنن الوجود نال شِفاءه الحَقّ، ومن قَرأه طالباً رُقية تُداويه من السِّحر أَو تَفكّ عنه عَيناً أَو تَطرد عنه شَيطاناً فقَد طَلب الشِّفاء في غَير مَوضعه، وأَخذ من القرآن وَهماً بَدَل أَن يَأخذ منه يَقيناً. فالقرآن يَفتح للقارئ باب تَحرير العَقل من الأَكنَّة وتَنوير الفكر بسنن الوجود، وهذا هو الشِّفاء الذي يَتَجَدَّد في كلّ عَصر بقَدر تَدَبّر القارئ.
3.3.1.13الهَجر ـ التَّخَلّف الحَضاري المعرفي
يَتجلَّى البُعد الجامع لعَواقب الإعراض عن القرآن في قَوله تعالى ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ . وقَد تَأَسَّس في غَير موضع من هذا الفصل أَبعاد الهَجر بصورة جُزئية، فتَأَسَّس في 3.3.1.2 أَن الهَجر تَرك مطابقة المسطور بالمنشور وهو البُعد المعرفي البنيوي، وتَأَسَّس في 3.3.1.3 أَن هَجر القرآن هَجرٌ للرِّسالة نَفسها وهو البُعد الرسالي، وتَأَسَّس في 3.3.1.11 أنّ إهمال استحضار الذِّكر في مقاماته تعطيلٌ لوظيفته التذكيرية، وتَأَسَّس في 3.3.1.12 أَن الانحراف نَحو الرُّقية تَحويلٌ للنَّصّ من مَجاله المعرفي إلى نَقيضه. والقسم هنا يَستوفي البُعد الجامع الذي يَستوعب كلّ هذه الانحرافات في منظومة واحدة، وهو البُعد الحَضاري المعرفي، خاتمةً طَبيعية للفصل كلّه تَكشف عَواقب الإعراض عن النظام المعرفي الذي تَأَسَّس في الأَقسام السابقة.
1.الهَجر فعل اختياري لا قَهري
«اتَّخَذوا» في الآية فعل اختياري، فلم يَقل النَّصّ «تَرَكوا» ولا «نَسوا» ولا «غَفلوا» بَل «اتَّخَذوا»، والاتّخاذ في اللسان العَربي تَبَنٍّ واعٍ يَنطلق من قَرار إرادي. ومن ثَمَّ فالهَجر ليس عَجزاً عن الفَهم ولا غَفلة عَفوية بَل اختيار تَبَنّاه القَوم بإرادتهم، ولذلك جاءت الشَّكوى من الرَّسول لا من الناس عامَّة، لأَن الذي يَعرف الجَوهرة قَدرها يَستَنكر هَجرها، والذين هَجروها فَعلوا ذلك على بَيّنة لا على جَهل عَفوي.
2.الهَجر بُعد حَضاري لا فَردي فقط
تَنسب الآية الهَجر إلى «قَومي» لا إلى أَفراد بأَعيانهم، والنِّسبة إلى القَوم تَكشف بُعداً حَضارياً جَماعياً لا مجَرَّد إعراض فَردي، فالأمم تَتَخَلَّف حضارياً حين تَهجر نظامها المعرفي، لأَن الحَضارة بنية جَماعية تَنبع من نظام معرفي مشتَرك يَتَفاعل معه أَفرادها.
والقرآن في طبيعته نظام معرفي شامل كَما تَأَسَّس في 3.3.1.7، يُقَدّم سنن الكَون وقَصص الأمم وأَمثال السنن العاملة، فيَفتح للأمم رؤية شاملة للوجود تَستطيع بها التَّفاعل مع سننه. وهَجر هذا النظام لا يَترك الأمم في حَيرة بَل يَدفعها إلى البَحث عن أَنظمة بَديلة، إمّا من ثَقافات أُخرى أَو من خُرافات موروثة أَو من أَيديولوجيات حَديثة، والبَديل دائماً أَدنى من الأَصل لأَنه نَتاج بَشري محدود يَفتقد للسعة والعُلوّ والثَّبات، أَي المجد الذي تَأَسَّس في 3.3.1.9.
3.سنّة الانحسار الحَضاري
من اقتران تَأسيس 3.3.1.1 وتَأسيس 3.3.1.7 تَتجلَّى سنّة كَونية تَجري في الأمم، فكلَّما ازدادت أُمَّة علماً بالسنن استَطاعت التَّفاعل معها وتَطويعها فيَرتَقي وَضعها، وكلَّما جَهلتها أَو تَجاهَلتها أَدارتها السنن نَتائجها فيَنحسر وَضعها، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ ، فالتَّغيير الحَضاري مَنوط بفعل القَوم أَنفسهم تَفاعلاً مع السنن أَو إعراضاً عنها.
ويَكشف القرآن أَثر هذا الإعراض بصياغة وجودية حاسمة في قَوله تعالى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ ، فالنِّسبة في «ذِكري» تَخصّصه بالقرآن النظام المعرفي كَما تَأَسَّس في 3.3.1.11، و«الضَّنك» في اللسان العَربي من الضيق والانحصار نَقيض السعة، لا الفَقر المادي بالضَّرورة، فهو ضيقٌ في المعيشة وانغلاقٌ للأُفق وإن كَثر المال. ومن هنا يَتجلَّى المعنى البنيوي، فمَن أَعرض عن الذِّكر انغَلق أُفقه عن سنن الوجود فعاش ضنكاً، لا لأَن الذِّكر يَرزق مالاً بَل لأَنه يَفتح للإنسان سَعة الفَهم التي بها يَتفاعل مع السنن فيَتَّسع أُفقه ويَرتَقي، فإذا أَعرض عنها انحَصر في جَهله فضاقت معيشته وانحَسر، فرداً كان أَو أُمَّة.
وهذه السنّة تَجري على أَهل القرآن كَما تَجري على غَيرهم، لأَن السنن لا تَنحاز لمنتَسِب، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ، فالجَزاء بالعَمل لا بالانتساب، فالأمم التي تَتلو القرآن لَفظاً ولا تَتفاعل مع نظامه المعرفي تَجري عَليها السنن كَما تَجري على المعرضين كلّياً. ولذلك يَتجلَّى مَشهد بنيوي في الواقع المعاصر، فأُمم لم تَنزل عَليها رِسالة سَماوية تَتَعَلَّم سنن الكَون وتَتَفاعل معها فتَرتَقي، وأُمم نَزَل عَليها القرآن جَوهرةَ الرِّسالة الخاتمة تَكتفي بتلاوته لَفظاً وتَهجر نظامه المعرفي فتَتَخَلَّف، والسنّة لا تَتَبَدَّل، فمَن أَخذ بسببها رَفعته ومن تَركه أَدارته نَتائجها.
4.أَوجه الهَجر السبعة
يَتجلَّى هَجر القرآن في صورته الجَوهرية في سَبعة أَوجه متَكاملة تَستوعب كلّ ما تَأَسَّس في الفصل من انحرافات، تَنبثق كلّها من حَقيقة أَن النَّبي شَكا هَجر قَومه للقرآن نَفسه ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ، فكلّ وَجه منها صورة من صُور اتّخاذه مهجوراً.
الأَوَّل تَرك تَدَبّر الآيات الكَونية، والقرآن يَدعو إلى استقرائها صَراحة ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ، فمَن اكتَفى بقراءة الآيات لَفظاً دون استقرائها معرفياً هَجرها بمعنى الفائدة. والثاني إهمال العبرة من قَصص الأمم، والقَصص بَيّنات من الهدى تَكشف سنناً جارية ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111]، فمَن قَرأها رواية تاريخية ولم يَستخرج منها السنن العاملة هَجرها بمعنى الوَظيفة. والثالث الاكتفاء بالتَّشريع دون القرآن، والقرآن هو الذي يُصَدّق التَّشريع ويَعضده كَما تَأَسَّس في 3.3.1.3 ﴿وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يونس: 37]، فمَن أَخذ التَّشريع وتَرك القرآن فَقد تَصديقه فجَمَد وانفَصل عن سننه.
والرابع تَعليق الفَهم على التَّفسيرات الموروثة، والقرآن مفصح بذاته ﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ ، فمَن طَلب فَهمه من خارجه هَجر صفته الإبانية وعَطَّل تَنزيل المعنى المتَجَدّد. والخامس العَجز عن مطابقة المسطور بالمنشور، والقرآن مطابق لأَصله المنشور في الوجود ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فُصّلت: 53]، فمَن تَلا المسطور دون أَن يُطابقه بالمنشور تَرَك القراءة بمعناها الكامل فهَجر القرآن في حَقيقته البنيوية. والسادس إهمالُ استحضار الذِّكر في مقاماته، والذِّكر مضمونٌ معرفيٌّ يُستحضَر بحسب مقام الحدث كَما تَأَسَّس في 3.3.1.11 ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45]، فمَن حَبَس الذِّكر ولم يُبِنْه للناس في مواقعه، أَو تَلَقَّاه ولم يَدَّكره حتى يَرسخ، هَجر وَظيفته التذكيرية التي هي تَمامه. والسابع الانحراف نَحو الرُّقية الجَسدية، والقرآن شِفاء معرفي ﴿وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: 57]، فمَن نَقله من مَجال الفكر والمعرفة والسموّ إلى مَجال الرُّقية والجَهل والانحدار أَخرجه من سياقه كلّه وهَجر وَظيفته البنيوية.
خاتمة الفصل
من اقتران الأَقسام الثلاثة عَشر يَتجلَّى القرآن في حَقيقته البنيوية، فاسمه يَكشف اقترانه بَين الكَون والتاريخ، ومَوقعه يَكشف كَمنه في الوجود سابقاً على نُزوله، ورساليته تَكشف اختصاصه بالنُّبُوّة الخاتمة بُرهاناً وجودياً خالداً، وآلية نُزوله تَكشف إنزاله الواحد وفَرقه المحكم وتَنزيله المتَدَرّج، وعَربيته تَكشف نَقاءه وإبانته الذاتية، ونَفي الشِّعر عنه يَكشف وجوديته ومطابقته للواقع، وعالميته تَكشف خطابه للناس كافة، وقَصصه تَكشف استنساخه النَّبَئي من الإمام المبين، وصِفاته تَكشف مَجده وكَرمه وتَيسيره وإعجازه، ومثانيه تَكشف آلية فكّ متشابهه بنظائره، وذِكره يَكشف مادّته المعرفية التي تَبين للناس، وشِفاؤه يَكشف وَظيفته المعرفية، وهَجره يَكشف عَواقب الإعراض عنه.
والقرآن بهذه التَّأسيسات نظام معرفي جامع لا نَصّ تلاوة فحَسب، يَنفتح بقَدر تَدَبّر القارئ ويَتَجَدَّد فهمه مع كلّ عَصر, يَطلب من القارئ مطابقة المسطور بالمنشور وعَدم المعارضة بأَكنَّة فكرية وعَدم الاستكبار بحُجب نَفسية. ومن جَمع هذه الشُّروط انفَتح له القرآن جَوهرةً لا يَملكها غَيره، ومن أَعرض اتَّخَذه مهجوراً فجَرت عَليه سنن الانحسار كَما تَجري على من لم يَتلَقَّ نَصّاً أَصلاً، لأَن المعيار التَّفاعل لا الانتساب. وبهذا يَنفتح الباب إلى القسم التالي 3.3.2، حَيث يَتَأَسَّس الكتاب بمعناه التَّشريعي المحكَم، الشِّقّ الثاني من الكتاب الجامع الذي يُصَدّقه القرآن ويَعضده بشُهود الوجود.
3.3.2الكتاب ـ الرِّسالة التَّشريعية والمنظومة الجامعة
3.3.2.1الكتاب اسماً ودَلالةً ـ التَّعريف البنيوي
تَأَسَّسَت في تَمهيد الفصل (3.3) بنية الكتاب الجامع بطَبَقاته المتَكاملة. وهذا القسم الأَوَّل يُؤَسّس الكتاب بمعناه الجامع، يَكشف حَقيقته البنيوية واستيعابه لطَبَقاته الأَربع، ومَصدريته الإلهية، ووَظيفته في الرِّسالة المحَمَّدية، استقراءً داخلياً من النَّصّ نَفسه دون استيراد تَعريف من خارجه.
1.الجَذر اللُّغوي ـ الجَمع والضَّمّ المنسَّق
كَلمة «الكتاب» في الجَذر العَربي (ك-ت-ب) تَدلّ على الجَمع والضَّمّ المنسَّق في وَحدة محكمة. ومن هذا الجَذر تَأتي «الكَتيبة» للجَمع المتَراصّ من الجُند حَيث الأَفراد مجموعون في نِظام عَسكري محكم، ومنه «كَتب الشَّيء» جَمعه وضَمَّه، و«كاتب» الذي يَجمع الحُروف والكَلمات في نَسق منتظم. والقاسم المشتَرك في كلّ هذه الاستعمالات أَن الكتابة جَمع مرتَّب لمعطيات متَرابطة في وَحدة بنيوية، لا فَوضى فيها ولا انفصال.
و«الكتاب» بأَل التَّعريف في القرآن لا يَدلّ على نَصّ تَشريعي مفرَد، بَل على الكلّ الجامع الذي يَضمّ أَقساماً كُبرى في بنية واحدة. ومن هنا فإن السؤال الأَوَّل في فَهم الكتاب ليس «ما هو الكتاب؟» بَل «ما الذي يَجمعه الكتاب؟».
2.الفَقرة التَّأسيسية ـ الكتاب الجامع
الكتاب بداية هو الكلّ الجامع لما أُنزل على قَلب النَّبي محمد ابن عبد الله، وسُمّي «كتاباً» لأَنه يَضمّ مجموع معطيات ونُظُم متَرابطة ومتَّسقة، يَستوعب خطاباً تَشريعياً وإيمانياً ومفهوماً كَونياً وقَصصياً، ويَضمّ نُظُم بَيان داخلي محكم وضَبطاً منهجياً لما يمكن أن يُخالف بَيانه. وهو نِظام بنائي متقَدّم على كلّ ما سَبقه من كُتب منزَّلة، لا يَتَقادَم مع الزَّمن ولا يَتَعارَض مع تَطَوّر أَيّ ثَقافة، ويُحاكي كلّ أُمَّة بتَناغُم متَّسق مع زَمانها ومَكانها. وهو محفوظ من التَّحوير أَو العَبَث به لارتباطه كَونياً ووجودياً، ولا يُمكن مُحاكاته دُنيوياً لأَنه نَزل محكَماً بعلم الله من خارج الوجود نَسَقاً وخَطاً وصَوتاً.
3.مَصدرية الكتاب لله ـ الصياغة الجامعة ومصدرية المضمون
والكتاب الجامع بهذا المعنى يَنسب لله صياغةً وتَأليفاً وتَركيباً، فالله هو الذي صاغ النَّصّ الجامع كلّه وأَلَّفه ونَسَّقه بنَسق محكم يُحاكي الفِكر والعَقل الإنساني، يَستوعب القَصص والكَونيات والتَّشريع في بنية واحدة. ولذلك لا يَرد تَنزيل الكتاب كنَصّ جامع منسوباً لرَبّ العالمين بَل لله حصراً، كَما تَكشف الصياغة المتَكَرّرة بدقَّة عَبر سُور متَعَدّدة، ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ ، و﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [غافر: 2]، فالصفات المقترنة، العَزيز الحَكيم والعَزيز العَليم، صفات الذات المطلقة في إحكام الأَمر، تُلائم سياق الكتاب الكلي الجامع.
ومن هذا الأَصل البنيوي استَقَرَّ في الوَعي العامّ أَن محتوى الكتاب كلام الله، فجَرى على أَلسنة الناس في حَديثهم المشتَرك أَنه كلام الله، وصار المتَكَلّم إذا استَشهَد بآية لا على التَّعيين قال «قال الله» بإطلاق، وهذا الاستعمال المستَقرّ شاهد لُغوي على النِّسبة الجامعة للكتاب لله.
فإذا دَخَل النَّظَر إلى المحتوى الداخلي وتَفصيله بدأ تَمييز آخر، لا في الصياغة والتَّأليف بَل في مصدرية أَصل المضمون وانبثاقه. فما كان أَصله وانبثاقه من داخل الوجود من كَونيات وقَصص وسنن يَنسب لرَبّ العالمين، وما كان أَصله وانبثاقه من خارج الوجود من تَشريع وقِيم يَنسب لله. فالتَّمييز هنا في مَصدر المضمون لا في فاعل الصياغة، إذ الصياغة الجامعة كلّها من الله، لكنّ المضمون يَتَفاوَت في أَصل انبثاقه. ومن ثَمَّ تَرد صياغات «تَنزيل» مجَرَّدةً من لَفظة الكتاب منسوبةً للوَجه الربوبي حَين تَخصّ مَصدر المضمون الوُجودي، كَقَوله تعالى ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ في سياق القرآن الكَريم، و﴿تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [فصلت: 2] في سياق آيات مفصَّلة، فليس المعنى أَن رَبّ العالمين صاغ هذا أَو أَنشأ تَنزيله، بَل الصياغة من الله في الكتاب الجامع، والنِّسبة الربوبية تَخصّ مصدرية المضمون الوُجودي وأَصل انبثاقه من داخل الزَّمكان.
وثَمّة آية واحدة قَد تُوهم القارئ أَن الكتاب نَفسه يَنسب لرَبّ العالمين، قَوله تعالى ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ ، لكنّ المتَأَمّل يَجد أَن النِّسبة الربوبية فيها لا تَخصّ تَنزيل الكتاب بَل نَفي الرَّيب عنه. فتَنزيل الكتاب كنَصّ جامع يَنسب لله كَما تَقَدَّم، أَمّا نَفي الرَّيب فآلية تَجري بما يَحمله التَّنزيل من نَسق سنني كَوني يُعَضّد الكتاب الكلي، إذ نَزل بالحَقّ والحَقّ هو الوجود الكَوني المعَضّد له. وهذا النَّسق الوُجودي يَنسب لرَبّ العالمين بفاعلية ربوبية لأَنه يَتَجَلَّى في الكَون والتاريخ، فيَنتفي الرَّيب عن الكتاب بشُهود الوجود الذي يَتَفاعل مع وَعي المتَلَقّي. ويُعَضّد هذه القراءة اقتران السجدة 2 مع قَوله تعالى ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ﴾ [المائدة: 48]، فـ«الكتاب» أَمر الله بكلّياته، و«بالحَقّ» آيات الوجود التي تُعَضّده وتَنفي الرَّيب فيه، والكتاب بكلّيته يَبقى منسوباً لله لأَنه فِكري تَجريدي قِيمي.
4.الكتاب الجامع يَستوعب أَربع طَبَقات في وَحدة بنيوية
والكتاب بهذا المعنى البنيوي يَستوعب أَربع طَبَقات متَكاملة، تَنتَظم في وَحدة محكمة بحَسب طَبيعة المضمون ونِسبته البنيوية، يَستحقّ التَّأَمل في كلّ منها.
فالطَّبَقة الأُولى القرآن المتَشابه، آيات كَونية وقَصصية تَأَسَّسَت بنيتها في فصل القرآن السابق (3.3.1)، يَتَشابه بَعضه مع بَعض في بنية متَكاملة ويُبَيّن بَعضه بَعضاً، يَنسب لرَبّ العالمين بفاعلية ربوبية لأَن مضمونه وُجودي يُحاكي السنن والتاريخ والكَون. والطَّبَقة الثانية المحكَمات التَّشريعية، كليات أَزلية ثابتة بنَصّ ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ ، وحَرف «من» التَّبعيضية كاشف بنيوي قاطع يُبَيّن أَن المحكَمات بَعض من الكتاب لا الكتاب نَفسه، تَتَشاركها كلّ الرسالات بمعنى عامّ ثابت، تَنسب لله بمَصدرية أَمرية لأَن مضمونها تَشريع مجَرَّد لا حضور كَوني له. والطَّبَقة الثالثة التَّفصيل النَّصّي للمحكَم، بَيان داخلي للمحكَم يَكشف دَقائقه ويُبَيّن مَواضعه بنَصّ ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 37]، يَتَماهى مع زَمن كلّ رِسالة ويَختَلف بَين رِسالة ورِسالة بحَسب ثَقافة الأُمَّة وعلومها، يَنسب لرَبّ العالمين بفاعلية ربوبية لأَنه يَكتسب صفة التَّماهي الزَّمني في بنيته. والطَّبَقة الرابعة المستَجَدّ التَّشريعي وهو ما بَين يَديه، تَشريع جَديد مخصوص بالرِّسالة المحَمَّدية لم يَنزل في الرسالات السابقة، يَنسب لله بمَصدرية أَمرية كالمحكَمات وتفصيلها معاً لأَنه تَشريع مجَرَّد لا حضور كَوني له، ولأَنه مجَرَّد يَخرج عن مأَلوف الوَعي البَشري يَستلزم تَصديقاً من القرآن المتَشابه بحُضوره الوُجودي كَما تَكشف صياغة ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: 48].
والمنظومة بأَربع طَبَقاتها تَنتَظم في تَمييز بنيوي قاطع بحَسب طَبيعة المضمون ونِسبته، فاثنان وُجوديان يَنسبان لرَبّ العالمين هما القرآن المتَشابه والتَّفصيل النَّصّي لأَن مضمونهما يَتَفاعل مع السنن والزَّمن، واثنان تَشريعيان مجَرَّدان يَنسبان لله بمَصدرية أَمرية هما المحكَمات التشريعية والمستَجَدّ التشريعي لأَن مضمونهما لا حضور كَوني له. والطَّبَقات الأَربع داخل الكتاب الجامع لا منفصلة عنه، تَتَكامل في وَحدة بنيوية محكمة. ومن لم يَستوعب أَن المحكَمات بَعض من الكتاب لا أَن الكتاب محكَمات، عَسر عَليه فَهم الأَقسام بَعدها، فاختَزل الكتاب في كليات تَشريعية فضاع منه القرآن المتَشابه والتَّفصيل والمستَجَدّ.
5.الكتاب والقرآن ـ التَّكامل لا التَّرادف
تَأَسَّس في فصل القرآن (3.3.1.7) أَن القرآن «هدى للناس كافة» ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ ، يُخاطب الفطرة الإنسانية المشتَركة ويَنطلق من حَقائق وُجودية يَستطيع كلّ عَقل سَليم أَن يَتَفاعل معها. ويُقابله الكتاب «هدى للمتَّقين» ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، يَستلزم إيماناً مسبقاً ليُتَقَبَّل لأَن التَّشريع لا يَستقيم على من لا يُقرّ بمَصدره الإلهي.
والاثنان متَكاملان لا متَعارضان، فالقرآن يَفتح الباب للوَعي العامّ بسنن الكَون ومَصائر الأمم، والكتاب يُنَظّم سلوك من دَخل الباب بأَوامر ونَواهٍ تَضبط الحياة. القرآن يَدعو والكتاب يُنَظّم، القرآن للجَميع والكتاب للذين قَبلوا الدَّعوة.
6.مَوقع هذا التَّأسيس
من هنا فإن المسلك المنهجي الذي يَفتتح به هذا الفصل تَأسيس الكتاب بمعناه الجامع، ثُمَّ تَأسيس القاعدة المنهجية الكُبرى التي تَفصل بَين طَبَقاته (3.3.2.2)، ثُمَّ تَفصيل كلّ طَبَقة في الأَقسام التالية. والقارئ الذي يَستوعب البنية الجامعة أَوَّلاً يَدخل تَفاصيل الكتاب بعَين قارئ يَعرف ما يَنتظره، منظومةً محكمة تَجمع الثابت والمتَجَدّد والكلي والتَّفصيلي والإلهي والربوبي في وَحدة بنيوية لا تَناقض فيها.
3.3.2.2القاعدة المنهجية الكُبرى ـ صفة الآية صفة مَصدرها
1.مَفتاح بَسيط لمَوضوع كَبير
من أَدقّ المعايير البنيوية التي يَفتح بها القارئ منظومة الكتاب الجامع التي تَأَسَّسَت في القسم السابق (3.3.2.1)، معيار صفة الآية صفة مَصدرها. وهذا معيار يَبدو بَسيطاً في صياغته لكنّه شامل في تَطبيقه، يَكشف لكلّ آية في القرآن طبيعتها ونِسبتها وَفق قاعدة واحدة محكمة تَنفتح على المنظومة الجامعة بكامل طَبَقاتها.
والقاعدة تَنطلق من تَأَمّل في طَبائع الأَشياء، إذ كلّ مضمون يَكتسب صفته من صفة مَصدره. فالنَّبع الصافي يُعطي ماء صافياً، والذات المطلقة (الله) كَما تَأَسَّس في الباب الثاني (2.1) ثابتة سَرمَدية خارج الزَّمكان، فما يَنبثق منها بمَصدرية أَمرية يَحمل صفة الثَّبات الذاتية. والربوبية تَفعل في الوجود بسنن متَفاعلة مع الزَّمكان، فما يَنبثق منها بفاعلية ربوبية يَحمل صفة التَّجَدّد والمرونة.
2.تَطبيق المعيار على الآيات الوُجودية
كلّ آية يَكون مضمونها وُجودياً (كَونياً أَو قَصصياً) تَكتسب صفات الوجود نَفسه، لأَن مَصدرها كَما تَأَسَّس في فصل القرآن (3.3.1.2) كامن في اللَّوح المحفوظ وفي الرَّقّ المنشور، وهي كلّها وَجه ربوبي لتَسيير الوجود. والآيات الوُجودية بنيوياً تَحمل عدَّة خَصائص متَلازمة تَستحقّ التَّوَقّف عند كلٍّ منها.
2.1 ـ المرونة الزَّمنية، إذ تَنفتح طَبَقات معانيها مع كلّ عَصر بحَسب علوم المتَلَقّي وتَراكم ثَقافته، فالآية الكَونية التي يَفهمها قارئ القَرن الأَوَّل بصورة يَفهمها قارئ القَرن الواحد والعشرين بصورة أَوسع يَنفتح فيها على دَقائق ما اكتَشفه العلم، والآية لا تَتَغَيَّر في نَصّها لكنّ معناها يَتَنَزَّل بحَسب علم المتَلَقّي كَما تَأَسَّس في فصل القرآن (3.3.1.4) في التَّنزيل المتَجَدّد للمعنى.
2.2 ـ التَّناغُم مع الواقع، إذ تُحاكي الكَون والتاريخ فتَنطبق على ما يَجري في الوجود، فالآيات الكَونية تَنطق بسنن جارية في الكَون يَراها العالم في طَبيعة الأَشياء، والقَصص تَنطبق على سنن جارية في التاريخ تُحاكي الواقع المتَفاعل مع سنن الربوبية.
2.3 ـ التَّشابُه البنيوي، إذ يَتَشابه بَعضها مع بَعض في بنية متَكاملة فيُبَيّن بَعضها بَعضاً كَما تَأَسَّس في فصل القرآن (3.3.1.4) في الترتيل الموضوعي، فالآية الواحدة قَد لا تَستوفي معناها بمفردها لكنّ اقتران الآيات التي تَتَناوَل المَوضوع نَفسه يَكشف بنيتها الكاملة.
2.4 ـ التَّصديق الذاتي، إذ تُصَدّق ذاتها بذاتها لأَنها مكتوبة في الكتاب ومنشورة في الوجود في آن واحد، مطابقةً بَين المسطور والمنشور، فلا تَحتاج إلى مصَدّق خارجي لأَن الوجود نَفسه يُصَدّقها بحُضوره المعلوم.
ومن اقتران هذه الخَصائص تَنسب هذه الآيات بنيوياً لرَبّ العالمين، لأَن صفاتها مرنة وُجودية متَفاعلة، وهذه صفة الربوبية المسَيّرة للوجود.
3.تَطبيق المعيار على الآيات التَّشريعية
أَمّا الآيات التي يَكون مضمونها تَشريعياً (أَخلاقياً أَو قِيمياً) فتَكتسب صفة مَصدرها المغايرة، لأَن مَصدرها الذات المطلقة خارج الوجود، فلا حضور مادي لها يَستَدلّ به الإنسان مباشرة من الطَّبيعة.
3.1 ـ عِلَّة الحاجة إلى التَّعضيد
وها هنا تَأَمّل بنيوي يَكشف عِلَّة الحاجة إلى التَّعضيد، فالإنسان بنيوياً يَستَمدّ توثيقه وتَصديقه ممّا جُبل عَليه من تَشَكّل وَعيه، ووَعيه تَشَكَّل وُجودياً وكَونياً وسننياً يَألَف ما يَراه في الكَون من حُضور مادي وسنن متَفاعلة، ولا يَتَثَبَّت من أَمر يَخرج عن هذا النِّطاق إلا بصُعوبة لأَن أَدواته المعرفية المباشرة تَنبثق من تَفاعله مع الوجود نَفسه.
ومن ثَمَّ كانت الآيات الكَونية مَصدراً طَبيعياً للإنسان في توثيق وَعيه وقَبول ما يُدركه لأَنها تَتَّسق مع ما أَلفه يَراها في الطَّبيعة فيُؤَكّدها واقعه، أَمّا التَّشريع والأَخلاق والقِيم فلأَن مَصدرها مغاير لكلّ ذلك يَتَعَذَّر على الوَعي البَشري قَبولها بصورة مباشرة لو نَزلت مجَرَّدة بدون ما يَعضدها، ولذلك كان لِزاماً بنيوياً أَن يَعضدها ويَدمج معها ما أَلفه وَعيه من آيات كَونية وُجودية.
3.2 ـ الثَّبات النَّصّي والمعنَوي مع تَجَدّد التَّفصيل الربوبي
والآيات التَّشريعية بنيوياً تَحمل خَصيصة بالغة الدقَّة تَستحقّ تَأَملاً، فالكليات التَّشريعية ثابتة نَصاً ومعنىً عاماً لا تَتَغَيَّر بَين زَمن وزَمن ولا بَين رِسالة ورِسالة، فالصياغة الحَرفية تَتَكَرَّر بَين الرسالات بنَصّ واحد والجَوهر الكلي للكلية مشتَرك بَين كلّ الأمم. لكنّ تَفصيل هذا الكلي الثابت يَتَجَدَّد بَين الرسالات بصياغة ربوبية تُحاكي زَمن كلّ أُمَّة وثَقافتها وأَدواتها، فالكلي واحد لا يَتَبَدَّل، وتَفصيله الربوبي يَتَنَزَّل بحَسب ما يُناسب كلّ رِسالة.
والشاهد البنيوي على هذا تَحريم الإشراك في قَوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ ، فالنَّصّ ثابت في تَحريم الإشراك والمعنى العامّ ثابت وهو صَرف ما لله لغَير الله، مشتَركان عَبر كلّ الرسالات لا يُنسَخان ولا يَتَبَدَّلان، فهما من المحكَم الكلي المنسوب لله. لكنّ تَفصيل هذا المحكَم يَتَجَدَّد بَين الرسالات بما يُحاكي تَطَوّر الأمم، ففي عَهد نوح كان تَفصيله الأَبرز في عبادة الأَصنام التي صَنعها الإنسان نَفسه فجاء البَيان مناغماً لذلك الزَّمن، وفي الرِّسالة المحَمَّدية أَمَر النَّصّ باتّباع ما أُنزل من الرَّبّ ونَهى عن اتّباع الأَولياء من دونه ﴿ٱتَّبِعُوا۟ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3]، فانفَتح التَّفصيل على تَجَلّيات أَعمق للإشراك كتَقديس الأَفكار والأَشخاص والانقياد لمَنظومات فِكرية تَأخذ مَوقع الإله من دون الله. وهذا التَّفصيل المتَجَدّد يَنسب لرَبّ العالمين لأَنه يُحاكي زَمن الأُمَّة وتَطَوّرها، لا انفتاحاً ذاتياً في وَعي المتَلَقّي، فالبَيان نَزل نَصاً يُحاكي زَمنه لا أَن الوَعي وَحده هو الذي يَتَّسع.
وها هنا تَمييز بنيوي بالغ الأَهَمّية يَستحقّ التَّأكيد، فتَجَدّد التَّفصيل الربوبي للمحكَم التَّشريعي شَيء، وتَكَشّف معنى الآية الكَونية عَبر الزَّمن شَيء آخر. فالتَّفصيل الربوبي بَيان نَصّي للتَّشريع يَنزل مناغماً لزَمن كلّ رِسالة ويَختَلف من رِسالة إلى رِسالة، وهو ما يَتَأَسَّس في القسم 3.3.2.6. أَمّا تَكَشّف المعنى عَبر الزَّمن وَفق تَطَوّر علوم المتَلَقّي فخاصّ بالقرآن الكَوني والقَصصي بنَصّ ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ و﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 67]، فالنَّصّ الكَوني ثابت ويَتَكَشَّف محتواه للناس بتَطَوّر علومهم، وهذا غَير التَّفصيل التَّشريعي المتَجَدّد بَين الرسالات.
3.3 ـ اشتراك الكليات بَين الرسالات
ولأَن الكليات تَنزل من الذات المطلقة الواحدة تَتَشارك فيها كلّ الرسالات بنيوياً، ومن هذا الاشتراك تَنبثق سمة بنيوية مهمَّة، فالكليات لا تَستلزم تَصديقاً جَديداً عند كلّ رِسالة بَل يَعضدها الحَقّ المنزَّل معها فقط، لأَنها صُدّقت زَمنياً بتَكرار حُضورها عَبر الرسالات، فالإنسان تَأَلَّف معها عَبر الأَجيال فصارت معلومة في وَعي الأمم.
3.3.2.3المحكَمات والمتَشابهات ـ منظومة آل عمران 7
1.مَوقع الآية في الفصل
تَأَسَّس في القسم السابق (3.3.2.2) معيار صفة الآية صفة مَصدرها، الذي يَفصل بَين المضمون التَّشريعي الإلهي والمضمون الوُجودي الربوبي. ومن هذا المعيار يَنتقل النَّظَر إلى الشاهد البنيوي الأَوَّل الذي يَكشف هذه المنظومة في النَّصّ صَراحة، آية آل عمران 7. فالآية تَنطق ببنية الكتاب الجامع بصياغة محكمة، تَستحقّ التَّوَقّف الدَّقيق عند كلّ مُفرَدة فيها.
2.قراءة الآية في سياقها
قَوله تعالى ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌ﴾ .
وقراءة الآية بنيوياً تَستلزم تَأَمل ما قَبلها. في قَوله ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ تَنكشف الذات المطلقة، وفي قَوله ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾ [آل عمران: 3] يَنكشف فعل الإنزال الإلهي، ثُمَّ تَستأنف الآية 7 الإنزال نَفسه، حَيث الضَّمير «هو» يَعود على الله. ومن ثَمَّ يَتَبَيَّن أَن الفاعل في الإنزال هو الله، وأَن المضمون المنزَّل يَحوي مكَوّنَين متَمَيّزَين، يَستحقّ كلّ منهما تَأَملاً مستقلاً.
3.المحكَمات ـ أُمّ الكتاب
﴿آيات محكَمات هُنَّ أُمّ الكتاب﴾. والمحكَمات تَدلّ بنيوياً على الكليات التَّشريعية والأَخلاقية الثابتة، أَزلية لا تَتَغَيَّر بَين زَمن وزَمن، ولا بَين رِسالة ورِسالة، كَما تَأَسَّس في القسم السابق (3.3.2.2). وصياغة «محكَمات» من جَذر «ح-ك-م» تَدلّ على الإحكام والإتقان والمَنع من النَّقض، فالمحكَم بنيوياً ما لا يَقبل التَّغَيير ولا التَّأويل، يَستقرّ في ذاته بصياغة جامعة لا تَنفتح على معاني متَعَدّدة.
وصفة «أُمّ الكتاب» تَكشف مَكانتها البنيوية. فالأُمّ في اللسان العَربي تَدلّ على الأَصل والمَرجع الذي تَرجع إليه الفُروع، ومنه «أُمّ القُرى» للقرية الأَصل، و«أُمّ الكتاب» للأَصل الذي يَنبثق منه الكتاب ويَرجع إليه. والمحكَمات بهذه الصفة أَصل الكتاب ومَرجعه، الذي تَنبثق منه كلّ التَّشريعات وتَرجع إليه.
ولا تَكون «أُمّ الكتاب» إلا للذي يَستوعب كلّ الرسالات، فالكليات التَّشريعية مشتَركة بَين رِسالة موسى ورِسالة عيسى ورِسالة محمد، والأَمم تَتَوارَثها جيلاً بَعد جيل، تَتَأَلَّف معها وتُقرّ بها. ومن ثَمَّ تَكون أُمّ الكتاب وَصفاً بنيوياً للجَوهر الكلي الذي يَتَجاوَز رِسالة بعَينها. والمحكَمات تَنسب بنيوياً لله، لأَن مَصدرها الذات المطلقة الثابتة، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.2.
4.ملاحظة بنيوية على «منه»
ومن دقائق الآية صياغة ﴿منه آيات محكَمات﴾. فحَرف الجَرّ «من» تَبعيضية بنيوياً، أَي أَن المحكَمات بَعض من الكتاب الجامع لا كلّه. والكتاب الجامع كَما تَأَسَّس في 3.3.2.1 يَستوعب طَبَقات أَربع: المحكَمات، والمتَشابهات، والتَّفصيل، وما بَين يَديه. والآية تَكشف اثنَين منها صَراحة، وتَفتح الباب لما يَتَبَيَّن من استقراء آيات أُخرى. ولو قال النَّصّ «هو الكتاب آيات محكَمات» لاختزل الكتاب في المحكَمات وَحدها، لكنّ «منه» تُبَيّن بنيوياً أَن المحكَمات قِسم من الكتاب الجامع لا يَختَزله. وفي هذا تَأكيد بنيوي محكم على البنية الجامعة للكتاب التي تَأَسَّسَت في القسم الأَوَّل.
5.الإحكام والتَّفصيل ـ إشارة بنيوية مَفتوحة
وقَبل الانتقال إلى المتَشابهات يَستحقّ التَّوَقّف عند منظومة بنيوية متَكاملة تَجمع آل عمران 7 مع آية مفصلية أُخرى، قَوله تعالى ﴿الٓر ۚ كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ . فالآيتان متَكاملتان بنيوياً، تَستوعبان منظومة الكتاب الجامع بصياغة مغايرة.
فآل عمران 7 تَكشف التَّمييز بَين طَبَقات الكتاب، محكَماتٍ ومتَشابهاتٍ وأُخَر مسكوتاً عنها. وهود 1 تَكشف العَلاقة البنيوية بَين الإحكام والتَّفصيل عَبر الزَّمن، فالنَّصّ المحكَم ثابت في إحكامه، يَتَكَرَّر إنزاله في كلّ الرسالات بصياغة حَرفية وبمعنى عامّ ثابتَين، والتَّفصيل يَأتي بَعده مناغماً لزَمن كلّ رِسالة، يَكتسب في بنيته صفة التَّماهي الزَّمني. و«ثُمَّ» في الآية تَدلّ على التَّرتيب الزَّمني الحَقيقي لا على التَّرتيب البنيوي الذاتي وَحده، فالمحكَم سابق إنزالاً في الرسالات الماضية، ثُمَّ فُصّل في الرِّسالة المحَمَّدية بصورة تُحاكي زَمنها.
ويَتَأَسَّس استقراء هود 1 الكامل في القسم 3.3.2.6 (تَفصيل الكتاب)، حَيث يَنفتح التَّأَمل البنيوي على آلية التَّفصيل ونِسبته الربوبية وتَطبيقاته العَملية.
6.المتَشابهات ـ تَعريف بنيوي دَقيق
﴿وأُخَر متَشابهات﴾. والمتَشابه في الجَذر العَربي «ش-ب-هـ» يَدور على معنَيَين متَّصلَين، الالتباس وعَدم تَبَيّن الوَجه، والمماثلة بَين شَيئَين. والأَصل فيهما الالتباس، إذ يُشتَبه الشَّيئان لأَنهما يَلتَبسان فلا يَتَمَيَّز أَحدهما من الآخر، ومنه قَولهم «اشتَبه الأَمر» أَي التَبَس فلم يَستقم له يَقين، وقَوله تعالى ﴿إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا﴾ أَي التَبَس فلم يَتَعَيَّن.
والمتَشابهات بنيوياً في الكتاب، على هذا الأَصل، آيات يَلتَبس معناها على المتَلَقّي فلا يَستقرّ له يَقين بمفردها، لأَنها لا تَحمل بمفردها كَمال البَيان، بَل تَحمله بالتقائها مع شَبيهاتها. فالالتباس هو الحَدّ الأَوَّلي للمتَشابه، والمماثلة بَين المَواضع هي آلية فَكّه، إذ يُرفَع التباس المعنى باستحضار المَوضع المماثل من النَّصّ نَفسه. ومن ثَمَّ تَكون المماثلة وَسيلة البَيان لا ماهية المتَشابه، فالماهية الالتباس، والمماثلة طَريق رَفعه.
6.1 ـ مَجاز البَصر لكَشف المعنى البنيوي
ومن أَدقّ ما يُقَرّب هذا المعنى بنيوياً مَجاز البَصر، فللبَصر مساران للرُّؤية يَلتَقيان عند نُقطة واحدة فتَتَجَلَّى الرُّؤية بصورة نَقية واضحة، والمساران كلاهما من ذات البَصر لا يَستَورد أَحدهما من خارج. فإذا قَصر أَحدهما عن الآخر، أَو حَلَّ مكانه مسار آخر مغاير، تَعَذَّر الوُضوح واختَلَّت الرُّؤية.
والآيات المتَشابهات تَأخذ بنيوياً هذا الحُكم، فالآية الملتَبسة بمفردها لا يَستقيم لها يَقين، ولها مَوضع مماثل أَو أَكثر من داخل النَّصّ نَفسه، يَلتَقي معها كمسارَي البَصر في الدَّلالة الواحدة، فإذا اجتَمَعا ارتَفَع الالتباس وتَجَلَّى المعنى نَقياً واضحاً. والنَّصّ محكَم في تَشابُهه الداخلي، يَكفي بَعضه بَعضاً في البَيان، لا يَستَورد من خارجه ما يُكمل دَلالته.
6.2 ـ تَطبيق على آيات تَكوين آدم
ومن أَدقّ الأَمثلة على هذا الفَكّ البنيوي اقتران آيات تَكوين آدم. فقَوله تعالى ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ مسار في النَّصّ يَلتَبس معناه بمفرده، وله شَبيهته النَّصّية في قَوله تعالى ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]. والمساران كلاهما من داخل النَّصّ، يَلتَقيان في الدَّلالة الواحدة فيَرتَفع الالتباس ويَنكشف بنيوياً أَن نَفخة الرُّوح طَفرة معرفية، تَسريع في أَنسنة آدم، إعطاء قُدرة المعرفة والإدراك. والمساران معاً يُجَلّيان المعنى نَقياً، ولا يَنفرد أَيٌّ منهما بكَمال البَيان.
6.3 ـ المتَشابهات ـ القرآن الكَوني القَصصي
والمتَشابهات بنيوياً هي القرآن بمعناه الكَوني القَصصي، فالقَصص والكَونيات تَتَماثل في تشابهها بَعضها مع بَعض في بنية متَكاملة، تَتَوَزَّع على مَواضع متَعَدّدة، يَلتَقي بَعضها مع بَعض في الدَّلالة الواحدة. ولا يَنفتح بَيانها إلا بهذا الترتيل الموضوعي، كَما تَأَسَّس في فصل القرآن (3.3.1.4)، حَيث يَجمع القارئ الآيات المتَماثلة في المَواضع المتَعَدّدة فيَستخرج بنيتها الكاملة من التقائها. وتَنسب المتَشابهات بنيوياً لرَبّ العالمين، لأَن مَصدرها الوجود الذي تُسَيّره الربوبية.
7.التَّمييز البنيوي بَين المتَشابه والمثاني
ومن دقائق المنظومة التي تَستحقّ التَّوَقّف فَهم العَلاقة البنيوية بَين المتَشابه والمثاني، فقَد يَظنّهما القارئ البَسيط صفتَين منفصلتَين أَو طَبقتَين مستقلَّتَين، وهما بنيوياً بنية واحدة محكمة تَكشف منظومة البَيان في النَّصّ.
فالمتَشابه يَكشف بنيوياً طَبيعة النَّصّ في ذاته، إذ الآية المنفردة يَلتَبس عَليها المعنى فلا يَستقيم لها يَقين بمفردها، يَقف القارئ أَمامها فيَحتَمل وُجوهاً متَعَدّدة لا يَنبثق منها معنى نَقي واحد. والمثاني تَكشف بنيوياً آلية الفَكّ، إذ لكلّ آية متَشابهة مثنى آخر في النَّصّ نَفسه، باستحضاره يَتطابق المسارَان فيَزول التَّشابه ويَتَجَلَّى المعنى نَقياً، والمسارَان كلاهما من داخل النَّصّ لا يَستَورد أَحدهما من خارج، فالنَّصّ محكَم يَكفي بَعضه بَعضاً في البَيان.
والصِّفتان معاً تَنطقان بمنظومة بنيوية واحدة، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَٰبًا مُّتَشَٰبِهًا مَّثَانِىَ﴾ . فالنَّصّ متَشابه في طَبيعته، مثاني في بَيانه، فالتَّشابه حال أَوَّلية للآية المنفردة، والمثاني آلية الفَكّ باستحضار المثيل، والاثنان وَجهان لحَقيقة واحدة لا صفتان مستقلَّتان.
والقارئ الذي يَستوعب هذه البنية الموَحَّدة يَنفتح له النَّصّ بصورة محكمة، فلا يَكتفي بآية منفردة فيَزيغ بمعناها، بَل يَستحضر مثناها من داخل النَّصّ فيَفكّ التَّشابه بمسار نَصّي محكم، فيَنبثق المعنى يَقيناً، يَجمع آياته المتَماثلة في مَواضعها المتَفَرّقة لاستخراج الدَّلالة الكاملة.
8.ملاحظة بنيوية على «أُخَر»
ومن دقائق الآية البالغة الكَشف صياغة ﴿وأُخَر متَشابهات﴾ بدون أَل التَّعريف. فلَو قال النَّصّ «والأُخَر متَشابهات» بأَل التَّعريف لأَفاد الحَصر في قِسمَين فقَط، لكنّ «وأُخَر» نَكرة بنيوياً، تَدلّ على إمكانية وجود قِسم آخر مغاير لم يُذكر صَراحة في هذه الآية.
وهذا المسكوت عنه بنيوياً قَد يَكون تَفصيل الكتاب، أَو ما بَين يَديه، أَو غَيرها من طَبَقات الكتاب الجامع. فالآية لم تَستوعب كلّ المنظومة، بَل كَشفت قِسمَين رَئيسَين وفَتحت الباب لِما يَتَبَيَّن من استقراء آيات أُخرى. وهذا الانفتاح البنيوي يَتَّسق مع البنية الجامعة للكتاب التي تَأَسَّسَت في 3.3.2.1، حَيث الطَّبَقات الأَربع تَتَكامل في وَحدة محكمة.
9.القرآن ـ متَشابه مثاني لا محكَمات
ومن أَدقّ النَّتائج البنيوية لهذه الآية أَن القرآن بمعناه الكَوني القَصصي متَشابه مثاني لا محكَمات، كَما نَطَقَت به الزُّمر 23 ﴿كِتَٰبًا مُّتَشَٰبِهًا مَّثَانِىَ﴾. فالمحكَمات تَنسب للذات المطلقة بكليات أَزلية ثابتة تَستقرّ في ذاتها، والقرآن مَصدره الوجود الربوبي بآيات متَشابهة يَنبثق بَيانها من التقاء مَواضعها المتَماثلة لا من إحكامها الذاتي المنغلق.
وها هنا تَمييز بنيوي يَدفع التباساً، فالقرآن قَد يَكون محكَماً في نَصّه إحكامَ رَصانة وإتقان في اللَّفظ، لكنّه ليس من «المحكَمات» الاصطلاحية التَّشريعية، لأَن إحكام نَصّه شَيء وكَونه محكَماً بنيوياً شَيء آخر. فالمحكَم الاصطلاحي يَستقرّ معناه في نَصّه المفرد بصياغة جامعة مغلقة، أَمّا القرآن المتَشابه فلا يَستقرّ بَيانه في نَصّه المفرد بَل في بنيته ومَظانّه المتَماثلة، يَتَبَيَّن معناه بالترتيل بَين مثانيه. فالإحكام النَّصّي اللَّفظي لا يَجعله من طَبَقة المحكَمات، إذ العِبرة في موضع استقرار البَيان لا في رَصانة اللَّفظ.
وهذا تَمييز بنيوي بالغ الأَهَمّية، فالذي يَخلط بَين المحكَمات والقرآن المتَشابه يَفقد بنية الكتاب الجامع، فيَظنّ القرآن نَصاً تَشريعياً محكَماً، أَو يَظنّ المحكَمات قَصصاً وكَونيات. والآية تَفصل بَينهما بصياغة بنيوية محكمة، فالمحكَمات أُمّ الكتاب، والقرآن المتَشابه طَبَقة كَونية قَصصية يَتَبَيَّن معناها بالترتيل بَين مثانيها. وليس المراد أَن لَفظ «القرآن» أَينما وَرَد يَخلو من الإحكام، بَل المراد أَن الطَّبَقة المتَشابهة الكَونية القَصصية تَتَمَيَّز بنيوياً عن طَبَقة المحكَمات التَّشريعية داخل الكتاب الجامع الواحد.
10.الانتقال البنيوي إلى السياق الخاصّ بالمتَشابه
ها هنا انتقال بنيوي حاسم في الآية، فالشِّقّ الأَوَّل تَعريفي للكتاب الجامع بمحكَماته ومتَشابهاته، أَمّا الشِّقّ الثاني فيَنحَصر بنيوياً في المتَشابه وَحده، لأَن المحكَمات ثابتة لا تَتَشابه ولا تُؤَوَّل، فلا يَنطبق عَليها ما يَلي.
قَوله تعالى ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ .
10.1 ـ الزَّيغ ـ تَجميد المتَشابه بإغلاق تَكَشّفه الزَّمني
المتَشابه بنيوياً، كَما تَأَسَّس في البَند 6، آية يَسري فيها الزَّمن، فلا يَستقرّ معناها على رُؤية واحدة، بَل يَنفتح وَفق التَّكَشّف الزَّمني، والقَرين المثاني الفاكّ للتَّشابه يَنبثق من داخل النَّصّ، يَكشف معنى المتَشابه دون تَجميده.
أَمّا القارئ ذو القَلب الزائغ فيَأتي للنَّصّ مَحمولاً بعلوم خارجية من روايات وتَفاسير موروثة وفِكر مسبَق، فيُسقطها على المتَشابه فيُجَمّده على معنى ثابت غَير دَقيق، يَخدم رُؤيته المسبَقة، يَنقض الخاصية البنيوية للمتَشابه في السَّريان الزَّمني وقابلية التَّكَشّف.
والشاهد البنيوي آية ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾، فالقارئ ذو الزَّيغ يُسقط عَليها معنى موروثاً، الرُّوح سرّ الحياة وآدم أَوَّل بَشر، فيُغلق التَّكَشّف. أَمّا قارئ المتَشابه بآليته البنيوية فيَأتي بالقَرين المثاني ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾، فيَنفتح المعنى دون تَجميد، يَكشف الرُّوح معرفة بآلية التَّسمية، يَترك الباب مفتوحاً للتَّوَسّع عَبر الزَّمن.
10.2 ـ آلية الزَّيغ ـ ابتغاء الفِتنة وابتغاء التَّأويل
﴿ابتغاء الفِتنة﴾ استغلال الغُموض الناشئ عن تَجميد المتَشابه على معنى موروث، لإثارة الاضطراب في المنظومة.
﴿ابتغاء تَأويله﴾ فَرض معاني ذاتية من خارج النَّصّ تَوافقاً مع الرُّؤية المسبَقة، بمَعزل عن القَرين المثاني الفاكّ للتَّشابه.
10.3 ـ «ولا يَعلم تَأويله إلا الله» ـ آلية الصياغة التَّأويلية الإلهية
ومن دقائق الآية اختصاص العلم بالتَّأويل لله، والتَّحقيق البنيوي يَكشف أَن المتَشابه ومثناه مَصدرهما الوُجودي ربوبي، يَنسبان لرَبّ العالمين بفاعلية ربوبية، لكنّ الصياغة التَّأويلية الفاكّة للتَّشابه، تَركيبة المتَشابه مع قَرينه المثاني، من الله.
والتَّعضيد البنيوي القاطع قَوله تعالى ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَٰبًا مُّتَشَٰبِهًا مَّثَانِىَ﴾ ، فالحَديث وُجوداً من رَبّ العالمين، لكنّ صياغته كنص على هَيئة متَشابه ومثاني فاكّ من الله. ومن هنا لا يَعلم تَأويل المتَشابه إلا الله، لأَن آلية الصياغة الفاكّة للتَّشابه إلهية الإحكام.
10.4 ـ الراسخون في العلم ـ «كلٌّ من عند رَبّنا»
الراسخون بنيوياً العلماء البَحثيون، يَتَتَبَّعون المتَشابه ومثناه من داخل النَّصّ، ثُمَّ يُطابقون ما استَخرجوه مع الواقع المتَجَدّد عَبر الزَّمن، فيَنفتح المعنى وَفق تَكَشّفه الزَّمني. ولذلك قالوا ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾، فالسياق انحَصر في المتَشابه ومثناه بَعد الانتقال، فقَولهم «كلٌّ» يَخصّ المتَشابه ومثناه لا الكتاب الجامع. والاثنان مَصدرهما الوُجودي من عند رَبّ العالمين وُجوداً ونِظاماً، يَتَفاعلان مع السنن والزَّمن، والراسخون يُقرّون بهذه المَصدرية الربوبية، ويَتَّبعون آلية الصياغة الإلهية في فَكّ التَّشابه.
11.النَّتيجة البنيوية الجامعة
ومن اقتران كلّ ما تَأَسَّس في هذا القسم تَتَجَلَّى نَتائج بنيوية محكمة تَختمه.
الأُولى، أَن آل عمران 7 آية بنيوية محورية في فَهم منظومة الكتاب الجامع، تَكشف صَراحة قِسمَين من طَبَقاته، المحكَمات والمتَشابهات، وتَفتح الباب بصياغة «أُخَر» النَّكرة لِما يَتَبَيَّن من استقراء آيات أُخرى.
الثانية، أَن المحكَمات هي الكليات التَّشريعية الإلهية الثابتة، أُمّ الكتاب ومَرجعه، مشتَركة بَين كلّ الرسالات، تَنسب لله بمَصدرية أَمرية.
الثالثة، أَن آل عمران 7 وهود 1 آيتان متَكاملتان بنيوياً، الأُولى تَكشف التَّمييز بَين طَبَقات الكتاب، والثانية تَكشف العَلاقة البنيوية بَين الإحكام والتَّفصيل عَبر الزَّمن.
الرابعة، أَن المتَشابه ماهيته الالتباس لا المماثلة، فالآية المنفردة يَلتَبس معناها فلا يَستقيم لها يَقين بمفردها، والمماثلة بَين المَواضع آلية رَفع الالتباس لا ماهية المتَشابه. والقرآن الكَوني القَصصي متَشابه بهذا المعنى، تَتَماثل آياته في مَواضع متَعَدّدة، يَلتَقي بَعضها مع بَعض كمسارَي البَصر فتَتَجَلَّى الدَّلالة نَقية، وتَنسب لرَبّ العالمين بفاعلية ربوبية.
الخامسة، أَن المتَشابه والمثاني بنية واحدة محكمة لا صفتان منفصلتان، فالمتَشابه طَبيعة النَّصّ في ذاته إذ تَلتَبس الآية المنفردة، والمثاني آلية الفَكّ البنيوية إذ لكلّ آية مثنى باستحضاره يَتطابق المسارَان. والقرآن «متَشابه مثاني» بهذا المعنى الموَحَّد.
السادسة، أَن القرآن متَشابه مثاني لا محكَمات، وقَد يَكون محكَماً في نَصّه إحكامَ لَفظ ورَصانة دون أَن يَكون من طَبَقة المحكَمات الاصطلاحية، لأَن العِبرة في موضع استقرار البَيان، فالمحكَم يَستقرّ في نَصّه المفرد والمتَشابه يَتَبَيَّن بمَظانّه. والخَلط بَين الطَّبَقتَين يُفقد بنية الكتاب الجامع.
السابعة، أَن الزَّيغ بنيوياً يَنبثق من ذات القارئ ووَعيه المسبَق لا من النَّصّ، وآليته استيراد مسار من خارج النَّصّ ليُحَلّ محلّ المسار النَّصّي الثاني الشَّبيه للأَوَّل، فيَختَلّ التقاء المسارَين ويَزيغ المعنى عن مراده. أَمّا الراسخون في العلم فهم العلماء البَحثيون الذين يَتَرَسَّخ وَعيهم بالبَحث العَملي، يَجمعون المسارَين النَّصّيَّين من داخل النَّصّ ثُمَّ يُطابقونهما مع الواقع، فيَرَون تَجَلّي المتَشابه في الكَون والتاريخ، فيُقرّون بأَن «كلّ من عند رَبّنا» إقراراً بَحثياً عَملياً لا تَلَقّياً نَصّياً مجَرَّداً.
والقارئ الذي يَستوعب هذه المنظومة يَنفتح له الكتاب بطَبَقاته المتَكاملة، يَرى المحكَمات أَصلاً ثابتاً والمتَشابهات بَياناً وُجودياً يَلتَقي بَعضه مع بَعض، ويُمَيّز بَينهما بدقَّة بنيوية تَحفظه من الزَّيغ في تَلَقّي النَّصّ.
3.3.2.4«من الله» و«من رَبّ العالمين» ـ التَّمييز اللُّغوي البنيوي
1.مَوقع التَّمييز في منظومة الكتاب
تَأَسَّس في 3.3.2.2 معيار صفة الآية صفة مَصدرها الذي يَفصل بَين الكليات التَّشريعية الإلهية والمضامين الوُجودية الربوبية، وتَأَسَّس في 3.3.2.3 أَن آل عمران 7 تَكشف هذا التَّمييز في طَبَقات الكتاب محكَماتٍ ومتَشابهاتٍ. ومن هذا يَنتقل النَّظَر إلى تَأَمل بنيوي أَدقّ يَكشف دقَّة الصياغة القرآنية، التَّمييز اللُّغوي بَين النِّسبتَين «من الله» و«من رَبّ العالمين».
والمنهج العامّ للكتاب يَلتزم بنيوياً بقاعدة عَدم التَّرادف، فالقرآن لا يَستعمل صياغتَين مختَلفتَين للدَّلالة على المعنى نَفسه، وكلّ اختلاف في الصياغة يَكشف اختلافاً في الدَّلالة. ومن ثَمَّ تَستحقّ النِّسبتان استقراءً مستقلاً يَكشف بنيتهما.
2.«من» في اللسان العَربي ـ بُعدها البنيوي
حَرف الجَرّ «من» في اللسان العَربي يَحمل دَلالات متَعَدّدة بحَسب السياق، تَستحقّ التَّأَمل في وُجوهها قَبل التَّطبيق.
فمنها ابتداء الغاية المكانية، نَحو «خَرجت من البَيت» حَيث تَدلّ على مَكان ابتداء الفعل. ومنها ابتداء الغاية الزَّمنية، نَحو ﴿مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ حَيث تَدلّ على زَمن ابتداء الفعل. ومنها ابتداء الغاية المَصدرية، كَقَوله تعالى ﴿إِنَّهُۥ مِن سُلَيْمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ ، حَيث «من سُلَيمان» تَدلّ على مَصدرية الكتاب بنَسبه إلى سُلَيمان دون أَن يَلزم بنيوياً انتقال مكاني مباشر، فالكتاب حَمَله الهُدهد وما باشَر سُلَيمان إيصاله بنَفسه، والنِّسبة هنا أَمرية مَصدرية تَكشف صاحب الكتاب وآمره لا حركة فيزيائية في الانتقال. ومنها ما في قَوله تعالى ﴿قُلْ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ﴾ [النحل: 102]، حَيث «من رَبّك» تَدلّ بنيوياً على فاعلية مباشرة تَتَجَلَّى في الوجود بآلية مَلموسة، فالآية تَكشف الآلية صَراحة وهي رُوح القُدُس، فالنِّسبة فاعلية ربوبية تَجري في الوجود بسنن متَفاعلة مع الزَّمكان، تَستَوفي الفعل من ابتدائه إلى تَجَلّيه في الواقع، لا مَصدرية أَمرية مفارقة.
والتَّمييز بَين الوَجهَين الأَخيرَين بالغ الدقَّة بنيوياً، يَستحقّ التَّطبيق على النِّسبتَين القرآنيتَين.
3.«من الله» ـ نِسبة أَمرية مَصدرية لا مكانية
في الكتاب الجامع تَأَسَّس في الباب الثاني (2.1) أَن الله ذات مطلقة سَرمَدية خارج الزَّمكان، والذات المطلقة بنيوياً لا يَحدّها مَكان ولا زَمان لأَنها مفارقة للوجود. ومن ثَمَّ لا يُمكن أَن تَكون النِّسبة في صياغة «من الله» مكانية، إذ لا مَكان للذات المطلقة يَنطلق منه شَيء، ولا زَمنية، إذ لا زَمن لها يَنبثق منه فعل، بَل هي بنيوياً أَمرية مَصدرية، تَدلّ على أَن الأَمر صادر عن الذات المطلقة بمَعنى المَصدرية الأَمرية لا بمَعنى الانتقال من حَيّز إلى حَيّز.
فالذات المطلقة تَأمر، وما تَأمر به يَتَحَقَّق وَفق سنن الربوبية في الوجود، فالأَمر مَصدريته إلهية والآلية الفعلية ربوبية، و«من الله» تَكشف بنيوياً المَصدرية الأَمرية لا الفاعلية المباشرة. والشاهد البنيوي قَوله تعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا ٱلْأَمَٰنَٰتِ﴾ ، فالآية تَكشف أَن الأَمر بأَداء الأَمانات صادر عن الله بمَصدرية أَمرية، والفاعلية الفعلية من تَيسير الأَداء ومَجرى الأَحداث وتَفاعل الناس جارٍ بسنن الربوبية، فالمَصدر إلهي والآلية ربوبية يَتَكاملان دون تَناقض.
4.«من رَبّ العالمين» ـ فاعلية ربوبية في الوجود
وفي مقابل ذلك تَكون النِّسبة في صياغة «من رَبّ العالمين» فاعلية ربوبية مباشرة، فالربوبية بنيوياً كَما تَأَسَّس في الباب الثاني (2.1) مَقام التَّدبير في الوجود، تَفعل بسنن متَفاعلة مع الزَّمكان والمكان والثَّقافة. والربوبية لا تُفارق الوجود بَل تَتَخَلَّله بفاعليتها، تَتَفاعل مع تَطَوّر الإنسان وزَمنه ومَكانه، ومن ثَمَّ تَدلّ النِّسبة من رَبّ العالمين بنيوياً على فاعلية مباشرة تَتَجَلَّى في الوجود يَراها الإنسان ويَتَفاعل معها.
والشاهد البنيوي قَوله تعالى ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ✫ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ ✫ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ﴾
، فالآية تَكشف أَن التَّنزيل فاعلية ربوبية مباشرة تَجري عَبر آلية محَدَّدة، الرُّوح الأَمين والنُّزول على قَلب النَّبي، فالفاعلية تَتَجَلَّى في الوجود بآلية مَلموسة تَخصّ زَمن النُّزول ومَكانه.
5.التَّطبيق على منظومة الكتاب
ومن اقتران التَّمييز اللُّغوي مع منظومة الكتاب الجامع تَتَجَلَّى بنيوية محكمة في نِسبة كلّ طَبَقة.
5.1 ـ الكليات التَّشريعية تَنسب «من الله» وتَبليغها يَنسب لرَبّ العالمين
الكليات التَّشريعية ثابتة نَصاً ومعنىً عاماً، مشتَركة بَين كلّ الرسالات، مَصدريتها أَمرية إلهية تَدلّ على أَن الأَمر صادر عن الذات المطلقة بصياغة كلية ثابتة. والشاهد البنيوي على ذلك اقتران آيتَين متَجاورتَين في سورة الأَنعام تَكشفان التَّمييز بدقَّة، قَوله تعالى ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ✫ قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ .
فالآية الأُولى تَكشف المَصدرية الإلهية للجَوهر صَراحة بصياغة ﴿أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا﴾، فالتَّحريم في أَصله من الله، فهو من المحكَمات التَّشريعية الكلية التي مَصدرها الذات المطلقة. ثُمَّ تَنتقل الآية اللاحقة إلى ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾، فيَتَبَيَّن التَّمييز البنيوي، إذ صيغة الماضي «حَرَّم» تَدلّ على زَمن تَنَزَّلَت فيه المحكَمات على الرسالات السابقة، فناسَب ذلك أَن يُنسَب التَّنزيل لرَبّ العالمين توقيتاً حاصلاً في الوجود لا مَصدراً مطلقاً.
فنِسبة التَّنزيل لرَبّ العالمين لِما فيها من خاصية زَمنية تَخصّ وَقت النُّزول، تُحاكي زَمن نُزولها وتَتَناغَم مع ثَقافة المجتَمع وتَتَماهى مع أَحواله وبيئته، أَمّا المَصدرية للمحكَمات نَفسها فتَبقى إلهية لا تَتَبَدَّل. فالجَوهر المحَرَّم من الله بمَصدرية أَمرية ثابتة، وتَبليغه وتَنزيله على أُمَّة في زَمنها من رَبّ العالمين بفاعلية ربوبية تُلائم وَقت النُّزول، والاثنان متَكاملان، المَصدر إلهي والتَّبليغ الزَّمني ربوبي.
5.2 ـ القرآن الكَوني القَصصي يَنسب «من رَبّ العالمين»
والقرآن بمعناه الكَوني القَصصي فاعلية ربوبية تَتَجَلَّى في الوجود، آياته الكَونية يَراها العالم في طَبيعة الأَشياء، وقَصصه تَنطبق على سنن جارية في التاريخ، والنِّسبة فاعلية ربوبية مباشرة تَتَفاعل مع زَمن المتَلَقّي وعلومه.
والشاهد البنيوي البالغ الكَشف قَوله تعالى ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ ، فالآية تَأتي في سياق بنيوي بالغ الأَهَمّية، إذ تَستوعب سورة الشُّعراء قَبلها سَرداً قَصصياً متَنَوّعاً يَكشف سنن الأمم في تاريخها، قصَّة موسى وفرعون، ثُمَّ إبراهيم وقَومه، ثُمَّ نوح وقَومه، ثُمَّ هود وعاد، ثُمَّ صالح وثَمود، ثُمَّ لوط وقَومه، ثُمَّ شُعيب وأَصحاب الأَيكة. والقَصص بنيوياً متَنَوّع في تَفاصيله، متَّحد في كَشفه لسنن الربوبية في تَدبير مَصائر الأمم، ثُمَّ تَأتي الآية 192 لتَكشف النِّسبة الربوبية لكلّ هذا السَّرد، فالضَّمير في «وإنَّه» يَعود بنيوياً على القَصص السابق فيُؤَكّد أَن تَنزيله من رَبّ العالمين، والنِّسبة الربوبية تَنبثق هنا من طبيعة المضمون القَصصي نَفسه الذي يَكشف سنناً جارية في الوجود التاريخي.
ويُقابل ذلك بنيوياً قَوله تعالى ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ ثُمَّ ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ [الزُّمر: 2]، فالتَّنزيل في الزُّمر يَنسب لله بمَصدرية أَمرية لأَن المضمون الذي يَليه تَشريعي إلهي، إخلاص الدين وعبادة الله وأَوامر تَوحيدية ثابتة. والمقارَنة بَين الشاهدَين تَكشف أَن النِّسبة في كلّ مَوضع تَلائم طبيعة المضمون، قَصص وُجودي يَنسب لرَبّ العالمين، وتَشريع كلي إلهي يَنسب لله.
5.3 ـ التَّفصيل يَنسب «من رَبّ العالمين»
والتَّفصيل، كَما تُؤَسَّس تَفاصيله في 3.3.2.6، بَيان ربوبي للمحكَم يُحاكي زَمن إنزال الرِّسالة، والنِّسبة فاعلية ربوبية مباشرة تَتَجَلَّى في صياغة التَّفصيل المناغمة لزَمنها وثَقافتها. والشاهد البنيوي قَوله تعالى ﴿وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ ، فالآية تَكشف صَراحة النِّسبة الربوبية للتَّفصيل، تَتَّسق مع طَبيعته البنيوية المتَفاعلة مع الزَّمن.
5.4 ـ التَّمييز البنيوي بَين النِّسبة الوُجودية والنِّسبة الصياغية للمتَشابه
ومن دقائق المنظومة التي تَستحقّ التَّأسيس التَّمييز البنيوي بَين نِسبة المضمون ونِسبة الصياغة في القرآن المتَشابه، والتَّأَمل في الزُّمر 23 يَكشف هذا البُعد بصورة قاطعة، قَوله تعالى ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَٰبًا مُّتَشَٰبِهًا مَّثَانِىَ﴾ .
والآية تُنشئ سؤالاً بنيوياً، لماذا نُسب التَّنزيل هنا لله رَغم أَن المتَشابه القرآني الكَوني القَصصي يَنسب لرَبّ العالمين في مَواضع كَثيرة كالشُّعراء 192 والسَّجدة 2؟ والجَواب البنيوي يَنبثق من التَّمييز بَين بُعدَين، النِّسبة الوُجودية للمتَشابه ونِسبة صياغته. فمَصدر الحَديث الكَوني القَصصي الذي يُحاكي السنن والتاريخ من رَبّ العالمين بفاعلية ربوبية، لأَن مضمونه وُجودي يَتَفاعل مع الزَّمكان، أَمّا الصياغة التَّأويلية الفاكّة للتَّشابه، تَركيبة المتَشابه مع قَرينه المثاني في النَّصّ، فمن الله بمَصدرية أَمرية، لأَنها حكمة إلهية في إحكام صياغة النَّصّ.
ومن هنا يَتَجَلَّى أَن الزُّمر 23 لا تَنقض القاعدة العامَّة بَل تَكشف بُعداً بنيوياً مكَمّلاً لها، فـ «الله نَزَّل» تَخصّ صياغة التَّركيبة المحكمة متَشابهاً مثاني لا مَصدر الحَديث الوُجودي، فالحَديث وُجوداً من رَبّ العالمين وصياغته التَّأويلية الفاكّة للتَّشابه من الله. ويُؤَيّد هذا قَوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ ، فالتَّأويل يَخصّ المتَشابه، وعلمه لله لأَن آلية الصياغة الفاكّة للتَّشابه إلهية الإحكام، والقارئ البَنيوي يَتَتَبَّع المتَشابه ومثناه في النَّصّ فيَنفتح له المعنى بآلية الله التَّأويلية المحكمة.
والتَّمييز بَين البُعدَين يُكَمّل المنظومة بدقَّة، فالنِّسبة الوُجودية للمتَشابه ربوبية تَخصّ مَصدره ومضمونه الكَوني القَصصي، والنِّسبة الصياغية للمتَشابه إلهية تَخصّ التَّركيبة التَّأويلية المحكمة، والاثنان لا يَتَناقَضان بَل يَتَكاملان في وَحدة المنظومة الإلهية الكُبرى.
6.نِسبة الكتاب الجامع لله ـ إحالة
وقَد تَأَسَّس في مقدمة الفصل (3.3.2.1) أَن الكتاب الجامع يَنسب لله صياغةً وتَأليفاً وتَركيباً، فلا يَرد تَنزيله كنَصّ جامع منسوباً لرَبّ العالمين بَل لله حصراً بصفات الذات المطلقة، العَزيز الحَكيم والعَزيز العَليم. وإنّما يَنبثق التَّمييز الربوبي عند الدُّخول في المحتوى الداخلي، حَيث يَتَفاوَت المضمون بحَسب أَصل انبثاقه، وُجودي من داخل الزَّمكان يَنسب لرَبّ العالمين، أَو تَشريعي قِيمي من خارجه يَنسب لله، والصياغة الجامعة في الحالَين إلهية. وعلى هذا الأَصل يَجري التَّمييز اللُّغوي بَين النِّسبتَين في هذا القسم، فالنِّسبة «من الله» تَخصّ الكليات التَّشريعية ومصدريتها الأَمرية، والنِّسبة «من رَبّ العالمين» تَخصّ المضامين الوُجودية وفاعليتها الربوبية، تَطبيقاً للقاعدة الجامعة في موضعها الخاصّ.
7.النَّتيجة البنيوية الجامعة
ومن اقتران ما تَأَسَّس في هذا القسم تَتَجَلَّى نَتائج بنيوية محكمة تَختمه.
الأُولى، أَن حَرف «من» في النِّسبتَين ليس مكانياً، فالذات المطلقة مفارقة للزَّمكان لا مَكان لها يَنطلق منه شَيء، بَل «من» تَدور بَين المَصدرية الأَمرية والفاعلية الربوبية بحَسب المنسوب إليه.
الثانية، أَن «من الله» نِسبة أَمرية مَصدرية، تَدلّ على أَن الأَمر صادر عن الذات المطلقة دون انتقال من حَيّز إلى حَيّز، والآلية الفعلية لتَحَقّقه تَجري بسنن الربوبية، فالمَصدر إلهي والآلية ربوبية يَتَكاملان.
الثالثة، أَن «من رَبّ العالمين» فاعلية ربوبية مباشرة تَتَجَلَّى في الوجود بآلية مَلموسة، تَتَفاعل مع زَمن المتَلَقّي ومَكانه وثَقافته.
الرابعة، أَن الكليات التَّشريعية مَصدريتها إلهية وتَبليغها الزَّمني على الرسالات ربوبي، فالجَوهر المحَرَّم من الله، وتَنزيله على أُمَّة في زَمنها من رَبّ العالمين، كَما كَشفت آيتا الأَنعام المتَجاورتان في التَّمييز بَين ﴿أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا﴾ و﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾.
الخامسة، أَن القرآن الكَوني القَصصي وتَفصيل المحكمات يَنسبان لرَبّ العالمين لأَن مضمونهما وُجودي يَتَفاعل مع السنن، والتَّشريع الكلي يَنسب لله لأَن مَصدره الذات المطلقة، تَطبيقاً لمعيار صفة الآية صفة مَصدرها.
السادسة، أَن الزُّمر 23 تَكشف بُعداً مكَمّلاً، فالنِّسبة الوُجودية للمتَشابه ربوبية تَخصّ مضمونه الكَوني القَصصي، والنِّسبة الصياغية التَّأويلية الفاكّة للتَّشابه إلهية تَخصّ تَركيبته المحكمة، والاثنان يَتَكاملان لا يَتَناقَضان.
والقارئ الذي يَستوعب هذا التَّمييز اللُّغوي يَنفتح له النَّصّ بدقَّة بنيوية، فيَقرأ كلّ نِسبة وَفق ما تَخصّه، فلا يَخلط المَصدرية الأَمرية بالفاعلية الربوبية، ولا يَظنّ النِّسبتَين تَرادفاً، بَل يَراهما وَجهَين متَكاملَين في وَحدة المنظومة الإلهية الكُبرى.
3.3.2.5«كتاب» بأَلف مثبتة و«كتٰب» بأَلف خنجرية ـ التَّمييز الرَّسمي البنيوي
1.مَوقع التَّمييز في منظومة الكتاب
تَأَسَّسَت في الأَقسام السابقة منظومة الكتاب الجامع بطَبَقاته الأَربع (3.3.2.1)، والقاعدة المنهجية الكُبرى لصفة الآية صفة مَصدرها (3.3.2.2)، ومنظومة المحكَمات والمتَشابهات في آل عمران 7 (3.3.2.3)، والتَّمييز اللُّغوي بَين «من الله» و«من رَبّ العالمين» (3.3.2.4). ويَنتقل هذا القسم إلى تَمييز رَسمي بنيوي بالغ الدقَّة، يَكشف الرَّسم القرآني نَفسه عن مَوضع استقراء المَنسوب وآليته.
والرَّسم القرآني بنيوياً ليس عَفوياً، بَل يَحمل دَلالات تَكشف عن بنية المنظومة. والتَّمييز بَين كَلمة «كتاب» بأَلف مثبتة في الخَطّ وكَلمة «كتٰب» بأَلف خنجرية تُلفظ ولا تُرسم، من أَدقّ هذه الدَّلالات، يَستحقّ التَّأَمل البنيوي الكامل.
2.القاعدة البنيوية المستَقرَأَة ـ مَوضع الاستقراء لا نوع المضمون
من الاستقراء البنيوي للرَّسم القرآني تَتَجَلَّى قاعدة محكمة قِوامها مَوضع الاستقراء وآليته. فإثبات الأَلف في «كتاب» يَدلّ على أَن المَنسوب لا يُتَتَبَّع نَصّياً بَل يُستَقرَأ من خارج النَّصّ، من سنن الوجود وأَسبابه ومعطياته الجارية في الواقع المادي، وغياب الأَلف في «كتٰب» بأَلف خنجرية يَدلّ على أَن المَنسوب مَنظومه متَتَبَّع داخل النَّصّ، يُستَقرَأ نَصّياً بتَتَبّع المَوضوع بَين آياته.
وها هنا تَدقيق بنيوي بالغ الأَهَمّية، فالمعيار الفاصل بَين الرَّسمَين ليس نوع المضمون، بَل مَوضع استقرائه. فقَد يَرد المضمون السنني الوُجودي نَفسه بالرَّسمَين معاً بحَسب الجِهة التي يُعرَض منها. والشاهد البنيوي القاطع على ذلك اقتران شاهدَي الأَجل، فقَوله تعالى ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ يَرسمها بأَلف مثبتة، وقَوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَٰبًا مُّؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145] يَرسمها بأَلف خنجرية، ومضمونهما واحد، مجموعة المعطيات التي إذا اكتَملَت تَحَقَّق الأَجل. فلَو كان المضمون هو الفيصل لوَجَب أَن تُرسما رَسماً واحداً، لكنّ اختلاف الرَّسم مع وَحدة المضمون يَكشف أَن الفيصل مَوضع الاستقراء. فالرَّعد 38 تَعرض الأَجل كتاباً قائماً في الوجود يُستَقرَأ من خارج النَّصّ بتَتَبّع السنن في الواقع، في سياق آيات الكَون والقَدر، وآل عمران 145 تَعرضه منكَّراً في نَسق نَصّي إيماني، سياق تَثبيت المؤمنين أَن المَوت لا يَقع إلا بإذن الله بكتاب مؤَجَّل، فبَقي ضِمن العَرض النَّصّي لا الاستقراء الكَوني.
فالتَّمييز بنيوياً في مَوضع الاستقراء وآليته، لا في كَون أَحدهما حَقيقياً والآخر نَصّياً، ولا في نوع المضمون. فالكتاب بأَلف مثبتة ما يُستَبان من تَتَبّع نِظام الوجود في الواقع المادي، والكتٰب بأَلف خنجرية ما يُستَبان من تَتَبّع نِظام النَّصّ بَين آياته، والعَلاقة بَينهما عَلاقة مَوضعَي استقراء متَكاملَين، أَحدهما داخل النَّصّ والآخر خارجه في شُهود الوجود.
2.1 ـ تَمييز ثانٍ في الرَّسم ـ المعرَّف والمنكَّر
وثَمّة تَمييز ثانٍ في الرَّسم بَين «الكتٰب» معرَّفاً بأَل التَّعريف و«كتٰباً» منكَّراً، يَستحقّ ضَبطاً دَقيقاً. فالكتٰب بأَل التَّعريف كناية بنيوية عن الكتاب الجامع النَّصّي المنزَّل من عند الله بطَبَقاته الأَربع، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.1، لأَن أَل العَهدية تَصرفه إلى الكلّ الجامع المعهود.
أَمّا التَّنكير في «كتٰباً» فلا يَحمل دَلالة واحدة ثابتة، بَل يَتَعَيَّن مراده بالسياق وَحده. فقَد يَدلّ على منظومة بيانية فَرعية داخل الكتاب الجامع، كَما في قَوله تعالى ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَٰبًا مُّتَشَٰبِهًا مَّثَانِىَ﴾ ، فالسياق يَكشف أَن الحَديث عن بيان منظومة المتَشابه والمثاني داخل الكتاب لا عن الكلّ الجامع، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.3. وقَد يَدلّ على الكتاب الجامع نَفسه معروضاً منكَّراً لتَوجيه النَّظَر إلى مضمونه، كَما في قَوله تعالى ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَٰبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 10]، فالسياق يَكشف أَن المراد مجمل الكتاب الذي فيه ذِكرهم وشَرَفهم، لا جزء منه.
فالتَّنكير بنيوياً لا يَشترط الجزئية ولا يَقطع بها، بَل القرينة السياقية هي الفيصل في تَعيين مراده، أَهو منظومة داخل الكلّ أَم الكلّ الجامع نَفسه. وإنّما يَطَّرد التَّمييز في المعرَّف بأَل، إذ يَنصرف إلى الكتاب الجامع المعهود.
3.مَواضع «كتاب» بأَلف مثبتة في القرآن
تَأتي كَلمة «كتاب» بأَلف مثبتة في الخَطّ أَربع مَرّات فقَط في كلّ القرآن، كلّها بدون أَل التَّعريف، قَوله تعالى ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ، و﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: 4]، و﴿وَٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ﴾ [الكهف: 27]، و﴿طسٓ ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: 1].
والقاسم المشتَرك بَين كلّ هذه الشَّواهد أَن المَنسوب فيها يُستَقرَأ من سنن الوجود وأَسبابه ومعطياته الجارية في الواقع، لا من تَتَبّع نَصّ مكتوب بَين الآيات، فالرَّسم بأَلف مثبتة يَتَّسق بنيوياً مع كَون مَوضع الاستقراء خارج النَّصّ في شُهود الوجود.
4.الدَّلالة البنيوية ـ الأَسباب والقَوانين السننية في الوجود
«كتاب» بأَلف مثبتة يَدلّ بنيوياً على مجموعة الأَسباب والمعطيات والقَوانين السننية التي تَحكم كلّ حَدث في الوجود وكلّ اختلاف بَين الأَشياء، هو الآلية السننية المبرَمة في القَدر، التي بنفاد معطياتها يَتَحَقَّق كلّ أَمر. والشَّواهد الأَربعة تَكشف هذا المعنى، يَستحقّ التَّأَمل في كلّ منها.
4.1 ـ كتاب الأَجل في الرَّعد 38
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. كتاب الأَجل بنيوياً مجموعة المعطيات التي تَخَلَّلَت ذلك الأَجل، بنفادها يَنفد. ومثاله أَن كتاب أَجل الإنسان مجموعة معطيات حياته من صحَّته وغذائه وضُغوطه وتَوازُن جَسده وتَفاعله مع بيئته، فإذا اكتَملَت هذه الأَسباب دَنا الأَجل ولو طال، أَو قَصُر ولو لم يُتَوَقَّع. فالكتاب هنا سمة للأَجل، يَنفد بنفاد معطياته في الوجود، لا حَدَث مستقلّ مفروض من خارج.
4.2 ـ كتاب القَرية في الحجر 4
﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾. كتاب القَرية بنيوياً مجموعة أَسبابها التي تُفضي إلى هَلاكها بنفادها. والقَرية، كَما تَأَسَّس في فصل القرآن (3.3.1)، مجتَمَع أُحادي منغَلق غَير قابل للتَّطَوّر، يَحمل بذور فَنائه معه لأَنه لا يَتَناغَم مع قَوانين الوجود المتَجَدّدة. وكتابها معلوم بنيوياً، لأَنه يُستَقرَأ من السنن الكَونية المعلومة للناس، لا من غَيب مغلق.
4.3 ـ كتاب رَبّك في الكهف 27
﴿وَٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ﴾. كتاب رَبّك بنيوياً كتاب القَوانين الكَونية السننية التي يُسَيّرها رَبّ العالمين وَفق منظومة منضبطة لا تَحيد، ولا تُراعي أَسماء ولا مللاً، وكلّ من تَخَلَّلَته تلك القَوانين سَرى عَليه الكتاب بصرف النَّظَر عن انتمائه. والآية تَكشف بنيوياً اقتران الكتاب الكَوني السنني برَبّ العالمين، يَتَّسق مع نِسبة الفاعلية الربوبية للمضامين الوُجودية التي تَأَسَّسَت في 3.3.2.4.
4.4 ـ الكتاب المبين في النمل 1
﴿طسٓ ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾. الكتاب المبين الذي يَقترن بآيات القرآن هو الأَسباب والمعطيات لكلّ حَدث وكلّ تَغَيّر وكلّ أَجل في الوجود، السنن وراء كلّ اختلاف. والاقتران بالقرآن بنيوي محكم، يَكشف أَن القرآن المتَشابه الكَوني القَصصي يَقترن بالكتاب المبين السنني فيُعَضّد كلّ منهما الآخر في منظومة الوجود، فالقرآن يُنَبّه على السنن والسنن تُصَدّق القرآن بشُهودها، لا أَن أَحدهما يُستَقرَأ من الآخر.
5.صفة «المبين» ـ قابلية الاستقراء الكَوني
ومن أَدقّ ما يُلاحَظ اقتران «الكتاب» بأَلف مثبتة بصفة «المبين» في النمل 1. وهذه الصفة بنيوية لازمة، تَكشف أَن أَسباب الكتاب الكَوني ليست عَصية على الدارس، بَل تَنكَشف لمن يَتَتَبَّعها بالاستقراء.
والمَجاز البنيوي يُقَرّب المعنى، فالعالم الذي يَدرس أَسباب سُقوط وَرَقة الشَّجَر يَستَقرئ التُّربة والرياح والرُّطوبة والطَّقس وعُمر الشَّجَرة وكلّ العَوامل المؤَدّية إلى سُقوطها، فيَعلم أَنها لا تَسقط إلا بكتاب، أَي بأَسباب سننية مقدَّرة في الوجود لا عَبثاً. فالاستقراء هنا كَوني وُجودي يَتمّ من تَتَبّع الواقع المادي، لا من قراءة نَصّ مكتوب. والكتاب المبين بصفته هذه مَوضع استقراء العلماء البَحثيين الراسخين في العلم، الذين يَستقرئونه بمَنهجهم البَحثي العَملي فيَنفتح لهم بَيانه بحَسب علومهم وتَراكم ثَقافتهم، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.3.
6.«كتٰب» بأَلف خنجرية ـ النَّصّ القرآني ذاته بطَبَقاته
في مقابل «كتاب» بأَلف مثبتة، تَأتي كَلمة «كتٰب» بأَلف خنجرية تُلفظ ولا تُرسم في أَكثر من مئتَين وخَمسين مَوضعاً في القرآن، وكلّها بنيوياً تَخصّ النَّصّ القرآني ذاته وما يَحويه من طَبَقات وأَجزاء ومعطيات مضمومة بنُظُم الله وتَرتيبه، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.1 من بنية الكتاب الجامع. فمَوضع استقرائها داخل النَّصّ، يُتَتَبَّع مَنظومها بَين الآيات بالترتيل الموضوعي واقتران بَعضها ببَعض.
والشاهد البنيوي الذي يَكشف هذه البنية قَوله تعالى ﴿لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلْمِهِۦ﴾ ، فالآية تَكشف أَن النَّصّ القرآني نَزل بعلم الله، أَي بتَرتيب بنيوي محكم يَستوعب الطَّبَقات الأَربع للكتاب الجامع، يُستَقرَأ نَصّياً بمَنهج الترتيل الموضوعي كَما تَأَسَّس في 3.3.2.3.
والشَّواهد على «الكتٰب» بأَلف خنجرية متَعَدّدة، يَكفي بَعضها لكَشف القاعدة، قَوله تعالى ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ﴾ للكتاب الجامع بطَبَقاته، و﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2] للكتاب الجامع هدى للمتَّقين، و﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ﴾ [المائدة: 48] للكتاب الجامع مع تَعضيد الآيات الوُجودية، و﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [الزُّمر: 1] لتَنزيل الكتاب من الله. والقاسم المشتَرك في كلّ هذه الشَّواهد أَن المَنسوب النَّصّ القرآني نَفسه، يُستَقرَأ نَصّياً باقتران الآيات والتَّماثل البنيوي بَين المَواضع، فالرَّسم بأَلف خنجرية يَتَّسق بنيوياً مع كَون مَوضع الاستقراء داخل النَّصّ لا في الوجود المادي.
7.الانفصال البنيوي بَين الكتابَين
ومن اقتران ما تَأَسَّس تَتَجَلَّى منظومة محكمة من الانفصال البنيوي بَين الكتاب الكَوني السنني والكتٰب النَّصّي القرآني، يُمَيّزهما القارئ في ماهية كلٍّ ومَوضع استقرائه ونِسبته.
فالكتاب الكَوني السنني، بأَلف مثبتة، ماهيته القَوانين والأَسباب والنُّظُم السننية الحاكمة في الوجود، ومَوضع وُجوده الكَون نَفسه في الكتاب المبين والرَّقّ المنشور كَما تَأَسَّس في فصل القرآن (3.3.1.2)، ومَنهج استقرائه البَحث الكَوني الوُجودي بتَتَبّع السنن في الواقع المادي، ونِسبته رَبّ العالمين بفاعلية ربوبية، وصفته البنيوية «المبين» القابل للاستقراء الكَوني.
والكتٰب النَّصّي القرآني، بأَلف خنجرية، ماهيته النَّصّ المنزَّل بطَبَقاته الأَربع من المحكَمات والمتَشابهات والتَّفصيل وما بَين يَديه، ومَوضع وُجوده النَّصّ القرآني المتلوّ، ومَنهج استقرائه الترتيل الموضوعي واقتران الآيات والتَّماثل البنيوي بَين المَواضع، ونِسبته لله صياغةً وتَأليفاً للكلّ الجامع كَما تَأَسَّس في 3.3.2.1، مع تَفاوت مصدرية المضمون داخلياً بحَسب طَبَقاته، إلهية للمحكَمات والمستَجَدّ وربوبية للمتَشابهات والتَّفصيل.
والعَلاقة البنيوية بَين الكتابَين تَكامل لا تَعارض، فالنَّصّ القرآني يُنَبّه على الكتاب الكَوني ويُحيل القارئ على استقرائه من الوجود، والكتاب الكَوني يُعَضّد النَّصّ بشُهود الوجود. وعَدم الخَلط بَينهما شَرط بنيوي لكلّ فَهم منهجي للمنظومة، فمن اختزل الكتاب الكَوني في النَّصّي فَقَد البُعد السنني للوجود، ومن اختزل النَّصّي في الكَوني فَقَد طَبَقات النَّصّ التَّشريعية والمعرفية المنزَّلة بعلم الله.
8.التَّطبيق البنيوي ـ كَيف يَستقرئ القارئ كلّ كتاب
ومن اقتران المنظومة المحكمة يَتَجَلَّى مَنهج بنيوي للقارئ في الانتقال بَين مَوضعَي الاستقراء.
فحين يَبحث عن سنن الوجود وقَوانين الكَون من أَسباب الأَحداث وآلية الأَجل وأَسباب هَلاك الأمم وقَوانين التَّفاعل الكَوني، يَتَتَبَّعها كَونياً من الواقع نَفسه، والقرآن في هذا السياق يُؤَدّي وَظيفة التَّنبيه على وُجود الكتاب الكَوني، يَدلّ القارئ على بَحثه في الوجود لا على تَفصيل محتَواه نَصّياً. وحين يَبحث عن طَبَقات الكتٰب النَّصّي من المحكَمات والمتَشابهات والتَّفصيل وما بَين يَديه، يَتَتَبَّعها نَصّياً من القرآن نَفسه بالترتيل الموضوعي واقتران الآيات واستخراج النَّسق الداخلي للنَّصّ.
والمَنهجان متَكاملان لا متَعارضان، فالقارئ البَنيوي يُتقن الانتقال بَينهما فيَستقرئ كلّ كتاب بمَنهجه الذي يُلائم مَوضعه، ويُتمّ بنيوية الفَهم بمطابقة النَّصّ مع الواقع كَما تَأَسَّس في 3.3.2.3 من مَنهج الراسخين في العلم الذين يَجمعون استقراء النَّصّ مع البَحث الكَوني العَملي.
9.النَّتيجة البنيوية الجامعة
ومن اقتران كلّ ما تَأَسَّس في هذا القسم تَتَجَلَّى نَتائج بنيوية محكمة تَختمه.
الأُولى، أَن الرَّسم القرآني بنيوياً يَحمل دَلالة تَكشف مَوضع استقراء المَنسوب، فإثبات الأَلف يَدلّ على ما يُستَقرَأ من خارج النَّصّ في سنن الوجود، وغيابها يَدلّ على ما يُستَقرَأ من داخل النَّصّ بَين آياته.
الثانية، أَن المعيار الفاصل بَين الرَّسمَين مَوضع الاستقراء لا نوع المضمون، إذ قَد يَرد المضمون السنني الواحد بالرَّسمَين، كَما في كتاب الأَجل المرسوم مثبتاً في الرَّعد 38 وخنجرياً في آل عمران 145، فالأَوَّل عَرضه كَوني يُستَقرَأ من الوجود، والثاني عَرضه نَصّي في سياق إيماني.
الثالثة، أَن «كتاب» بأَلف مثبتة في أَربعة مَواضع فقَط، الرَّعد 38 والحجر 4 والكهف 27 والنمل 1، يَدلّ على القَوانين والأَسباب السننية المقَدَّرة في الوجود، التي تُستَقرَأ كَونياً من الواقع المادي، ويَنسب لرَبّ العالمين بفاعلية ربوبية.
الرابعة، أَن «كتٰب وكتباً بأَلف خنجرية» بأَلف خنجرية في أَكثر من مئتَين وخَمسين مَوضعاً يَدلّ على النَّصّ القرآني ذاته بطَبَقاته الأَربع المضمومة بنُظُم الله وتَرتيبه، كَما تَكشف صياغة ﴿أَنزَلَهُۥ بِعِلْمِهِۦ﴾ ، يُستَقرَأ نَصّياً بالترتيل الموضوعي.
الخامسة، أَن «الكتٰب» معرَّفاً بأَل يَنصرف إلى الكتاب الجامع المعهود، أَمّا «كتٰباً» منكَّراً فلا يَقطع التَّنكير فيه بجزئية ولا كلّية، بَل القرينة السياقية تُعَيّن مراده، أَهو منظومة داخل الكلّ كالزُّمر 23، أَم الكلّ الجامع نَفسه كالأَنبياء 10.
السادسة، أَن صفة «المبين» في النمل 1 تَكشف قابلية الكتاب الكَوني للاستقراء البَحثي، يَنفتح بَيانه للراسخين في العلم الذين يُطابقون النَّصّ مع الواقع.
السابعة، أَن الكتاب الكَوني يَنسب لرَبّ العالمين بفاعلية ربوبية لأَن مَوضعه الوجود، والكتٰب النَّصّي يَنسب لله صياغةً وتَأليفاً للكلّ الجامع مع تَفاوت مصدرية مضمونه داخلياً، تَطبيقاً للتَّمييز الذي تَأَسَّس في 3.3.2.1 و3.3.2.4.
الثامنة، أَن العَلاقة بَين الكتابَين تَكامل لا تَعارض، فالنَّصّ يُنَبّه على الكتاب الكَوني والكتاب الكَوني يُعَضّد النَّصّ بشُهود الوجود، وعَدم الخَلط بَينهما شَرط بنيوي لفَهم منظومة الكتاب الجامع.
والقارئ الذي يَستوعب هذا التَّمييز الرَّسمي يَنفتح له الكتاب بطَبَقاته المتَكاملة، يَرى الكتاب الكَوني آلية الربوبية في تَدبير الوجود بقَوانين سننية محكمة، ويَرى الكتٰب النَّصّي تَنزيلاً إلهياً بعلمه يَستوعب طَبَقاته الأَربع، ويَجمع بَينهما في منظومة جامعة تَكشف وَحدة المَصدر الإلهي الكُبرى عَبر طَبَقاتها المتَنَوّعة.
3.3.2.6تَفصيل الكتاب ـ بَيان المحكَم في كلّ زَمن
1.مَوقع التَّفصيل في منظومة الكتاب
تَأَسَّسَت في الأَقسام السابقة منظومة الكتاب الجامع بطَبَقاته الأَربع (3.3.2.1)، والقاعدة المنهجية الكُبرى لصفة الآية صفة مَصدرها (3.3.2.2)، ومنظومة المحكَمات والمتَشابهات (3.3.2.3)، والتَّمييز اللُّغوي «من الله» و«من رَبّ العالمين» (3.3.2.4)، والتَّمييز الرَّسمي بَين الكتاب الكَوني والكتٰب النَّصّي (3.3.2.5). ويَنتقل هذا القسم إلى الطَّبَقة الثالثة من الكتاب الجامع، تَفصيل الكتاب، يَستحقّ التَّأَمل البنيوي الكامل في ماهيته ونِسبته وآلية تَجَلّيه.
2.التَّمييز البنيوي ـ التَّفصيل ليس المستَجَدّ التَّشريعي
من الصياغات التي تَتَكَرَّر في القرآن بصورة لافتة صياغة «تَفصيل الكتاب»، وقَد يَختزلها القارئ البسيط في معنى المستَجَدّ التَّشريعي وهو ما بَين يَدَي الكتاب، فيَخلط بَين المفهومَين، لكنّ الاستقراء الداخلي يَكشف فَرقاً بنيوياً جَوهرياً يَستحقّ التَّوَقّف. والتَّفصيل في اللسان العَربي من جَذر «ف-ص-ل» يَدلّ على التَّمييز والإبانة، أَي فَصل المضمون عن إجمالِه إلى تَفاصيله، ومن ثَمَّ ليس التَّفصيل مضموناً جَديداً مستقلاً عن المحكَم، بَل بَيان داخلي للمحكَم نَفسه يَكشف دَقائقه ويُمَيّز مَواضعه. والفَرق البنيوي الجَوهري أَن التَّفصيل يَنبثق من داخل المحكَم نَفسه فيَكشف دَقائقه ويُبَيّن مَواضعه، مرتَبطاً بالمحكَم بعَلاقة البَيان الداخلي، أَمّا ما بَين يَديه فتَشريع مجَرَّد مستقلّ مخصوص بالرِّسالة المحَمَّدية، يَنزل بصياغته النِّهائية لا بَياناً لمحكَم سابق، يَستحقّ التَّأسيس البنيوي في القسم 3.3.2.7. والمثال الكاشف أَن تَحريم الدَّم في المحكَم الإلهي يُفَصَّل بأَنه الدَّم المسفوح تَحديداً، فالتَّفصيل هنا ليس حُكماً جَديداً يُضاف إلى تَحريم الدَّم، بَل بَيان لمعنى الدَّم المحَرَّم نَفسه، يَكشف أَن المحَرَّم هو المسفوح تَحديداً لا كلّ دَم، وهذا تَفصيل للمحكَم ذاته يَنبثق منه ويَكشف دَقائقه لا يَأتي من خارجه.
2.1 ـ مضمون المحكَمات ـ الكليات الثابتة والمحرَّمات، وضابط الكلية الأَزلية
المحكَمات بنيوياً مضمونها الكليات التَّشريعية الثابتة، الآمرة منها والعَقدية، مضافاً إليها المحرَّمات، فهي تَستوعب الأَمر القِيمي والكلية العَقدية والنَّهي عن المحَرَّم في وَحدة جامعة، كلُّها ثابتة أَزلية مشتَركة بَين الرسالات. ومن أُسُس هذه المنظومة أَن الإحكام والتَّفصيل متَلازمان في كلّ محكَم، بنَصّ ﴿كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ، فكلّ آية محكَمة لها تَفصيل أَو وَجَب لها تَفصيل يُبَيّن مَناطها في كلّ زَمن، لا تَختصّ بذلك المحرَّمات وَحدها. ومن هنا يَتَبَيَّن أَن المحرَّمات صنف من المحكَم العامّ المفصَّل لا حالة خاصَّة، يَكشف ذلك قَوله تعالى ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: 119]، فالآية تَنطق بأَن المحرَّمات قَد فُصّلَت ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾، ولمّا كان التَّفصيل لا يَرد إلا على المحكَم بنَصّ هود 1، كان كَون المحرَّمات مفصَّلةً دَليلاً على دُخولها في عموم المحكَم المفصَّل، فهي مصداق من مصاديقه لا بابٌ مستقلّ، فالمحرَّمات مفصَّلة وكلّ مفصَّل محكَم، فالمحرَّمات محكَمات، صنف من المحكَم العامّ لا حدُّه الجامع.
على أَن هذا يَكشف أَن المحكَم أَوسع من أَن يُختزل في المحرَّمات، فالكليات الآمرة القِيمية كَقَوله تعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ محكَمة آمرة لا نَهي فيها عن محَرَّم، فهي صنف من المحكَم غَير صنف المحرَّمات.
وهنا تَمييز بنيوي بَين الإحكام والأَزلية الإلهية، فالإحكام صفة إتقان ومرجعية ومَنع من النَّقض، من جَذر «ح-ك-م»، لا صفة زَمن، والأَزلية الإلهية صفة أَعلى تَعني الثَّبات عَبر كلّ الرسالات بنِسبة إلهية مباشرة. فليست كلّ المحكَمات أَزلية تَكتسب أَزليتها من الله مباشرةً، إذ قَد يَكون النَّصّ محكَماً ثابتاً نَصاً ومعنىً وهو مَصوغ في سياق تَبليغ ربوبي لا في صيغة الكلية الأَزلية. والأَزلية الإلهية الخبرية لا تَثبت إلا باجتماع ثَلاثة شُروط متَضافرة. الأَوَّل صيغة اسمية مؤَكَّدة بـ«إنّ» تُفيد الثُّبوت. والثاني متعلَّق مطلق مجَرَّد، قيمة أَو وَصف ثابت لا فعل ظَرفي مقَيَّد بمخاطَب. والثالث، وهو الفيصل الأَعلى، أَن يَكون المتَكَلّم هو الله عن نَفسه لا متَكَلّماً زَمنياً يَحكي عن الله في مَوقف، إذ صفة المتَكَلّم تَنتقل إلى خَبَره، فالمتَكَلّم الزَّمني يَصبغ خَبَره بالظَّرفية ولو كان عن الله، والمتَكَلّم الأَزلي يَصبغ خَبَره بالأَزلية، كَما يَنطق النَّصّ بمتَكَلّمه ذاتاً في قَوله تعالى ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ﴾ . ويَتَجَلَّى الضابط في تَقابل الشَّواهد، ففي قَوله تعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ﴾ [البقرة: 132] المتَكَلّم يَعقوب يَحكي وَصيته لبَنيه، فصفة المتَكَلّم زَمنية فانتَفَت الأَزلية وإن صحّ المضمون لأَنه منقول في سياق حكاية. بإزاء ذلك قَوله تعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ﴾ [النحل: 90] و﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾، المتَكَلّم فيهما الله عن نَفسه فالخَبَر أَزلي بأَزلية مَصدره، كلية ثابتة لا تَتَقَيَّد بزَمن. على أَن المتَكَلّم الأَزلي شَرط لازم لا كافٍ، فقَد يَكون المتَكَلّم الله عن نَفسه ويَختلّ الشَّرط الثاني فلا تَثبت الكلية، كَما في قَوله تعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: 33]، فالمتَكَلّم فيها الله عن نَفسه لكنّ المتعلَّق فعل ماضٍ واقع على أَعلام مخصوصة بأَعيانها، فهو خَبَر عن وقائع اصطفاء تاريخية لا كلية أَزلية، إذ الفعل الماضي الواقع على أَعيان مخصوصة يَدلّ على حَدَث تاريخي ولو كان المتَكَلّم هو الله. ومن ثَمَّ لا تَثبت الأَزلية الإلهية الخبرية إلا باجتماع الشُّروط الثَّلاثة، فانتفاء أَيّ واحد يُسقطها، فالبقرة 132 اختَلَّ فيها المتَكَلّم، وآل عمران 33 اختَلَّ فيها المتعلَّق، والنحل 90 اجتَمَعَت فيها الثَّلاثة فثَبَتَت. على أَن هذه الشُّروط تُثبت الأَزلية لا النِّسبة، إذ تَبقى النِّسبة تابعةً لطبيعة المضمون كَما تَأَسَّس في 3.3.2.2، فالنحل 90 كلية إلهية لقِيمية مضمونها، والأَنعام 95 كلية ربوبية لكَونية مضمونها.
3.الشاهد البنيوي المركزي ـ هود 1
من أَدقّ الشَّواهد البنيوية على منظومة التَّفصيل قَوله تعالى ﴿الٓر ۚ كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ، والآية تَكشف بنيوياً منظومة محكمة تَجمع طَبَقات ثَلاثاً، تَستحقّ التَّأَمل المتَتابع في كلّ منها.
3.1 ـ الإحكام السابق ـ المحكَم الإلهي الثابت
﴿كِتٰب أُحكمَت آياته﴾. والإحكام بنيوياً من جَذر «ح-ك-م» يَدلّ على الإتقان والمَنع من النَّقض، والآيات المحكَمة بنيوياً كَما تَأَسَّس في 3.3.2.3 الكليات التَّشريعية الإلهية الثابتة، أُمّ الكتاب ومَرجعه. والإحكام بنيوياً سابق زَمنياً على التَّفصيل بصورة حَقيقية لا بمجَرَّد التَّرتيب الذاتي، لأَن المحكَم نَفسه كتَحريم الميتة وتَحريم القَتل والإحسان للوالدَين نَزل في كلّ الرسالات السابقة بنَصّ ثابت ومعنىً عامّ ثابت، نَزل على نوح وعلى إبراهيم وعلى موسى وعلى عيسى وعلى محمد، فالنَّصّ المحكَم واحد عَبر كلّ الرسالات، يَتَكَرَّر إنزاله مع كلّ رِسالة، يَنسب لله بمَصدرية أَمرية.
3.2 ـ «ثُمَّ» ـ التَّرتيب الزَّمني الحَقيقي
والحَرف «ثُمَّ» في الآية مَفصل بنيوي بالغ الأَهَمّية، والاستقراء النَّصّي يَكشف أَنها في اللسان العَربي تَفيد التَّرتيب والمهلة الزَّمنية، فيَكون الإحكام سابقاً على التَّفصيل زَمنياً بصورة حَقيقية لا بمجَرَّد التَّرتيب البنيوي الذاتي. ومن ثَمَّ تَكشف «ثُمَّ» منظومة بنيوية، أَن المحكَم أُحكم أَوَّلاً في الرسالات الماضية فنَزل بنَصّه ومعناه العامّ في كلّ رِسالة، ثُمَّ فُصّل في الرِّسالة المحَمَّدية بصورة تُحاكي زَمنها، يَختَلف هذا التَّفصيل بالضَّرورة عن تَفصيل الرسالات السابقة لأَنه نَزل في زَمن مغاير لزَمن تلك الرسالات.
3.3 ـ التَّفصيل اللاحق ـ بَيان ربوبي مناغم لزَمن الرِّسالة، ومَصدره الجامع
﴿ثُمَّ فُصّلَت من لَدن حَكيم خَبير﴾. والتَّفصيل بنيوياً بَيان ربوبي للمحكَم يَتَماهى مع زَمن كلّ أُمَّة، فالتَّفصيل الذي جاء للنبي محمد ليس هو التَّفصيل الذي جاء لنوح، وكلّ رِسالة لها تَفصيلها الذي يُحاكي زَمنها وثَقافة أُمَّتها. والتَّفصيل لأَنه يَكتسب في بنيته صفة التَّماهي الزَّمني يَنسب بنيوياً لرَبّ العالمين، لأَن التَّماهي مع الزَّمن صفة ربوبية لا إلهية، فالمحكَم لا يَتَغَيَّر نَصاً ولا معنىً عاماً لكنّ تَفصيله يَتَماهى مع زَمن كلّ أُمَّة، فيَناسب نِسبته للوَجه الربوبي المسَيّر للوجود بسنن متَفاعلة مع الزَّمكان، كَما يَنطق به صَريحاً قَوله تعالى ﴿وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ ، فالنِّسبة الربوبية للتَّفصيل مَنصوصة لا مستنبَطة. ويَتَأَكَّد هذا الجَمع بَين الإحكام الإلهي والتَّفصيل الربوبي في دقائق صياغة هود 1 نَفسها ﴿من لَدن حَكيم خَبير﴾، فالصفتان تَستوعبان الثَّبات والمرونة معاً، الحكمة صفة الذات المطلقة في إحكام الأَمر تَلائم سياق الإحكام السابق، والخبرة صفة الربوبية في تَدبير الوجود بسنن متَفاعلة تَلائم سياق التَّفصيل اللاحق، والمَصدر الجامع للاثنَين يَكشف وَحدة المنظومة الإلهية الكُبرى، إذ الإحكام الإلهي والتَّفصيل الربوبي يَنبثقان من مَصدر واحد، يَتَكاملان في وَحدة بنيوية محكمة لا تَناقض فيها.
4.التَّفصيل الربوبي «أَحسن ما أُنزل» ـ علّة تَفَوّقه على تَفصيل البَشر
وها هنا يَنفتح بُعد بنيوي يَكشف علّة النِّسبة الربوبية للتَّفصيل ووَجه تَفَوّقه، قَوله تعالى ﴿وَٱتَّبِعُوٓا۟ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ . فالنَّصّ يَأمر باتّباع أَحسن ما أُنزل من رَبّ العالمين، وهو أَحسن ما تَنَزَّل من تَفصيل للمحكَم، آخِر ما استَجَدّ زَمنياً ونَزل على النَّبي محمد. وعلّة كَونه أَحسن بنيوية محكمة، أَن التَّفصيل الربوبي يَأخذ في حُسبانه تَطَوّر الأمم عَبر الزَّمن، فيَترك الباب في تَفصيل المحكَم مواربًا لا مغلقًا، ليَتَناغَم مع كلّ أُمَّة في زَمنها، بخِلاف تَفصيل البَشر المحبوس في ثَقافة عَصره.
ويُقَرّب المَجاز هذا المعنى، فالعالم المتَمَكّن إذا فَصَّل محكَماً للناس في زَمنه فأَصاب الفَهم والتَّفصيل بما يُلائم عَصره، فإنه لا يَملك أَن يُفَصّله بغَير زَمنه بطَبيعة الأَمر، فإذا مَرَّ على تَفصيله مئتا عام أَو خَمسمئة، وتَغَيَّرَت الثَّقافة وتَطَوَّرَت الأمم، لم يَعد فَهمه مناسبًا لأُمَّة تَأَخَّرَت عنه تلك القُرون، ولم يَتَناغَم تَفصيله مع ثَقافتها، لأَنه فَصَّل بما يُلائم الثَّقافة التي عاش فيها وَحدها. ومن هنا يَتَبَيَّن لماذا حَدَّد النَّصّ أَن تَفصيل الكتاب لا ريب فيه من رَبّ العالمين، إذ الربوبية بتَفصيلها تَأخذ في الاعتبار تَطَوّر الأمم وتَترك التَّفصيل مفتوحًا متَناغمًا مع كلّ زَمن، وهذا هو أَحسن ما أُنزل.
ومن ثَمَّ نَهى النَّصّ عن اتّباع الأَولياء من دونه في قَوله تعالى ﴿ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ، لا لأَن فَهم الأَولياء في زَمنهم خاطئ بالضَّرورة، بَل لأَن تَفصيلهم البَشري مهما بَلَغ من العلم لا يَستطيع أَن يَتَناغَم مع أُمَم قادمة بَعدهم، فيَنحبس في عَصره ويَعجز عمَّا بَعده، أَمّا التَّفصيل الربوبي فيَستوعب الأَزمنة كلَّها بانفتاحه المحكم.
5.التَّفصيل يَمتدّ إلى كلّ صور المحكَم التَّشريعي
والتَّفصيل لا يَختزل في صنف المحرَّمات وَحده، بَل يَمتدّ إلى كلّ صور المحكَم التَّشريعي، فيَشمل الكليات الناهية كتَحريم القَتل والسَّرقة والزِّنا والفواحش، والكليات الآمرة كالإحسان للوالدَين وإيتاء ذي القُربى، والكليات العَقدية الثابتة. وكلُّها محكَم إلهي يُفَصَّل ربوبياً بحَسب زَمن المتَلَقّي وعلومه، يَنزل تَفصيله مناغماً لكلّ رِسالة، كَما يَتَجَلَّى في تَفصيل الميتة في الأَنعام 145 الذي يَأتي تَطبيقه في البند التالي، وفي تَفصيل الإحسان للوالدَين الذي يَأتي في البند السابع.
6.تَفصيل الميتة ـ الرِّجس والفِسق وحالة الحَيوان قَبل الإماتة
بعد أَن تَأَسَّس في البند السابق أَن التَّفصيل يَجري بالعلّة لا بالأَعيان، يَنفتح تَطبيقه الكامل على الميتة بدقَّة بنيوية تَستحقّ التَّأَمل المتَتابع. فالآية المحكَمة من الله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ﴾ تَتَضَمَّن التَّحريم الكلي بصورة مجَرَّدة، محكَم يَنزل في كلّ الرسالات بنَصّه ومعناه العامّ، لكنّ صياغته تُنشئ سؤالاً للمتَلَقّي، ما المقصود بالميتة تَحديداً، أَكلّ مَيتة أَم نَوع مخصوص. والمعنى العامّ للتَّحريم ثابت لا يَتَغَيَّر، وإنّما يَتَماهى مع الزَّمن تَفصيله البَياني الذي يُحَدّد أَيّ ميتة، فجاء التَّفصيل الربوبي في الأَنعام 145 يُحاكي زَمن الرِّسالة المحَمَّدية، يَكشف العلّة لا يَحصرها في فَهم زَمن بعَينه.
6.1 ـ معنى الرِّجس بالاستقراء النَّصّي
والرِّجس في الاستقراء الداخلي يَنبثق معناه من اقتران مَواضعه، كَقَوله تعالى ﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ﴾ ، فالاستقراء يَكشف أَن الرِّجس بنيوياً اختلاط وعَدم وُضوح يُفضي إلى فُقدان الرُّؤية المنطقية والانضباط. ويَتَجَلَّى في كلّ مَوضع، فرِجس الخَمر السُّكر الذي يُغلق العَقل فتَنبثق تَصَرّفات غَير منضبطة تَختَلط فيها الأُمور، ورِجس الميسر الضَّغط النَّفسي والتَّهَيّج الذي يُخرج المتَلَقّي عن السَّيطرة، وكلاهما حالة اختلاط تَفقد فيها المنظومة الفِكرية والسُّلوكية وُضوحها وانضباطها. ومن هذا المفهوم يُتَدَبَّر ﴿فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ﴾ في سياق الميتة، فالاقتران بَين الميتة والرِّجس يَكشف علّة التَّحريم لا يَجعلها شَرطاً متَغَيّراً، إذ العامل الذي أَدّى إلى المَوت من وَباء أَو مَرض أَو تَسَمّم أَو عامل خَفيّ يَكون مؤذياً للإنسان، ولا يَملك آلية كَشفه بدقَّة، فيَكون اللَّحم رِجساً بنيوياً، اختلاطاً بَين ما يَضرّ وما لا يَضرّ لا تَمييز فيه.
6.2 ـ ما هي الميتة، وحالة الحَيوان قَبل الإماتة
والميتة بنيوياً، وَفق الاستقراء، ما ماتَ بنَفسه بسَبَب عامل أَدّى إلى وَفاته دون قَصد الإنسان لإيماتته للأَكل، وعلّة تَحريمها أَن العامل الذي أَماتها قَد يَكون ضاراً خفياً يَعجز الإنسان عن كَشفه، فيَكون اللَّحم رِجساً. ومن هذا التَّأسيس يَتَبَيَّن أَن العِبرة بنيوياً في حالة الحَيوان قَبل الإماتة لا في طَريقتها، فما كان سَليماً على قَيد الحياة ثُمَّ أُميتَ بقَصد الأَكل لا يَدخل تَحت الميتة المحَرَّمة أَياً كانت طَريقة إماتته، ما دامَت رحيمةً لا تَعذيب فيها، إذ الطَّريقة الرحيمة مَقبولة بنيوياً بلا ريب، ولا تَكون هي الأَصل في كَون الذَّبيحة حلالاً أَو حراماً. فالأَصل حالة الحَيوان قَبل الإماتة، سَليماً كان أَم ماتَ بعلّة خفية، لا آلية الإماتة نَفسها. ومن ثَمَّ صَيد السَّمك سَليم بنيوياً لأَنه على قَيد الحياة قَبل صَيده والصَّيد طَلَب للأَكل، يَتَّسق مع ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ﴾ ، وذَبح الشاة بأَيّ طَريقة فَنّية أَو علمية رحيمة لا يَدخل تَحت الميتة لأَنها كانت سَليمة على قَيد الحياة والإماتة بقَصد الأَكل، فاشتراطُ طَريقةٍ محَدَّدةٍ يَنأى عن المنظومة البنيوية، إذ يَجعل العِبرة في آلية الإماتة بدلاً من حالة الحَيوان قَبلها.
6.3 ـ معنى الفِسق ـ الخُروج عن الأَصل
والفِسق في الاستقراء الداخلي يَنبثق معناه من جَذر «ف-س-ق» الدالّ على الخُروج عن الأَصل في الأَمر، فالفاسق من خَرج عن مَنهاج الله وشَرعه، أَي أَخرج الأَمر عن أَصله الذي خُلق له. وفي سياق الأَنعام 145 يَتَجَلَّى الفِسق في وَجهَين متَكاملَين. الأَوَّل خُروج المطعوم عن أَصله الصحّي، فما فَسد وانتَهَت صلاحيته خَرج عن نَقائه الذي خُلق عَليه فصار ضاراً بَيّن الضَّرَر، بخِلاف الرِّجس الذي يَخفى ضَرَره ويَلتَبس. والثاني خُروج الذَّبح عن غايته الوُجودية، فالأَنعام سُخّرَت للإنسان لغاية محَدَّدة، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿وَٱلْأَنْعَٰمَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ، فالأَصل في وُجودها الانتفاع بها بالتَّغذية والكِسوة والمَنافع، فإذا ذُبحَت لغَير غايتها خَرَجَت عن أَصلها فكانت فِسقاً.
6.3.1 ـ تَجَلّيات الفِسق و«أُهلّ لغير الله به»
ويَستوعب الفِسق بنيوياً كلّ خُروج عن غاية الأَنعام، من الذَّبح على النُّصُب تَقرّباً لأَوثان، أَو الذَّبح لأُمور فِكرية لا تُحَقّق انتفاعاً إنسانياً، أَو الذَّبح للتَّباهي الذي يَهدر الأَنعام دون انتفاع، أَو أَيّ ذَبح لا يَنتفع به الإنسان فيَكون هَدراً وإخراجاً للشَّيء عن أَصله. والصياغة في النَّصّ ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ﴾ تَكشف منظومة محكمة، فـ«فِسقاً» مفهوم عامّ يَستوعب كلّ خُروج عن الأَصل، و﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ﴾ تَفصيل لتَجَلٍّ بارز من تَجَلّيات الفِسق في زَمن النُّزول، وهو ما ذُبح تَقرّباً لغَير الله، فهي صنف من الفِسق لا وَصف جامع لعلّتَي التَّحريم. والفِسق بنيوياً يُخلّ بالتَّوازن، بيئياً لأَن الأَنعام جُزء من المنظومة الكَونية فهَدرها يُخلّ بتَوازن البيئة، وإنسانياً لأَن ذَبحها لغَير غايتها يُحَوّلها من انتفاع إلى تَبَذير وتَكَبّر، واستهلاكياً لأَنها مَورد رَزق سَخَّره الله فهَدرها يَكسر هذا التَّسخير.
6.4 الخُلاصة الجامعة ـ التَّفصيل بالعلّة لا بالأَعيان
ومن اقتران ما تَأَسَّس في تَعريف الرِّجس والميتة والفِسق وحالة الحَيوان قَبل الإماتة، تَتَجَلَّى الخُلاصة البنيوية الكُبرى، أَن التَّفصيل الربوبي في الأَنعام 145 جاء بالعلّة لا بالأَعيان، فدامَت صلاحيته لكلّ زَمن، قَوله تعالى ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . فالنَّصّ يُفَصّل الدَّم بـ«مسفوحاً» تَحديداً، أَي الخارج بفعل الذَّبح، لا ما بَقي في اللَّحم والعُروق بَعد السَّفح، ثُمَّ يُفَصّل علّة التَّحريم بصيغة ﴿فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾، والضَّمير في «فإنّه» عائد على المحَرَّم ذاته، و«أو» تَكشف علّتَين بديلتَين لا تَعداداً لأَصناف، الرِّجس ضَرَر خفيّ ملتَبس يَخفى سَببه، والفِسق فساد بَيّن أَو خُروج عن الأَصل.
ومن ثَمَّ يَنفتح التَّفصيل على كلّ ما يَتَماثل في العلّة في كلّ عَصر، فلَو حُصر الفَهم في تَفصيل السابقين، ولو أَصابوا حقّ زَمنهم، لفاتَنا أَن التَّحريم يَشمل كلّ مطعوم يَحمل العلّة نَفسها دَواءً كان أَو غِذاءً، فنَتَوَهَّم حِلّ الأَدوية الفاسدة والأَطعمة المنتهية الصلاحية وكلّ ما خالَطه وَباء أَو مَرض أَو خَلطة ضارَّة. فما كان ضَرَره خفياً ملتَبساً يوجب الحَذَر والفَحص والتَّدقيق فهو رِجس، وما فَسد في أَصله وانتَهَت صلاحيته فهو فِسق محَرَّم بَيعه والعَمل فيه وتَناوله. ثُمَّ تَختم الآية بالنِّسبة الربوبية الصَّريحة ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، فالمضطرّ غَير الباغي ولا العادي معذور، ومن تَأَذَّى بتَهاونه فأَصابه الضَّرَر فأَمره إلى الطِّبّ والسنن، إذ الله لا يَتَدَخَّل في مَجرى السنن الذي خالَفه العبد باختياره. وهذه النِّسبة الربوبية في الخاتمة تَتَطابق مع كَون التَّفصيل ربوبياً يُحاكي زَمن المتَلَقّي بعلّته المنفتحة، لا إلهياً مغلقاً على أَعيان.
6.5 ـ التَّمييز البنيوي بَين التَّفصيل النَّصّي والتَّكَشّف الزَّمني
وها هنا تَمييز بنيوي بالغ الأَهَمّية يَستحقّ التَّأسيس. فالتَّفصيل النَّصّي بَيان ربوبي نَزل في النَّصّ بصياغته النِّهائية في زَمن الرِّسالة يُحاكي زَمنها وثَقافة أُمَّتها، مكتمل في النَّصّ لا يُضاف إليه ولا يُنقَص منه بَعد نُزوله، ومَوضعه المحكَم التَّشريعي. ويُقابله التَّكَشّف الزَّمني، آلية مغايرة لا تَجري في النَّصّ بَل في الواقع الكَوني عَبر العُصور، تَكشف للمتَلَقّي في كلّ عَصر طَبَقات أَعمق للمتَشابه القرآني الكَوني القَصصي بحَسب علوم عَصره، ومَوضعها الآيات الكَونية لا المحكَمات. والشاهد البنيوي على التَّكَشّف الزَّمني قَوله تعالى ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ✫ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ، فالنُّجوم والإنشاء من نَفس واحدة آيتان كَونيتان، و﴿فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ﴾ فيهما تَمييز للآية الكَونية وإبانتها للعَقل، اقترن باختلاف الإدراك ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ و﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾، فهو تَكَشّف يَنفتح بعلم المتَلَقّي عَبر العُصور لا تَفصيل اصطلاحي لمحكَم تَشريعي. وهذا يَكشف أَن لَفظ «فصّل» لا يوحّد المفهومَين، فتَفصيل الكتاب في يونس 37 مَوضوعه الكتاب التَّشريعي، و﴿فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ﴾ في الأَنعام 97-98 مَوضوعه الآيات الكَونية، فالعِبرة بطبيعة المَوضوع لا بورود اللَّفظ، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.2. ومن لم يُمَيّز بَين الآليتَين خَلط بَين ما يُستَقرَأ نَصّياً من القرآن وهو التَّفصيل، وما يَتَكَشَّف كَونياً من الواقع وهو التَّكَشّف الزَّمني للمتَشابه، والمَنهج المحكم يَجمع بَينهما بلا خَلط.
7.تَطبيق بنيوي ثانٍ ـ المحكَمات الكُبرى بَين الأَنعام والإسراء
ومن أَوسع التَّطبيقات وأَدلّها على المنظومة اقتران شاهدَين بَين سورتَين، تَأتي المحكَمات الإلهية الكُبرى في الأُولى مجَرَّدةً، ثُمَّ تَتَكاثَر تَفاصيلها الربوبية في الثانية.
7.1 ـ المحكَمات في الأَنعام
في سورة الأَنعام تَأتي المحكَمات الإلهية الكُبرى بصياغة كلية مجَرَّدة، قَوله تعالى ﴿قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَٰدَكُم مِّنْ إِمْلَٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ، والآية التي تسبقها تَكشف صَراحة النِّسبة الإلهية للتَّحريم ﴿أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا﴾ [الأنعام: 150]. والمحكَمات الخَمسة، التَّوحيد والإحسان للوالدَين وعَدم قَتل الأَولاد وعَدم قُربان الفواحش وعَدم قَتل النَّفس، تُمَثّل أُمَّهات الكليات التَّشريعية الإلهية.
7.2 ـ تَدقيق منهجي على النِّسبة الربوبية في الأَنعام
وقَد يَتَوَهَّم القارئ أَن «رَبَّكم» في صياغة ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ تَنفي النِّسبة الإلهية، لكنّ التَّحقيق البنيوي يَكشف أَن السياق يَتَكَلَّم عن قَوم في زَمن، فلَزم نِسبة الخطاب لزَمنهم برَبّ العالمين، والآية السابقة تُؤَكّد صَراحة أَن التَّحريم في جَوهره من الله، فالنِّسبة الربوبية في «رَبَّكم» تَخصّ آلية التَّبليغ الزَّمني للأُمَّة لا جَوهر التَّحريم نَفسه. وهذا تَمييز بنيوي بالغ الأَهَمّية، فالنِّسبة الربوبية في سياق التَّبليغ غَير النِّسبة الربوبية في سياق التَّفصيل البَياني، فالتَّبليغ ربوبي لأَنه يَجري في الوجود بآلية تَلائم زَمن المتَلَقّي وأُمَّته، والتَّفصيل ربوبي لأَنه يُحاكي زَمن المتَلَقّي بصياغته البَيانية، لكنّ الجَوهر في حالة المحكم يَكون إلهياً تَكشفه الآيات المجاورة، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.4.
7.3 ـ التَّفصيل في الإسراء
وفي سورة الإسراء تَأتي هذه المحكَمات نَفسها مفصَّلة بنِسبة ربوبية صَريحة، يَفتتحها قَوله تعالى ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا﴾ ، ثُمَّ تَنبثق التَّفاصيل الربوبية البَيانية على المحكَمات نَفسها. ففي الإحسان للوالدَين يَأتي التَّفصيل ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ✫ وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 23-24]، يَكشف كَيفية الإحسان في حالات الكِبر تَحديداً. وفي عَدم قَتل الأَولاد يَأتي التَّفصيل ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَٰقٍ﴾ [الإسراء: 31]، وبَين الموضعَين فَرق دَقيق، ففي الأَنعام ﴿مِّنْ إِمْلَٰقٍ﴾ أَي من فَقر واقع، وفي الإسراء ﴿خَشْيَةَ إِمْلَٰقٍ﴾ أَي تَوَقّع فَقر، وهذا تَفصيل ربوبي يَفتح المحكَم على حالَتَين، الفَقر القائم والخَوف منه. وفي عَدم قُربان الفواحش يَأتي التَّفصيل ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]، تَفصيل بنَوع محَدَّد من الفواحش مع كَشف العلّة. وفي عَدم قَتل النَّفس يَأتي التَّفصيل ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33]، تَفصيل بحَقّ الوَلي وضَوابط القِصاص.
7.4 ـ خاتمة التَّفصيل في الإسراء 39
ومن أَدقّ ما يُلاحَظ خاتمة التَّفصيل في قَوله تعالى ﴿ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰٓ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ﴾ ، فالآية تَكشف بنيوياً أَن التَّفصيل أَوحاه رَبّ العالمين، ووَظيفته بَيانية ﴿مِنَ ٱلْحِكْمَةِ﴾، والحكمة بَيان عَملي للتَّشريع وضَبط الحُكم بمَناطه. وبهذا يَتَأَكَّد التَّطبيق، فالمحكَمات الكُبرى في الأَنعام 151 إلهية الجَوهر، وتَفاصيلها في الإسراء ربوبية الصياغة، تَختم بنِسبة ربوبية صَريحة تَكشف وَظيفة الحكمة في بَيان التَّشريع.
8.كَشف بنيوي مفيد ـ هَوية السور تَنسجم مع وَظيفتها
ومن المَلامح التي يُستفاد منها في فَهم المنظومة أَن السور التي تَحمل المحكَمات تَنسجم بنيوياً مع طَبيعتها. فسورة الأَنعام تَفتتح بصياغة تَنطق بصفات الذات المطلقة ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾، ثُمَّ تَحمل المحكَمات الكُبرى، وسورة الإسراء تَفتتح بفعل ربوبي صَريح ﴿سُبْحَٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا﴾، ثُمَّ تَحمل التَّفصيل الربوبي. وهذا الانسجام مفيد للقارئ يَستأنس به في فَهم طَبيعة الآيات دون أَن يَجزم به كقاعدة مغلقة، فقَد تَتَخَلَّل السور الإلهية البنية بَعض التَّفصيل الربوبي، وقَد تَتَخَلَّل السور الربوبية البنية بَعض المحكَمات الإلهية، والمعيار البنيوي الأَدقّ يَبقى طبيعة المضمون نَفسه لا اسم السورة أَو مفتتحها وَحدهما، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.2.
9.النَّتيجة البنيوية الجامعة
ومن اقتران كلّ ما تَأَسَّس في هذا القسم تَتَجَلَّى نَتائج بنيوية محكمة تَختمه. الأُولى، أَن التَّفصيل ليس مضموناً جَديداً مستقلاً عن المحكَم، بَل بَيان داخلي له يَكشف دَقائقه، والفَرق بَينه وبَين ما بَين يَديه جَوهري، فالتَّفصيل بَيان ربوبي للمحكَم يَتَماهى مع الزَّمن، وما بَين يَديه طَبَقة تَشريعية مستقلَّة مخصوصة بالرِّسالة المحَمَّدية تَنسب لله بمَصدرية أَمرية، تَستلزم تَصديقاً من القرآن لتَلَقّيها الإنساني. الثانية، أَن هود 1 تَكشف منظومة محكمة، فـ«ثُمَّ» تَدلّ على التَّرتيب الزَّمني الحَقيقي، إذ المحكَم سابق إنزالاً في الرسالات الماضية ثُمَّ فُصّل في الرِّسالة المحَمَّدية بصورة تُحاكي زَمنها. الثالثة، أَن المحكَم لا يَتَغَيَّر نَصاً ولا معنىً عاماً، يَتَكَرَّر إنزاله في كلّ الرسالات، والتَّفصيل يَكتسب صفة التَّماهي الزَّمني فيَختَلف من رِسالة إلى رِسالة ويَنسب لرَبّ العالمين بفاعلية ربوبية.
الرابعة، أَن مضمون المحكَمات الكليات الثابتة الآمرة والعَقدية مضافاً إليها المحرَّمات، وأَن الإحكام غَير الأَزلية، فالإحكام صفة إتقان ومرجعية والأَزلية الإلهية ثَبات عَبر الرسالات بنِسبة إلهية مباشرة، فقَد يَكون النَّصّ محكَماً ثابتاً وهو غَير مَصوغ بصيغة الأَزلية كالأَنعام 151 التي جاءَت في سياق تَبليغ ربوبي لمحكَم جَوهره إلهي. والأَزلية الإلهية الخبرية لا تَثبت إلا باجتماع شُروط ثَلاثة، صيغة اسمية بـ«إنّ» ومتعلَّق مطلق ومتَكَلّم هو الله عن نَفسه، وهي ضابط للأَزلية لا للإحكام.
الخامسة، أَن التَّفصيل الربوبي أَحسن ما أُنزل لأَنه يَترك الباب مواربًا متَناغمًا مع كلّ زَمن، بخِلاف تَفصيل البَشر المحبوس في عَصره، ومن ثَمَّ نُهي عن اتّباع الأَولياء من دونه لا لخَطإِ فَهمهم في زَمنهم بَل لعَجزه عن مُواكبة الأمم اللاحقة. السادسة، أَن التَّفصيل يَجري بالعلّة لا بالأَعيان، كَما في تَفصيل الميتة بالأَنعام 145، حَيث الرِّجس ضَرَر خفيّ ملتَبس والفِسق فساد بَيّن أَو خُروج عن الأَصل، فيَنفتح على كلّ ما يَتَماثل في العلّة في كلّ عَصر، والعِبرة في الميتة حالة الحَيوان قَبل الإماتة لا طَريقتها.
السابعة، أَن التَّفصيل النَّصّي للمحكَم التَّشريعي غَير التَّكَشّف الزَّمني للمتَشابه الكَوني، فالأَوَّل نَصّي مكتمل في زَمن الرِّسالة، والثاني كَوني يَنفتح بعلم المتَلَقّي عَبر العُصور، ولَفظ «فصّل» لا يوحّدهما إذ العِبرة بطبيعة المَوضوع. الثامنة، أَن المحكَمات الكُبرى في الأَنعام 151 تَتَكاثَر تَفاصيلها الربوبية في الإسراء 23-39، تَختم بـ﴿مِمَّآ أَوْحَىٰٓ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ﴾، وأَن النِّسبة الربوبية تَتَنَوَّع بَين سياق التَّبليغ وسياق التَّفصيل، يُمَيّزها السياق والآيات المجاورة. التاسعة، أَن السور تَنسجم بنيوياً مع طَبيعتها دون أَن يَكون ذلك قاعدة مغلقة، فالمعيار الأَدقّ طبيعة المضمون.
والقارئ الذي يَستوعب هذه المنظومة يَنفتح له الكتاب بطَبَقاته المتَكاملة، يَرى المحكَم الإلهي الثابت والتَّفصيل الربوبي المتَفاعل مع الزَّمن، ويَستقرئ التَّطبيقات بدقَّة، فيُتمّ منظومة فَهم الكتاب الجامع بصورة محكمة تَجمع الثابت والمتَجَدّد في وَحدة بنيوية لا تَناقض فيها.
3.3.2.7ما بَين يَدَي الكتاب ـ المستَجَدّ التَّشريعي الذي يَطلب التَّصديق
1.مَوقع الطَّبَقة الرابعة في منظومة الكتاب
تَأَسَّسَت في الأَقسام السابقة منظومة الكتاب الجامع بطَبَقاته الثَّلاث الأُولى، المحكَمات (3.3.2.3) أُمّ الكتاب الإلهية الثابتة، والمتَشابهات قرآناً كَونياً قَصصياً ربوبياً، والتَّفصيل (3.3.2.6) بَياناً داخلياً ربوبياً للمحكَم. ويَنتقل هذا القسم إلى الطَّبَقة الرابعة، ما بَين يَدَي الكتاب، وهي طَبَقة بنيوية بالغة الدقَّة تَستحقّ التَّأسيس الكامل. والقارئ البَسيط قَد يَختزل «ما بَين يَدَي الكتاب» في معنى تاريخي، يَظنّه إشارة إلى الكتب السابقة من تَوراة وإنجيل، فيَحمل التَّصديق على إقرار القرآن بالرسالات الماضية، لكنّ الاستقراء الداخلي يَكشف بنية مختَلفة جَذرياً، تَنطق بمنظومة محكمة لا بإشارة تاريخية عابرة. والمدخل المنهجي إلى هذه الصياغة سؤال يَتَوَقَّف عنده القارئ قَبل التَّحليل، أَتَدلّ «بَين يَديه» على الماضي أَم على الحاضر، ومن جَواب هذا السؤال يَنبثق كلّ ما بَعده.
2.صياغة «بَين يَديه» ـ الحاضر القائم لا الماضي
«بَين يَديه» تَركيب يَرتَكز على «اليَد» الدالَّة في اللسان العَربي على القُدرة والتَّناوُل والحضور المباشر، والاستعمال الحَيّ للُّغة يَكشف هذا المعنى قاطعاً. فيُقال «بَين يَديك مهمَّة» للأَمر الحاضر القائم الذي يُتَناوَل الآن، و«وَضع بَين يَديه الكتاب» للموضوع أَمامه ليُتَناوَل، و«بَين يَديه» للوَلد الذي يَقف أَمام أَبيه فيُكلّمه. والقاسم المشتَرك أَن الصياغة تَدلّ على ما يَحضر مع صاحب اليَد يُواجهه ويُتَناوَل بَين يَدَيه، لا إشارة إلى ماض مَضى ولا مستَقبل بَعيد، بَل إلى الحاضر القائم.
ويُؤَكّد هذا المعنى استعمال القرآن نَفسه لـ«بَين يَديه» في سياقات أُخرى، فقَوله تعالى ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يَكشف التَّقابُل البنيوي بَين «بَين أَيديهم» وهو ما يُواجهونه ويَحضر معهم، و«ما خَلفهم» وهو ما تَجاوَزوه، فالمواجهة حضور قائم لا ماض ولا مستَقبل. وقَوله تعالى ﴿لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٌ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ﴾ [الرَّعد: 11] يَكشف الحَيّز المباشر للإنسان أَمامه وخَلفه، لا زَمنه ومستَقبله. ومن اقتران هذه الشَّواهد يَتَجَلَّى أَن «بَين يَديه» في القرآن تَدلّ على الحاضر القائم المتَجَدّد لا على الماضي، فالمعنى يَنفتح في كلّ زَمن يُقرأ فيه القرآن، لا يَنحصر في زَمن النُّزول بَل يَتَجَدَّد لكلّ متَلَقٍّ في عَصره.
ويَزداد هذا المعنى تأكيداً ببرهان نَصّي قاطع في قَوله تعالى ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾ ، فلَو كان «ما بَين يَديه» هو التَّوراة والإنجيل لتَناقَضَت الآية ولَزم منها التَّكرار، إذ تَقول «مصَدّقاً لما بَين يَديه» ثُمَّ تَعطف «وأَنزَل التَّوراة والإنجيل»، فالعَطف بـ«وأَنزَل التَّوراة والإنجيل» بَعد «مصَدّقاً لما بَين يَديه» يَفصل بَينهما فصلاً قاطعاً، إذ لا يُعطَف الشَّيء على نَفسه عَطف المغاير. فالتَّوراة والإنجيل منزَّلان مذكوران مستقلّان، و«ما بَين يَديه» مغاير لهما، وهذا أَقوى دَليل نَصّي على أَن «ما بَين يَديه» ليس الكتب السابقة بَل المستَجَدّ الحاضر في الرِّسالة، فبَطَل الفَهم الشائع بقرينة العَطف نَفسها.
3.ما بَين يَدَي الكتاب ـ مضمون مجَرَّد يَطلب التَّصديق لتَلَقّيه الإنساني
ولو كان «ما بَين يَدَي الكتاب» مضموناً مأَلوفاً للوَعي الإنساني لما احتاج إلى تَصديق، فالتَّصديق وَظيفة بنيوية تَنبثق من حُدود الوَعي الإنساني المعرفية لا من نَقص في المضمون نَفسه. والمستَجَدّ التَّشريعي في ذاته منزَّل من الله بمَصدرية أَمرية، يَحمل إحكام مَصدره الإلهي قَوياً بمَصدريته المباشرة، لكنّ الوَعي الإنساني المحَدود لا يَملك آلية إثباته من أَدواته المعرفية المباشرة، لأَنه يَخرج عن نِطاق ما أَلفه وُجودياً وكَونياً وسننياً. وهذه الحاجة إلى التَّصديق ليست عَيباً في المضمون بَل صفة في تَلَقّي الوَعي الإنساني له، فإذا كان المضمون تَشريعاً أَو خُلُقاً أَو قِيمة فهو مجَرَّد من الوجود لا حضور مادي له يَستقريه الناس مباشرة من الواقع، والمجَرَّد لا يَستوعبه الوَعي المحَدود بأَدواته المباشرة لخُروجه عن نِطاق ما أَلفه من حُضور مادي، فالضَّعف في التَّلَقّي الإنساني لا في المضمون الذي يَحمل إحكام مَصدره الإلهي. ويَتَّسق هذا التَّأسيس بنيوياً مع ما تَأَسَّس في 3.3.2.2 من عِلَّة الحاجة إلى التَّعضيد، إذ الإنسان يَستَمدّ توثيقه ممّا جُبل عَليه من تَشَكّل وَعيه وُجودياً وكَونياً وسننياً، فلا يَتَثَبَّت من أَمر يَخرج عن هذا النِّطاق إلا بصُعوبة.
4.تَحديد المضمون ـ المستَجَدّ التَّشريعي لا الكليات الثابتة
ها هنا تَدقيق مَنهجي بالغ الأَهَمّية، فليس كلّ تَشريع وأَخلاق وقِيم يَدخل في «ما بَين يَدَي الكتاب». فالتَّشريع الكلي الثابت المشتَرك بَين كلّ الرسالات، كتَحريم القَتل والسَّرقة والزِّنا والفواحش والإحسان للوالدَين وإيفاء الكَيل والميزان وسائر الكليات الإنسانية، معلوم لكلّ الأمم تَتَشاركه كلّ الرسالات، فلا يَكون مَوضع خلاف ولا يَستلزم تَصديقاً جَديداً عند كلّ رِسالة، إذ الأمم التي سَبقت الرِّسالة المحَمَّدية تَعرف هذه الكليات وتَلتزم بها في الجُملة، والكليات بنيوياً تَستلزم تَعضيداً لا تَصديقاً كَما تَأَسَّس في 3.3.2.2.
أَمّا الذي يَكون مَوضع خلاف ومحاجَّة بَين النَّبي ومخالفيه فهو التَّشريعات المستَجَدَّة في الرِّسالة الجَديدة، التي تَأتي مغايرة لما اعتاده الناس في الرسالات السابقة، تُحاكي الزَّمن الذي أُنزلت فيه وتَتَناغَم مع تَطَوّر الناس وثَقافة عَصرهم، فتَختَلف عمّا سَبقها لتُلائم المرحلة الجَديدة. ولأَنها مستَجَدَّة لم تَعهدها الأمم يَعجز الوَعي الإنساني عن إثباتها بأَدواته المباشرة لخُروجها عن نِطاق ما أَلفه، فتَستلزم تَصديقاً يَكشف صدقها واتّصالها بالأَصل الإلهي الثابت. ومن هنا تَتَجَلَّى صورة «ما بَين يَدَي الكتاب» بدقَّة بنيوية، فهو المستَجَدّ التَّشريعي والأَخلاقي الحاضر في الرِّسالة المحَمَّدية، طَبَقة تَشريعية مستقلَّة منزَّلة من الله بمَصدرية أَمرية، تَتَّصل بالأَصل الإلهي الثابت من جِهة المَصدرية الواحدة، وتَتَمَيَّز عنه بكَونها مخصوصة بالرِّسالة المحَمَّدية لم تَنزل في الرسالات السابقة، وتَستلزم التَّصديق لأَنها مجَرَّدة لا حضور مادي لها ولأَنها مغايرة لما عَرفته الأمم.
5.النِّسبة الإلهية ـ ما بَين يَديه يَنسب لله
ومن أَدقّ ما يَستحقّ التَّأكيد البنيوي أَن المستَجَدّ التَّشريعي يَنسب لله بمَصدرية أَمرية لا لرَبّ العالمين، لأَنه تَشريع وأَخلاق وقِيم مجَرَّدة لا حضور كَوني مادي له، فيَدخل بنيوياً تَحت ما تَأَسَّس في 3.3.2.2 من نِسبة الآيات التَّشريعية لله كلياتها ومستَجَدّاتها معاً. والشاهد البنيوي البالغ القُوَّة صياغة «الله ورَسوله» التي تَأتي في خواتيم الآيات التَّشريعية، حَيث «الله» يَدلّ على الكليات الثابتة التي لا تَتَغَيَّر نَصاً عَبر الرسالات، و«رَسوله» يَدلّ على التَّشريع المستَجَدّ في الرِّسالة المحَمَّدية المضاف إلى الكليات، والصياغتان معاً تَكشفان النِّسبة الإلهية للتَّشريع بطَبَقتَيه الكلي الثابت والمستَجَدّ المضاف، كلاهما يَنسب لله بمَصدرية أَمرية لأَن مَصدرهما الذات المطلقة خارج الوجود.
5.1 ـ تَفصيل المستَجَدّ يَنسب لله ـ لا لرَبّ العالمين
وهنا تَدقيق بنيوي بالغ الدقَّة يُكَمّل المنظومة. فقَد تَأَسَّس في 3.3.2.6 أَن كلّ محكَم له تَفصيل، وأَن تَفصيل المحكَم الأَزلي يَنسب لرَبّ العالمين لأَنه يَتَماهى مع زَمن كلّ رِسالة، يَنزل المحكَم أَوَّلاً في الرسالات الماضية ثُمَّ يُفَصَّل في كلّ رِسالة بصورة تُحاكي زَمنها، فاكتَسب تَفصيله صفة التَّماهي الزَّمني الربوبي. أَمّا المستَجَدّ التَّشريعي فيَفترق عنه بنيوياً، إذ هو مخصوص بالرِّسالة المحَمَّدية لم يَنزل في الرسالات السابقة، فلم يَسبق محكَمه تَفصيلَه بفاصل زَمني بَين الرسالات، بَل نَزل محكَمه وتَفصيله معاً في زَمن واحد. ومن ثَمَّ لا يَكتسب تَفصيله صفة التَّماهي الزَّمني الربوبي التي تَنشأ من تَوزّع المحكَم وتَفصيله على رِسالات متَعاقبة، فيَنسب تَفصيله لله بمَصدرية أَمرية كمحكَمه، لا لرَبّ العالمين. فالتَّماهي الزَّمني الذي يوجب النِّسبة الربوبية للتَّفصيل مُنتفٍ في المستَجَدّ، إذ لا فاصل بَين إحكامه وتَفصيله يَكتسب فيه التَّفصيل مُحاكاة لأَزمنة الرسالات، فاتَّحَدَت نِسبة محكَمه وتَفصيله في المَصدرية الإلهية الأَمرية.
ويَتَجَلَّى من هذا تَقابُل بنيوي محكم بَين تَفصيل الكليات وتَفصيل المستَجَدّ. فالكلية الثابتة وُكِّل تَفصيلُها للتَّدبير الربوبي، يُفَصَّل محكَمُها في كلّ رِسالة بما يُحاكي زَمنها، فمرونتُها زَمنية ربوبية تَتَجَلَّى عَبر الرسالات والأَزمنة. أَمّا المستَجَدّ المحَمَّدي فلم يُوكَل تَفصيلُه للتَّدبير الربوبي، بَل نَزل محكَماً ومفَصَّلاً كاملاً من عند الله، غَير أَنه نَزل بليونة نَصّية حدودية، أَي بمساحة مرنة مضبوطة بحُدود منزَّلة في النَّصّ نَفسه. فالمرونة في المستَجَدّ ليست فَراغاً يُوكَل للتَّدبير الزَّمني كَما في الكليات، بَل هي جُزء من التَّفصيل المنزَّل التامّ، أَنزَلها الله محدودةً بضوابطها، فاجتَمَع في المستَجَدّ كمالُ التَّفصيل ومرونةُ التَّطبيق معاً، كلاهما من عند الله. وتَفصيل هذه الليونة الحدودية وآليتها يَأتي في القسم التالي.
5.2 ـ الحدود ـ ضابط الليونة في المستَجَدّ
ولمّا كان المستَجَدّ قد نَزل مفَصَّلاً بليونة نَصّية، وَجَب بَيان الآلية التي تَضبط هذه الليونة فتَحفظها من التَّفَلّت والانزياح عن مَقصدها، وهي آلية الحدود. فالحَدّ في المستَجَدّ ضابط منزَّل يَرسم للمساحة المرنة أَطرافَها، فلا تَنفلت إلى ما لا يُريده الشارع، ولا تَنغلق على صورة واحدة جامدة. والبديع أَن النَّصّ لا يَجعل الحُدود على درجة واحدة، بَل يُنَوّع صيغتها بحَسب حساسية الحُكم وطَبيعته، فيَكشف بصيغة الحَدّ نَفسها مقدارَ المرونة المأذون بها. ومن استقراء صِيَغ الحُدود في القرآن تَتَبَيَّن مراتب متَدَرّجة، نَعرضها على تَرتيبها في المصحف.
فالصيغة الأُولى، الحَدّ المصون الذي يُنهى عن قُربه، كَما في تَفصيل الصيام، قَوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قَوله ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ . فختم الحُدود بـ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، والنَّهي عن القُرب أَضيق من النَّهي عن التَّعَدّي، إذ يَجعل للحَدّ حَرَماً لا يُقتَرَب منه، فالمساحة المرنة قائمة بَين الطَّرفَين، لكنّ طَرفَيها مصونان لا يُدنى منهما. وهذه الصيغة تَكشف حُكماً حسّاساً، شُدّد في حِفظ حُدوده لأَن القُرب منها مَظِنَّة الوُقوع فيها.
والصيغة الثانية، الحَدّ الذي يُنهى عن تَعَدّيه لا عن قُربه، كَما في تَفصيل الطَّلاق، قَوله تعالى ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ إلى قَوله ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ . فختم الحُدود بـ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، والنَّهي عن التَّعَدّي أَوسع مرونةً من النَّهي عن القُرب، إذ يُبيح التَّحَرّك في المساحة المرنة حتى بُلوغ الحَدّ، ولا يَمنع إلا تَجاوُزه. فهذه الصيغة تَكشف حُكماً مساحتُه المرنة أَوسع، مأذون فيه بالحَركة إلى الحَدّ نَفسه، ما لم يُتَعَدَّ.
والصيغة الثالثة، الحَدّ المنصوص صَراحةً المقترن بالجَزاء، كَما في تَفصيل الفَرائض، قَوله تعالى بَعد تَفصيل أَنصبة الميراث ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ . فالحَدّ هنا أَنصبة مقدَّرة منصوصة، يُؤخَذ بها عند غياب الوَصية، اقترنت بالجَزاء طاعةً ومعصيةً، فدَلّ اقترانُها بالجَزاء على أَنها حُدود مضبوطة لا تَحتَمِل المساحة المرنة في أَصل أَنصبتها، وإنما المرونة في إطارها المنصوص، الوَصية أَوَّلاً فالفَرائض عند غيابها.
والصيغة الرابعة، الحَدّ المتروك بذاته دون نَهي عن قُرب أَو تَعَدٍّ، كَما في تَفصيل الظِّهار، قَوله تعالى ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ . فختم الحُدود بـ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ مجَرَّدةً، دون ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ ولا ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، لأَن الحُكم نَفسه محدَّد بذاته بمقاديره الصَّريحة، شَهرَين أَو سِتّين مسكيناً، فلا يَحتَمِل مساحةً مرنةً تَحتاج تَسييجاً بنَهي، إذ المقدار المنصوص هو الحَدّ عَينه.
والصيغة الخامسة، الحَدّ الظَّرفي المخصوص بحال الرِّسالة، كَما في أحكام الطَّلاق في سورة الطلاق، التي افتُتِحت بقَوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ . وظَرفية هذه الأَحكام لا تُؤخَذ من حُدودها وَحدها، بَل من بنية السورة كلّها؛ فافتتاحُها بخطاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ علامةٌ بنيوية على الظَّرفية، إذ ما كان سياقُه الخطابَ النبويَّ المباشرَ في موقفٍ بعينه حَمَل خاصّيةً زمنيةً متَعَلّقةً بحال الرِّسالة وزَمنها. ومناطُ هذه الظَّرفية حالُ المهاجرات، فإنّ حُكم التربّص في البيوت وعدم الإخراج منها ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ لا يُناسب المهاجرةَ المطلَّقة، إذ تَركت ديارها مهاجرةً فلا بيت لها تَتَرَبَّص فيه كَما في حُكم الطَّلاق الكلّي في سورة البقرة. فهذا حُكمٌ ظَرفيّ نَزل لحال الهجرة، يُقابله الحُكم الكلّي المطّرد في البقرة، ويَعضد ظَرفيتَه ختامُه بقَوله ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾، أَي قَد يُحدِث الله بزَوال الظَّرف أَمراً يُبَدّل مُقتَضاه. فالصيغة الخامسة تَفترق عن الأَربع قَبلها، إذ هي حُكم ظَرفيّ مخصوص بحال الرِّسالة لا يَطّرد بزَوال ظَرفه، لا درجةُ مرونةٍ في حُكم كلّي مطّرد.
ومن اقتران هذه الصِّيَغ يَتَبَيَّن أَن الليونة في المستَجَدّ ليست تُركَت سُدىً ولا وُكِّلت لاجتهاد بَشري يُوَسّع ويُضَيّق بهَواه، بَل هي ليونة منزَّلة مضبوطة، رَسم الله لكلّ حُكم مساحتَه المرنة وحُدودَها بصيغة تُناسب حساسيتَه. فالصِّيَغ الأَربع الأُولى درجاتُ مرونةٍ في أَحكام مطّردة، شَدَّد فيها بالنَّهي عن القُرب حَيث الحُكم حسّاس، ووَسَّع بالنَّهي عن التَّعَدّي حَيث المساحة أَرحب، ونَصَّ الحَدّ صَراحةً حَيث وَجَب الضَّبط، وتَرَكه بذاته حَيث كان المقدار كافياً. أَمّا الصيغة الخامسة فتَفترق عنها، إذ هي حُكم ظَرفيّ مخصوص بحال الرِّسالة، نَزل لظَرف الهجرة لا يَطّرد بزَوال ظَرفه، أُورِد لإتمام استقراء صِيَغ الحُدود لا بوصفه درجةَ مرونةٍ في حُكم كلّي. فمَوضع التَّماهي الزَّمني الذي في الكليات وُكِّل للتَّدبير الربوبي، يُقابله في المستَجَدّ هذه الليونة الحدودية المنزَّلة من عند الله، فلا يَفتَقِر المستَجَدّ إلى تَفصيل ربوبي زَمني، لأَن مرونته نَزَلَت معه مضبوطةً بحُدودها.
وفي هذا ما يَدفع تَوَهّماً قَد يَعرِض، أَن باب المستَجَدّ قَد يُتَّخَذ ذَريعةً لتَعطيل الأَحكام أَو تَبديلها بدَعوى تَغَيّر الزَّمن. فالمرونة في المستَجَدّ منزَّلة محدودة لا بَشرية مُرسَلة، حَدَّها الله في النَّصّ نَفسه، فلا يَملك أَحد أَن يُوَسّع مساحةً ضَيَّقها النَّصّ بالنَّهي عن القُرب، ولا أَن يُضَيّق مساحةً وَسَّعها النَّصّ بالنَّهي عن التَّعَدّي، ولا أَن يَتَجاوَز حَدّاً نَصَّه الله صَراحةً. فالتَّماهي مع الزَّمن لا يَكون بتَبديل الحُكم ولا بإلغائه، بَل بالتَّحَرّك ضِمن المساحة المرنة التي أَنزَلها الله محدودةً بحُدودها، فالحُكم ثابت وحُدوده منزَّلة، والمرونة المأذون بها داخل تلك الحُدود لا خارجها. وبهذا يَنحَسِم تَوَهّم أَن المستَجَدّ باب لتَغيير التَّشريع، إذ المرونة فيه منضبطة بضابط إلهي منزَّل، لا متروكة لهَوى مُفَسّر يَدَّعي مُحاكاة العَصر.
6.النِّسبة الإلهية تُمَيّزه عن التَّفصيل الربوبي
ويَستحقّ التَّأكيد أَن هذه النِّسبة الإلهية للمستَجَدّ تُمَيّزه بنيوياً عن التَّفصيل الربوبي للمحكَم الأَزلي الذي تَأَسَّس في 3.3.2.6. فتَفصيل المحكَم الأَزلي بَيان داخلي يَتَماهى مع زَمن كلّ رِسالة فيَنسب لرَبّ العالمين، أَمّا المستَجَدّ بمحكَمه وتَفصيله فإنشاء تَشريعي جَديد مخصوص بالرِّسالة المحَمَّدية يَنسب لله بمَصدرية أَمرية، والاثنان متَكاملان لا متَطابقان، يَجتَمعان في الكتاب الجامع طَبَقتَين متَمَيّزتَين بنِسبتَيهما وآلية تَنزّلهما.
7.اسم الموصول «الذي» ـ كَشف بنيوي لاتّصال المستَجَدّ بالأَصل
ومن دقائق الصياغة القرآنية استعمالها اسم الموصول «الذي» في ﴿مصَدّقاً للذي بَين يَديه﴾، واسم الموصول ليس مجَرَّد أَداة نَحوية بَل بنية دَلالية تَكشف اتّصالاً بأَصل سابق، فلا يَستقيم وَصل دون مَوصول به ومَوصول إليه. فالمَوصول به، وهو الأَصل الذي يَأتي اسم الموصول ليَصل إليه، هو التَّشريع الكلي الثابت المشتَرك بَين كلّ الرسالات المنزَّل من الله، وهذا الأَصل لا يَطلب تَصديقاً لأَنه معلوم لكلّ الأمم، نَزل من الذات المطلقة الثابتة فيَحمل صفة الثَّبات الذاتية، ليس مَوضع محاجَّة ولا تَشكيك بَل أَصل معتَرَف به في كلّ الرسالات. والمَوصول إليه، وهو ما بَعد اسم الموصول أَي «بَين يَديه»، هو المستَجَدّ التَّشريعي الحاضر في الرِّسالة الذي يَطلب تَصديقاً لتَجَرّده عن الحضور المادي. واسم الموصول «الذي» يَصل بَين الاثنَين فيَكشف بنيوياً أَن المستَجَدّ متَّصل بالأَصل الثابت لا يَنفصل عنه، والتَّصديق يَتَّجه إلى المستَجَدّ بحَيث يَكشف اتّصاله بالأَصل الذي لا يَطلب تَصديقاً. ومن ثَمَّ حين يُصَدّق القرآن المستَجَدّ فإنه يُؤَكّد أَنه ليس انفصالاً عن الرسالات السابقة بَل امتداداً لأَصل ثابت معلوم.
8.انسجام بنيوي مع منظومة «طاعة الله ورَسوله»
ومن اقتران هذا الكَشف مع منظومة «طاعة الله ورَسوله» التي تَأَسَّسَت في فصل مَراتب الطاعة (5.5) تَتَجَلَّى مماثلة بنيوية محكمة لا تَنفصل. ففي «طاعة الله ورَسوله» يَدلّ «الله» على الأَصل الثابت الكلي، وهو التَّشريع المشتَرك بَين كلّ الرسالات والكليات الإلهية الخالدة، ويَدلّ «رَسوله» على المستَجَدّ في الرِّسالة، وهو التَّشريعات الخاصَّة بكلّ رِسالة المضافة إلى الثابت، والاتّصال بَينهما بنيوي محكم، فصيغة «الله ورَسوله» تَحمل الأَصل الإلهي مع المستَجَدّ الرسالي، فطاعتهما طاعة للكلّ المتَكامل، الثابت الإلهي مع المستَجَدّ الرسالي. وفي صياغة ﴿مصَدّقاً للذي بَين يَديه﴾ تَتَجَلَّى البنية نَفسها مغايرةً شَكلاً متَّحدةً جَوهراً، فـ«الذي» يَصل بالأَصل الثابت من الله، و«بَين يَديه» يَدلّ على المستَجَدّ الحاضر، والمصَدّق وهو القرآن يَعضد المستَجَدّ بحُضوره الوُجودي ويَكشف اتّصاله بالأَصل الثابت. والمنظومتان تَنطقان بمنطق واحد، الأَصل الإلهي الثابت مع المستَجَدّ الرسالي يُؤخذان معاً في وَحدة محكمة لا تَنفصل، وهذا تَأكيد بنيوي على أَن القرآن لا يُنشئ منظومة جَديدة منفصلة عن الرسالات السابقة بَل يَكشف وَحدة المنظومة الإلهية الكُبرى، حَيث الثابت واحد مستمرّ والمستَجَدّ في كلّ رِسالة يَنبثق منه ويَتَّصل به.
9.المصَدّق الفاعل ـ مسمَّيات وَظيفية للقرآن
ومن استقراء كلّ الشَّواهد التي تَستعمل صياغة «مصَدّقاً لما بَين يَديه» يَتَجَلَّى أَن المصَدّق الفاعل واحد في جَوهره متَعَدّد في مسمَّياته الوَظيفية. فمنها أَن يَكون المصَدّق هو القرآن نَفسه بمعناه المتَشابه الكَوني القَصصي ذي الحضور الوُجودي القَوي في الكَون والتاريخ، قَوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ . ومنها القَصص ذو الحضور الوُجودي المسجَّل في الواقع، قَوله تعالى ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يوسف: 111]. ومنها الموحى من الكتٰب المنسوب للحَقّ أَي ما له حضور مادي في الوجود، قَوله تعالى ﴿وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ هُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر: 31]. ومنها الكتٰب المبارك، والمبارك ما يَتَجَدَّد ويُعطي عَطاءً متَواصلاً وهي صفة لازمة للقرآن، قَوله تعالى ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: 92]. ومنها ما نَزَّله جبريل على قَلب النَّبي وهو ما أَوحاه القرآن من رَبّ العالمين، قَوله تعالى ﴿فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: 97]. ومنها الكتٰب بالحَقّ أَي بالآيات الكَونية والقَصص ذات الحضور الوُجودي، قَوله تعالى ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ﴾ [المائدة: 48]. وكلّ هذه المسمَّيات تَجتَمع في حَقيقة واحدة، القرآن بحُضوره الوُجودي القَصصي الكَوني، تَتَنَوَّع بحَسب الوَظيفة التي تُؤَدّيها في السياق والمضمون واحد، وما يُمَيّز هذا المضمون أَنه قَوي في إثبات ذاته بحُضوره الوُجودي المعلوم فيَستطيع أَن يَكون مصَدّقاً لما يَعجز الوَعي الإنساني عن إثباته من تِلقاء أَدواته المباشرة.
10.آلية التَّصديق ـ القَوي بالحُضور الوُجودي يَعضد المجَرَّد
وآلية التَّصديق بنيوية محكمة، فالمصَدّق الفاعل وهو القرآن حاضر بحُضوره الوُجودي القَوي في وَعي المتَلَقّي، آياته الكَونية يَراها الناس في الكَون، وقَصصه تَنطبق على الواقع التاريخي، وسننه تَجري في الأمم، وكلّها أُمور معلومة واضحة لمن يَتَأَمَّل فتَكتسب صفة الحَقّ لحُضورها الوُجودي المأَلوف للوَعي. والمصدَّق وهو ما بَين يَدَيه مضمون مجَرَّد يَخرج عن مأَلوف الوَعي، إذ التَّشريعات والأَخلاقيات والقِيم مجَرَّدات لا حضور مادي لها يَستقريه الوَعي مباشرة من الواقع. وآلية التَّصديق أَن الحاضر بحُضوره الوُجودي في الوَعي يُثبت ما يَخرج عن مأَلوفه، فحين يَرى المتَلَقّي صدق القَصص في الواقع وانطباق السنن على التاريخ وتَناغُم الآيات الكَونية مع الكَون، يَكتسب ثِقة بصدق ما بَين يَدَيه أَيضاً لأَن المَصدر واحد. فإذا صَدَق القرآن في كَونياته وقَصصه فهو صادق في تَشريعاته المستَجَدَّة، وهذا منطق بنيوي محكم، من صَدَق فيما يُمكن التَّحَقّق منه صَدَق فيما لا يُمكن التَّحَقّق منه إلا عَبره.
11.الحضور المتَجَدّد ـ التَّصديق يَتَجَدَّد في كلّ زَمن
ولمّا كانت «بَين يَديه» تَدلّ على الحاضر القائم، فإن المضمون يَتَجَدَّد في كلّ زَمن يُقرأ فيه القرآن، فالتَّشريعات المستَجَدَّة تَستلزم التَّصديق في زَمن النُّزول وفي كلّ زَمن لاحق يُواجه فيه المتَلَقّي هذه التَّشريعات، والمصَدّق الفاعل وهو القرآن يَتَجَدَّد فَهمه وانطباقه مع كلّ عَصر فيَعضد ما بَين يَدَيه في كلّ زَمن. ومن هنا تَتَجَلَّى دائمية الإعجاز القرآني، فالآيات الكَونية تَنفتح طَبَقات معانيها مع كلّ تَقَدّم معرفي فتَعضد التَّشريع للأَجيال المتَلاحقة بحَسب علومها، والقَصص تَنطبق على واقع كلّ جيل بصورة متَجَدّدة فتَكشف صدق ما بَين يَدَي الكتاب في كلّ عَصر، فالتَّصديق ليس حَدثاً ماضياً انقَضى بمَوت الجيل الأَوَّل بَل حضور متَجَدّد لكلّ من يَتَلَقَّى القرآن في زَمنه.
12.النَّتائج البنيوية الجامعة
ومن اقتران كلّ ما تَأَسَّس في هذا القسم تَتَجَلَّى نَتائج بنيوية محكمة تَختمه. الأُولى، أَن «ما بَين يَدَي الكتاب» ليس الكتب السابقة من تَوراة وإنجيل كَما يَستقرّ في الفَهم الشائع، فهذه سَبقت زَمنياً و«بَين يَديه» تَدلّ على الحاضر المتَجَدّد لا الماضي، ويَقطع بذلك عَطف ﴿وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾ على ﴿مصَدّقاً لما بَين يَديه﴾ في آل عمران 3، إذ لا يُعطَف الشَّيء على نَفسه عَطف المغاير.
الثانية، أَن «ما بَين يَدَي الكتاب» هو المستَجَدّ التَّشريعي والأَخلاقي في الرِّسالة الحاضرة المضاف إلى الثابت الكلي المشتَرك، مجَرَّد يَخرج عن مأَلوف الوَعي لتَجَرّده، يَنسب لله بمَصدرية أَمرية لأَنه تَشريع لا حضور كَوني له.
الثالثة، أَن اسم الموصول «الذي» في ﴿الذي بَين يَديه﴾ يَكشف اتّصال المستَجَدّ بأَصل ثابت من الله لا يَنفصل عنه، والتَّصديق يَتَّجه إلى المستَجَدّ بحَيث يَكشف اتّصاله بالأَصل المعلوم.
الرابعة، أَن المصَدّق الفاعل هو القرآن بمسمَّياته الوَظيفية المتَعَدّدة، قَوي بحُضوره الوُجودي القَصصي الكَوني، يُصَدّق ما بَين يَدَيه ويَكشف صدقه، والضَّعف في تَلَقّي الوَعي الإنساني للمجَرَّد لا في المستَجَدّ نَفسه الذي يَحمل إحكام مَصدره الإلهي.
الخامسة، أَن منظومة المصَدّق والمصدَّق مماثلة بنيوياً لمنظومة «طاعة الله ورَسوله»، حَيث الأَصل الإلهي الثابت مع المستَجَدّ الرسالي يُؤخذان معاً في وَحدة محكمة لا تَنفصل.
السادسة، أَن المستَجَدّ التَّشريعي يَنسب لله بمَصدرية أَمرية محكَماً وتَفصيلاً معاً، يَتَمَيَّز بنيوياً عن التَّفصيل الربوبي للمحكَم الأَزلي، فتَفصيل المحكَم الأَزلي يَتَماهى مع زَمن الرِّسالة فيَنسب لرَبّ العالمين، أَمّا المستَجَدّ فنَزل محكَمه وتَفصيله معاً في زَمن واحد بلا فاصل بَين الرسالات، فلم يَكتسب تَفصيله التَّماهي الزَّمني الربوبي، فاتَّحَدَت نِسبة محكَمه وتَفصيله في المَصدرية الإلهية الأَمرية، أَضافها الله للرِّسالة الخاتمة فاكتَملَت معها صياغة «الله ورَسوله».
السابعة، أَن التَّصديق متَجَدّد في كلّ زَمن يَنبثق لكلّ متَلَقٍّ في عَصره بقَدر تَدَبّره ومطابقته بَين الكَونيات والقَصص والواقع.
والقارئ الذي يَستوعب هذه المنظومة يَنفتح له الكتاب بطَبَقاته المتَكاملة، يَرى المحكَم الإلهي الثابت، والمتَشابه الكَوني القَصصي الربوبي، والتَّفصيل الربوبي للمحكَم، والمستَجَدّ الإلهي الرسالي، ويَجمع بَينها في منظومة جامعة تَكشف وَحدة المَصدر الإلهي الكُبرى، حَيث الذات الواحدة لا إله إلا هو تُنَزّل كتابها بمنظومة محكمة تَجمع الثابت والمتَجَدّد والإلهي والربوبي في وَحدة بنيوية لا تَنفصل.
3.3.2.8تَمييز ما بَين يَديه ـ تَقَفّي الكلي الثابت طَريقاً إلى المستَجَدّ
1.التَّمهيد ـ سؤال منهجي معكوس
تَأَسَّس في القسم السابق (3.3.2.7) أَن «ما بَين يَدَي الكتاب» هو المستَجَدّ التَّشريعي الحاضر في الرِّسالة المحَمَّدية، المخصوص بها لم يَنزل في الرسالات السابقة، يَنسب لله بمَصدرية أَمرية محكَماً وتَفصيلاً معاً. ويَطرح القارئ بَعد هذا التَّأسيس سؤالاً منهجياً، كَيف يُمَيَّز المستَجَدّ في النَّصّ نَفسه، اعتماداً على بنيته الداخلية دون مَرجع خارجي. والمنطلق البنيوي للإجابة قاعدة محكمة، أَن النَّصّ أُنزل متقَناً لا يُضَيّع من اتَّبع بَيانه، فآلية التَّمييز قائمة في النَّصّ نَفسه. غَير أَن تَقَفّي المستَجَدّ مباشرةً متَعَذّر، لأَنه متَناثر واسع التَّفاصيل، يَتَجَدَّد بتَجَدّد المجتَمعات وأَحوالها، فلا يَنضبط حَصره بتَتَبّع آحاده. ومن هنا يَنفتح الطَّريق الأَجدى، عَكس اتّجاه التَّقَفّي، فبدَل تَتَبّع المستَجَدّ المتَناثر يُتَقَفَّى الكلي الثابت المحصور المنضبط، فما خَرج عنه كان مَظِنَّة المستَجَدّ. فالكليات الثابتة أَقلّ عَدداً وأَوضح معالم، محصورة في أُمَّهات معدودة معلومة، يَسهل ضَبطها بضابطها، فيَتَبَيَّن المستَجَدّ بطَريق النَّفي لا بطَريق الإثبات المباشر.
2.ضابط الكلي الثابت
والكلي الثابت يُعرَف بنيوياً بضابط محكم تَأَسَّس في 3.3.2.2، يَتَكَوَّن من ثَلاث علامات متَضافرة. الأُولى الاطّراد عَبر الرسالات، فالكلية الثابتة تَتَكَرَّر في كلّ الرسالات بنَصّ ومعنىً عامّ ثابتَين، نَزَلَت على نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، لا تَختصّ برِسالة دون أُخرى. والثانية المعرفة الفِطرية، فالكليات معلومة لكلّ الأمم تَتَأَلَّف معها عَبر الأَجيال، كتَحريم القَتل والسَّرقة والزِّنا والإحسان للوالدَين والعَدل وإيفاء الكَيل والوَفاء بالعَهد، فهي أُمَّهات قِيمية يُدركها الوَعي الإنساني بفِطرته. والثالثة استلزامها التَّعضيد لا التَّصديق، فالكلية لا تَطلب بُرهان صدق لأَنها مصدَّقة بتَكرارها عَبر الرسالات، بَل تَطلب تَعضيداً يُؤَكّدها بحُضور وُجودي ملازم، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.2. فما اجتَمَعَت فيه هذه العَلامات فهو المحكَم الثابت، وما خَرج عنها فهو مَظِنَّة المستَجَدّ.
3.المعيار الفاصل ـ طَبيعة المضمون لا الخطاب ولا اللَّفظ
ويَستحقّ التَّثبيت أَن المعيار الفاصل في التَّمييز طَبيعة المضمون نَفسه، لا نَوع المخاطَب ولا العَلامة اللَّفظية وَحدها. فقَد يَأتي المستَجَدّ بخطاب الناس عامَّة حَين يَكون جَوهره كلية إنسانية، وقَد يَأتي بخطاب الذين آمنوا حَين يَتَّصل بالأُمَّة المحَمَّدية، فنَوع الخطاب يَكشف المخاطَب لا طَبيعة المضمون. وكذلك العَلامات اللَّفظية كصياغة «رَسوله» وصياغة «الله ورَسوله» في خواتيم الآيات التَّشريعية، فهي قَرائن مؤَيّدة تَستأنس بها في كَشف المستَجَدّ، لا أَدلّة فاصلة تَقطع به وَحدها، إذ العِبرة بطَبيعة المضمون أَهو كلي ثابت مشتَرك أَم مخصوص بثَقافة الرِّسالة وزَمنها، تَطبيقاً للقاعدة الكُبرى في 3.3.2.2 أَن صفة الآية صفة مَصدرها بطَبيعة مضمونها لا بفاعلها اللُّغوي.
4.المَظِنَّة الكُبرى للمستَجَدّ ـ سورتا النساء والنور
ومن أَوسع مَظانّ المستَجَدّ في القرآن سورتا النساء والنور، تَحويان أَغلب ما بَين يَديه من التَّشريع المخصوص بالرِّسالة المحَمَّدية. فسورة النساء تَغلب عَليها التَّشريعات المستَجَدَّة المتَّصلة بالحياة المعاشة من أَحكام النِّكاح والطَّلاق والمهر والمحرَّمات وبناء المجتَمع المَدَني، وسورة النور تَزخر بمستَجَدّات أُخرى من أَحكام تَنظيمية وآداب اجتماعية مخصوصة بالأُمَّة المحَمَّدية. وهاتان السورتان نَموذج بنيوي بارز يَستأنس به القارئ في تَلَمّس المستَجَدّ، دون أَن يَخوض في تَفصيل آحاد أَحكامهما، فموضع ذلك التَّفصيلي فصول التَّشريع وفصل النَّسخ، حَيث يُستَقرَأ كلّ حُكم بمَناطه ونِسبته.
5.قِسمة المستَجَدّ بحَسب المقام ـ الإلزامي والإيماني
والمستَجَدّ التَّشريعي يَتَوَزَّع بنيوياً بحَسب مقامه على صنفَين متَمَيّزَين. الأَوَّل التَّشريع الإلزامي المقترن بالجَزاء، يَندرج تَحت صياغة «طاعة الله ورَسوله» التي تَجمع الثابت الكلي والمستَجَدّ المخصوص في وَحدة إلزامية لا تَتَجَزَّأ، يَلتَزم بها المؤمن بالرِّسالة المحَمَّدية بكَمالها. والثاني المستَجَدّ الإيماني الواجب الذي لا يَقترن بالوَعيد الجَزائي، يَندرج تَحت صياغة «طاعة الرَّسول»، ويَشمل بناء المجتَمع المَدَني وطاعة وُلاة الأَمر والإحسان والتَّقَرّب وما جَرى مَجراها من الإرشاد ورَفع المقام. وتَفصيل صياغات الطاعة وتَوزيع مَجالاتها بَين «الله» و«الله ورَسوله» و«الرَّسول» مؤَسَّس في فصل مَراتب الطاعة (5.5)، فيُحال إليه في موضعه.
6.النَّتيجة البنيوية الجامعة
ومن اقتران ما تَأَسَّس في هذا القسم تَتَجَلَّى نَتيجة محكمة، أَن النَّصّ القرآني يَضع بنيوياً سَبيل تَمييز المستَجَدّ في داخله، لكنّ الأَيسر بنيوياً تَقَفّي الكلي الثابت المحصور المنضبط بضابطه، فما خَرج عنه فمَظِنَّة المستَجَدّ، يُتَبَيَّن بطَريق النَّفي لا بالإثبات المباشر. والمعيار الفاصل طَبيعة المضمون لا الخطاب ولا اللَّفظ، والعَلامات اللَّفظية قَرائن مؤَيّدة، ومَظِنَّة المستَجَدّ الكُبرى سورتا النساء والنور، وهو ينقَسم بمقامه إلى إلزامي تَحت «طاعة الله ورَسوله» وإيماني واجب تَحت «طاعة الرَّسول». والقارئ الذي يَستوعب هذه المنظومة يَنفتح له تَمييز طَبَقات الكتاب بدقَّة، فيَرى الكلي الثابت والمستَجَدّ المخصوص في وَحدة بنيوية محكمة، ويَنفتح له باب التَّصديق الذاتي للقرآن من انسجام منظومته الداخلية، إذ يَرى صدقها في تَكامل طَبَقاتها واتّساق بنيتها التي لا تَناقض فيها.
3.3.2.9أَهل الكتاب والذين أُوتوا الكتاب ـ تَمييز الزاوية في المسيرة الواحدة
1.التَّمهيد ـ سؤال يَطرحه الاستقراء
تَأَسَّسَت في الأَقسام السابقة منظومة الكتاب الجامع بطَبَقاته، والتَّمييز اللُّغوي والرَّسمي بَين أَنواع النِّسبة فيه، ومَداخل تَمييز ما بَين يَديه. ويَنتقل هذا القسم إلى مَوضوع مرتَبط بالكتاب يَستحقّ تَأَمّلاً مستقلاً، هو العَلاقة البنيوية بَين الكتاب الجامع وأَصحاب الرسالات السابقة. فمن الصياغات التي تَتَكَرَّر في القرآن بصورة لافتة صياغتان قَد يَتَوَهَّم القارئ تَرادفهما، «أَهل الكتاب» و«الذين أُوتوا الكتاب». والفَهم الشائع يَختزلهما في تَسمية واحدة لجَماعة واحدة، لا يُفَرّق بَينهما إلا بفُروق أُسلوبية. غَير أَن مَنهج عَدم التَّرادف الذي تَأَسَّس بنيوياً في هذا الكتاب يَستلزم وَقفة، إذ لا يَستعمل النَّصّ صياغتَين مختَلفتَين للمعنى الواحد دون أَن يَكشف الاختلاف زاوية مغايرة في النَّظَر. فالصياغتان تَستحقّان استقراءً يَكشف ما تَنطق به كلّ واحدة منهما.
2.صياغة «أَهل الكتاب» ـ النِّسبة والاختصاص بالكتاب
صياغة «أَهل الكتاب» تَبدأ بلَفظ «أَهل»، وهو في اللسان العَربي يَدلّ على النِّسبة والاختصاص والانتساب، لا على الاستحقاق والتَّمَسّك. تَقول العَرب «أَهل البَيت» لساكنيه المنتَسبين إليه، و«أَهل البَلَد» لأَصحابه المختَصّين به، نِسبةَ سُكنى واختصاص لا نِسبة فَوز أَو استحقاق. و«أَهل الكتاب» بهذا المعنى اسم تَمييز يَنسب القَوم إلى الكتاب بوَصفه كتابهم المنزَّل في مسيرتهم، يُمَيّزهم عَمَّن سِواهم، لا يَحكم لهم بالتَّمَسّك به والإيمان. ولذلك يَصحّ أَن يَكون منهم الكافر والمؤمن، لأَن النِّسبة إلى الكتاب قائمة سَواء تَمَسَّكوا به أَم نَبَذوه، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ، فأَثبَت كافرين من أَهل الكتاب، ولَو كانت التَّسمية حُكماً بالاستحقاق لم يَستَقم وَصفهم بالكفر. ولَو أَراد النَّصّ الاستحقاق لقال «أَهل الإيمان»، فاختار «أَهل الكتاب» نِسبةً جنسية مميّزة لا حُكماً بالتَّمَسّك.
3.أَصل النِّسبة الموسوي وامتدادها على المسيرة
ويَكشف الاستقراء أَن نِسبة «أَهل الكتاب» تَعود إلى أَصلٍ موسوي صَريح، فالكتاب نَزَل في قَوميتهم الجامعة ابتداءً، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿يَسْـَٔلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَٰبًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُوا۟ مُوسَىٰٓ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ﴾ ، إذ رُبط «أَهل الكتاب» بموسى نِسبةً صَريحة. ثُمَّ تَمتَدّ هذه النِّسبة على المسيرة بمرحلتَيها، فهم أَنفسهم يَمتَدّ وَصفهم إلى ما بَعد عيسى، كَما يَكشف السياق المتَّصل في سورة النساء، إذ يَبدأ بأَهل الكتاب وسؤالهم موسى [النساء: 153]، ويَسترسل في نَقضهم الميثاق والعِجل والطُّور [النساء: 154-155]، ثُمَّ يَمتَدّ في النَّسَق نَفسه إلى قَولهم على مَريم بُهتاناً ودَعواهم قَتل المسيح ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَٰنًا عَظِيمًا ✫ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 156-157]، ثُمَّ يَختم بامتدادهم ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِۦ قَبْلَ مَوْتِهِۦ﴾ [النساء: 159]. فهم «أَهل الكتاب» في المسيرة كلّها، من مَطلعها الموسوي إلى ما بَعد المرحلة العيسوية، على الكتاب الواحد. ويُؤَكّد شُمول النِّسبة للمسيرة بمرحلتَيها مخاطَبتهم بالتَّوراة والإنجيل معاً ﴿يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦ﴾ [آل عمران: 65]، فناسَب وَصف «أَهل الكتاب» الجامع مَن شَهد الكتابَين في مسيرته الواحدة.
4.صياغة «الذين أُوتوا الكتاب» ـ اسم موصول بصلة الإيتاء
أَمّا صياغة «الذين أُوتوا الكتاب» فتَبدأ باسم موصول، وهو في اللسان العَربي بنية دَلالية تَصل ما بَعدها بأَمر يَستلزم وُجوده، لا مجَرَّد أَداة نَحوية. و«الذين أُوتوا الكتاب» تَصل قَوماً بالكتاب عَبر فعل الإيتاء، والإيتاء صياغة تَدلّ على الإعطاء التابع لا على الإنزال الابتدائي، فمن أُوتي شَيئاً أَخذه عَطاءً لا أَنه نَبَع منه ابتداءً. فالصياغة تَنظر إلى القَوم من زاوية تَلَقّيهم الكتاب إيتاءً، لا من زاوية أَصالتهم فيه. ويَتَأَكَّد هذا النَّظَر في قَوله تعالى ﴿فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْأُمِّيِّۦنَ ءَأَسْلَمْتُمْ﴾ ، إذ قابَل «الذين أُوتوا الكتاب» بـ«الأُمّيين» الذين لم يَتَلَقَّوا كتاباً، فدَلَّت المقابلة على أَن مَناط الصياغة تَلَقّي الكتاب إيتاءً، فمن تَلَقَّاه دَخل في وَصف المؤتَين، ومن لم يَتَلَقَّه بَقي أُمّياً خارج عَلاقة الإيتاء.
5.غياب النِّسبة الاسمية عن المؤتَين ـ دَليل بنيوي على تَمايز الزاوية
ومن أَدقّ ما يَكشفه الاستقراء أَن «أَهل الكتاب» جاءَتهم النِّسبة الاسمية الصَّريحة إلى موسى ، في حين لم تَأتِ «الذين أُوتوا الكتاب» نِسبةٌ اسمية صَريحة إلى نَبيٍّ بعَينه في مَوضع واحد، بَل يُعَرَّفون بزاوية الإيتاء وقَرينة القَبلية. وهذا الغياب بنيوي لا عَرَضي، إذ نِسبة «أَهل الكتاب» قامَت على نُزول الكتاب في قَوميتهم الجامعة ابتداءً مع موسى، فناسَبهم وَصف النِّسبة الأَصلية. أَمّا اتّصال المؤتَين بالكتاب فجاء تَلَقّياً لا نَسَباً، إذ رُفع عيسى إلى الله ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158]، ولا قَومية له بالمعنى النَّسَبي ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ﴾ [آل عمران: 59]، ثُمَّ أَوحى الله إلى أَنصاره ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّۦنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى﴾ [المائدة: 111]، فكان اتّصالهم بالكتاب اتّصال إيتاءٍ وتَلَقٍّ لا اتّصال نَسَبٍ وقَومية. فناسَبهم اسم الموصول وصلة الإيتاء، لا النِّسبة الاسمية. فغياب النِّسبة عنهم وحُضورها في «أَهل الكتاب» دَليل بنيوي على تَمايز الزاويتَين، زاوية النِّسبة الأَصلية وزاوية التَّلَقّي التابع.
6.قَرينة «من قَبلكم» ـ تَخصيص القَريب الملاصق
ويَتَأَكَّد هذا التَّمايز باقتران صياغة «الذين أُوتوا الكتاب» في مَواضع بقَرينة «من قَبلكم»، دون أَن تَلحق هذه القَرينة صياغة «أَهل الكتاب». وحَرف «من» الداخل على الظَّرف الزَّمني يُفيد ابتداء الغاية من نقطة قَريبة، فيُخَصّص القَبلية بالسابق الملاصق لا الممتَدّ المفتوح. فلَو قال النَّصّ «قَبلكم» مجَرَّدةً لامتَدّ الزَّمن إلى كلّ سابق، لكنّ «من قَبلكم» تَلصق القَبلية بالأَقرب زَمنياً. ويَترَجَّح أَن الأَقرب لَحظاً المرحلة العيسوية، آخر مَن أُوتي من الكتاب قَبل بَعثة محمد. ومن هنا يَتَبَيَّن سرّ غياب «من قَبلكم» عن «أَهل الكتاب»، فهم في مَواضع حُضور مع المؤمنين في زَمنهم لا قَبلهم، كَما في يَهود المَدينة الذين خاطَبهم النَّصّ بـ«أَهل الكتاب» وهم حاضرون ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمْ لِأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ ، وقَوله ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: 26]، فناسَب وَصفهم بالنِّسبة الحاضرة لا بالإيتاء الملاصق المتقَدّم.
7.وَحدة الكتاب في المسيرة الواحدة
ومن اقتران ما تَأَسَّس يَتَبَيَّن أَن الصياغتَين تَتَّصلان بكتاب واحد في مسيرة واحدة، لا بكتابَين لأُمَّتَين منفصلتَين. فبَنو إسرائيل ابتَدَأَت مسيرتهم بموسى والتَّوراة، ثُمَّ أُرسل فيهم عيسى ﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ ، فنَزَل في مسيرتهم نَفسها لا بكتاب جامع جَديد منفصل. فالتَّوراة خصوصية رِسالة موسى، والإنجيل خصوصية رِسالة عيسى، والقرآن خصوصية الرِّسالة المحَمَّدية، كلّ منها تُوسَم به نُبوَّة نَبيّه على الكتاب الجامع الواحد، لا أَنها كُتب جامعة منفصلة بَعضها عن بَعض. ويَتَجَلَّى اتّصال الصياغتَين بالكتاب الواحد في خِطاب «أَهل الكتاب» بإقامة التَّوراة والإنجيل معاً ﴿قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبّكُمْ﴾ [المائدة: 68]، فدَلّ على أَن أَهل الكتاب أَصحاب المسيرة الجامعة لخصوصِيَّتَي التَّوراة والإنجيل، لا مرحلة واحدة منهما.
8.التَّسمية صياغة بنيوية لا اسم عَلَم
ويَستحقّ التَّثبيت أَن التَّسمية في القرآن صياغة بنيوية تَنبثق من صفة قائمة في المسمَّى، لا اسم عَلَم جامد. فحين يُستعمل اسم «اليَهود» من جَذر «هاد» يَكون السياق في صفتهم الوَظيفية في الرُّجوع، وحين يُستعمل «النَّصارى» من جَذر النُّصرة يَكون السياق في مَن ناصروا عيسى، كَما يَكشف قَوله ﴿قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ﴾ ، وحين تُستعمل «بَنو إسرائيل» تَكون النِّسبة لإسرائيل أَصل القَوم، وحين تُستعمل «أَهل الكتاب» أَو «الذين أُوتوا الكتاب» يَكون السياق في عَلاقتهم بالكتاب نَفسه، نِسبةً أَو إيتاءً. فاختيار الصياغة في كلّ مَوضع يَكشف الزاوية التي يَنبغي إبرازها، ولا تُغني صياغة عن أُخرى، إذ كلّ واحدة تَكشف وَجهاً من العَلاقة لا يَكشفه سِواها.
9.النِّسبة قائمة والتَّمَسّك متَفاوت في أَصحابها
ويَكشف الاستقراء أَن نِسبة القَوم إلى الكتاب قائمة في جَميعهم، لكنّ التَّمَسّك به والإيمان يَتَفاوَتان، فمنهم من نَبَذه ومنهم من قام به. ويَكشف النَّبذ قَوله ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ، فالإيتاء وَقَع والعَمل به انقَطَع، إذ التَّلَقّي شَيء والتَّمَسّك شَيء. ويَكشف القيام به وانفتاحه على الحَقّ اللاحق قَوله ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 199]، فمن قام بالكتاب عَرَف الحَقّ حين يَأتيه ولو في رِسالة لاحقة، لأَنه امتداد لما بَين يَديه. ويُؤَكّد التَّفاوت قَوله ﴿لَيْسُوا۟ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ﴾ [آل عمران: 113]، فنَفى التَّسوية وأَثبَت فيهم أُمَّةً قائمة، فدَلّ على أَن الاسم يَجمع المتَمَسّك والنابذ معاً، إذ هو نِسبة إلى الكتاب لا حُكم بالإيمان به. ويَتَجَلَّى انفتاح المتَمَسّك على الحَقّ اللاحق في خَتم السياق المتَّصل ﴿لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [النساء: 162]، فالراسخ من أَهل الكتاب يُؤمن بالمنزَل إليك وبالمنزَل من قَبلك في وَحدة لا تَنفصم.
10.النَّتائج البنيوية الجامعة
ومن اقتران كلّ ما تَأَسَّس تَتَجَلَّى نَتائج محكمة تَختم القسم. الأُولى أَن «أَهل الكتاب» و«الذين أُوتوا الكتاب» ليسا مترادفَين، بَل صياغتان تَكشفان زاويتَين في النَّظَر إلى أَصحاب الكتاب، زاوية النِّسبة والاختصاص وزاوية الإيتاء والتَّلَقّي، لا أُمَّتَين منفصلتَين بكتابَين. والثانية أَن «أَهل الكتاب» نِسبة إلى الكتاب جاءَ ربطها الصَّريح بموسى أَصلِ المسيرة ، وتَمتَدّ على المسيرة من مَطلعها الموسوي إلى ما بَعد المرحلة العيسوية، فهم حاضرون متَّصلون لا يَلحقهم «من قَبلكم». والثالثة أَن «الذين أُوتوا الكتاب» اسم موصول بصِلة الإيتاء، لم تَأتِ لهم نِسبة اسمية صَريحة، لأَن اتّصالهم بالكتاب تَلَقٍّ لا نَسَب، وعيسى رُفع ولا قَومية نَسَبية له، فأُوحي إلى أَنصاره فاتَّصل بهم الكتاب إيتاءً. والرابعة أَن قَرينة «من قَبلكم» تُخَصّص السابق الملاصق، فيَترَجَّح فيها لَحظ المرحلة العيسوية الأَقرب زَمنياً. والخامسة أَن الكتاب الجامع واحد في مسيرة واحدة، نَزَل فيها موسى ثُمَّ عيسى على بَني إسرائيل، فالتَّوراة خصوصية رِسالة موسى والإنجيل خصوصية رِسالة عيسى على الكتاب الواحد، لا كتابان جامعان منفصلان. والسادسة أَن النِّسبة إلى الكتاب قائمة في أَصحابه جَميعاً، والتَّمَسّك به متَفاوت، فمنهم أُمَّة قائمة ومنهم نابذ، والاسم يَجمعهم لأَنه نِسبة لا حُكم بالإيمان. والقارئ الذي يَستوعب هذا التَّمييز يَنفتح له النَّصّ في تَعامله مع الأُمَم السابقة، فيَرى الصياغتَين زاويتَين في مسيرة واحدة على كتاب واحد، لا اسمَين جامدَين لأُمَّتَين متباينتَين، فتَنتظم له منظومة الكتاب في امتدادها التاريخي عَبر الرسالات.
3.3.2.10الكتاب والتَّحريف ـ خصوصية المضمون التَّشريعي في قابلية التَّحريف
1.التَّمهيد ـ سؤال يَطرحه التَّمييز البنيوي
تَأَسَّسَت في الأَقسام السابقة منظومة الكتاب الجامع بطَبَقاته، ونِسبة كلّ طَبَقة إلى مَصدرها البنيوي، والتَّمييز بَين مضمونه الوُجودي الكَوني ومضمونه التَّشريعي. ويَنتقل هذا القسم إلى تَأَمّل يَكشف فَرقاً جَوهرياً في طَبيعة المضامين القرآنية من جِهة قابليتها للتَّحريف. فالنَّصّ يَكشف بنيوياً وقوع التَّحريف على المضمون التَّشريعي، كَما في قَوله تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ ، وقَوله ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ﴾ [آل عمران: 78]. ويَطرح القارئ سؤالاً منهجياً، لماذا يَقبل المضمون التَّشريعي التَّحريف، في حين يَبقى المضمون الكَوني القَصصي محفوظاً بنيوياً، حتى تَحَدَّى النَّصّ البَشرية أَن تَأتي بمثله. ومن جَواب هذا السؤال يَنبثق فَهم محكم لخصوصية الكتاب التَّشريعي وضابط تَمييزه عن الانتحال.
2.التَّأسيس البنيوي ـ التَّحريف يَلحق المجَرَّد لا الوُجودي ذا الشاهد
ومن اقتران ما تَأَسَّس في الأَقسام السابقة يَتَجَلَّى التَّأسيس البنيوي للفَرق بَين المضمونَين في قابلية التَّحريف. فالمضمون الكَوني القَصصي، كَما تَأَسَّس في فصل القرآن وفي 3.3.2.3، له شاهد قائم في الوجود نَفسه، إذ الآيات الكَونية تَنكَشف في الطَّبيعة، والقَصص تُطابق وقائع التاريخ، والسنن تَجري في الأمم، فأَيّ تَحريف لهذا المضمون يَنكشف بمطابقته مع الواقع الذي يَشهد له أَو يَفضحه. أَمّا المضمون التَّشريعي، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.2 و3.3.2.7، فمضمون مجَرَّد لا يُقابله في الوجود المادي شاهد مباشر يُطابَق به فَوراً، إذ التَّشريع والأَخلاق والقِيم لا تَتَجَسَّد في الطَّبيعة تَجَسّد الآية الكَونية. ولا يَعني هذا أَن التَّشريع بلا حِكمة واقعية، فعلَله قائمة كَما تَأَسَّس في موضعه، لكنّ شاهده أَبطأُ تَكَشّفاً وأَخفى من شاهد الآية الكَونية، فلا يَفضح تَحريفه من الواقع فَوراً. ومن هنا تَتَبَيَّن عِلَّة قابلية المضمون التَّشريعي للتَّحريف، إذ يَفتقر إلى الشاهد الوُجودي العاجل الذي يَحرس الكَوني القَصصي من التَّحوير.
3.آليات التَّحريف ـ كَشف بنيوي من النَّصّ
والنَّصّ القرآني يَكشف آليات التَّحريف التي تَلحق المضمون التَّشريعي، يَستحقّ استقراؤها واحدةً واحدة، فهي ثَلاث آليات متَمَيّزة بنيوياً.
3.1 ـ الكتابة بالأَيدي ونِسبتها لله ـ التَّحريف الأَخطر
أَوَّل الآليات وأَخطرها قَوله تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ . ويَستحقّ التَّأَمّل في عِلَّة الويل المخصوص بها، فإنَّها لا تَلحق كلّ كتابة عن الدين، بَل تَلحق نَمَطاً مخصوصاً تُحَدّده الآية بقَيدَين مجتَمِعَين، أَن يَكتب البَشر مضموناً من عند أَنفسهم، ثُمَّ يَنسبوه إلى الله. فالعِلَّة في النِّسبة الكاذبة التي تُلبس الرَّأي البَشري قَدَسية الوَحي، لا في الكتابة ذاتها، ويُؤَكّد ذلك قَوله ﴿لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، إذ الغاية كَسب سُلطة أَو مَنفعة من إلباسه القَدَسية. فالإنسان قَد يَبتَكر منظومات أَخلاقية وقِيماً تُلائم زَمنه وثَقافته، والابتكار في ذاته ليس مَوضع الويل، إذ للإنسان قُدرة على تَنظيم سلوكه بما يُناسب ظُروفه. وإنَّما يَقع الويل في نَسب هذه المنظومات البَشرية إلى الله، فيَتَحَوَّل التَّشريع البَشري المحَلّي الزَّمني إلى ما يَبدو تَشريعاً إلهياً شاملاً أَزلياً، فيَكتسب حَصانةً من المراجعة لأَنه نُسب إلى الله، ويُفرَض على ثَقافات لا تُلائمه بدَعوى الشُّمول، ويَستمر بَعد زَوال مُقتَضاه بدَعوى الأَزلية، ويَتَحَوَّل في وَعي الناس إلى دين مقَدَّس لا يُمَسّ.
وعَلامة هذا الإلباس البنيوية تَحصينُ الرَّأي البَشري من النَّقد، فالمضمون الذي لُبس قَدَسيةً زائفة يُرفَع فَوق المراجعة، حتى إذا نازَعه ناقد أَو فَنَّده على أُسُس عِلمية قُوبل بالأَذى أَو المحاكَمة أَو المنازَعة الملتَوية فَوق المنطق، بدلاً من أَن يُقابَل بالحُجَّة. إذ الوَحي المقَدَّس المنسوب لله إنَّما هو ما أَنزله من الكتاب وَحده، فما رُفع إليه من رؤىً بَشرية لاحقة وحُصّن من النَّقد ونازَع صَريح الكتاب فهو من النَّمَط المذموم. فكلّ كتاب أَو رَأي يَجرح ناقديه ويُؤذيهم بدل أَن يُحاجَّهم، يَكشف بفعله أَنه أُلبس قَدَسيةً ليسَت له، فيَدخل بنيوياً في مَدلول الآية. وهذا المعيار نَفسه يَقتضي أَن يَبقى كلّ فَهم بَشري معروضاً للنَّقد لا محَصَّناً منه، ومنه ما يُطرَح في هذا الكتاب نَفسه، إذ يُعرَض بصيغة التَّرَجّح قابلاً للمناقَشة والتَّعديل، فالتَّحصين من النَّقد هو عَين العَلامة على إلباس القَدَسية، والانفتاح عَليه عَلامة التَّواضع البَشري أَمام الوَحي.
ولأَن هذا الفِعل يَفرض بنيةً بَشرية محَلّية بصياغة إلهية كَونية، فيَحجب التَّطَوّر الأَخلاقي ويَفرض ثَقافةً على سِواها ويُنشئ قَدَسيةً زائفة تَحجب الحَقّ الإلهي، توَعَّد الله عَليه بالويل تَحذيراً وَقائياً من فِعل ممكن الوُقوع، بَل واقع في كَثير من المجتَمَعات التي تَخلط الموروث البَشري بالكتاب الإلهي فتَفقد القُدرة على التَّمييز بَينهما.
3.2 ـ لَيّ الأَلسنة بالكتاب ـ إسقاط المعنى لا استسقاؤه
وثاني الآليات قَوله تعالى ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ . وهي أَدَقّ من الأُولى وأَخفى، إذ لا تَكتب كتاباً مستقلاً، بَل تَلوي المقصد بالكتاب القائم فتُحَرّف معناه دون أَن تُبَدّل لَفظه. وحَقيقة اللَّيّ بنيوياً قَلب اتّجاه الاستمداد، فالأَصل أَن يُستَسقى المعنى من الكتاب، فيَكون النَّصّ مَنبعاً والفَهم تابعاً يَكشف مُراده، فإذا لُوي اللسان صار الفَهم المسبَق أَصلاً يُسقَط على النَّصّ، فيُطَوَّع الكتاب ليُوافق الرَّأي بدلاً من أَن يُؤخَذ الرَّأي من الكتاب. فينقَلب المعنى من استسقاءٍ من النَّصّ إلى إسقاطٍ عَليه، ومن ثَمَّ يُحسَب من الكتاب ما ليس منه، كَما تَكشف الآية ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ﴾. وخَطَر هذه الآلية في تَلَبّسها بالحَقّ، فالمحَرّف لا يُعلن مخالفة الكتاب بَل يَنسب لَيَّه إليه، فيَختَلط الحَقّ بالباطل ويَتَحَوَّل التَّحريف إلى ما يَبدو تَفسيراً مَشروعاً.
ومن أَمثلة لَيّ المقصد البنيوية صَرفُ قَوله تعالى ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَا﴾ إلى النَّسخ داخل آيات الكتاب بَعضها بِبَعض، في حين أَن مقصدها البنيوي النَّسخ بَين الرسالات لا داخل الكتاب الواحد، كَما تَأَسَّس في فصل النَّسخ (5.14). فالنَّصّ قائم بلَفظه، لكنّ مقصده لُوي من النَّسخ بَين الرسالات إلى النَّسخ في الكتاب، فحُسب من الكتاب معنىً ليس منه. وأَخطر صُوَر هذا اللَّيّ عَكسُ أَصل الدَّلالة، بأَن يُجعَل المعنى مستقىً من الوجود فيُصَيَّر المسمَّى أَصلاً للتَّسمية، لا أَن يَكون الاسم مُسقَطاً على المسمَّى لتَشاركهما الوَظيفة، إذ الأَصل في الكتاب وجُمَله وأَلفاظه المعنى المطلوب، والوجود تَطبيق له لا مَنبع له. ومثله أَخذ المعنى بالرَّأي من خارج النَّصّ دون تَتَبّع مظانّه في الكتاب نَفسه، فكلا الصورتَين تَجعل الفَهم يُسقَط على النَّصّ لا يُستَسقى منه.
3.3 ـ الكتمان ـ وتَمييز كتمان الكتاب من كتمان البَيّنات
فكتمان الكتاب التَّشريعي قَوله تعالى ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا أُو۟لَٰٓئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . وكتمان الكتاب بنيوياً ليس مجَرَّد إخفاء نَصّ، بَل تَعطيل حُكم قائم فيه ومعالجةٍ مؤَصَّلة لقَضية، فلا يُطَبَّق على الواقع، ويُستَبدَل به حُكم وَضعي يَحلّ محَلَّه. فمن عَطَّل حُكم الله المنصوص وأَحَلّ محَلَّه حُكماً وَضعياً فقَد كَتَم ما أَنزل الله، وإن لم يُخفِ لَفظه، لأَنه حَجَب أَثره وعَطَّل مُقتَضاه. ومن أَظهر صُوَر هذا الكتمان بنيوياً التَّعَصّب المذهبي والطائفي حين يُقَدّم موروث المذهب على حُكم الكتاب، أَو يُعَطّل المنصوص لصالح ما تَواضَعَت عَليه الطائفة، فيُحَصّن رَأي الجَماعة من المراجعة ويَجعله حاجباً للحُكم الإلهي، وهو من أَغلَظ ما يَلحق المجتَمَعات ضَرَراً، إذ يَستَبدل بحُكم الله الشامل المحكَم عَصبيةً ضَيّقة تُفَرّق ولا تَجمع. ولذلك غَلُظ الوَعيد في الآية غِلظةً تُناسب خُطورة الفِعل، فجُمع فيه عَذاب البَطن بالنار، والحِرمان من كَلام الله وتَزكيته يَوم القيامة، والعَذاب الأَليم. وضَرَر هذا الكتمان ذاتي في أَصله، إذ يَحرم صاحبه تَشريع ربّه قَبل غَيره، فيَعيش بحُكم وَضعي قاصر عن شُمول حُكم الله وإحكامه.
وأَمّا كتمان البَيّنات فقَوله تعالى ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِى ٱلْكِتَٰبِ أُو۟لَٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ﴾ . والبَيّنات بنيوياً ما له حُضور مادي في الوجود، آياتٌ كَونية يَتَكَشَّف بَيانها للمتَتَبّع بأَدواته العِلمية، كَما يَكشف ربطها بالعلم في قَوله ﴿بَلْ هُوَ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49]، أَو بَيّنات معضِّدة للرسل عَضَّدَت رسالاتهم في الوجود، كَما في بَيّنات موسى ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ﴾ [البقرة: 92] وبَيّنات عيسى ﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ﴾ [البقرة: 87]. وعِقاب كتمانها اللَّعن، وهو بنيوياً الإبعاد والطَّرد من رحمة الله وبركته، لا السبّ ولا الشَّتم، فمن لَعَنه الله انقَبَض وَعيه وانحَبَس علمه فلم يُثمر ولم يَنتشر، إذ حُرم بركة البَلاغ والمناقَشة والنَّقد التي بها يَنمو العلم ويَتَوالَد. فكاتم البَيّنة يَلعنه الله بحَبس علمه عن النَّماء، ويَلعنه الناس لحِرمانهم مما كَتَم. ومن هنا يَتَبَيَّن الفَرق البنيوي بَين الكتمانَين، فكتمان الكتاب التَّشريعي ضَرَره ذاتي فَردي يَحرم الكاتم تَشريعَ ربّه، وكتمان البَيّنة الكَونية ضَرَره مزدَوج، ذاتي على الكاتم باضمحلال علمه، واجتماعي على الإنسانية بحِرمانها من علم وُجودي نافع. وهذا يَكشف أَن العلم الكَوني مَنفعة إنسانية عامَّة يَجب بَلاغها، يَتَّسق مع مَنهج الراسخين في العلم الذي تَأَسَّس في 3.3.2.3، ومع مَنهج كتاب «أَصل الوُجود» في بَلاغ ما تَوَصَّل إليه وعَرضه للنَّقد والتَّعديل.
4.الحكمة ضابط الحُكم ـ الأَبدي الإلهي والظَّرفي البَشري
ومن أَدقّ ما يَكشف بنية المنظومة التَّشريعية وضابط تَمييز الإلهي من البَشري فيها، اقتران الكتاب بالحكمة في النَّصّ القرآني. فالاستقراء يَكشف ظاهرةً بنيوية لافتة، أَن النَّصّ لا يَقرن تَعليم الكتاب مفرَداً، بَل يَقرنه بالحكمة ملازمةً مطّردة، كَما في قَوله ﴿وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾ ، وقَوله ﴿وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 113]، وقَوله ﴿لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَٰبٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: 81]. والملازمة بنيوية، تَكشف أَن الكتاب يَحمل الأَحكام، والحكمة تَحمل عللها وأَسبابها التي تَضبط صفتها وتَطبيقها، فلا حُكم بلا عِلَّة، ولا يَستقيم تَطبيق حُكم بمعزل عن العِلَّة التي يَنبثق منها.
4.1 ـ الحكمة بنيوياً ـ العلَل والأَسباب لأَيّ حُكم
والحكمة في الاستقراء النَّصّي بنيوياً العلَل والأَسباب لأَيّ حُكم، إلهياً كان أَو بَشرياً، إذ لا حُكم يَقوم بلا عِلَّة تَحمله. والحُكم يَكتسب صفته من صفة علَّته، فإن كانَت العِلَّة أَبدية شاملة حَمَل الحُكم صفتها فكان أَبدياً شاملاً، وإن كانَت العِلَّة ظَرفية زائلة حَمَل صفتها فكان ظَرفياً يَزول بزَوالها. فالحكمة هي الضابط الذي يَكشف طَبيعة الحُكم من طَبيعة علَّته، ومن هنا كانَت ملازمتها للكتاب، إذ بها يُمَيَّز الحُكم الأَبدي الشامل من الحُكم الظَّرفي الزائل.
4.2 ـ العلَّة الأَبدية ـ التَّحريم الإلهي وتَفصيله الربوبي
فإذا كانَت العِلَّة أَبدية شاملة، حَمَل الحُكم صفة الأَبدية والشُّمول، وهذا شأن المحرَّمات، إذ عللها أَبدية شاملة فناسَب شُمولها وتأبيدها في الواقع. وهذا الحُكم اختصاص بنيوي لله وَحده ﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ، لأَن إدراك العِلَّة الأَبدية الشاملة يَستلزم رُؤية الواقع رُؤيةً شاملة عابرة للزَّمان والمَكان، وهي من صفات الذات المطلقة لا من إمكانات الإنسان المحَدود بثَقافته وزَمنه. ثُمَّ تَأتي الحكمة في وَجهها الثاني، إذ يَتَناغَم تَطبيق الحُكم الأَبدي مع ثَقافة الأمم وتَطَوّرها، فيَتَنَزَّل لكلّ رِسالة بتَفصيل يُلائمها، وهو التَّفصيل الربوبي الذي يَنسب لرَبّ العالمين في تَدبيره الزَّمكاني، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.6، ويَكشفه خَتم تَفصيل المحكَمات بقَوله ﴿ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰٓ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: 39]. فالعِلَّة الأَبدية لله، وتَفصيلها المتَناغم مع الأمم حكمةٌ ربوبية، كلاهما من الحكمة في وَجهَيها الإلهي.
4.3 ـ العلَّة الظَّرفية ـ المَنع البَشري الزائل
وإذا كانَت العِلَّة ظَرفية، حَمَل الحُكم صفة الظَّرفية، وهذا شأن المَنع والأَمر البَشري. فالأمم والسُّلطات مؤَهَّلة بنيوياً أَن تَأمر وتَنهى بما يُلائم ظُروفها ومقتَضى حاجاتها، ضِمن إطار الحَلال الإلهي العامّ، إذ لكلّ أُمَّة تَشريع ظَرفي تَستجيب به لواقعها. ومثاله البنيوي مَنع تَداول صِنف أَصابه فَساد أَو وَباء، فهو مَنع مَنوط بعِلَّة محَدَّدة، ظَرفي يَزول بزَوالها، لا يَدَّعي تَحريماً ولا يَنقض حَلال الله، بَل يُنَظّم تَداوله في ظَرفه. غَير أَن هذا الحُكم البَشري لا يَحمل العِلَّة الأَبدية الشاملة، فلا يَبلغ مَبلغ التَّحريم، بَل يَدور مع علَّته وُجوداً وعَدماً. فإذا زالَت العِلَّة وَجب زَوال الحُكم ضَرورةً بنيوية، وإن استَمَرّ بَعد زَوال علَّته انقَلَب إلى تَحريم بَشري يُفرَض على الناس بلا عِلَّة قائمة، فيَدخل تَحت الويل المتَوَعَّد به في البقرة 79، لأَنه ادَّعى الشُّمول والتأبيد اللَّذَين هما من اختصاص الله وَحده.
4.4 ـ القاعدة البنيوية المحكمة ـ التَّحريم والتَّحليل خاصية إلهية
ومن اقتران ما تَأَسَّس تَتَجَلَّى القاعدة المحكمة، أَن التَّحريم والتَّحليل خاصية إلهية حصرية مقفلة على النَّصّ، لا يُحَرّم إنسان حَلالاً أَحَلَّه الله، ولا يُحَلّل حَراماً حَرَّمه، لأَنهما يَستلزمان العِلَّة الأَبدية الشاملة التي لا تَكون إلا لله. وأَمّا المَنع والإباحة وإدارة الحَلال فاختصاص الأمم والسُّلطات ضِمن إطار الحكمة الظَّرفية، بشَرط الارتباط بعِلَّة صَريحة، والزَّوال بزَوالها، وعَدم ادّعاء القَدَسية الإلهية. والقارئ البَنيوي يَكشف التَّحريف بمَنهج محكم، إذ يَختبر الحُكم المنسوب لله بطَبيعة علَّته، فإن قام على عِلَّة أَبدية شاملة فهو إلهي، وإن قام على عِلَّة ظَرفية زائلة فهو بَشري، فإن استَمَرّ بَعد زَوال علَّته مع نِسبته لله فهو تَحريف يَفرض الظَّرفي البَشري بصياغة الأَبدي الإلهي.
5.حِفظ الكَوني القَصصي ـ التَّحَدّي مقابل التَّحذير
ومن اقتران ما تَأَسَّس يَتَجَلَّى سرّ الحِفظ البنيوي للمضمون الكَوني القَصصي، وفَرقه عن المضمون التَّشريعي في التَّعامل النَّصّي. فالنَّصّ يَتَعامَل مع المضمونَين بصورتَين مختَلفتَين تَكشفان طَبيعة كلٍّ منهما. ففي المضمون التَّشريعي يُنذِر ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ ، والإنذار وَقائي يُحَذّر من فِعل ممكن الوُقوع، لأَن المضمون التَّشريعي مجَرَّد قابل للتَّحوير، يَستلزم تَحذيراً يَحرس الناس من الانزلاق إليه. وفي المضمون الكَوني القَصصي يَتَحَدَّى ﴿قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]، والتَّحَدّي يَكشف استحالة المنافسة لا التَّحذير من فِعل ممكن، لأَن المضمون الكَوني محفوظ بشُهود الوجود فلا يُحاكى.
وعِلَّة هذا الاختلاف بنيوية، فالمضمون التَّشريعي مجَرَّد لا شاهد عاجل له في الوجود، فالتَّحريف فيه ممكن يَستلزم التَّحذير، والمضمون الكَوني القَصصي له شاهد قائم في الوجود، إذ الآيات الكَونية تَنكَشف في الطَّبيعة والقَصص تُطابق التاريخ والسنن تَجري في الأمم، فالواقع نَفسه يُدافع عنه، فلا يَحتاج إلى تَحذير وَقائي بَل يَتَحَدَّى البَشر أَن يُحاكوه. ويَكشف هذا التَّأسيس مبدأً جَوهرياً، أَن أَيّ فَرضية فِكرية أَو كَونية لا تَستمر إلا بتَوافقها مع الواقع، والتَّوافق مع الواقع شَرط البَقاء الفِكري، والنَّظريات المخالفة للواقع تَفنى ذاتياً لأَن الواقع يَفضح مخالفتها.
ويَتَأَكَّد هذا في تَدَرّج التَّحَدّي تَيسيراً في القَدر المطلوب، إقامةً للحُجَّة عَليهم، فبَدأ بتَحَدّيهم بالقرآن كلّه ﴿لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ ، ثُمَّ بحَديث مثله ﴿فَلْيَأْتُوا۟ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِۦٓ إِن كَانُوا۟ صَٰدِقِينَ﴾ [الطور: 34]، ثُمَّ بعَشر سُوَر ﴿فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَٰتٍ﴾ [هود: 13]، ثُمَّ بسورة واحدة ﴿فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [يونس: 38]. فكلّما عَجَزوا عن القَدر الأَكبر خَفَّف إلى ما دونه، حتى تَحَدّاهم بأَقلّ قَدر مُمكن، فعَجَزوا عنه أَيضاً، فقامَت الحُجَّة بعَجزهم عن الأَيسر بَعد عَجزهم عن الأَكبر.
والتَّحَدّي بنيوياً يَكشف ثِقة المَصدر الإلهي بمضمونه، إذ يَعلم أَنه يَستَمدّ صدقه من شُهود الوجود نَفسه، فلا يَستطيع البَشر مُحاكاته مَهما اجتَمَعوا، لا نَصاً مفترىً ولا مضموناً يُطابق الواقع. فالقارئ البَنيوي يَرى في هذا التَّحَدّي بُرهاناً ذاتياً على المَصدر الإلهي، إذ لا يَتَحَدَّى الإنسان البَشرية بكاملها بمضمون يُمكن أَن يُحاكى، والتَّحَدّي يَستلزم ثِقةً لا تَنبثق إلا من مَصدر يَتَجاوَز الإمكانات البَشرية.
6.وَحدة الكتاب ـ الإيمان ببَعضه دون بَعض تَحريف
ومن أَدقّ الشَّواهد البنيوية على وَحدة الكتاب التَّشريعي قَوله تعالى ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ . والآية تَكشف أَن الكتاب الجامع منظومة متَكاملة لا تُجَزَّأ، يَنبثق إحكامها من تَكامل أَجزائها، فالإيمان ببَعضه دون بَعض تَحريف لبنيته. فانتقاء ما يُلائم الهَوى وتَرك ما يُخالفه يَكسر وَحدة المنظومة، والاحتجاج ببَعض الكتاب على بَعضه الآخر يُناقض تَكامله، والتَّحَزّب لطَبَقة من طَبَقاته باختزاله في المحكَمات وَحدها أَو المتَشابهات وَحدها يَفقده وَحدته. والمنظومة بنيوياً تَستلزم استقراء طَبَقاتها معاً، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.1، فالإيمان بالكتاب يَعني القَبول بمنظومته كاملةً لا انتقاء أَجزاء منها ورَفض أُخرى.
ويَكشف النَّصّ عِلَّة هذا التَّجزيء صَريحةً، وهي التَّحَزّب والتَّعَصّب لمعتَقَد راسخ، كَما في قَوله ﴿وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ ٱلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾ ، إذ نَسَب إنكار البَعض إلى «الأَحزاب»، والحِزب جَماعة تَعَصَّبَت لرَأيها، فتَقبل من الكتاب ما يُوافق معتَقَدها وتُنكر ما يُخالفه. فالعَصبية المذهبية هي العِلَّة التي تَحمل صاحبها على تَجزئة الكتاب، فيُحَكّم هَواه الحِزبي في كَلام الله قَبولاً ورَفضاً، فيَقع في التَّحريف من حَيث يَحسب أَنه متَمَسّك. وهذا التَّجزيء صورة خَفية من صُوَر التَّحريف، إذ لا يُبَدّل النَّصّ ولا يَلوي مقصده، بَل يَبتُر المنظومة فيُؤخَذ الجُزء معزولاً عن سياقه الجامع فيُحَمَّل ما لا يَحتمله لو رُدّ إلى كلّيته.
7.ميثاق البَيان والكفر بَعد العلم
ومن الشَّواهد البالغة الأَهَمّية قَوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ . والآية تَكشف ميثاقاً إلهياً مع الذين أُوتوا الكتاب بالتزامَين متَكاملَين، بَيان الكتاب للناس كَما هو دون لَيّ، وعَدم كتمانه بحَجب أَجزائه. والميثاق بنيوياً يَخصّ الكتاب الذي أُنزل بحَقّه، لا الكتب البَشرية التي كُتبَت بأَيدٍ ونُسبَت لله، فالمأخوذ عَليهم بَيان ما أُنزل من الله، لا بَيان ما كَتَبه البَشر ونَسَبوه إليه. ومن نَبذ هذا الميثاق فجَمَع بَين كتمان الكتاب ولَيّ مقصده ونِسبة البَشري إلى الله، خان الميثاق بنيوياً، إذ لم يُبَيّن الكتاب الإلهي بَل فَرَض مكانه ما انتَحَله.
ويَكشف الاستقراء أَن جُحود الكتاب لا يَنشأ غالباً عن جَهل به، بَل عن كفر به بَعد معرفته، إذ يَأتيهم الحَقّ فيَعرفونه ثُمَّ يَردّونه عِناداً، كَما في قَوله ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِ﴾ . فنَبذ الميثاق ليس عن خَفاء الحَقّ، بَل عن رَدّه بَعد انكشافه، وهو أَشَدّ من الجَهل، إذ الجاهل يُعذَر بجَهله، وأَمّا من عَرَف الحَقّ ثُمَّ كَتَمه أَو لَواه أَو فَرَض عَليه ما ليس منه، فقَد نَقَض الميثاق عن بَيّنة. فالميثاق قائم في كلّ من حَمَل الكتاب أَن يُبَيّنه لا أَن يَكتمه، وأَن يُبَلّغه كَما أُنزل لا أَن يُحَرّف مقصده، فمن خالَف ذلك دَخَل في الذين نَبَذوه وراء ظُهورهم.
8.تَمييز الكتاب الإلهي عن الكتب البَشرية ـ والحِفظ المزدَوج في الرِّسالة المحَمَّدية
ومن اقتران ما تَأَسَّس يَتَجَلَّى تَمييز منهجي محوري، أَن الكتاب الإلهي ما أَنزله الله بحَقّه، يَحمل صفات مَصدره من الإحكام والإتقان والتَّكامل وعَدم التَّناقض، والكتب البَشرية ما كَتَبه البَشر ونَسَبوه إلى الله أَو دَمَجوه بالوحي الإلهي، يَحمل صفات مَصدره من التَّفاوت والاضطراب والتَّقَيّد بزَمن وثَقافة. والتَّمييز بَينهما شَرط بنيوي لكلّ فَهم منهجي، يَكشفه استقراء النَّصّ من ذاته بمَنهج عَدم التَّرادف والتَّماثل البنيوي، فما حَمَل صفات الإحكام والشُّمول فهو من الكتاب، وما حَمَل صفات المحَلّية والتَّناقض فهو منسوب إليه بَشرياً. وقَد تَبَيَّن في 3.3.2.9 أَن التَّوراة والإنجيل خصوصيتان رِساليتان على الكتاب الجامع الواحد، فالتَّحريف لا يَلحق الخصوصية الرِّسالية في أَصلها، بَل يَلحق ما أُقحم عَليها من كتب بَشرية نُسبَت إلى الله.
وتَختصّ الرِّسالة المحَمَّدية بحِفظ مزدَوج يَصونها من التَّحريف. فالنَّصّ محفوظ من التَّحوير اللَّفظي ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ ، تَصل آياته كَما نَزَلَت بدقَّة نَصّية كاملة. والكتاب الجامع محفوظ ببنيته المتَكاملة في طَبَقاته، فأَيّ تَحريف في الفَهم يَنكشف بعَرضه على البنية الكاملة. ومن ثَمَّ، التَّحريف في الرِّسالة المحَمَّدية لا يَطال النَّصّ بَل يَطال الفَهم، إذ لا يَستطيع المحَرّف تَغيير حُروف القرآن، لكنّه قَد يُحَرّف فَهمه بإسقاط مَسارات خارجية عَليه، أَو باجتزاء الآيات عن سياقها، أَو بكتمان أَجزاء من المنظومة، أَو بإلباس كتب بَشرية قَدَسية القرآن. والقارئ البَنيوي يَكشف هذه التَّحريفات بمَنهج استقراء النَّصّ من ذاته، ورَدّ المتَشابه إلى المحكَم، ورَفض المَصادر الخارجية التي لا أَصل لها في النَّصّ، ومطابقة المضمون بالواقع، فيَنفصل عنده الكتاب الإلهي عمّا أُلبس به من انتحال.
9.النَّتائج البنيوية الجامعة
ومن اقتران كلّ ما تَأَسَّس في هذا القسم تَتَجَلَّى نَتائج محكمة تَختمه. الأُولى أَن التَّحريف يَلحق المضمون التَّشريعي المجَرَّد لا المضمون الكَوني القَصصي، إذ الأَوَّل يَفتقر إلى الشاهد الوُجودي العاجل، والثاني يَفضحه الواقع فَور تَحريفه. والثانية أَن آليات التَّحريف ثَلاث، كتابة بَشرية تكتسب قدسيتها بنسبتها إلى الله (البقرة 79)، ولَيّ المقصد بإسقاط الفَهم على النَّصّ لا استسقائه منه (آل عمران 78)، وكتمان الكتاب بتَعطيل حُكمه وإحلال الوَضعي محَلَّه (البقرة 174). والثالثة أَن عَلامة إلباس القَدَسية تَحصينُ الرَّأي من النَّقد، فما جُرح ناقده بدل أَن يُحاجَّ فقَد أُلبس قَدَسيةً ليسَت له، ومنه التَّعَصّب المذهبي الذي يُقَدّم موروث الحِزب على الكتاب. والرابعة أَن الحكمة عللُ الأَحكام وأَسبابها، والحُكم يَكتسب صفته من علَّته، فالتَّحريم الإلهي أَبدي شامل اختصاصه لله وتَفصيله الربوبي يُلائم الأمم، والمَنع البَشري ظَرفي يَزول بزَوال علَّته، فإن استَمَرّ بَعدها مع نِسبته لله انقَلَب تَحريفاً. والخامسة أَن المضمون الكَوني محفوظ بحِفظ مزدَوج، إلهيٍّ للنَّصّ وذاتيٍّ بمطابقة الواقع، فناسَبه التَّحَدّي لا التَّحذير. والسادسة أَن الكتاب منظومة لا تُجَزَّأ، والإيمان ببَعضه دون بَعض تَحريف علَّته التَّحَزّب (البقرة 85 ✫ الرعد 36). والسابعة أَن الميثاق أُخذ على حَمَلة الكتاب ببَيانه لا كتمانه، وأَن جُحوده كفر بَعد معرفة لا جَهل (آل عمران 187 ✫ البقرة 89). والثامنة أَن التَّحريف في الرِّسالة المحَمَّدية لا يَطال النَّصّ المحفوظ بَل يَطال الفَهم، فيُكشَف بمَنهج استقراء النَّصّ من ذاته ورَفض المَصادر الخارجية ومطابقة الواقع. والقارئ الذي يَستوعب هذه المنظومة يَنفتح له النَّصّ القرآني محكماً، فيُمَيّز الكتاب الإلهي عمّا أُلبس به من انتحال، ويَكشف آليات التَّحريف في الفَهم بمَنهج بنيوي، ويَجمع بَين النَّصّ والواقع في وَحدة لا تَناقض فيها.
3.3.2.11المنظومة الجامعة للكتاب ـ خاتمة الفصل
1.التَّمهيد ـ من الاستقراء الجُزئي إلى المنظومة الكُلّية
تَأَسَّس في الأَقسام السابقة بنيان الكتاب الجامع طَبَقةً طَبَقة، ومفهوماً مفهوماً، حتى اكتَمَلَت صورته البنيوية. فابتَدَأ الفصل بتَعريف الكتاب اسماً ودَلالةً، كلًّا جامعاً يَستوعب أَربع طَبَقات في وَحدة محكمة (3.3.2.1)، ثُمَّ أَسَّس القاعدة المنهجية الكُبرى «صفة الآية صفة مَصدرها» التي تَفصل المضمون الوُجودي الربوبي من المضمون التَّشريعي الإلهي (3.3.2.2)، ثُمَّ كَشَف منظومة المحكَمات والمتَشابهات في آل عمران 7 (3.3.2.3)، ثُمَّ التَّمييز اللُّغوي بَين «من الله» و«من رَبّ العالمين» (3.3.2.4)، ثُمَّ التَّمييز الرَّسمي بَين «كتاب» بأَلف مثبتة و«كتٰب» بأَلف خنجرية (3.3.2.5)، ثُمَّ تَفصيل الكتاب بَياناً للمحكَم في كلّ زَمن (3.3.2.6)، ثُمَّ ما بَين يَدَي الكتاب مستَجَدّاً تَشريعياً يَطلب التَّصديق (3.3.2.7)، ثُمَّ تَمييز هذا المستَجَدّ بتَقَفّي الكلي الثابت (3.3.2.8)، ثُمَّ أَهل الكتاب والذين أُوتوا الكتاب تَمييزاً للزاوية في مسيرة واحدة (3.3.2.9)، ثُمَّ الكتاب والتَّحريف وخصوصية المضمون التَّشريعي في قابليته للتَّحوير (3.3.2.10). وهذا القسم الختامي يَجمع ما تَأَسَّس في صورته المتَكاملة، ليَنفتح للقارئ الكتاب الجامع بوَحدته البنيوية، تَتَكامل طَبَقاته الأَربع في منظومة واحدة، تَنبثق من مَصدر إلهي واحد، تُؤَدّي وَظيفة محكمة في هداية الإنسان في كلّ زَمن.
2.الكتاب الجامع ـ الطَّبَقات الأَربع في منظومة واحدة
من اقتران كلّ ما تَأَسَّس يَتَجَلَّى الكتاب الجامع بطَبَقاته الأَربع المتَكاملة، كَما عَرَّفها 3.3.2.1 ثُمَّ بَيَّنتها الأَقسام اللاحقة بدقَّة. فالطَّبَقة الأُولى القرآن المتَشابه، آياتٌ كَونية وقَصصية وسننية تَتَشابه بَعضها مع بَعض في بنية متَكاملة فيُبَيّن بَعضها بَعضاً بالترتيل الموضوعي، تَنسب لرَبّ العالمين بفاعلية ربوبية لأَن مضمونها وُجودي يُحاكي السنن والتاريخ والكَون، تَأَسَّسَت في 3.3.2.3. والطَّبَقة الثانية المحكَمات، الكليات التَّشريعية الثابتة الآمرة والعَقدية مضافاً إليها المحرَّمات، أُمّ الكتاب ومَرجعه، تَتَشاركها كلّ الرسالات بنَصّ ومعنىً عامّ ثابتَين، تَنسب لله بمَصدرية أَمرية لأَن مضمونها تَشريع مجَرَّد لا حضور كَوني له، تَأَسَّسَت في 3.3.2.3. والطَّبَقة الثالثة تَفصيل الكتاب، بَيان داخلي للمحكَم يَكشف دَقائقه ويَتَماهى مع زَمن كلّ رِسالة وثَقافة أُمَّتها، يَنسب لرَبّ العالمين بفاعلية ربوبية لأَنه يَكتسب صفة التَّماهي الزَّمني، تَأَسَّس في 3.3.2.6. والطَّبَقة الرابعة ما بَين يَدَي الكتاب، المستَجَدّ التَّشريعي المخصوص بالرِّسالة المحَمَّدية لم يَنزل في الرسالات السابقة، يَنسب لله بمَصدرية أَمرية محكَماً وتَفصيلاً معاً لأَنه تَشريع مجَرَّد نَزل محكَمه وتَفصيله في زَمن واحد بلا فاصل بَين الرسالات، يَستلزم تَصديقاً من القرآن بحُضوره الوُجودي لخُروجه عن مأَلوف الوَعي، تَأَسَّس في 3.3.2.7. والطَّبَقات الأَربع داخل الكتاب الجامع لا منفصلة عنه، تَتَكامل في وَحدة بنيوية محكمة، لكلّ طَبَقة خَصائصها ونِسبتها ووَظيفتها، والقارئ البَنيوي يَجمع بَينها ويَستقرئ من كلٍّ منها ما يُلائم سياقها، ومن لم يَستوعب أَن المحكَمات بَعض من الكتاب لا أَن الكتاب محكَمات عَسر عَليه فَهم سائر الطَّبَقات.
3.المنظومة الإلهية والمنظومة الربوبية ـ تَكامل لا انفصال
ومن أَدقّ ما تَكَشَّف في هذا الفصل التَّكامل البنيوي بَين المنظومة الإلهية والمنظومة الربوبية في الكتاب الجامع، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.4. فالمنظومة الإلهية مَصدرها الذات المطلقة خارج الوجود، نِسبتها أَمرية مَصدرية لا مكانية، تَستوعب المحكَمات الكلية الثابتة والمستَجَدّ التَّشريعي، إذ كلاهما تَشريع مجَرَّد لا حضور كَوني له. والمنظومة الربوبية مَصدرها رَبّ العالمين بفاعلية ربوبية مباشرة في الوجود، نِسبتها فاعلية تَتَجَلَّى في الكَون والتاريخ، تَستوعب القرآن المتَشابه الكَوني القَصصي وتَفصيل المحكَمات المتَماهي مع الزَّمن. والمنظومتان متَكاملتان تَنبثقان من مَصدر واحد، فالذات الإلهية تَتَجَلَّى في الوجود من خِلال مقام الرُّبوبية، والمنظومة الربوبية امتداد فاعلي لها في الوجود لا انفصال عنها، والكتاب الجامع يَستوعب التَّجَلّيَين معاً، يَكشف الذات في أَمرها المطلق ويَكشف الوجود في انضباطه بسنن الرُّبوبية. والقارئ البَنيوي يَستقرئ الكليات الإلهية من نِسبتها الأَمرية المَصدرية، ويَستقرئ المنظومة الربوبية من فاعليتها في الوجود، فلا يَخلط بَين النِّسبتَين، فيُحفَظ التَّمييز البنيوي مع وَحدة المَصدر الإلهي.
4.التَّمييز اللُّغوي والرَّسمي ـ دقَّة الصياغة في كَشف النِّسبة
ومن أَخصّ ما يَكشف إحكام المنظومة دقَّة الصياغة القرآنية في تَمييز النِّسبة لَفظاً ورَسماً، تَأكيداً لمَنهج عَدم التَّرادف. فالتَّمييز اللُّغوي بَين «من الله» و«من رَبّ العالمين» يَكشف نِسبتَين متَمَيّزتَين، إذ «من» ليسَت مكانية لأَن الذات المطلقة مفارقة للزَّمكان، بَل «من الله» نِسبة أَمرية مَصدرية تَدلّ على صُدور الأَمر عن الذات دون انتقال من حَيّز، والآلية الفعلية لتَحَقّقه تَجري بسنن الربوبية، و«من رَبّ العالمين» فاعلية ربوبية مباشرة تَتَجَلَّى في الوجود بآلية مَلموسة تَتَفاعل مع الزَّمن والمَكان، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.4. والتَّمييز الرَّسمي بَين «كتاب» بأَلف مثبتة و«كتٰب» بأَلف خنجرية يَكشف مَوضع الاستقراء لا نوع المضمون، فإثبات الأَلف يَدلّ على ما يُستَقرَأ من خارج النَّصّ في سنن الوجود ومعطياته، وغيابها يَدلّ على ما يُستَقرَأ من داخل النَّصّ بَين آياته بالترتيل الموضوعي، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.5. وهذان التَّمييزان يَكشفان أَن الرَّسم القرآني واللَّفظ القرآني ليسا عَفوياً، بَل يَحملان دَلالات بنيوية تَفتح للقارئ مَوضع استقراء المَنسوب ونِسبته، فلا يَخلط المَصدرية الأَمرية بالفاعلية الربوبية، ولا الكتاب الكَوني السنني بالكتٰب النَّصّي القرآني.
5.الميثاقات البنيوية ـ منظومة الالتزام مع الكتاب
ومن أَدقّ ما يَستحقّ التَّأكيد منظومة الميثاقات التي تَكشف العَلاقة بَين المَصدر الإلهي والمتَلَقّي الإنساني. فميثاق الأَنبياء قَوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّۦنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَٰبٍ وَحِكْمَةٍ﴾ ، ميثاق على حَمل الكتاب والحكمة معاً، النَّصّ وعللِه. وميثاق حَمَلة الكتاب قَوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ﴾ [آل عمران: 187]، ميثاق ببَيان الكتاب وعَدم كتمانه، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.10. وميثاق المؤمنين بالكليات السُّلوكية قَوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83]، ميثاق على المحكَمات الكُبرى. والميثاقات منظومة متَكاملة، يَحمل الأَنبياء فيها الكتاب والحكمة، ويُبَيّن حَمَلة الكتاب ولا يَكتمون، ويَلتَزم المؤمنون بالكليات، فتَكشف أَن العَلاقة بالكتاب التزام في كلّ زَمن، بَيانٌ لا كتمان، وعملٌ لا نَبذ.
6.ربط فصلَي القرآن والكتاب ـ القرآن طَبَقة في الكتاب الجامع
ومن أَدقّ ما يَستحقّ التَّأكيد العَلاقة البنيوية بَين فصل القرآن (3.3.1) وفصل الكتاب (3.3.2). فقَد كَشَف فصل القرآن المضمون الكَوني القَصصي السنني المنسوب لرَبّ العالمين بفاعلية ربوبية، يَكشف نَفسه بنَفسه ويَتَلاقى مع الواقع فيَنبثق منه التَّصديق الذاتي بشُهود الوجود. وكَشَف فصل الكتاب المضمون الجامع الذي يَستوعب القرآن طَبَقةً من طَبَقاته الأَربع هي المتَشابهات، فالكتاب أَوسع من القرآن لأَنه يَضمّ معه المحكَمات والتَّفصيل والمستَجَدّ. والعَلاقة بَينهما تَكامل بنيوي محكم، فالقرآن جُزء من الكتاب يُؤَدّي وَظيفة مخصوصة في المنظومة، إذ يُعَضّد المحكَم بحُضوره الوُجودي، ويُصَدّق المستَجَدّ الذي يَعجز الوَعي عن إثباته من أَدواته المباشرة، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.7. والقارئ الذي يَجمع بَين الفَصلَين يَرى الكتاب الجامع بطَبَقاته، يُمَيّز القرآن الكَوني القَصصي من المحكَم التَّشريعي، ويَستقرئ كلّ طَبَقة بمَنهجها، فلا يَختزل الكتاب في القرآن ولا القرآن في التَّشريع.
7.منهج التَّعامُل مع الكتاب الجامع ـ خُلاصة بنيوية
ومن اقتران كلّ ما تَأَسَّس تَتَجَلَّى خُلاصة المَنهج البنيوي للتَّعامُل مع الكتاب الجامع. فالقارئ البَنيوي يُمَيّز الطَّبَقات الأَربع بمَعايير بنيوية، أَوَّلها طَبيعة المضمون، أَهو وُجودي كَوني قَصصي فربوبي، أَم تَشريعي قِيمي مجَرَّد فإلهي، تَطبيقاً للقاعدة الكُبرى «صفة الآية صفة مَصدرها» في 3.3.2.2، وهي المعيار الفاصل لا الفاعل اللُّغوي ولا اسم السورة ولا العَلامة اللَّفظية وَحدها. ويَستعين بالنِّسبة اللُّغوية، «من الله» للكليات الإلهية والمستَجَدّ، و«من رَبّ العالمين» للقرآن الكَوني والتَّفصيل، وبالرَّسم القرآني الذي يَكشف مَوضع الاستقراء، داخل النَّصّ أَو في شُهود الوجود. ويَستقرئ الكتٰب النَّصّي من ذاته بالترتيل الموضوعي واقتران المتَماثلات في مَواضعها، ويَستقرئ الكتاب الكَوني من الوجود بالبَحث العَملي في سننه، ويَجمع بَينهما بمطابقة النَّصّ مع الواقع على مَنهج الراسخين في العلم الذي تَأَسَّس في 3.3.2.3. ويَحترم خَصائص كلّ طَبَقة، فالمحكَمات تَستلزم التَّعضيد بالحَقّ لا التَّصديق، والمتَشابهات تَنفتح بالترتيل بَين مثانيها، والتَّفصيل يَتَجَدَّد فَهمه دون أَن يَكسر المحكَم، والمستَجَدّ يَستلزم التَّصديق من القرآن بحُضوره الوُجودي. ويُمَيّز المستَجَدّ بتَقَفّي الكلي الثابت المحصور المنضبط بضابطه، فما خَرج عنه فمَظِنَّة المستَجَدّ، يُتَبَيَّن بطَريق النَّفي لا الإثبات المباشر، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.8.
8.الكتاب والحكمة ـ العلَل ضابط التَّطبيق
ومن أَدقّ الكَشف البنيوي في هذا الفصل منظومة الكتاب والحكمة، إذ يَقرن النَّصّ تَعليم الكتاب بالحكمة ملازمةً مطّردة، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.10. فالكتاب يَحمل الأَحكام، والحكمة تَحمل عللها وأَسبابها، فلا حُكم بلا عِلَّة، ولا يَستقيم تَطبيق حُكم بمعزل عن علَّته. والحكمة بنيوياً العلَل والأَسباب لأَيّ حُكم، إلهياً كان أَو بَشرياً، والحُكم يَكتسب صفته من صفة علَّته. فإن كانَت العِلَّة أَبدية شاملة حَمَل الحُكم صفة الأَبدية والشُّمول، وهذا شأن التَّحريم والتَّحليل، خاصية إلهية حصرية ﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ، لأَن إدراك العِلَّة الأَبدية الشاملة يَستلزم رُؤيةً عابرة للزَّمان والمَكان من صفات الذات المطلقة لا الإنسان المحَدود، ويَأتي تَفصيل هذا المحرَّم الأَبدي متَناغماً مع الأمم تَفصيلاً ربوبياً، كلاهما من الحكمة في وَجهَيها الإلهي. وإن كانَت العِلَّة ظَرفية زائلة حَمَل الحُكم صفة الظَّرفية، وهذا شأن المَنع والأَمر البَشري، تَأمر به الأمم والسُّلطات بما يُلائم حاجاتها ضِمن إطار الحَلال الإلهي، يَدور مع علَّته وُجوداً وعَدماً ولا يَبلغ مَبلغ التَّحريم. فإن استَمَرّ بَعد زَوال علَّته مع نِسبته لله انقَلَب إلى تَحريف، إذ ادَّعى الشُّمول والتأبيد اللَّذَين هما من اختصاص الله وَحده. وبهذا تَكون الحكمة ضابطاً يَكشف به القارئ الحُكم الإلهي الأَبدي من البَشري الظَّرفي، فيُمَيّز التَّشريع المحكَم من التَّحريف المنتَحَل.
9.الإنذار والتَّحَدّي ـ تَنَوّع التَّفاعل النَّصّي بحَسب المضمون
ومن دقائق المنظومة تَنَوّع تَفاعل النَّصّ مع المتَلَقّي بحَسب طَبيعة المضمون، تَأكيداً لخصوصية كلّ طَبَقة، كَما تَأَسَّس في 3.3.2.10. ففي المضمون التَّشريعي المجَرَّد يُنذِر النَّصّ ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ ، إنذاراً وَقائياً يَحرس الناس من تَحريف ممكن، لأَن التَّشريع مجَرَّد لا شاهد عاجل له في الوجود يَفضح تَحريفه. وفي المضمون الكَوني القَصصي يَتَحَدَّى النَّصّ ﴿قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ﴾ [الإسراء: 88]، تَحَدّياً يَكشف استحالة المحاكاة، لأَن الكَوني محفوظ بشُهود الوجود الذي يَشهد له لا يَنقطع. وفي كتمان البَيّنات الكَونية يَلعن النَّصّ كاتمها ﴿أُو۟لَٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ﴾ [البقرة: 159]، إذ اللَّعن إبعاد من الرحمة والبركة يُثمر اضمحلال العلم المكتوم وانحباسه عن النَّماء. فالنَّصّ يَستعمل أَدواته بحَسب ما يَستلزمه كلّ مضمون، تَحذيراً للتَّشريع المجَرَّد، وتَحَدّياً للكَوني المحفوظ، ولَعناً لمن يَحجب علماً وُجودياً نافعاً، وهذا التَّنَوّع يَكشف حِكمةً بَلاغية محكمة في تَنَزّل الكتاب تُلائم بَين الأَداة وطَبيعة المضمون.
10.النَّتائج البنيوية الجامعة ـ خُلاصة الفصل
ومن اقتران كلّ ما تَأَسَّس في فصل الكتاب تَتَجَلَّى نَتائج بنيوية محكمة تَختمه. الأُولى أَن الكتاب الجامع منظومة متَكاملة بطَبَقاته الأَربع، المحكَمات والمتَشابهات والتَّفصيل وما بَين يَديه، تَنبثق من مَصدر إلهي واحد وتَستوعب التَّجَلّيَين الإلهي والربوبي في وَحدة محكمة. والثانية أَن القاعدة الكُبرى «صفة الآية صفة مَصدرها» مفتاح المنظومة، فالوُجودي الكَوني القَصصي ربوبي يَنسب لرَبّ العالمين، والتَّشريعي القِيمي المجَرَّد إلهي يَنسب لله، والمعيار طَبيعة المضمون لا الفاعل اللُّغوي. والثالثة أَن «من الله» نِسبة أَمرية مَصدرية و«من رَبّ العالمين» فاعلية ربوبية في الوجود، لا تَرادف بَينهما. والرابعة أَن «كتاب» بأَلف مثبتة يُستَقرَأ من سنن الوجود و«كتٰب» بأَلف خنجرية يُستَقرَأ من داخل النَّصّ، والفيصل مَوضع الاستقراء لا نوع المضمون. والخامسة أَن المحكَم كلي ثابت نَصاً ومعنىً عاماً يَنسب لله، وتَفصيله بَيان ربوبي يَتَماهى مع زَمن كلّ رِسالة يَنسب لرَبّ العالمين، والمحرَّمات صنف من المحكَم المفصَّل لا حدُّه الجامع. والسادسة أَن ما بَين يَدَي الكتاب مستَجَدّ تَشريعي مخصوص بالرِّسالة المحَمَّدية يَنسب لله محكَماً وتَفصيلاً معاً، يَطلب التَّصديق لخُروجه عن مأَلوف الوَعي، ومصَدّقه القرآن بحُضوره الوُجودي. والسابعة أَن المستَجَدّ يُمَيَّز بتَقَفّي الكلي الثابت المنضبط بضابطه، فما خَرج عنه فمَظِنَّته، وينقَسم بمقامه إلى إلزامي تَحت «طاعة الله ورَسوله» وإيماني واجب تَحت «طاعة الرَّسول». والثامنة أَن «أَهل الكتاب» و«الذين أُوتوا الكتاب» صياغتان تَكشفان زاويتَين في مسيرة واحدة على كتاب واحد، نِسبةً واختصاصاً وإيتاءً وتَلَقّياً، لا أُمَّتَين منفصلتَين بكتابَين. والتاسعة أَن التَّحريم والتَّحليل خاصية إلهية حصرية، والمَنع والإباحة اختصاص بَشري ضِمن إطار الحكمة مَنوط بعِلَّة يَزول بزَوالها. والعاشرة أَن الحكمة عللُ الأَحكام وأَسبابها، والحُكم يَكتسب صفته من علَّته أَبديةً إلهية أَو ظَرفيةً بَشرية. والحادية عَشرة أَن التَّحريف يَلحق المضمون التَّشريعي المجَرَّد لا الكَوني القَصصي المحفوظ بشُهود الوجود، وأَن آلياته الكتابة بالأَيدي ونِسبتها لله ولَيّ المقصد والكتمان. والثانية عَشرة أَن التَّحريف في الرِّسالة المحَمَّدية لا يَطال النَّصّ المحفوظ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ بَل يَطال الفَهم، فيُكشَف بمَنهج استقراء النَّصّ من ذاته ورَدّ المتَشابه إلى المحكَم ورَفض المَصادر الخارجية ومطابقة الواقع. والثالثة عَشرة أَن الكتاب الجامع شاهد ذاتي على مَصدره الإلهي، يَنبثق من بنيته المتَكاملة التي تَستلزم مَصدراً يَتَجاوَز الإمكانات الإنسانية.
11.خاتمة الفصل ـ من البنية إلى الوَظيفة وتَمهيد للفُرقان
والقارئ الذي بَلَغ ختام هذا الفصل يَنفتح له الكتاب الجامع بصورة محكمة، يَرى منظومته الأَربع بوَحدتها البنيوية، ويُمَيّز طَبَقاتها بأَدوات منهجية، ويَستقرئ كلّ طَبَقة بمَنهجها، ويَجمع بَينها في فَهم متَكامل. ولا يَقف عند بنية الكتاب بَل يَنتقل إلى وَظيفته، إذ الكتاب ليس بنيةً مجَرَّدة بَل منظومة هداية للإنسان في كلّ زَمن، والبنية تُؤَدّي وَظيفة تَتَجَلَّى في الواقع الإنساني. فمن استَوعَب البنية أَمكنه تَطبيق الكتاب في حياته محكماً، يُمَيّز الإلهي من الربوبي، والثابت من المتَجَدّد، والكلية الإلهية من القاعدة البَشرية، والحَقّ المنزَّل من المنسوب لله بَلا حَقّ. وقَد تَأَسَّس في الفصل السابق (3.3.1) القرآن مضموناً كَونياً قَصصياً، وفي هذا الفصل (3.3.2) الكتاب جامعاً بطَبَقاته الأَربع، ويَبقى من منظومة النَّصّ وَجه ثالث يَستحقّ التَّأَمل هو الفُرقان. فقَد وَرَدَت صفة «الفُرقان» مَقرونة بالكتاب أَحياناً ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ﴾ ، ومُفرَدةً أَحياناً، ومَنهج عَدم التَّرادف يَستلزم أَن تَنطق بمعنىً بنيوي مغاير يُكَمّل القرآن والكتاب. وهذا ما يَتَتَبَّعه الفصل التالي (3.3.3)، إذ يَكشف الفُرقان جِهةَ الفَصل بَين الحَقّ والباطل في منظومة النَّصّ والوجود معاً. ويَنتقل القارئ من هذا الفصل حاملاً منظومة بنيوية محكمة تُضيء له ما يَأتي، تَكشف آفاقاً في فَهم النَّصّ القرآني وتَطبيقه في الواقع.
3.3.3الفُرقان ـ الفَصل بَين الحَقّ والباطل
3.3.3.1التَّمهيد ـ الجَذر اللُّغوي ومنطلق الاستقراء
يَقف القارئ في القرآن على صياغة «الفُرقان» في مَواضع متَفَرّقة، فقَد يَتَوَهَّمها أَوَّل الأَمر مرادفة للقرآن، أَو اسماً آخر للكتاب. ومنهج عَدم التَّرادف في القرآن يَدعو إلى التَّأَنّي قَبل هذا الظَّنّ، فلَعَلَّ الصياغة تَنطق بمعنىً بنيوي مغاير، يُكَمّل منظومة النَّصّ بَعد القرآن والكتاب. والمنطلق الأَنسَب أَن نَبدأ من الجَذر اللُّغوي، ثُمَّ نَدَع الآيات تَكشف معناها بنَفسها. فالفُرقان راجع إلى جَذر «ف-ر-ق»، الذي يَدور في اللسان العَربي حَول الفَصل والتَّمييز بَين أَمرَين متَغايرَين. تَقول العَرب «فَرَق بَين الشَّيئَين» إذا مَيَّز أَحدهما عن الآخر، و«الفِرق» للقِطعة المنفَصلة، و«الفَريق» للجَماعة المتَمَيّزة عن سِواها، و«المَفرِق» للمَوضع الذي يَنفصل عنده الشَّعر فِرقَين. والقاسم المشتَرك في هذه الاستعمالات الفَصل والتَّمييز، إقامة حَدٍّ فاصل بَين أَمرَين لا يَختَلطان.
وصيغة «فُعلان» التي جاء عَليها الفُرقان كَثيراً ما تُصاحب الحَركة والفَيَضان في اللسان، كَما في «الغُفران» و«الرُّجحان» و«الطُّغيان». والفُرقان بهذا أَقرب إلى الحَركة الفاصلة منه إلى الحالة الساكنة، يُحدِث التَّمييز ويُفَعّله في الوجود، لا يَقف عند كَونه وَصفاً مجَرَّداً. ومما قَد يُعَضّد هذا المعنى قَرينة رَسمية في كِتابة الكَلمة. فالفُرقان يَرِد في رَسم المُصحَف بأَلف مثبتة، وقَد تَأَسَّس في القسم 3.3.2.5 أَن إثبات الأَلف يَدلّ على أَن المَنسوب يُستَقرَأ من خارج النَّصّ في شُهود الوجود ومعطياته، وأَن حَذفها بالأَلف الخنجرية يَدلّ على أَن المَنسوب يُتَتَبَّع داخل النَّصّ بَين آياته، والفيصل مَوضع الاستقراء لا مادّية المضمون أَو معنَويته. ولَعَلَّ من أَوضَح ما يَكشف هذه القَرينة تَقَلّب الجَذر الواحد بَين الرَّسمَين بحَسب مَوضع استقرائه، كَما في جَذر «طغى». فقَوله تعالى ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ﴾ جاء بأَلف مثبتة، إذ طُغيان الماء حَدث وُجودي يُستَقرَأ من شُهود الواقع. ويُقابِله ﴿مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ [النجم: 17] بأَلف خنجرية، إذ طُغيان البَصر وَصف لحال الإدراك يُتَتَبَّع من داخل النَّصّ. والفيصل القاطع بَينهما طُغيان فرعَون في قَوله ﴿إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾ [طه: 24]، فقَد جاء بأَلف خنجرية مع أَن لطُغيانه آثاراً مادّية واقعة في الوجود، فلَو كان الفيصل مادّية الأَثَر لوَجَب إثباته، لكنّه رُسم خنجرياً لأَن مَناطه موقف اعتقادي سُلوكي يُستَقرَأ من النَّصّ لا حَدث كَوني يُستَقرَأ من شُهود الوجود كفَيَضان الماء. فبان أَن الرَّسم يَتبع مَوضع الاستقراء لا مادّية المضمون، تَأكيداً لما تَأَسَّس في 3.3.2.5. وإثبات الأَلف في «الفُرقان» قَد يَتَّسق مع هذا، فيُشير إلى أَن الفُرقان يُستَقرَأ من شُهود الوجود حَيث يَقع الفَصل فِعلاً في الواقع، لا من تَتَبّع نَصّ مكتوب، خِلافاً لما قَد يَتَوَهَّمه القارئ من ظَنّه مرادفاً للقرآن. غَير أَن هذه القَرينة الرَّسمية، وإن عَضَّدَت المعنى، لا يَنبَغي أَن تُحمَل وَحدها حِملاً قاطعاً، إذ رَسم المُصحَف فيه مَواضع قَد يَصعُب اطّرادها على قاعدة واحدة. ولَعَلَّ الأَسلَم أَن تُعَدّ قَرينة مُعَضّدة تَنضمّ إلى ما سَبَق من دَلالة الجَذر والصيغة، فإذا اجتَمَعَت القَرائن تَأَكَّد المعنى، وهو ما قَد يَتَبَيَّن من تَتَبّع الآيات في الأَقسام التالية.
والأَدَقّ منهجياً أَلَّا نَفرض على الفُرقان تَعريفاً مسبَقاً ثُمَّ نَطلبه في الآيات، بَل نَجمع مَواضعه في القرآن، ونَدَع بَعضها يُبَيّن بَعضاً، فيَنبثق المعنى البنيوي من النَّصّ نَفسه. ومن هذا التَّتَبّع قَد يَتَبَيَّن للمتَأَمّل أَن الصياغة تَتَوَزَّع على سِياقات متَنَوّعة، بَعضها يَخصّ المتَّقين في كلّ زَمن، وبَعضها يَخصّ نَقَلات تاريخية كُبرى اقتَرَنَت بنُزول كتاب، وفي اقتران هذه المَواضع ما يَكشف منظومة بنيوية محكمة، تَستحقّ التَّتَبّع المتَأَنّي في الأَقسام التالية.
3.3.3.2الأَصل البنيوي للفُرقان ـ الفَصل بَين الحَقّ والباطل
خَير ما يُبتَدَأ به استنطاق الفُرقان آية يَرد فيها فعل الجَذر صَريحاً، تَكشف بنيته في سِياق حَيّ. ومن ذلك دُعاء موسى في قَوله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة 25]. وطَلَب موسى في هذا الدُّعاء لم يَكن حُكماً فقهياً ولا عُقوبة جُزئية، بَل طَلَب فَصلٍ بَين فِئَتَين، فموسى ومن معه في طَرف، والقَوم الفاسقون في طَرف آخر، ودُعاؤه يَطلب إقامة الحَدّ الفاصل بَينهما. وفي هذا أَوَّل ما يَنكَشف من بنية الفُرقان: أَنه لا يَقع إلا بَين طَرفَين متَغايرَين، إذ الفَصل في بنيته يَستلزم شَيئَين يُقام بَينهما الحَدّ.
والتَّغاير بَين الطَّرفَين في الآية ليس تَغايراً في الأَجساد أَو الأَنساب، بَل تَغاير في القِيمة. فالطَّرف الآخر وُصِف بـ«الفاسقين»، والفِسق خُروج عن الحَقّ، فالفَصل المطلوب في جَوهره فَصل بَين قائم على الحَقّ وقائم على الباطل، ثُمَّ يَنعكس هذا الفَصل القِيَمي في الوجود.
وحين يَجمع المتَأَمّل سائر مَواضع الفُرقان، يَتَبَيَّن له أَن هذا الفَصل حَيثما وَرَد اقتَرَن بأَثَرَين متَضادَّين متَلازمَين. ففي مَوضع نَجاة لطَرف وهَلاك لطَرف، وفي مَوضع نَصر لفئة وهَزيمة لفئة، وفي مَوضع بَداية عَهد ونهاية عَهد. وهذا التَّلازم بَين الأَثَرَين من خَصائص الفُرقان البنيوية، إذ هو فعل واحد يُنتِج أَثَرَين، لا فعلان منفَصلان. فالفُرقان لا يُحاكي طَرفاً واحداً، بَل يَحمل في بنيته طَرفَي الفَصل معاً.
وفي هذا ما يُقَرّب الفُرقان من بناء بَعض الصِّفات الجامعة في القرآن، كَصِفة «الرَّحمَٰن» التي تَستوعب في منظومتها الرَّحمة والقَهر معاً. فالفُرقان كَذلك يَحمل في بنيته طَرفَي الفَصل، يَستوعب النَّجاة والهَلاك، والنَّصر والهَزيمة، والفَوز والخَسارة، وأَصل هذه الثَّنائيات جَميعاً ثَنائية واحدة كُبرى، هي الفَصل بَين الحَقّ والباطل.
وهذا الأَصل ـ الفَصل بَين الحَقّ والباطل ـ هو المعنى الجامع الذي تَتَفَرَّع منه سائر صُور الفُرقان. فالنَّجاة والهَلاك في طوفان نوح، والنَّصر والهَزيمة في بَدر، ونَجاة موسى وإغراق فرعَون، كلّها تَجَلّيات لفَصل أَعمق، هو انفصال الحَقّ عن الباطل في الوجود. ومن ثَمَّ، لَعَلَّ الفُرقان في جَوهره ليس فَصلاً مادياً بَين أَجساد أَو جُيوش، بَل فَصل بَين نَظامَين قِيَميَّين، أَحدهما قائم على الحَقّ والآخر قائم على الباطل، ثُمَّ يَنعكس هذا الفَصل القِيَمي في الوجود المادي بصُورة نَجاة وهَلاك.
والفُرقان بهذا المعنى يَفصل فَصلاً حاسماً لا رَجعة بَعده. فحين يَنفصل الحَقّ عن الباطل في واقعة فرقانية، لا يَعود الطَّرفان إلى الاختلاط الذي كانا عَليه. وهذا ما يُمَيّزه عن مُجَرَّد المُغالَبة العابرة بَين فئتَين، إذ المُغالَبة تَتَكَرَّر وتَنعَكس، أَمّا الفُرقان فَصل يُعلن نهاية صَلاحية واقع وبَداية واقع آخر.
وتَتَبّع الآيات يَكشف أَن هذا الأَصل الواحد ـ الفَصل بَين الحَقّ والباطل ـ يَتَجَلَّى في القرآن على مستَوَيات متَمايزة بحَسب مَداه. مستَوىً يَخصّ المؤمن المتَّقي، فَرداً كان أَو جَماعة، في كلّ زَمن. ومستَوىً يَخصّ الأمم في فَصلها عَن أَقوامها على أَيدي أَنبيائها. ومستَوىً يَخصّ النَّقَلات التاريخية الكُبرى التي اقتَرَنَت بنُزول كتاب. والتَّمييز بَين هذه المستَويات يَتَّضح من صياغة النَّصّ نَفسه، كَما يَتَبَيَّن في الأَقسام التالية.
3.3.3.3المستَوى الأَوَّل ـ الفُرقان العامّ للمؤمن المتَّقي
أَوَّل ما يَكشفه استقراء الفُرقان مستَوىً يَخصّ المؤمن المتَّقي، يَنطق به قَوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال 29]. والفُرقان في هذه الآية ليس حَدثاً تاريخياً وَقَع في زَمن بعَينه، ولا نَصاً منزَّلاً، بَل أَمر يَجعله الله لمن تَحَقَّقَت فيه التَّقوى. وخطاب «الذين آمنوا» صياغة جَمعية تَستوعب الفَرد والجَماعة معاً، لا تُفَرّق بَين متَّقٍ مُنفَرد ومتَّقين مُجتَمعين، فالفُرقان مَبذول لكلّ من تَحَقَّقَت فيه التَّقوى على أَيّ صُورة كان.
وصياغة الفعل «يَجعل» تَكشف طَبيعة هذا الفُرقان. فالجَعل في القرآن، كَما تَأَسَّس في فصل القرآن، تَصيير وتَهيئة ضِمن النِّظام القائم، لا إقحام خارجي على السنن. والفُرقان في هذا المستَوى أَمر يَتَهَيَّأ في وَعي المتَّقي ضِمن سنن الوجود، إذ التَّقوى تُهَيّئ في الإنسان قابلية، فيَنشأ عنها الفُرقان تَصييراً لا خَرقاً. وجاء الفعل مُفرَداً يَعود إلى الذات الإلهية المطلقة، وفي إفراده ما يُشير إلى أَن الفُرقان هنا أَقرب إلى السنّة الإلهية الثابتة، لا تُحاكي زَمناً بعَينه، بَل تَجري متى تَحَقَّقَ شَرطها، في أَيّ عَصر ومَكان.
غَير أَن هذا الفُرقان لا يَقف عند حُدود الوَعي، بَل يَثمر أَثَراً مَلموساً في مَسيرة المتَّقي. فمن يَلتَزم أَوامر الله في حياته ويَسير في طاعته، يَستقيم له طَريقه، وتَنفتح له أَبواب كانت مُغلَقة. وعِلَّة ذلك أَن طاعة الله سَير مع سننه، فمن سار مع السنن لم تُصادمه بَل جَرَت في صالحه، ومن خالَفها بالمَعصية أَو غَفل عنها بالخُرافة اصطَدَم بها فأَصابه من عَواقبها ما يُصيب المُخالِف.
فالفُرقان في هذا المستَوى فَصل مادي مَلموس، لا شُعور معنوي مجَرَّد. هو نَجاة فِعلية للمتَّقي من المَزالق التي يَقع فيها الغافل، واستقامة واقعية في مَعاشه، وانفتاح حَقيقي لأَبواب الرِّزق والتَّوفيق. وفي الطَّرف المُقابل عَطَب يَلحَق من حابى الباطل والخُرافة فجَهل السنن واصطَدَم بها. وهنا يَتَجَلَّى الأَصل البنيوي ـ الفعل المزدوج بأَثَرَين متَلازمَين ـ في دائرة المتَّقي: نَجاة لمن سار على الحَقّ، وعَطَب لمن سار على الباطل.
ويَبدأ هذا الفَصل تَهَيّؤاً في الوَعي ثُمَّ يَنعكس سُلوكاً في الواقع. فالمتَّقي حين يَتَّقي يَتَهَيَّأ وَعيه لإدراك الحَقّ وتَمييزه من الباطل، ثُمَّ يَنعكس هذا التَّمييز في اختياره، فيَسلك طَريق الحَقّ فيَنجو ويَستقيم له أَمره. والفُرقان بذلك يَبدأ في الوَعي ولا يَقف عنده، بَل يُثمر في الواقع المعاش نَجاةً واستقامة.
وهذا المستَوى، وإن كان أَضيَق دَوائر الفُرقان، أَوسَعها امتداداً في الزَّمن. فهو لا يَنحَصر في أُمَّة ولا عَصر، بَل يَبقى مَبذولاً لكلّ متَّقٍ إلى قِيام الساعة، سنّة جارية تُلازم المؤمن المتَّقي حَيثما كان، تَفصل له الحَقّ عن الباطل في وَعيه وواقعه معاً، فيَنجو بها ويَستقيم له مَسيره.
3.3.3.4المستَوى الثاني ـ الفُرقان في الأمم على أَيدي أَنبيائها
بَعد الفُرقان العامّ الذي يُلازِم المتَّقي في كلّ زَمن، يَكشف الاستقراء مستَوىً ثانياً أَوسَع مَدىً، يَتَجاوَز الفَرد إلى الأُمَّة. فالفُرقان في هذا المستَوى فَصل يَقع بَين أُمَّة وقَومها، حَين يَنقَسم القَوم إلى مؤمنين بالنُّبُوّة وكافرين بها، فيُحدِث الله فَصلاً حاسماً بَين الفَريقَين، يَنجو به أَهل الحَقّ ويَهلِك به أَهل الباطل.
ولَعَلَّ أَبيَن ما يُمَثّل هذا المستَوى ما جَرى لنوح مع قَومه. فقَد دَعا قَومه دَهراً طَويلاً، فانقَسَموا إلى مؤمنين قَليلين وكافرين مُكَذّبين، ثُمَّ جاء الطوفان فَصلاً حاسماً بَين الفَريقَين، نَجا فيه من آمَن في الفُلك، وغَرِق فيه المُكَذّبون. وهذه بنية الفُرقان عَينها: فعل واحد ـ الطوفان ـ يُنتِج أَثَرَين متَلازمَين، نَجاةً لطَرف وهَلاكاً لطَرف، فَصلاً بَين الحَقّ والباطل في الوجود.
ونَظير ذلك ما جَرى لهود مع عاد، ولصالح مع ثَمود، ولشُعَيب مع مَديَن. فكلّ نَبيّ منهم دَعا قَومه، فانقَسَموا بَين مُصَدّق ومُكَذّب، ثُمَّ جاء الفَصل الحاسم، فنَجا المؤمنون وأُهلِك المُكَذّبون. وفي كلّ واقعة منها تَتَجَلَّى البنية الفرقانية نَفسها: تَمييز بَين فَريقَين على أَساس قِيَمي، ثُمَّ فَصل حاسم لا رَجعة بَعده، يَنعكس في الوجود نَجاةً وهَلاكاً.
غَير أَن هذا المستَوى يُمَيّزه عن المستَوى الذي بَعده خاصية بنيوية جَوهرية، هي أَنه فَصل بنُبُوّة دون كتاب. فهؤلاء الأَنبياء ـ نوح وهود وصالح وشُعَيب ـ أُرسِلوا بنُبُوّات تَدعو أَقوامها إلى الحَقّ وتُنذِرها، دون أَن يَقترن بهم كتاب يُؤَسّس نَمَطاً حَضارياً جَديداً. فالفُرقان في عَهدهم فَصل يُنهي واقعاً فاسداً، لكنّه لا يَفتَتح نَمَطاً حَضارياً مُؤَسَّساً بكتاب، بَل يُبقي النَّاجين على أَصل التَّوحيد الذي دُعوا إليه.
ومن دقائق ما قَد يُلحَظ في هذا المستَوى، أَن الفَصل فيه يَأتي غالباً بآية كَونية مُهلِكة ـ طوفان، أَو ريح، أَو صَيحة، أَو رَجفة ـ تُزيل الطَّرف المُكَذّب إزالةً تامَّة. ولَعَلَّ هذا يُناسب طَبيعة هذا المستَوى، إذ الفَصل فيه حاسم بَين أَهل أَرض واحدة، فيَكون بإزالة أَحد الطَّرفَين إزالةً وُجودية، لِيَخلُص الموضع للطَّرف الناجي.
وهذا المستَوى، وإن كان أَوسَع من الفُرقان الفَردي، يَبقى دون المستَوى الثالث في مَداه وأَثَره. فهو فَصل في أُمَّة وقَومها، يُنهي واقعاً محَلّياً فاسداً، لكنّه لا يُحدِث نَقلة حَضارية كُبرى تُعيد تَشكيل نَمَط الوجود الإنساني. وتِلك النَّقلة الكُبرى هي المستَوى الثالث، الذي يَنفرد بخَصائص بنيوية تُمَيّزه، كَما يَتَبَيَّن في الأَقسام التالية.
3.3.3.5المستَوى الثالث ـ الفُرقان العَظيم والنَّقلة الحَضارية
يَكشف الاستقراء مستَوىً ثالثاً للفُرقان، هو أَعظَمها مَدىً وأَبعَدها أَثَراً. فبَينما الفُرقان العامّ يُلازِم المتَّقي في وَعيه ومَعاشه، والفُرقان في الأمم يَفصل قَوماً عَن نَبيّهم، يَأتي المستَوى الثالث فَصلاً حاسماً في مَسار التاريخ نَفسه، يُنهي نَمَطاً حَضارياً سائداً ويَفتَتح نَمَطاً جَديداً. وهذا هو الفُرقان العَظيم، النَّقلة الحَضارية الكُبرى التي تَفصل بَين عَهدَين في حياة البَشَرية.
ومن تَتَبّع القرآن يَتَبَيَّن أَن هذا الفُرقان العَظيم اقتَرَن في النَّصّ بنَقلتَين كُبرَيَين، كلتاهما قَرَنَها القرآن بكتاب. فَفي شَأن موسى قَوله تعالى ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة 53]، وفي شَأن محمد قَوله تعالى ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال 41]. وفي اقتران الفُرقان بالكتاب في الموضعَين ما يُمَيّز هذا المستَوى عمّا قَبله، إذ النَّقلة فيه لا تَقف عند إزالة واقع فاسد، بَل تُؤَسّس نَمَطاً حَضارياً جَديداً يَنتَظِم بكتاب.
والتَّمييز بَين هذا المستَوى والمستَوَيَين قَبله يَتَّضح من صياغة النَّصّ نَفسه. فالفُرقان العامّ جاء بصياغة «يَجعل» المُفرَدة، الدالَّة على السنّة الإلهية الثابتة التي لا تُحاكي زَمناً بعَينه. أَمّا الفُرقان العَظيم فيَأتي مَقروناً بفعل المُثَنّى الوَظيفي ـ «آتَينا» في شَأن موسى، و«أَنزَلنا» في شَأن محمد ـ وهي صياغة تَكشف فعلاً وُجودياً وَقَع في زَمن مَخصوص، لا سنّة مطلقة جارية. واقتران الفُرقان المحَمَّدي بـ«يَوم» المعَيَّن يَزيد هذا التَّخصيص الزَّمني وُضوحاً.
ومن خَصائص الفُرقان العَظيم البنيوية أَنه تَدَخّل إلهي يَتَجاوَز السنن المعتادة، لا حَدث يَجري ضِمن مَجراها. فالنَّقلة الحَضارية الكُبرى لا تُنتِجها موازين القُوى وَحدها، ولا يَصنَعها تَدافُع الأَسباب المأَلوف، بَل يَصحَبها تَدَخّل يُدرِج في الوجود ما لا تَبلُغه السنن. ولَعَلَّ صياغة «أَنزَلنا» في فُرقان محمد تَكشف هذا، إذ الإنزال ـ كَما تَأَسَّس في فصل القرآن ومَنهج الكتاب ـ إدراج في الوجود لما لا تُنتِجه السنن وَحدها. ونَظير ذلك في فُرقان موسى، إذ فَلق البَحر تَدَخّل يَتَجاوَز مَجرى الأَسباب المعتاد.
ولَعَلَّ مَوضع فُرقان محمد في سورة الأنفال يَكشف هذه الخاصية بأَربع قَرائن بنيوية متَضافرة. أُولاها صياغة «أَنزَلنا»، وهي إدراج لما لا تُنتِجه السنن. وثانيتها خَتم الآية بقَوله ﴿واللَّه على كلّ شَيء قَدير﴾، وهي صياغة تَختصّ بالسياق الكَوني الوُجودي المباشر، لا بالسياق التَّشريعي المُجَرَّد. وثالثتها أَن السورة كلّها في سِياق الفُرقان خَلَت من لَفظة «إذن» الدالَّة على الجَريان السنني، حَتى إذا عاد السياق إلى القانون السنني العامّ في آخر السورة، وَرَدَت «إذن» صَريحة. ورابعتها قَوله ﴿يَوم التَقى الجَمعان﴾، إذ لَفظة «التَقى» تُفيد المُقابَلة من غَير مَوعد مُبَيَّت.
وفي القَرينة الثالثة دِقَّة بنيوية تَستحقّ التَّأَمل. فإن المُقابَلة بَين قَوله تعالى ﴿إن يَكُن منكم مِائة يَغلِبوا أَلفاً﴾ وقَوله ﴿فإن يَكُن منكم مِائة صابرة يَغلِبوا مِائَتَين... وأَلف يَغلِبوا أَلفَين بإذن الله﴾ [الأنفال 65-66] تَكشف هذا. فالنِّسبة الأُولى ـ واحد إلى عَشرة ـ تَتَجاوَز موازين السنن، فجاءَت دون «إذن». والنِّسبة الثانية ـ واحد إلى اثنَين ـ ضِمن السنن المعتادة، فجاءَت مَقرونة بـ«إذن الله». والنَّصّ بهذا يُمَيّز بَين ما يَتَجاوَز السنن وما يَجري ضِمنها بهذه القَرينة الدَّقيقة، فيُعَضّد أَن سِياق الفُرقان سِياق تَدَخّل لا سِياق سنّة.
وفي القَرينة الرابعة تَعضيد آخر. فقَوله ﴿يَوم التَقى الجَمعان﴾، يُؤَكّده قَوله في السورة نَفسها ﴿ولَو تَواعَدتُم لاختَلَفتُم في الميعاد ولَٰكِن لِيَقضيَ الله أَمراً كان مَفعولاً﴾ [الأنفال 42]. فالنَّصّ يَنفي صَراحة أَن يَكون اللقاء عَن مَوعد مُبَيَّت بَين الفَريقَين، ويُثبِت أَنه جَرى لِيَقضيَ الله أَمراً مُقَدَّراً. والقَرائن الأَربع معاً تَنطق ببنية واحدة: أَن الفُرقان العَظيم تَدَخّل إلهي مفصَلي، لا حَدث سنني ولا تَدبير بَشري.
ومن تَتَبّع القرآن يَتَبَيَّن أَن هذا الفُرقان العَظيم لم يَقع في التاريخ إلا مَرَّتَين. مَرَّة على يَد موسى، تَجَلَّى الفَصل فيها يَوم انفلاق البَحر، فاصلاً حاسماً رَجَّح نَمَط الحُرّية لبَني إسرائيل على نَمَط عُبودية فرعَون. ومَرَّة على يَد محمد، تَجَلَّى الفَصل فيها يَوم بَدر ـ يَوم الفُرقان ـ فاصلاً حاسماً رَجَّح نَمَط المَدَنية والتَّعَدّدية الفِكرية على نَمَط الجاهلية والعَصَبية القَبَلية. وفي كلتا المَرَّتَين تَتَجَلَّى البنية نَفسها: يَوم فاصل حاسم يَصحَبه تَدَخّل يَتَجاوَز السنن المعتادة، يَفتَتح نَقلة حَضارية كُبرى ويَقترن بها كتاب يُؤَسّس النَّمَط الجَديد، فالفَصل يَوم، والنَّقلة أثَره الممتدّ. وهاتان النَّقلتان مَوضوع القِسمَين التاليَين.
3.3.3.6فُرقان موسى ـ النَّقلة الأُولى
أَوَّل النَّقلتَين الكُبرَيَين فُرقان موسى، يَنطق به قَوله تعالى ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ، وقَوله ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: 48]. والعَطف في الآية الأُولى بَين الكتاب والفُرقان عَطف تَغايُر، لا عَطف تَفسير، إذ لَو كانا شَيئاً واحداً لَما حَسُن عَطف أَحدهما على الآخر. فالكتاب شَيء، والفُرقان شَيء آخر، اقتَرَنا في عَهد موسى دون أَن يَتَّحِدا.
ولَعَلَّ في صياغة «آتَينا» مَدخَلاً إلى تَمييز فُرقان موسى. فالإيتاء في اللسان إعطاء وتَمكين، يَقتَضي مُتَلَقّياً يُمَكَّن مما أُوتيَه. وقَد يُلحَظ أَن الإيتاء كَثيراً ما يَعقُب طَلَباً أَو تَهيئة سابقة، فمن أُوتيَ شَيئاً كان على عِلم بمَجيئه، مُستَعِدّاً لتَلَقّيه. ولَعَلَّ هذا يَتَّسق مع ما سَبَق في دُعاء موسى ﴿فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَٰسِقِينَ﴾ ، إذ طَلَب موسى الفَصل صَراحة، فلَمّا طَلَبه عَلِم أَنه آتٍ، فأُوتيَه. والصياغة «آتَينا موسى... الفُرقان» تُناسب هذا، إذ هي إيتاء يَعقُب طَلَباً وعِلماً بمَجيئه.
ولَعَلَّ في اقتران الفُرقان بالضِّياء في آية الأنبياء ﴿ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْرًا﴾ ما يُعَضّد طَبيعة فُرقان موسى. فالضِّياء ليس النور لذاته، بَل الانكشاف الذي يَجعل الشَّيء مَرئياً مَشهوداً، واقترانه بالفُرقان قَد يُشير إلى أَن فُرقان موسى تَجَلَّى انكشافاً مَشهوداً تَراه العُيون لَحظةَ وُقوعه، لا فَصلاً خَفياً. ولَعَلَّ أَوضَح ما تَجَلَّى به هذا الانكشاف انفلاق البَحر فِرقَين، فَصلاً مَحسوساً بَين موسى ومن معه وبَين فرعَون وجُنوده، يُبصَر بالعَين ساعةَ وُقوعه، فهو الضِّياء المَشهود لشاهديه في زَمنه.
ولَعَلَّ في اقتران الفُرقان بالذِّكر كَذلك في الآية نَفسها ما يُعَضّد هذا. فالذِّكر ـ كَما تَأَسَّس في فصل القرآن ـ آلية تَذكير، تَحفَظ الحَدث من الاندثار وتَجعله حاضراً في وَعي الأَجيال اللاحقة. ومن أَبرز ما بَقي ذِكراً من فُرقان موسى نَجاة بَدَن فرعَون، كَما يَكشف قَوله تعالى ﴿فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً﴾ ، فالبَدَن لم يَكن من الفَصل ساعةَ وُقوعه، بَل بَقي آيةً مَشهودة لمَن جاء بَعده، عِبرةً تُذَكّر بمَصير الطاغية. فالضِّياء حُضور الفُرقان مَشهوداً لشاهديه في زَمن وُقوعه، والذِّكر حُضوره باقياً لمَن لم يَشهَدوه، إمّا أَثَراً ماثلاً كالبَدَن، وإمّا قَصصاً يُروى في القرآن. وفي خَتم الآية بقَيد ﴿لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ما يُشير إلى أَن هذا الذِّكر إنَّما يَنتَفع به المتَّقي الذي يَستَحضِره ويَدَّكِر، فيَرى في فُرقان موسى سنّة الفَصل بَين الحَقّ والباطل ماثلةً، فيَتَّعِظ بها.
وفي فَلق البَحر تَتَجَلَّى البنية الفرقانية المزدوجة بأَوضَح صُوَرها. فعل واحد ـ انفلاق البَحر ـ يُنتِج أَثَرَين متَضادَّين متَلازمَين: نَجاة لموسى ومن آمَن معه، وإغراقاً لفرعَون وجُنوده. ولَعَلَّ في هذا تَجَلّياً للأَصل الذي تَأَسَّس، إذ الفُرقان يَحمل طَرفَي الفَصل معاً، يَرتَقي بطَرف ويُزيل طَرفاً في حَركة واحدة. والطَّرف الناجي هو القائم على الحَقّ، والطَّرف الغارق هو القائم على الباطل، فالفَصل في جَوهره فَصل قِيَمي انعَكَس في الوجود نَجاةً وإغراقاً.
ومن دقائق ما قَد يُلحَظ، أَن إغراق فرعَون لم يَكن مُجَرَّد هَلاك فِئة، بَل إعلاناً لنهاية نَمَط حَضاري بأَكمله. فنَمَط فرعَون ـ القائم على استعباد الناس، وادّعاء الأُلوهية، وقَهر المُستَضعَفين ـ انتَهَت صَلاحيته بهذا الفَصل، ورَجَحَت في مُقابِله كفّة نَمَط الحُرّية لبَني إسرائيل، الذين خَرَجوا من العُبودية إلى عَهد جَديد. ولَعَلَّ هذا ما يُمَيّز فُرقان موسى عن المستَوى الذي قَبله، إذ هو فَصل لا يُنهي قَوماً فاسدين فَحَسب، بَل يَفتَتح نَمَطاً حَضارياً جَديداً، اقتَرَن بالكتاب الذي أُوتيَه موسى لِيُنَظّم النَّمَط الجَديد.
ولَعَلَّ في فَلق البَحر ما يَكشف خاصية التَّدَخّل التي تُمَيّز الفُرقان العَظيم. فانفلاق البَحر فِرقَين ليس مما تُنتِجه السنن المعتادة في مَجراها المأَلوف، بَل تَدَخّل أَدرَج في الوجود ما يَتَجاوَز هذا المَجرى، لِيُحدِث الفَصل الحاسم في لَحظة مفصَلية. ومن ثَمَّ، يَتَّسق فُرقان موسى مع ما تَأَسَّس من أَن النَّقلة الحَضارية الكُبرى يَصحَبها تَدَخّل يَتَجاوَز السنن، لا يَجري ضِمن مَجراها وَحده.
وبهذا يَتَجَلَّى فُرقان موسى نَقلةً حَضارية كُبرى متَكاملة الأَركان: فَصل حاسم بَين نَمَطَين، نَجاة لطَرف وإزالة لطَرف، تَدَخّل يَتَجاوَز السنن المعتادة، واقتران بكتاب يُؤَسّس النَّمَط الجَديد. وهي النَّقلة الأُولى من النَّقلتَين، تَتْلوها النَّقلة الثانية في عَهد محمد، كَما يَتَبَيَّن في القسم التالي.
3.3.3.7فُرقان محمد ـ النَّقلة الثانية
النَّقلة الثانية فُرقان محمد، يَنطق به قَوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ... إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال 41]. والفُرقان في هذه الآية يَوم بعَينه، يَوم التَقى فيه جَمعان، فكان فَصلاً حاسماً بَين الحَقّ والباطل في مَسار الرِّسالة المحَمَّدية.
ولَعَلَّ في صياغة «أَنزَلنا» مَدخَلاً إلى تَمييز فُرقان محمد عن فُرقان موسى. فقَد جاء فُرقان موسى بصياغة «آتَينا»، وهي إيتاء يَعقُب طَلَباً سابقاً، إذ طَلَب موسى الفَصل صَراحة. أَمّا فُرقان محمد فجاء بصياغة «أَنزَلنا»، والإنزال ـ كَما تَأَسَّس في فصل القرآن ومَنهج الكتاب ـ إدراج في الوجود لما لا تُنتِجه السنن وَحدها، يَرِد على المُتَلَقّي دون طَلَب سابق منه. ولَعَلَّ هذا يُشير إلى أَن فُرقان محمد لم يَكن مَطلوباً مُنتَظَراً، بَل نَزل على المؤمنين فاستَقبَلوه، خِلافاً لفُرقان موسى الذي أُوتيَه عَن طَلَب وعِلم بمَجيئه.
ويُعَضّد هذا أَن سِياق سورة الأنفال يَكشف أَن المؤمنين سيقوا إلى يَوم الفُرقان سَوقاً، لا بقَصد منهم ولا تَرتيب. فالنَّصّ يُخبِر أَنهم خَرَجوا يَطلبون العِير لا النَّفير ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال 7]، وأَن فَريقاً منهم كَرِه الخُروج إلى اللقاء ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال 5]، وأَن الإخراج نَفسه نُسِب إلى الرَّبّ ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال 5]. فاللقاء لم يَكن مَطلوباً، بَل قَدَّره الله وأَدرَجه في الوجود، فناسَبَه الإنزال.
ولَعَلَّ مَوضع فُرقان محمد في السورة يَكشف خاصية التَّدَخّل بأَربع قَرائن بنيوية متَضافرة. أُولاها صياغة «أَنزَلنا»، وهي إدراج لما لا تُنتِجه السنن. وثانيتها خَتم الآية بقَوله ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وهي صياغة تَختصّ بالسياق الكَوني الوُجودي المباشر، لا بالسياق التَّشريعي المُجَرَّد، كَما تَأَسَّس في القسم 3.3.2.2. وثالثتها أَن السورة كلّها في سِياق الفُرقان خَلَت من لَفظة «إذن» الدالَّة على الجَريان السنني. ورابعتها قَوله ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، إذ لَفظة «التَقى» تُفيد المُقابَلة من غَير مَوعد مُبَيَّت.
وفي القَرينة الثالثة دِقَّة بنيوية تَستحقّ التَّأَمل. فإن المُقابَلة بَين قَوله تعالى ﴿إِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ وقَوله ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال 65-66] تَكشف هذا. فالنِّسبة الأُولى ـ واحد إلى عَشرة ـ تَتَجاوَز موازين السنن، فجاءَت دون «إذن». والنِّسبة الثانية ـ واحد إلى اثنَين ـ ضِمن السنن المعتادة، فجاءَت مَقرونة بـ«إذن الله». والنَّصّ بهذا يُمَيّز بَين ما يَتَجاوَز السنن وما يَجري ضِمنها بهذه القَرينة الدَّقيقة، فيُعَضّد أَن سِياق الفُرقان سِياق تَدَخّل لا سِياق سنّة جارية.
وفي القَرينة الرابعة تَعضيد آخر. فقَوله ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ يُؤَكّده قَوله في السورة نَفسها ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال 42]. فالنَّصّ يَنفي صَراحة أَن يَكون اللقاء عَن مَوعد مُبَيَّت بَين الفَريقَين، ويُثبِت أَنه جَرى لِيَقضيَ الله أَمراً مُقَدَّراً. والقَرائن الأَربع معاً تَنطق ببنية واحدة: أَن الفُرقان المحَمَّدي تَدَخّل إلهي مفصَلي، لا حَدث سنني ولا تَدبير بَشري.
وفي فُرقان محمد تَتَجَلَّى البنية الفرقانية المزدوجة كَما تَجَلَّت في فُرقان موسى. فالنَّصّ يَكشف أَن الفَصل جَرى ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال 42]، فعل واحد يُنتِج أَثَرَين متَلازمَين، هَلاكاً لطَرف وحَياة لطَرف. ولَعَلَّ في قَيد «عَن بَيّنة» ما يَكشف أَن الفُرقان فَصل بَيّن لا التباس فيه، إذ كلّ طَرف عَلِم مَوقعه من الحَقّ عَن وُضوح وحُجَّة، فلَم يَهلِك من هَلَك ولم يَحيَ من حَيَّ إلا عَن بَيّنة ظاهرة.
ومن دقائق ما قَد يُلحَظ، أَن النَّصّ يَنفي نِسبة الفَصل إلى سَواعد المؤمنين، ويُثبِتها لله وَحده ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾ [الأنفال 17]. ولَعَلَّ هذا النَّفي لا يَنفي وُقوع الفِعل من المؤمنين أَصلاً، بَل يَنفي أَن يَكونوا هُمُ الفاعل الحَقيقي للفَصل، إذ الفُرقان تَدَخّل إلهي، والمؤمنون فيه أَداة لا مَصدر. فالفاعل الحَقيقي لإحداث الفَصل الحاسم هو الله، وما المؤمنون إلا مَن جَرى الفَصل على أَيديهم.
ومن دقائق ما قَد يُلحَظ كَذلك، أَن إغراق نَمَط الجاهلية في فُرقان محمد لم يَكن إزالة أَجساد، بَل إعلاناً لنهاية نَمَط حَضاري بأَكمله فنَمَط الجاهلية ـ القائم على العَصَبية القَبَلية، وقَهر المُستَضعَفين، وتَفريق الناس بالأَنساب ـ بَدأَت صَلاحيته تَنتهي بهذا الفَصل الحاسم يَوم بَدر، ورَجَحَت في مُقابِله كفّة نَمَط المَدَنية والتَّعَدّدية الفِكرية، الذي يَجمع الناس على دين الله الواحد لا على عَصَبية قَبيلة متناحرة، فكان يَوم الفُرقان فاتحةَ ترسيخ النَّمَط الجَديد لا تَمامَه دَفعةً واحدة.
واقتَرَن هذا الفَصل بالقرآن المنزَّل على عَهد محمد، لِيُؤَسّس النَّمَط الجَديد ويُنَظّمه.
وبهذا يَتَجَلَّى فُرقان محمد نَقلةً حَضارية كُبرى متَكاملة الأَركان، كَما تَجَلَّى فُرقان موسى: فَصل حاسم بَين نَمَطَين، حَياة لطَرف وهَلاك لطَرف، تَدَخّل يَتَجاوَز السنن المعتادة، واقتران بكتاب يُؤَسّس النَّمَط الجَديد. وهي النَّقلة الثانية، الأَخيرة من نَقلتَي الفُرقان العَظيم في التاريخ.
3.3.3.8رَمضان والفُرقان ـ تَدقيق بنيوي
من مَواضع الفُرقان التي تَستحقّ تَأَملاً بنيوياً قَوله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة 185]. وقَد يَتَبادَر إلى القارئ أَن الآية تَجعل رَمضان زَمناً لحَدث فرقاني تاريخي، أَو أَن الفُرقان فيها اسم آخر للقرآن. لكنّ التَّأَمل البنيوي في صياغة الآية قَد يَكشف معنىً أَدَقّ.
فالآية تَعطِف «الفُرقان» على «الهُدى» بواو المغايَرة، ولَو كان القرآن هو الفُرقان نَفسه لَما حَسُن هذا العَطف. ثُمَّ تَقول ﴿بَيّنات من الهُدى والفُرقان﴾، و«من» هنا تُفيد البَعضية، فالبَيّنات بَعض من الفُرقان لا كلّه. ولَعَلَّ في هاتَين القَرينَتَين ما يُشير إلى أَن الفُرقان في هذا المَوضع ليس القرآن كلّه، ولا الحَدث التاريخي وَحده، بَل بَعض مَخصوص يَحمله القرآن في نَصّه.
ولَعَلَّ أَدَقّ ما يَنطبق على هذا البَعض أَنه قَصص الأمم التي ذُكِر فيها فَصل الله بَين الحَقّ والباطل. فالقرآن يَقصّ طوفان نوح، وفُرقان موسى، وفُرقان محمد، وما شابَهها من وَقائع فَصَل الله فيها الحَقّ عن الباطل وأَبطَل الباطل. وهذه القَصص بَيّنات من الفُرقان، أَي مَواضع مَذكورة بعَينها من فُرقان أَوسَع جَرى في الوجود. ولَعَلَّ في صياغة البَعضية ما يُشير إلى أَن القرآن لم يَستوعِب كلّ ما جَرى من فُرقان في الأمم، بَل قَصَّ بَعضه، إذ بَعض الأمم التي جَرى فيها الفَصل لم يَذكرها النَّصّ، كَما يُشير قَوله تعالى في مَواضع ﴿ومنهم مَن لم نَقصُص عَليك﴾.
ولَعَلَّ التَّمييز بَين الهُدى والفُرقان في الآية يُعَضّد هذا. فالهُدى بَيان ووُضوح ووَعي يَحمله النَّصّ، والفُرقان قَصص الفَصل بَين الحَقّ والباطل كَما جَرى في الأمم. والقرآن يَحمل الاثنَين، يَهدي ببَيانه، ويَقصّ من وَقائع الفُرقان ما يَجعله ماثلاً في وَعي القارئ.
غَير أَن هذا لا يَعزِل مَوضع البقرة 185 عن الأَصل الذي تَأَسَّس. فالأَصل ـ الفَصل بَين الحَقّ والباطل ـ واحد، وقَصص الفُرقان في القرآن إنَّما تَنقل هذا الأَصل إلى وَعي القارئ، فيَرى سنّة الفَصل ماثلةً في تاريخ الأمم.
وبهذا يَتَّسق مَوضع البقرة 185 مع المنظومة دون أَن يَنقُضها. فالفُرقان فيه ليس مستَوىً رابعاً، بَل قَصص لوَقائع الفُرقان كَما جَرَت في الأمم، يَحملها القرآن في نَصّه، فتَنقل إلى القارئ سنّة الفَصل بَين الحَقّ والباطل، لِيَتَّعِظ بها ويَستَحضِرها.
3.3.3.9الفُرقان نَذير للعالمين ـ سنّة دائمة
من مَواضع الفُرقان التي تَكشف امتداده قَوله تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان 1]. وقَد يُلحَظ في هذه الآية أَن الفُرقان قُرِن بصياغة «نَزَّل»، وهي من بنية الإنزال التي تَأَسَّس أَنها إدراج في الوجود لما لا تُنتِجه السنن وَحدها.
وقَرينة ﴿لِيَكون للعالمين نَذيراً﴾ قَد تَكشف أَيّ صُوَر الفُرقان المحَمَّدي يُقصَد في هذا المَوضع. فالنِّذارة للعالمين كافَّة تَستلزم أَمراً ممتَدّاً يَبلُغ كلّ الناس في كلّ زَمن. وواقعة بَدر ـ يَوم الفُرقان ـ مَخصوصة بأُمَّة وعَصر، لا تَبلُغ العالمين إلا حين تُقَصّ في النَّصّ. فالذي يَكون نَذيراً للعالمين هو النَّصّ المُنزَّل على النَّبي، بما يَحويه من بَيّنات الفُرقان، لا الواقعة المَخصوصة.
ولَعَلَّ هذا يَتَّسق مع ما تَأَسَّس في المَوضع السابق. فالقرآن يَحمل بَيّنات من الفُرقان ـ قَصص الفَصل بَين الحَقّ والباطل في الأمم ـ والنَّصّ بما يَحويه من هذه البَيّنات يُسَمَّى «الفُرقان» في هذا المَوضع، لأَنه يَفصل في وَعي مَن تَدَبَّره بَين الحَقّ والباطل، ويَنقل سنّة الفَصل إلى كلّ مَن بَلَغه. فالفُرقان المحَمَّدي صُورتان: واقعة تَجَلَّى بها في زَمن مَخصوص (بَدر)، ونَصّ يَبلُغ العالمين فيَكون نَذيراً لهم.
وقَد يُلحَظ أَن الفعل في هذا المَوضع جاء مُفرَداً «نَزَّل»، لا بصياغة المُثَنّى الوَظيفي كَما في الأنفال 41 ﴿أَنزَلنا﴾. ولَعَلَّ هذا يَتَّسق مع سِياق الآية، إذ هي في مَقام التَّبارُك والتَّنزيه ﴿تَبارَك الذي نَزَّل﴾، والتَّبارُك يُناسبه إفراد الفعل ونِسبته إلى الذات المطلقة. فحَيث كان السياق سِياق فِعل وُجودي في يَوم مَخصوص جاء المُثَنّى الوَظيفي، وحَيث كان سِياق تَبارُك جاء الإفراد.
ومن دقائق ما تَكشفه الآية، أَن النِّذارة مَوصولة بـ«العالمين», لا بأُمَّة بعَينها ولا بعَصر مَخصوص. ولَعَلَّ المعنى أَن النَّصّ، إذ يَقصّ وَقائع الفُرقان ـ طوفان نوح، فُرقان موسى، فُرقان محمد ـ يَكشف سنّةً ماضية في الوجود: أَن الباطل، مَهما طال أَمَده وعَظُمَت شَوكته، مَآله إلى الانفصال عن الحَقّ والزَّوال. فالفُرقان نَذير، لأَنه يُنبئ كلّ قائم على الباطل بمَصيره، ويُنبئ كلّ قائم على الحَقّ بعاقبته.
ومن ثَمَّ، يَتَّصل هذا المَوضع بالأَصل الذي تَأَسَّس اتّصالاً محكماً. فالفُرقان سنّة الفَصل بَين الحَقّ والباطل، وهي ماضية لا تَتَخَلَّف. والنَّصّ المُنزَّل، إذ يَحمل بَيّنات الفُرقان ويَبلُغ العالمين، يُنذِرهم بهذه السنّة، فيَجعل القارئ في كلّ عَصر على بَيّنة من أَن الحَقّ يَبقى وأَن الباطل يَزول، مَهما تَبَدَّلَت الأَزمنة والأَمكنة.
3.3.3.10المنظومة الجامعة للفُرقان ـ خاتمة الفصل
تَأَسَّس في الأَقسام السابقة بنيان الفُرقان مَوضعاً مَوضعاً، ومستَوىً مستَوىً. بَدأَ الفصل بتَحليل الجَذر اللُّغوي ومنطلق الاستقراء (3.3.3.1)، ثُمَّ تَأسيس الأَصل البنيوي ـ الفَصل بَين الحَقّ والباطل (3.3.3.2)، ثُمَّ تَتَبّع المستَويات الثَّلاثة ـ الفُرقان العامّ للمتَّقي، والفُرقان في الأمم، والفُرقان العَظيم بنَقلتَيه (3.3.3.3 إلى 3.3.3.7)، ثُمَّ تَدقيق مَوضعَي رَمضان والنِّذارة للعالمين (3.3.3.8 و3.3.3.9). وهذا القسم الختامي يَجمع ما تَأَسَّس، لِيَكشف المنظومة الجامعة للفُرقان في صُورتها المتَكاملة.
أَوَّل ما يَتَجَلَّى من هذا الاستقراء أَن الفُرقان أَصل واحد، هو الفَصل بَين الحَقّ والباطل، يَتَجَلَّى على مستَويات ثَلاثة بحَسب مَداه. فهو في المستَوى الأَوَّل فُرقان عامّ، يَتَهَيَّأ في وَعي المتَّقي ـ فَرداً كان أَو جَماعة ـ فيَفصل له الحَقّ من الباطل في وَعيه ومَعاشه، سنّةً جارية في كلّ زَمن. وهو في المستَوى الثاني فَصل في أُمَّة، يَقع بَين قَوم ونَبيّهم، فيَنجو المؤمنون ويَهلِك المُكَذّبون، نُبُوّةً دون كتاب. وهو في المستَوى الثالث فُرقان عَظيم، نَقلة حَضارية كُبرى تُنهي نَمَطاً وتَفتَتح نَمَطاً، مَقرونة بكتاب يُؤَسّس النَّمَط الجَديد. والأَصل في المستَويات الثَّلاثة واحد، وإنَّما يَختَلف المَدى ـ من وَعي الفَرد، إلى الأُمَّة، إلى الحَضارة.
ومن أَدَقّ ما تَكَشَّف في هذا الفصل أَن الفُرقان لا يُحاكي طَرفاً واحداً، بَل يَحمل في بنيته طَرفَي الفَصل معاً. فهو فعل واحد يُنتِج أَثَرَين متَضادَّين متَلازمَين، نَجاةً لطَرف وهَلاكاً لطَرف، نَصراً لفئة وهَزيمة لفئة. والطَّرف الناجي هو القائم على الحَقّ، والطَّرف الهالك هو القائم على الباطل، فالفَصل في جَوهره فَصل قِيَمي يَنعكس في الوجود.
أَمّا الفُرقان العَظيم، فقَد كَشَف الاستقراء أَنه لم يَقع في التاريخ إلا مَرَّتَين: فُرقان موسى، فَصلاً بَين نَمَط فرعَون ونَمَط بَني إسرائيل، وفُرقان محمد، فَصلاً بَين نَمَط الجاهلية والعَصَبية القَبَلية ونَمَط المَدَنية والتَّعَدّدية الفِكرية. وقَد تَمَيَّز كلّ منهما بصياغة تَكشف طَبيعته، إذ جاء فُرقان موسى بـ«آتَينا» ـ إيتاءً يَعقُب طَلَباً سابقاً ـ وجاء فُرقان محمد بـ«أَنزَلنا» ـ إنزالاً يَرِد بَلا طَلَب، يُستَقبَل ولا يُنتَظَر. واجتَمَعَت في فُرقان محمد قَرائن بنيوية تَكشف كَونه تَدَخّلاً لا حَدثاً سننياً: صياغة الإنزال، وخَتم الآية بـ«على كلّ شَيء قَدير»، وخُلوّ سِياقه من لَفظة «إذن» الدالَّة على الجَريان السنني، ولَفظة «التَقى» الدالَّة على المُقابَلة من غَير مَوعد. وكلتا النَّقلتَين اقتَرَنَت بكتاب، فلَم تَكونا فَصلاً يُنهي واقعاً فاسداً فَحَسب، بَل تَأسيساً لنَمَط حَضاري جَديد يَنتَظِم بكتاب.
ومن دقائق ما قَد يُلحَظ، أَن الفُرقان وإن تَجَلَّى في وَقائع تاريخية مَخصوصة، يَحمل في بنيته سنّةً دائمة لا تَتَخَلَّف. فوَقائع الفُرقان ـ طوفان نوح، وفُرقان موسى، وفُرقان محمد ـ ليست أَحداثاً مَضَت وانقَضَت، بَل تَكشف سنّة ماضية: أَن الباطل، مَهما طال أَمَده وعَظُمَت شَوكته، مَآله إلى الانفصال عن الحَقّ والزَّوال. ومن ثَمَّ، حين يَقصّ النَّصّ هذه الوَقائع، فهو لا يُؤَرّخ ماضياً، بَل يُنذِر العالمين بسنّة حاضرة، تَجري في كلّ زَمن.
وبهذا يَتَّضح مَوقع الفُرقان من منظومة النَّصّ. فبَيّنات الفُرقان ـ قَصص الفَصل بَين الحَقّ والباطل في الأمم ـ قَصص في أَصلها، والقَصص من مضمون القرآن المتَشابه الكَوني القَصصي، كَما تَأَسَّس في فصل القرآن. فالفُرقان، من جِهة ما ذُكِر منه في النَّصّ، داخل في مضمون القرآن، ليس طَبَقة مستقلَّة تُقابِله. وإنَّما يُفرَد له اسم «الفُرقان» لأَن النَّظَر فيه إلى جِهة مَخصوصة من هذا القَصص، هي جِهة الفَصل بَين الحَقّ والباطل.
وأَمّا الفُرقان بما هو فِعل وُجودي ـ النَّقَلات الحَضارية الكُبرى والفَصل في الواقع ـ فأَمر يَجري في الوجود، يَقصّه القرآن ولا يَنحَصر فيه، إذ بَعض وَقائع الفُرقان لم يَذكرها النَّصّ كَما تَأَسَّس. فالفُرقان صفة تَنظُر إلى وَظيفة الفَصل، سَواء في القَصص الذي يَحمله القرآن، أَو في الوجود حَيث تَجري النَّقَلات.
ومن ثَمَّ، يَتَكامل الفُرقان مع القرآن والكتاب في منظومة النَّصّ الواحدة. فالكتاب الجامع يَستوعب القرآن المتَشابه كطَبَقة من طَبَقاته الأَربع، والقرآن يَحمل في قَصصه بَيّنات الفُرقان، والفُرقان يَكشف الجِهة الغائية في هذا القَصص ـ فَصل الحَقّ من الباطل. فالصِّفات الثَّلاث ليست مَنظومات متَقابِلة، بَل أَوجُه لنَصّ واحد: الكتاب جامعه، والقرآن مضمونه الكَوني القَصصي، والفُرقان جِهة الفَصل في هذا المضمون. وبهذا يَكون النَّصّ المُنزَّل ـ بما يَحمل من بَيّنات الفُرقان ـ نَذيراً للعالمين، إذ يَنقل إليهم سنّة الفَصل بَين الحَقّ والباطل ماثلةً في قَصص الأمم.
والقارئ الذي يَستوعب هذه المنظومة، لا يَقف عند بنية الفُرقان، بَل يَنتقل إلى وَظيفته. فيَرى في قَصص الفُرقان سنّة الفَصل ماثلةً، فيَعلَم أَن الحَقّ يَبقى وأَن الباطل يَزول، ويَطلُب لنَفسه الفُرقان العامّ الذي يُلازِم المتَّقي، فيَتَّقي الله فيَفصل له الحَقّ من الباطل في وَعيه ومَسيره. وبهذا يَكون الفُرقان ـ في خِتام فصله ـ لا مَفهوماً يُدرَس فَحَسب، بَل سنّةً تُدرَك وتُعاش، يَستَنير بها المؤمن في كلّ زَمن.
3.4 مراتب الوعي: نظام الوعي في القرآن
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «القرآن والكتاب والفُرقان»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث