3.5

عَدم التَّشابُه البنيوي

23 دقائق قراءة~4060 كلمة11 مبحثاً في هذا الفصل

والكليات الإلهية مجَرَّدات لا تَتَشابه بَعضها مع بَعض في بنية وُجودية لأَنها لا تَنبع من الوجود، فالتَّوحيد لا يُشبه الإحسان للوالدَين في بنيته، وتَحريم القَتل لا يُشبه إيفاء الكَيل في تَفاصيله، فكلّ كلية مستقلَّة جَوهرياً تَنزل من الذات المطلقة بصياغة كلية مجَرَّدة لا تَنبثق من سياق وُجودي.

3.5.1التمهيد: إعادة قراءة السؤال

يقع كثيرٌ من القرّاء في خطأٍ منهجيّ حين يفترضون أنّ آدم أوّل إنسانٍ خلقه الله، وأنّ البشرية كلّها تنحدر منه وحده. وهذا الافتراض لم يأتِ من القرآن، بل تسلّل إلى الذهن الإسلامي من رواياتٍ تلموديةٍ سابقةٍ أُدرجت في التفسير التراثي دون مراجعةٍ نصّيةٍ داخلية. ولمّا جاء العالِم البريطاني تشارلز داروين في القرن التاسع عشر بنظريّته التي أثبتت أنّ الحياة تطوّرت تدريجياً من أسلافٍ مشتركةٍ عبر ملايين السنين وفق مسارٍ تكيّفيٍّ محكم، هاجمه المتديّنون من الكنيسة والإسلام التراثي معاً. ولم يكن السبب الحقيقيّ للهجوم أنّ داروين نفى الله، فقد كتب صراحةً في رسالته إلى جون فورديس عام ١٨٧٩ ردّاً على من اتّهمه بالإلحاد: "في أشدّ تقلّباتي لم أكن قطّ ملحداً بمعنى إنكار وجود الله، ومن السخف الشكّ في أنّ رجلاً قد يكون مؤمناً متحمّساً بالله وتطوّرياً في آنٍ واحد." وإنّما كان السبب الحقيقيّ أنّ نظريّته هدمت أسطورة آدم الفرد المخلوق من طينٍ في لحظةٍ واحدة، تلك التي بنى عليها التفسير التراثي بنيانه كلّه. فالمشكلة لم تكن في القرآن، بل في الروايات التلمودية المُدرَجة في التفسير الإسلامي.

ونستشهد بنتائج داروين العلمية حيث تتوافق مع الآيات للتقريب والتأمّل لا للإقرار، فالقرآن أوّلاً والعلم شاهدٌ مُعضِّدٌ لا مصدر. أمّا نسبة هذا المسار التطوّري إلى الله أو نفيها عنه فشأن الإيمان لا العلم، إذ العلم يصف الآلية والقرآن يُسمّي المدبِّر وراءها.

ومتى أُعيد الاستقراء الداخلي للقرآن بعيداً عن الافتراض التراثي، تكشّفت صورةٌ مختلفةٌ تماماً، تبدأ بالخلق الأحيائي من الماء في أعماق المحيطات، ثمّ تمرّ بمسارٍ بيولوجيٍّ تدريجيٍّ طويلٍ تتعدّد فيه الكائنات وتتنوّع، ثمّ تصل إلى البشر بوصفهم امتداداً أحيائياً في نهاية هذا المسار، وتنتهي بآدم فصيلاً بشرياً اصطُفي لأنّه بلغ من التسوية ما أهّله لحمل الأمانة الكبرى.

والقرآن في استقرائه الداخلي لا يقول في موضعٍ واحدٍ خلق الله آدم، بل يقول دائماً خلق بشراً، أمّا آدم فكلّ آياته تتحدّث عن الاستخلاف والتعليم والنفخة والسجود لا عن الخلق الأوّل. وهذا التمييز الدقيق بين لفظين، خلقِ البشر واستخلافِ آدم، هو مفتاح الفصل كلّه.

آدم اسمُ عَلَمٍ لفصيلٍ لا لفرد ـ قراءةٌ تأويلية

يطرح هذا الكتاب قراءةً تأويلية، هي أنّ آدم في القرآن اسمُ عَلَمٍ يصف فصيلاً بشرياً بعينه اصطُفي من بين جمعٍ لا فرداً واحداً أُوجد من عدم. وهذه القراءة لا تدّعي أنّها الحقيقة اللغوية القطعية، بل تُقدَّم فرضيةً تأويليةً تنبثق من الاستقراء الداخلي للنصّ وتُفتَح للنقاش والمراجعة.

ولا يأتي الدليل على هذه القراءة من القياس اللغوي على لفظ الإنسان، فالإنسان معرّفٌ بأل الجنسية وهو جنسيٌّ بطبيعته اللغوية، أمّا آدم فعَلَمُ معرفةٍ بالعَلَمية يدلّ في أصله اللغوي على شخصٍ بعينه، وإنّما يأتي الدليل من الاستقراء الداخلي القرآني مباشرةً. يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ . تبدأ الآية بخلقناكم وصوّرناكم، وهو خطابٌ جمعيٌّ شاملٌ لكلّ البشر، ثمّ تنتقل إلى اسجدوا لآدم، وهو تخصيصٌ اسميٌّ من بين هذا الجمع. فآدم هنا ليس البداية، بل هو المصطفى من بين موجودين، اسمُ عَلَمٍ لفصيلٍ بعينه انتُزع من الجمع وخُصَّ بالاستخلاف. وتجعل هذه القراءة قصّة آدم سنّةً متجدّدةً تتكرّر في كلّ فصيلٍ بشريٍّ يبلغ من التسوية والوعي ما يؤهّله للتكليف، لا حادثةً فرديةً تاريخيةً مغلقةً انقضت. وإن لم تصحّ هذه القراءة فالنصّ القرآني محكمٌ في ذاته، وهذا الكتاب لا يصادر عليه.

﴿الأعراف: ١١

الاسم مطابقٌ للمسمّى وظيفياً ـ تأمّلٌ فكري

ومن باب التأمّل الفكري لا الإقرار اللغوي القطعي، يلاحظ القارئ أنّ القرآن يستخدم الأسماء لتنطبق على وظيفة المسمّى وسيرته، فاسم المسمّى في القرآن ليس تسميةً عشوائيةً جامدةً، بل هو برنامجٌ وظيفيٌّ يعبّر عن حقيقة المسمّى ورسالته. ومن أجلى الشواهد على ذلك اسم إبراهيم، فسيرته كلّها براءةٌ وهجرةٌ وانفصالٌ عن الأب والقوم تبحّثاً عن الحقّ، يقول الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾ . واسم يحيى عينُ الحدث الذي يمثّله، حياةٌ بعد انقطاع الرجاء ووجودٌ بعد يأس، يقول الله تعالى: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، وهو الابن الذي وُلد لأبٍ كبير السنّ وأمٍّ عاقر، فاسمه بعينه معجزة الحياة التي منحها الله. وآدم بهذا المنهج التأمّلي قد يحمل في اسمه إشارةً إلى الدوام والاستمرار، فهو الفصيل الذي دام ودامت ذرّيّته حين انقرض غيره من الفصائل البشرية، وحمل الأمانة التكليفية بعد أن عجز عنها سواه. وهذا تأمّلٌ يستحقّ الوقوف عنده دون الجزم به، إذ لم يُثبت الاستقراء اللغوي المعجمي هذا الاشتقاق قطعياً، والله أعلم بمراده من الأسماء.

﴿الممتحنة: ٤

3.5.2الخلق الأول: الحياة من الماء

يقول الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ . كان التدبير الإلهي الكوني قائماً والماء هو الأساس الأوّل، وهذه الآية تُؤسّس لحقيقةٍ جوهريةٍ قبل كلّ شيء، هي أنّ أوّل حياةٍ بيولوجيةٍ في الوجود لم تكن في البرّ ولا في الجوّ، بل انطلقت من الماء. والعرش هو التدبير والمراقبة والتيسير، أي أنّ التدبير الإلهي لمسار الحياة كلّه كان قائماً منذ البداية والماء هو البيئة التي احتضنته. وقوله ﴿عَلَى الْمَاءِ﴾ لا على ماء، أي على الماء المعروف الأصل الأوّل لا على ماءٍ نكرة.

﴿هود: 7

ويقول الله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ وَإِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ . فلينظر أداةُ بحثٍ فيزيائيٍّ ماديٍّ لا تأمّلٍ فكريٍّ مجرّد، والفرق بينها وبين ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ فارقٌ منهجيٌّ دقيقٌ في القرآن يُفرّق بين نوعين من الإدراك، إذ تُحرّض فلينظر البحثَ المادّي الفيزيائي في الواقع الموجود، وتُحرّض ألم ترَ الإدراكَ الفكري التأمّلي. فالآية دعوةٌ بحثيةٌ فيزيائيةٌ صريحةٌ لمن يريد أن يعرف أصل خلقه، وهذا بعينه ما يفعله العلماء في كلّ جامعات العالم.

﴿الطارق: 5-8

والماء الدافق ليس الماء الجاري السطحي المعتاد، بل الماء الحارّ المتدفّق صاعداً، والدافق من الدفء والتدفّق معاً. وقوله ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ سياقه المباشر يتحدّث عن خلق الإنسان من النطفة التي تخرج من بين الصلب والترائب في الجسد البشري، وهذا هو المعنى الأصلي الذي يُقرّه سياق الآية. غير أنّ في الآية دعوةً بحثيةً فيزيائيةً بقوله فلينظر تُحرّض على البحث المادّي في أصل الخلق، ومن باب التأمّل لا الإقرار القطعي يمكن القول إنّ ثمّة توافقاً لافتاً بين هذه الآية وما تتّجه إليه أبحاث جامعات العالم في بحثها عن أصل الحياة الأولى في الفتحات الحرارية المائية في أعماق المحيطات، من درجات حرارةٍ بين 70 و85 درجةً ضمن محتوىً مائيٍّ غنيٍّ بالمعادن. وهذا التوافق للتأمّل لا للإقرار القطعي، فالقرآن أوّلاً والعلم شاهدٌ مُعضِّدٌ لا مصدر.

وتُغلق الآية بقوله ﴿وَإِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، والرجع هنا بالغ الدقّة اللغوية، إذ يختلف عن الردّ، فالردّ عودة الشيء كما كان دون تغيير، أمّا الرجع فعودة الشيء بعد أن طرأ عليه التغيير الذي انطلق لأجله. فهذا الجسد الذي خرج من الماء الدافق ومرّ بمسار تغييرٍ وتسويةٍ طويلٍ حتى صار إنساناً مكتمل البنية، يرجع بعد رحلته إلى الأرض متحلّلاً، رجوعاً بعد تغييرٍ لا ردّاً إلى ما كان. أمّا النفس فتعود إلى الله لأنّها من عنده، وهو موضوعٌ مختلفٌ يأتي في فصله.

ويقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ . تجمع الآية مستويين متتاليين لا مستوىً واحداً، الفتقَ الكوني المادّي أوّلاً وهو نشأة الكون وتشكّل السماوات والأرض، ثمّ الخلقَ الأحيائي البيولوجي لاحقاً وهو نشأة الحياة من الماء. والحياة في الآية شاملةٌ ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ لا نوعاً بعينه، وقوله ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾ بالتعريف يُفيد أنّ الماء هو البيئة الكاملة الأصل لا مجرّد مكوّن، أي أنّ الحياة نشأت من داخل الماء وفي أحضانه.

﴿الأنبياء: 30

3.5.3التدرّج الأحيائي: من الماء إلى الإنسان

يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . كلّ دابّةٍ من ماء، ولا تستثني الآية شيئاً. وما يلفت النظر فيها ترتيب أشكال الحياة، على بطنه ثمّ على أربعٍ ثمّ على رجلين، وهو تسلسلٌ من الأدنى إلى الأعلى في مسار الخلق البيولوجي، فالكائنات المائية والزواحف أوّلاً تمشي على بطنها، ثمّ الثدييات الأربعية، ثمّ الإنسان الماشي على رجلين. والإنسان نفسه مرّ في مراحل تسويته بهذا التسلسل ذاته، إذ كان ممّن يدبّ على الأربع في طورٍ سابقٍ من التسوية، ثمّ عدّله الله فأوقفه على رجلين، كما يقول تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 7-8]. فالتعديل هو بالضبط الانتقال من المشي على أربعٍ إلى الوقوف على رجلين، والصورة النهائية جاءت بعد تجريبٍ وتركيبٍ متعدّدٍ عبر الأجيال والأزمان. فلا تعارض بين الآية والعلم، إذ الآية تصف مراحل الكائن الواحد في مسار تطوّره لا أنواعاً مختلفةً متوازية.

﴿النور: 45

وقوله ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ بعد ذكر التسلسل إشارةٌ جوهريةٌ إلى أنّ هذا التنوّع وهذا التسلسل التدريجي ليس عشوائياً، بل محكومٌ بإرادةٍ إلهيةٍ واعية. وما يصفه العلم بالانتخاب الطبيعي، أي التغيير التكيّفي عبر الزمن والبيئة، يُقابله في القرآن الجعل ﴿ثُمَّ جَعَلَ﴾ لا الخلق، لأنّ الجعل هو التحويل في الصيرورة والتغيير التكيّفي، وهو بعينه جوهر الانتخاب الطبيعي. فالعلم يصف الآلية والقرآن يُسمّي المدبِّر وراءها.

3.5.4البشر: امتداد أحيائي من الماء والطين ـ الظلمات الثلاث

يقول الله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ . يرى التفسير التراثي أنّ الظلمات الثلاث أغشية الرحم الثلاثة، وهذا محتملٌ في سياق الآية المباشر. غير أنّ الاستقراء الداخلي للقرآن مع آية المؤمنون يكشف احتمالاً آخر يستحقّ التأمّل، وهو أنّ الظلمات الثلاث مراحل خلقيةٌ كبرى غير مشهودةٍ لنا، ظلماتٌ بمعنى خفيّةٍ عنّا غير مرئية، كلّ مرحلةٍ منها مسارٌ زمنيٌّ طويل. وهذا الفهم لا يُقطع به بل يُطرح تأمّلاً، إذ ثمّ الفاصلة بين المراحل في آية المؤمنون تفيد التراخي الزمني، وفاصل ثمّ في العربية لا يُقيَّد بزمنٍ محدّد، والله أعلم بمراده.

﴿الزمر: 6

الظلمة الأولى ـ سلالة من طين

يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ . بداية الخلق البشري من طين، والطين مزيج الماء والأرض في تفاعلٍ كيميائيٍّ حراري. وسلالة تعني استخلاصاً ونقلاً تدريجياً، أي أنّ البشر استُخلصوا تدريجياً من هذا الطين المائي الأوّل. وهذه المرحلة هي الحياة الأحيائية الأولى في أعماق المحيطات، تكاثرٌ لاجنسيٌّ بدائيٌّ بالانقسام والتبرعم، إذ كانت الحياة تحمل كروموسوم X فقط لا ذكر ولا أنثى، مرحلةٌ طويلةٌ جداً لم نشهدها.

﴿المؤمنون: 12

والأوصاف المتعدّدة للطين في القرآن كلّها تصف بيئةً واحدةً جامعةً هي الماء والأرض في تفاعل. يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ، والحمأ المسنون طينٌ أسود متعفّنٌ رطب، ماءٌ وأرضٌ في تفاعلٍ عضويٍّ متقدّم. ويقول تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ﴾ [الصافات: 11]، والطين اللازب طينٌ لاصقٌ متماسك، ماءٌ وأرضٌ في تفاعلٍ كثيف. ويقول تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: 14]، والصلصال كالفخار طينٌ جفّ وتصلّب بعد التفاعل. والعنصر الجامع بين هذه الأوصاف كلّها أنّه لا يوجد فيها عنصرٌ واحدٌ منفرد، بل كلّ وصفٍ يُبرز جانباً من جوانب بيئةٍ واحدةٍ هي الماء والأرض في تفاعلٍ كيميائيٍّ حراريٍّ محكم.

﴿الحجر: 28

ومما يستحقّ التأنّي أنّ هذه الأوصاف للطين، السلالةَ والحمأ المسنون والطين اللازب والصلصال كالفخّار، تحمل في ذاتها بُعدين متكاملين بلا تعارض. فمن جانبٍ تكشف البيئة المادّية للتكوين البيولوجي، ماءً وأرضاً في تفاعلٍ كيميائيٍّ حراريٍّ متدرّج، ومن جانبٍ آخر تحمل صفاتٍ وظائفيةً معنويةً تنفذ في طبع النوع المصطفى، فاللِّينُ والتماهي في الطين، والانسجامُ واللُّحمة في السلالة، والتماسكُ والاكتمال في الصلصال كالفخّار. والبُعدان متكاملان، فالمسار البيولوجي التطوّري الطويل هو الذي يُولّد هذه الصفات الوظائفية المعنوية التي تُلائم النوع المصطفى لحمل الأمانة. ويُتأنّى في تفصيل هذه الصفات الوظائفية ودلالاتها في فهم البنية الطبقية للإنسان في فصلٍ آخر مخصوصٍ لذلك.

الظلمة الثانية ـ نطفة في قرار مكين

يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ . جعلناه بالمثنّى الوظيفي، تحويلٌ كلّيٌّ جذريٌّ من حالةٍ إلى حالةٍ مختلفةٍ تماماً، يستلزم الإرادة الإلهية المطلقة مع التدبير الربوبي لأنّه يتجاوز السنن المعتادة. والنطفة لغةً من نطف، أي أفرز وأخرج، وهي الماء القليل الصافي المُفرَز، وليست في أصل اللغة مقيّدةً بالمنيّ الذكوري، بل هي الإفراز الحيّ البسيط. ففي سياق هذه الظلمة الثانية قبل ظهور الذكر والأنثى، النطفة هي الكائن الحيّ البسيط الأوّل الذي انتقل من البيئة المائية إلى البيئة البرية. والقرار المكين هو الأرض المستقرّة الثابتة، ومكينٌ من المكانة والتمكين، أي الأمر الأكيد المستقرّ الراسخ، فالأرض هي القرار لأنّها البيئة المستقرّة الثابتة بعد البيئة المائية المتحرّكة.

﴿المؤمنون: 13

وفي هذه المرحلة الطويلة جداً جرى الجعل الكلّي الجذري في آلية التكاثر عبر ثلاثة تحوّلاتٍ متزامنة. أوّلها الانتقال من التكاثر اللاجنسي المائي إلى التكاثر الجنسي، وهو تحوّلٌ كلّيٌّ جذريٌّ في آلية التكاثر، وقد أثبتت الدراسات المنشورة في مجلة Nature (Skaletsky et al. (2003) Nature 423: 825-837)، وهي إجماعٌ علمي، أنّ الكروموسومين X وY تطوّرا معاً من زوجٍ متماثل، وأنّ Y فقد سبعةً وتسعين في المئة من جيناته الأصلية عبر الزمن متخصّصاً في تحديد الذكورة، ومن باب التأمّل لا الإقرار القطعي يمكن ملاحظة توافقٍ لافتٍ بين هذا المسار العلمي وقوله تعالى ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ﴾ ، إذ تُفيد الآية أنّ الذكر والأنثى جاءا خلقاً لاحقاً من النطفة حين تمايزت ولم يكونا في البداية، وهذا التوافق للتأمّل لا للإقرار، والله أعلم بمراده. وثانيها الانتقال من التلقيح الخارجي المائي إلى التلقيح الداخلي البرّي، فالأسماك تُلقي بيضها في الماء، أمّا الكائنات البرية فتحمل البيئة المائية داخلها في بيضةٍ محميةٍ أو رحم. وثالثها ظهور القرار المكين الداخلي، وهو البيضة المحمية بأغشيتها أو الرحم، بيئةٌ مائيةٌ داخليةٌ محميةٌ تُحاكي المحيط الأصل في مقياسٍ مصغّر. وهي مرحلةٌ طويلةٌ جداً لم نشهدها، تنوّعت فيها الأجناس البرية وتطوّرت عبر ملايين السنين.

﴿النجم: 45-46

الظلمة الثالثة ـ العلقة في الرحم

يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ . العلقة هي المرحلة الأولى من التكوين الجنيني المعروف لدينا، نتاجَ تزاوجٍ بين ذكرٍ وأنثى داخل الرحم، وهذه هي الظلمة الثالثة التي نشهدها ونعرف تفاصيلها. وآلية التكاثر البيولوجي المكتملة ليست النطفة وحدها، يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ [المرسلات: 20-21]. والماء المهين من الجذر هون، ماءٌ حقيرٌ ضعيفٌ قليلٌ مستهانٌ به في ظاهره، وهو النطفة مكوّناً ذكورياً، والبويضة مكوّنٌ أنثوي، والقرار المكين هنا الرحم، البيئة الحاضنة التي تتكفّل بتحويل هذا الماء المهين إلى إنسانٍ مكتمل.

﴿المؤمنون: 14

ولا يُغفَل الفارق اللغوي الجوهري بين صيغتين، فقوله ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾ بالتعريف يعني الماء البيئة الكاملة الأصل، التي نشأت الحياة من داخلها وفي أحضانها، بيئةً لا مكوّناً، وقوله ﴿مِن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾ بالتنكير يعني ماءً نكرةً مكوّناً جزئياً، وهو آلية التكاثر اللاحقة لا البيئة الأصل. وختام آية المؤمنون ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ يعني خلقاً آخر مختلفاً نوعياً لا كمياً، وهو إشارةٌ إلى نفخة الروح التي ستأتي في آدم وتُحوّل البشر المادّي إلى إنسانٍ واعٍ.

3.5.5انتشار البشر في الأرض: فصائل لا نوع واحد

يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ . الانتشار هنا آيةٌ من آيات الله لا حدثٌ فرديٌّ ضيّق، أي أنّ انتشار البشر في الأرض بأصنافهم وفصائلهم المتعدّدة هو نفسه الدليل على قدرة الله وعظمة تدبيره، ولا يُفهم الانتشار إلّا إذا كان البشر فعلاً متعدّدي الفصائل والأصناف لا نوعاً واحداً. وقوله ﴿مِن تُرَابٍ﴾ يدلّ على وحدة المصدر، وهي لا تستلزم وحدة النتيجة، بل تجعل التنوّع أكثر دلالةً على قدرة الله، فالتراب مصدرٌ واحدٌ لكلّ البشر، والانتشار الذي تفيده الآية يعني التوزّع والتفرّق والتنوّع في الأجناس والألوان والألسنة والأشكال عبر الزمن الطويل. وثمّ في الآية تفيد التراخي الزمني لا التعقيب الآني، أي بعد مسارٍ طويلٍ جداً من الخلق أصبحتم بشراً منتشرين متنوّعين، وإذا أداة مفاجأةٍ، كأنّ الآية تقول فوجئ الوجود بهذا التنوّع الهائل المنبثق من مصدرٍ واحد، وهذه المفاجأة نفسها هي الآية الدالّة على القدرة الإلهية.

﴿الروم: 20

ويُعضّد هذا الشاهدُ العلمي للتقريب لا للإقرار، فالدراسات الأثرية الموثوقة تكشف أنّ في حقبة 300,000 سنةٍ كانت أفريقيا وأوراسيا تضمّ فصائل بشريةً متعدّدةً متعاصرة، فهومو سابيينس في المغرب وإثيوبيا، وهومو هايدلبرغنسيس في جنوب وسط أفريقيا، وهومو ناليدي في جنوب أفريقيا، والنياندرتال في أوروبا والدينيسوفان في آسيا، وهي فصائل متعدّدةٌ في زمنٍ واحدٍ تُعضّد الاستقراء الداخلي للقرآن.

ومما يستحقّ التأنّي بلاغياً أنّ القرآن في تقابله المحكم بين النوعين البشريّين يستخدم صياغةً مفهوميةً جامعةً تنفذ في هذه الفصائل البشرية المتعدّدة. فمن النوع المصطفى الذي تأنسن بنفخ الروح، وهو الإنسان الآدمي، ومن النوع البشري المقابل الذي لم تكتمل أنسنته، وهو المسمّى في القرآن الجانّ، تتوزّع البشرية في صياغتها المفهومية الجامعة. وهذا التمييز المفهومي بين النوعين لا ينفي تعدّد الفصائل البيولوجية، بل يجمعها في صياغةٍ وظائفيةٍ بنيوية. والتفصيل في بنية النوعين البشريّين وتجلّياتهما في الواقع المعاصر يُدَّخر لفصلٍ مخصوصٍ يتأنّى في الإنسان بين الجنّ والإنس.

تنبيه منهجي في التوثيق العلمي

حين يُستشهد في هذا الفصل بدراساتٍ علمية فالمقصود التقريب للتأمّل لا الإقرار القطعي، فالقرآن أوّلاً والعلم شاهدٌ مُعضِّدٌ لا مصدر. والدراسات المستشهَد بها تنقسم قسمين. أوّلهما دراساتٌ تمثّل إجماعاً علمياً راسخاً، وهي في الفصائل البشرية المتعاصرة دراسة Hublin et al. (2017) — New fossils from Jebel Irhoud Morocco and the pan-African origin of Homo sapiens — Nature 546: 289-292، وفي تطوّر كروموسوم Y من زوجٍ متماثل دراسة Lahn & Page (1999) — Four evolutionary strata on the human X chromosome — Science 286: 964-967، وفي تفصيل بنية كروموسوم Y البشري دراسة Skaletsky et al. (2003) — The male-specific region of the human Y chromosome — Nature 423: 825-837. وثانيهما فرضياتٌ راجحةٌ لا تزال قيد البحث، ومنها نشأة الحياة الأولى في الفتحات الحرارية المائية في أعماق المحيطات، فهذه فرضيةٌ راجحةٌ يتّجه إليها كثيرٌ من الباحثين لكنّها لم تبلغ درجة الإجماع العلمي القطعي بعد، وتُقدَّم في هذا الفصل توافقاً للتأمّل لا حقيقةً مُقرَّرة.

3.5.6التسوية: المسار التدريجي الطويل نحو الاستخلاف

يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ . المتكلّم هنا ربّك، لأنّ الخلق البشري المادّي ربوبيٌّ سننيٌّ يجري داخل الوجود وعبر سننه. وبنية الآية تكشف مرحلتين متتاليتين لا مرحلةً واحدة، التسويةَ أوّلاً ثمّ النفخة، وفاء ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ تفيد أنّ التسوية مرحلةٌ سابقةٌ مكتملةٌ قبل النفخة، فلا تأتي النفخة إلّا بعد اكتمال التسوية. وهذه التسوية ربّما أخذت ملايين السنين، مساراً تدريجياً طويلاً لا يُعلم مداه بالضبط إلّا بما يكشفه الاستقراء السنني والبحث الأثري.

﴿الحجر: 28-29

وجوهر التسوية كان في توسّع الدماغ البشري وقدرته على التجريد، من الذاكرة والتحليل والاستنتاج، وهو الوعاء المادّي الذي لا تُودَع فيه الأمانة إلّا إذا بلغ من الاتّساع ما يُمكّنه من حملها. فالتكليف يلزمه وعاء، والوعاء المادّي هو الدماغ المتطوّر، والتسوية هي مسار إتقان هذا الوعاء عبر الزمن الطويل.

يقول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ . خلقٌ ثمّ تسويةٌ ثمّ تعديل، ثلاث مراحل متتالية تُثبت أنّ الوصول إلى الصورة الإنسانية المكتملة كان مساراً تدريجياً لا إيجاداً فورياً.

﴿الانفطار: 7-8

3.5.7الاصطفاء: جعل آدم خليفة من بين موجودين

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ . الاصطفاء وفق معيارٍ لا تفضّلٌ اعتباطي، والاصطفاء لا يكون من فراغٍ بل من بين موجودين، فاصطفاء آدم على العالمين يعني أنّ ثمّة عالمين سابقين أو معاصرين اصطُفي آدم من بينهم أو عليهم.

﴿آل عمران: 33

ويقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ . الجعل لا الخلق، والجعل في القرآن تحويل موجودٍ قائمٍ لا إيجادٌ من عدم، فالخليفة كان موجوداً بوصفه بشراً قبل أن يُجعل خليفة. وسؤال الملائكة يكشف أنّهم يعرفون هذا الجنس البشري ويعرفون تاريخه في الأرض، ويعرفون إفساده وسفكه للدماء، فلم يكن آدم مجهولاً لهم بل كانوا يرون البشر قبله.

﴿البقرة: 30

وهذه الآية وحدها تُغلق باب النقاش في مسألة سبق البشر لآدم. يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ . تبدأ الآية بخطابٍ جمعيٍّ شاملٍ لكلّ البشر، خلقناكم وصوّرناكم، فالخلق والتصوير عمليتان تشملان الجنس البشري كلّه، ثمّ تنتقل إلى التخصيص الاسمي لآدم وحده في السجود. والانتقال من خلقناكم إلى اسجدوا لآدم يُثبت بصورةٍ قاطعةٍ أنّ آدم ليس البداية بل هو الاصطفاء من بين موجودين، فالخلق والتصوير سابقان على ذكر آدم، ثمّ من بين كلّ هذا الخلق المصوَّر اصطُفي آدم وحده للسجود.

﴿الأعراف: 11

ويُكمل هذا المشهد قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ . تجمع هذه الآية في جملةٍ واحدةٍ المسارين، فخلقه من تراب هو المسار البيولوجي الطويل، وثمّ تفيد التراخي الزمني بين الخلق المادّي والأمر الإلهي. وكن هنا ليست إيجاداً من عدم، فالمادّة كانت موجودةً سابقاً من تراب، بل هي أمر تحوّلٍ لموجودٍ قائم، أي كن إنساناً واعياً مستخلفاً، فالمادّة جاهزةٌ والأمر هو الذي حوّلها إلى إنسانٍ مكلَّف.

﴿آل عمران: 59

3.5.8نفخة الروح: الطفرة الفاصلة بين البشر والإنسان

يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ . النفخة ربوبيةٌ في سياقها، فالمتكلّم في الآية هو الربّ، وقوله ﴿مِن رُّوحِي﴾ ضميرٌ يعود على الربّ في سياق الخطاب. وهذا هو الحدّ الفاصل بين البشر المادّي والإنسان الواعي، فلا فارق في المادّة بل فارقٌ في الروح.

﴿الحجر: 29

والروح هنا تحدّدها الآية التالية مباشرةً بما تجلّت فيه. يقول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ . تعليم الأسماء هو الروح المنفوخة بعينها، ليست جوهراً ميتافيزيقياً غامضاً بل هي ملكة التجريد الأول، إيداعُ القدرة على تسمية الأشياء بوظائفها لا بأشكالها. فآدم تعلّم أن يقول شجرةً لتشابك أغصانها، وطائراً لعلوّه في الجوّ، وزاحفاً لأنّه يزحف، وهي تسميةٌ وظيفيةٌ تجريديةٌ لا تقليدٌ مادّيٌّ ولا رسمٌ بصري. وهذا هو أوّل التجريد الذي ميّز الإنسان عن باقي الخلق، ملكةٌ تعمل داخل الوجود المنظور وتُدرك وظائف الأشياء وسننها.

﴿البقرة: 31

فالبشر قبل آدم كانوا يعيشون ويتكاثرون ويصارعون، لكنّهم لم يُسمّوا الأشياء بوظائفها ولم يُجرّدوا المعنى من الشكل. وهذه الطفرة التجريدية لم تكن ممكنةً إلّا بعد اكتمال الوعاء المادّي من التسوية الطويلة، فالنفخة لا تستقرّ إلّا في وعاءٍ أُتقن.

وهنا يكمن الجواب عن السؤال الذي عجز العلم عن الإجابة عنه، وهو لماذا بقي فصيل آدم وانقرض غيره من الفصائل البشرية. فصيل آدم بقي لأنّه الوحيد الذي بلغت تسويته المادّية للدماغ المستقبِل ما يُمكّنه من تقبّل التجريد الأول، فكان أهلاً للنفخة، فكان أهلاً للاصطفاء، فكان أهلاً للاستمرار. وباقي الفصائل البشرية انقرضت لأنّها لم تبلغ من التسوية ما يُمكّن وعاءها من تقبّل هذا التجريد، فلم تكن أهلاً للنفخة، فأُسقطت من مسار الوجود البشري الواعي. وهذا ما وثّقه العلم من انقراض الفصائل دون أن يستطيع تفسيره، والقرآن يُجيب بما عجز عنه العلم.

3.5.9اختبار الأهلية الأول: وعي الخطأ وتلقّي الكلمات

يقول الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ . أوّل شاهدٍ على نجاح الوعاء الآدمي في حمل الأمانة لم يكن الطاعة المطلقة، بل وعي الخطأ بعد وقوعه، ﴿فَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، وهو هربٌ معرفيٌّ لا غريزي، إدراكٌ أنّ ثمّة خطأً ارتُكب وشعورٌ بالحاجة إلى التستّر منه. وهذا لا تفعله الحيوانات، فهي لا تُدرك الخطأ ولا تشعر بالحاجة إلى التستّر من الذنب.

﴿البقرة: 37

ثمّ كانت النقلة الجوهرية الكبرى، إذ تلقّى آدم كلمات ربّه وفهمها واستجاب لها، فأصبح يتلقّى النصح والعتب والتوجيه، وهذا يعني أنّه أصبح يفهم المعنى المجرّد لا الفعل المادّي فقط. فسائر البشر الذين عاصروا آدم لم يكونوا يتلقّون كلماتٍ من ربّهم ولا يُدركون معنى المعصية والتوبة، لأنّ وعاءهم لم يبلغ من التسوية ما يُمكّنه من هذا الاستقبال.

3.5.10اختبار الأهلية الثاني: ظهور الذرّية وشهادتها على المدبِّر

يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا﴾ . قوله ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ يحمل دلالةً لغويةً أعمق من مجرّد الظهر الجسدي، فالظهور في العربية يعني العلوّ والغلبة والتفوّق، ومنه ظهر على عدوّه أي غلبه وعلا عليه. فمن ظهورهم تعني من علوّهم وتفوّقهم على من عاصرهم من الفصائل البشرية الأخرى، أي أنّ ذرّية بني آدم ظهرت سننياً على غيرها من الفصائل وتفوّقت وبقيت.

﴿الأعراف: 172

ويُعضّد هذا قوله تعالى في السياق ذاته: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ . فالمخاطَبون متعدّدون لا فردٌ واحد، فصائل متعدّدةٌ كلٌّ منها يتوالف مع بعضه داخلياً ويتنافس مع غيره خارجياً. وكان الظهور والغلبة والدوام لفصيل آدم لسببين، تأييدِ الملائكة بتسخير نظم الوجود له، وطفرتِه التجريدية التي مكّنته من التكيّف والبقاء والتعاون حيث عجز غيره. فصيل آدم ظهر سننياً لأنّه الأقدر على حمل الأمانة، بقي بينما انقرض غيره، وهذا الظهور السنني هو نفسه الاصطفاء الذي أقرّه الله في فصيل آدم.

﴿البقرة: 36

ثمّ جاء الاختبار الثاني على الذرّية بعد الظهور والتمكّن، هل تستوعب هذه الذرّية أنّ للوجود مدبّراً؟ فشهدوا وقالوا بلى، أي أنّ ملكة التجريد التي بدأت عند آدم بإدراك الخطأ وصلت عند ذرّيته إلى إدراكٍ أعمق، وهو وجود ربٍّ مدبّرٍ وراء الوجود كلّه. وهذا الإدراك هو شرط التكليف الكامل، فمن لا يعي وجود مدبّرٍ لا يمكن تكليفه برسالة.

3.5.11الخلاصة: من الماء الدافق إلى الإنسان المستخلف

من الماء الدافق في أعماق المحيطات بين الصلب والترائب بدأت الحياة، في بيئةٍ حارّةٍ غنيةٍ بالمعادن، ثمّ تدرّجت الكائنات على بطنها وعلى أربعٍ وعلى رجلين عبر مسارٍ تطوّريٍّ محكومٍ بإرادةٍ إلهيةٍ واعيةٍ لا بعشوائيةٍ عمياء، ثمّ ظهر البشر امتداداً أحيائياً في نهاية هذا المسار، فصائل متعدّدةً انتشرت في الأرض لا نوعاً واحداً.

ثمّ جاء مسار الظلمات الثلاث، سلالةً من طينٍ في الحياة المائية اللاجنسية الأولى، ثمّ نطفةً في قرارٍ مكينٍ حين انتقلت الحياة إلى البرّ وظهر الذكر والأنثى وتطوّر التلقيح الداخلي، ثمّ العلقةَ في الرحم وهو التكوين الجنيني المعروف.

ثمّ جاءت التسوية، مساراً تدريجياً ربّما أخذ ملايين السنين، أتقن الوعاء المادّي للدماغ المستقبِل، حتى بلغ فصيل آدم من التسوية ما أهّله لحمل الأمانة. فجاءت نفخة الروح، إيداعاً لملكة التجريد في الوعاء المُتقَن، وعلّم الله آدم الأسماء كلّها، وهو أوّل تجريدٍ بشريٍّ يُسمّي الأشياء بوظائفها.

ثمّ كان الاختبار على مستويين، وعي الجيل الأول بالخطأ وتلقّي الكلمات، ثمّ شهادة الذرّية بعد ظهورها وتفوّقها على المدبِّر. فلمّا اجتاز فصيل آدم الاختبارين أصبح أهلاً لما صُنع من أجله، وهو الاستخلاف في الأرض وحمل أمانة التكليف والرسالة.

وهكذا يتّضح أنّ آدم ليس أبا البشرية بالمعنى البيولوجي، بل هو اسمُ عَلَمٍ لفصيلٍ بشريٍّ بعينه تحقّقت فيه أهلية الاستخلاف، فصيلٍ بلغ من التسوية والوعي والاختبار ما لم يبلغه غيره من البشر، فجُعل خليفةً وما جُعل غيره. وهذا الفهم لا يتعارض مع ما أثبته العلم من مسار التطوّر التدريجي، بل يُعضّده ويُضيف إليه ما عجز العلم عن الإجابة عنه، من المدبِّر وراء هذا المسار المحكم ولماذا بقي فصيلٌ دون غيره.

وإذا كان هذا الفصل قد أجاب عن سؤال المنشأ، من أين جاء البشر وكيف اصطُفي فصيل آدم من بينهم، فإنّ السؤال الذي يليه طبيعياً هو سؤال الوظيفة، ماذا يعني أن يكون الإنسان مستخلفاً وما التأسيس المعرفي لهذا الاستخلاف في القرآن، وهذا ما يُجيب عنه الفصل التالي.

3.6 آدم والاستخلاف: التأسيس المعرفي للإنسان في القرآن

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «عَدم التَّشابُه البنيوي»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث