- أصل الوجود
- الإنسان وموضعه من الوجود
- الإنسانُ بَين الإنس والجِنّ والجِنَّة والجانّ
الإنسانُ بَين الإنس والجِنّ والجِنَّة والجانّ
3.2.1تَمهيدٌ تَأسيسيّ
تَأَسَّسَ في الفصل السابق أَن الإنسانَ كائنٌ مُرَكَّبٌ في كَينونته من جَسدٍ يَنفُذ به في عالَم الشَّهادة، ونَفسٍ تَكتَسِب بها وتُحاسَب، ورُوحٍ تَنزِل عَلَيها فتُحييها معنوياً. ولَعَلَّ مما يَستحقّ التَّأَنّيَ ـ بَعد ضَبط كَينونته الذاتية ـ تَمييزُ الأَلفاظ التي يَستَخدمها القرآنُ لهذا الكائن، إذ ثَمَّةَ في الخِطاب القُرآنيِّ تَمييزٌ بنيويٌّ بَين سَبعة أَلفاظٍ (البَشَر، الإنسان، الناس، الإنس، الجِنّ، الجِنَّة، الجانّ) يَستحقّ الاستنطاقَ.
وقَد تَرَكَّزَ في الوَعي الإسلاميِّ عَبر القُرون تَصَوّرٌ مُعَيَّنٌ عَن الجِنّ ـ كائنٌ غَيبيٌّ منفصلٌ عَن الإنسان، خُلق من نار، يَعيش في عالَمٍ موازٍ، يَدخل الأَبدانَ، يَتَزَوَّج البَشَر، له مُجتَمَعاتُه وقَبائلُه. وتَراكَمَ هذا التَّصَوّرُ من رواياتٍ وقَصَصٍ شَعبيةٍ وتَأويلاتٍ، فأَوقَعَ في معضلاتٍ تَفسيريةٍ لم تُحَلّ: كَيفَ يُعَذَّب الجِنُّ بالنار وهو منها؟ كَيفَ يَدخل الجَنَّةَ وهو غَيبيّ؟ كَيفَ يَتَزاوَج البَشَرَ بَلا نَصٍّ صَريح؟ كَيفَ يَتَّفق ذلك مع منهج القرآن الذي يَجعَل المُكَلَّفَ هو الإنسانَ وَحدَه؟
وحَسبُنا الاستقراءُ الدَّقيقُ للأَلفاظ السَّبعة، ولكَيفية تَوزيعها في السِّياقات المُختَلفة، ولما تَكشفه الجُذورُ اللُّغويةُ من معانٍ وَظيفيةٍ تَنفُذ في الواقع المُتَجَلّي. وما يَلي ـ تَدَرّجٌ في اثنَي عَشَر مِحوَراً متَتابعاً يَنحَلّ بها سِرُّ هذه البنية بَلاغياً ومنطقياً.
3.2.2المنهجُ التَّأسيسيُّ في فَهم الأَلفاظ القرآنية
قَبل الدُّخول في تَفاصيل الأَلفاظ، يَستحقّ الأَمرُ تَأسيسَ قاعدةٍ جَوهريةٍ ـ المُخاطَبُ بالتَّكليف في القرآن هو الإنسان، لا غَيره. فالأَمانةُ التي عَرَضَها اللهُ على السَّماوات والأَرض والجبال فأَبَين أَن يَحملنها، حَمَلَها الإنسانُ ﴿وحَمَلَها الإنسانُ إنه كان ظَلوماً جَهولاً﴾ [الأحزاب 72]. والرُّسُلُ كلُّهم من الإنس ﴿وما أَرسَلنا قَبلَك إلا رِجالاً نوحي إلَيهم﴾ [النحل 43]. والاستخلافُ في الأَرض ـ للإنسان ﴿إنّي جاعلٌ في الأَرض خَليفةً﴾ [البقرة 30]. وعَلَيه ـ كلُّ الأَلفاظ التي يَستَخدمها القرآنُ في وَصف المُكَلَّف تَنفُذ في الإنسان نَفسه بزَوايا متَنَوّعة، لا في كائناتٍ غَيبيةٍ منفصلة.
ومنه يَنفَتح منهجٌ ثانٍ يَستحقّ التَّأَسيسَ ـ المعاني الوَظيفية في الأَلفاظ القرآنية. فالقرآنُ يَستَخدم المُسَمَّيات والمَراحلَ التَّكوينية بمعانيها الوَظيفية التي تَكشف الخَصائصَ المعنوية، لا بصورتها المادّية الشَّعبية. وكلُّ لَفظٍ في النَّصّ تَمثيلٌ وَظيفيٌّ يَكشف خَصيصةً تَنفُذ في الواقع المُتَجَلّي. والمَراحلُ التَّكوينيةُ ـ من تُرابٍ، من طينٍ، من سُلالةٍ من طين، من حَمأٍ مَسنون، من صَلصالٍ كَالفَخّار، من مارجٍ من نار ـ كلُّها تَكشف كَيفياتٍ تَكوينيةً معنويةً، لا مَوادَّ مَحَلّيةً صرفه.
ولَعَلَّ مما يَستحقّ الانتباهَ في ضَوء هاتَين القاعدتَين ـ أَن الفَهمَ الشَّعبيَّ المَوروثَ كَثيراً ما يَفترض المعنى المادّيَّ في الأَلفاظ القرآنية، فيُوقع في معضلاتٍ تَفسيريةٍ مُتَكَلَّفة. والمَنهجُ الذي يَلتَزمه هذا الفصلُ ـ عَدَمُ افتراض الفَهم الشَّعبيِّ، واستنطاقُ المعنى الوَظيفيِّ الذي يَكشف الواقعَ المُتَجَلّي من سِياق النَّصّ ومن جَذره اللُّغويّ معاً.
3.2.3التَّمييزُ اللُّغويُّ بَين الأَلفاظ السَّبعة
يَستَخدم القرآنُ سَبعةَ أَلفاظٍ في الإنسان والجانّ ـ البَشَر، الإنسان، الناس، الإنس، الجِنّ، الجِنَّة، الجانّ. وكلُّها ليست متَرادفةً، بَل تَتَوَزَّع على جَذرَين متَقابلَين بصياغاتٍ متَنَوّعة، يَكشف كلٌّ منهما بنيةً وَظائفيةً مُحَكَمة. ولَعَلَّ ما يَستحقّ التَّأَنّيَ ابتداءً ـ ضَبطُ معنى كلّ لَفظٍ من جَذره اللُّغويّ، إذ التَّعريفُ الدَّقيقُ مفتاحٌ لكلّ ما يَلي في هذا الفصل من طَبَقاتٍ وتَوازياتٍ.
أَمّا الجَذرُ الأَوَّلُ ـ جَذرُ (أ-ن-س) ـ فيَدلّ على الظُّهور والإدراك والانكشاف. منه «الأُنس» بمعنى المُؤانَسة الاجتماعية، إذ الظُّهورُ يُؤَدّي إلى التَّآلف والتَّعارُف. وتَتَفَرَّع من هذا الجَذر ثَلاثُ صياغاتٍ متَمَيّزة.
«الإنس» ـ مَصدرٌ يَدلّ على صفة الانكشاف ذاتها بَلا تَجَسّدٍ في كائنٍ مَخصوصٍ ولا في كُتلةٍ متَجَمّعة. فهو الصِّفةُ المُجَرَّدةُ التي تَنفُذ في كلّ مَن يَنكَشف ويَظهَر. وحَيث وَرَدَ في القرآن ـ كَقَوله ﴿وما خَلَقتُ الجِنَّ والإنسَ إلا ليَعبُدون﴾ ـ يَنفُذ في الصِّفة المُطلَقة بَلا تَقييدٍ بزَمَن.
«الإنسان» ـ اسمُ نَوعٍ يَدلّ على الكائن الواعي المُتَأَنسن، الفَردُ الذي بَلَغَ التَّأَنسن باكتمال أَنسَنته بنَفخ الرُّوح. فاللَّفظُ يَنفُذ في النَّوع الذي تَجَلَّت فيه الأَنسَنةُ بصورتها الواقعية المُكتَملة، لا في كلّ بَشَريٍّ مُطلَقاً.
«الناس» ـ اسمُ جَمعٍ يَدلّ على الكُتلة المُنكَشفة المُتَفاعلة. ومعنى «الكُتلة» هنا ـ التَّجَمّعُ الذي يَنفُذ في وَحدةٍ من الفِعل والمَوقع، يَتَواصَل أَفرادُه عَبر الزَّمَن في تَفاعُلٍ ظاهرٍ مُنكَشف. فالناسُ ليسوا مُجَرَّدَ أَفرادٍ متَفَرّقين، بَل كُتلةٌ يَجمَعها الانكشافُ والتَّفاعُلُ والتَّواصُلُ الاجتماعيّ.
وأَمّا الجَذرُ الثاني ـ جَذرُ (ج-ن-ن) ـ فيَدلّ على الستر والاحتجاب. منه «الجَنين» (المُستَتر في الرَّحم)، و«الجَنَّة» (البُستانُ المُستَتر بأَوراقه وأَغصانه)، و«المَجَنّ» (التُّرسُ الذي يَستَتر به المُحارب). وتَتَفَرَّع منه ثَلاثُ صياغاتٍ نَظيرة للصِّياغات في الجَذر الأَوَّل، ولَكنّ التَّمييزَ بَينها يَستحقّ تَأَنّياً مَخصوصاً.
«الجِنّ» ـ مَصدرٌ يَدلّ على صفة الستر والاحتجاب ذاتها بَلا تَجَسّدٍ في كائنٍ مَخصوصٍ ولا في كُتلةٍ متَجَمّعة. فهو الصِّفةُ المُجَرَّدةُ الجامعةُ التي تَنفُذ في كلّ مَن يَلتَزم الستر، مَهما كان نَوعُه. تَنطَبق على الفَرد المُسَتَتِر ذي الثَّقَل الفكريّ، وعلى الكَهَنة الذين يَختَفون خَلفَ سَلطَتهم، وعلى الأَسماء المُقَدَّسة المُحتَجَبة عَن التَّمَحّص، وعلى كلّ كائنٍ يَلتَزم حال الستر الفِطريِّ الهادئ. فالجِنُّ ليس اسمَ نَوعٍ مُحَدَّد، بَل صفةٌ تَنفُذ في كلّ مَن انطَبَقَت عَلَيه.
«الجانّ» ـ اسمُ نَوعٍ يَدلّ على حالٍ مَخصوصةٍ من تَجَلّيات الستر، وهي حال الجِنّ الذي خَرَجَ عَن استقراره الستريِّ الهادئ فاضطَرَبَ وهاج. فالجانُّ ليس صفةً مُجَرَّدة، بَل اسمُ نَوعٍ لحالٍ مَخصوصة ـ مَن كان جِنّاً (مُسَتَتِراً هادئاً) ثُمَّ خَرَجَ عَن حاله الأَصل فاضطَرَبَ وتَلَوَّى وتَهَوَّر. ومنه ـ النَّوعُ البَشَريُّ المُقابل لآدم سُمّيَ «الجانّ» لأَنّ خاصيتَه الجَوهرية كانت عَدَم قابليته للستر الهادئ، فبَقيَ في حال الانكشاف المُضطَرب، رَفَضَ الانسجامَ، تَكَبَّرَ على الأَمر، تَجَلَّت فيه ثَمَرةُ الخُروج عَن الستر إلى الاضطراب بصورتها المُكتَملة (يَتَأَسَّس ذلك في 3.2.6).
ويَكشف هذا التَّمييزَ بصورةٍ بَديعةٍ شاهدُ الحَيَّة في آيتَي العَصا ﴿فلَمّا رآها تَهتَزُّ كَأَنها جانٌّ﴾ [النمل 10، القصص 31]. فالحَيَّةُ في فِطرتها مَستورةٌ مُحتَجَبةٌ، تَختَبئ في الجِحار، تَكره الانكشافَ ـ في هذه الحال هي «جِنّ» (الستر الهادئ). ولكنّها حين تَنكَشف قَسراً ـ تَهتَزّ وتَتَلَوّى وتَتَخَبَّط، تَلسَع بَلا تَمييز ـ في هذه الحال تَتَحَوَّل إلى «جانّ» (الستر المُنتَهَك المُضطَرب). ولذلك ـ النَّصُّ لم يَقُل «كَأَنها جِنّ» بَل «كَأَنها جانّ»، لأَنها في لَحظة الانكشاف والهَيَجان، خَرَجَت عَن أَصلها الستريِّ الهادئ.
ويَلتَئم هذا التَّمييزُ مع ما يَنفُذ في العامّيّة عند العَرَب ـ «جُنَّ جُنونُه» يَنفُذ في معنى خُروج الإنسان عَن حاله الطَّبيعي إلى الاضطراب والهَيَجان والتَّهَوّر. وهذا ذاتُ التَّمييز بَين الجِنّ (الحال الأَصل) والجانّ (الخُروج عَنه). ويَنحَلّ به سِرٌّ تَأسيسيٌّ في قَوله تعالى ﴿إلا إبليسَ كان من الجِنّ ففَسَقَ عَن أَمر رَبّه﴾ [الكهف 50] ـ إبليسُ كان في حال الستر الهادئ (الجِنّ)، فلَمّا فَسَقَ عَن أَمر ربّه وتَحَدّى الواقعَ ورَفَضَ الانسجامَ مع تَكريم آدمَ ـ جُنَّ جُنونُه، انكَشَفَ، عاد إلى أَصله الجانّيّ، فاضطَرَبَ وهاج وتَكَبَّر. ولذلك بَلاغةُ «كان من الجِنّ» بصياغة الماضي ـ تَكشف حالَه السابقةَ قَبل الفُسوق، قَبل أَن يُجَنّ جُنونُه.
«الجِنَّة» ـ اسمُ جَمعٍ كُتَليٍّ بتاءٍ يَدلّ على الكُتلة المُتَّصلة الجامعة لمَن انطَبَقَت عَلَيهم صفةُ الجِنّ. فهي جَمعٌ كُتَليٌّ وصفيٌّ للجِنّ، تَجمَع كلَّ مَن يَلتَزم الستر والاحتجاب في فِعلٍ وموقعٍ ومَصلحةٍ متَّصلةٍ زَمنياً. ومنشَأُ معنى الكُتلة ـ من بنية اللَّفظ نَفسه. فالتاءُ المَربوطةُ في «الجِنَّة» ـ كَالتاء في «الأُمَّة» و«الذُّرّية» و«العَصَبة» ـ تَكشف التَّجَمّعَ في وَحدةٍ متَّصلة، لا مُجَرَّدَ جَمعٍ عَدَدي. فالأُمَّةُ ليست مُجَرَّدَ أَفرادٍ، بَل وَحدةٌ يَجمَعها رابطٌ من فِعلٍ أَو مَوقعٍ أَو صفة. كَذلك الجِنَّةُ ـ كُتلةٌ يَجمَعها رابطُ الستر، تَتَّصل أَطرافُها عَبر الزَّمَن في وَحدةٍ من الفِعل والمَوقع والصِّفة.
وما يَكشف هذه البنيةَ الكُتَليةَ ـ السِّياقُ القُرآنيُّ نَفسُه. فقَولُه ﴿لأَملأَنَّ جَهَنَّمَ من الجِنَّة والناس أَجمَعين﴾ [هود 119] يُقابل بَين كُتلتَين، وقَولُه ﴿من شَرّ الوَسواس الخَنّاس... من الجِنَّة والناس﴾ [الناس 4-6] يَكشف كُتلتَين في مَشهد الوَسوَسة المُسَتَمِرّ، وقَولُه ﴿وجَعَلوا بَينه وبَين الجِنَّة نَسَباً ولقَد عَلِمَت الجِنَّةُ إنهم لمُحضَرون﴾ [الصافات 158] يَكشف كُتلةً واعيةً تَعلَم بنَفسها أَنها مُحضَرةٌ للحساب. فالتاءُ تُحَوّل اللَّفظَ من صفةٍ مُجَرَّدةٍ (الجِنّ) إلى كُتلةٍ متَجَمّعةٍ متَّصلةٍ في الواقع المُتَجَلّي (الجِنَّة)، كَما تُحَوّل التاءُ في «الإنس» الصِّفةَ المُجَرَّدةَ إلى كُتلة «الناس» المُنكَشفة المُتَفاعلة.
والتَّوازي البَلاغيُّ بَين الجَذرَين مُحَكَمٌ ـ كلُّ صياغةٍ في جَذرٍ تُقابلها صياغةٌ نَظيرةٌ في الجَذر الآخَر. ففي طَبَقة الصِّفة المُجَرَّدة، يُقابل «الإنس» (مَصدرُ الانكشاف) «الجِنَّ» (مَصدرَ الستر). وفي طَبَقة النَّوع، يُقابل «الإنسان» (اسمُ نَوع الكائن الواعي المُتَأَنسن) «الجانَّ» (اسمَ نَوع حال الستر المُنتَهَك). وفي طَبَقة الكُتلة المُتَّصلة، يُقابل «الناس» (الكُتلةُ المُنكَشفة المُتَفاعلة) «الجِنَّةَ» (الكُتلةَ المُسَتَتِرة المُتَّصلة الجامعة لمَن تَنطَبق عَلَيهم صفةُ الجِنّ).
وأَمّا «البَشَر» ـ فيَنفُذ بَلاغياً في الجِنس الشامل الذي يَجمَع النَّوعَين معاً (الإنسانَ والجانَّ)، بَلا تَمييزٍ في الصِّفة أَو الكُتلة. فهو الجَذرُ الجامعُ الذي يَنتَشر منه النَّوعانِ بحَسَب التَّكوين.
ولَعَلَّ مما يَستحقّ الإشارةَ كَذلك ـ أَنّ لَفظَ «جِنَّة» يَنفُذ في القرآن في موضعٍ آخَرَ بصياغة «به جِنَّة»، يَلتَئم مع جَذر الستر ولكن في طَبَقةٍ مَخصوصة تَستحقّ التَّمييز. يَكشف ذلك قَولُه تعالى ﴿أَوَلَم يَتَفَكَّروا ما بصاحبهم من جِنَّة﴾ [الأعراف 184]، وقَولُه ﴿أَم يَقولون به جِنَّةٌ بَل جاءَهم بالحَقّ وأَكثَرُهم للحَقّ كارهون﴾ [المؤمنون 70]، وقَولُه ﴿أَفتَرى على الله كَذباً أَم به جِنَّة﴾ [سَبَأ 8].
والذي يَستحقّ التَّأَنّيَ ـ التَّمييزُ البَلاغيُّ بَين «به جِنَّة» وبَين «مَجنون». فالقرآنُ يَستَخدم الصِّياغتَين في موضعَين مُختَلفَين، ولَو كان المعنى واحداً لاستَخدَمَ صياغةً واحدةً. ففي قَوله ﴿إنكَ لمَجنون﴾ [الحجر 6] ـ صياغةُ اسم المَفعول من جَذر «ج-ن-ن» تَنفُذ في معنى مَن وَقَعَ عَلَيه الجَنُّ التامُّ، فُقد عَقلُه نِهائياً، خَلَلٌ في وَظائف الدِّماغ الحَيوية يَجعَله غَيرَ مُدرِكٍ ولا قابلٍ للمُحاوَرة. أَمّا «به جِنَّة» ـ فلا تَنفُذ في فُقدان العَقل، بَل في التَّلَبّس الفكريّ، حالُ مَن يَنطِق بما ليس منه، يَتَكَلَّم بفكرٍ مُسَتَتِرٍ في مَصدره، يَسير على هَدي غَيره خُطوةً بخُطوة. فعَقلُه قائمٌ، ولكنّ المَصدرَ الذي يَنطِق منه مُحتَجبٌ مُسَتَتِر.
ومنه يَنفَتح فَهمٌ لطيفُ الالتِئام مع بنية الجِنَّة كَكُتلةٍ مُسَتَتِرة. فمَن قيلَ فيه «به جِنَّة» ـ مُتَّهَمٌ بأَنه مُتَلَبّسٌ بكُتلةٍ فكريةٍ مُسَتَتِرةٍ يَنطِق عَنها. واتهامُ المُكَذّبين للأَنبياء بأَنهم «بهم جِنَّة» ـ يَنفُذ في هذا المعنى: يَزعُمون أَن النَّبيَّ يَتَلَقّى عَن مَصدرٍ مُحتَجب، يَنطِق بما ليس منه. وفي الحَقيقة، هم الذين يَتَلَبَّسون بالجِنَّة، إذ يَتَّبعون فكرَ آبائهم المُسَتَتِر. والقرآنُ يَكشف هذه المُفارَقةَ في قَوله ﴿بَل جاءَهم بالحَقّ وأَكثَرُهم للحَقّ كارهون﴾ ـ النَّبيُّ ليس مُتَلَبّساً، بَل جاءَ بالحَقّ من اللهِ مُباشَرةً، والمُكَذّبون هم الذين يَكرَهون الحَقَّ لأَنهم متَلَبّسون بفكر آبائهم.
وهذا الاستعمالُ ـ رَغمَ أَنه لا يَنفُذ في طَبَقات الفصل الرَّئيسية (الكائنُ البَشَريُّ المُسَتَتر)، فإنه يَلتَحم مع بنيتها العامَّة، إذ كلُّ تَجَلّيات الجِنَّة في القرآن تَنفُذ في معنى الستر ـ سَترٌ في الكائن، أَو سَترٌ في مَصدر الفكر، أَو سَترٌ في الكُتلة المُتَّصلة عَبر الزَّمَن.
ولَعَلَّ مما يَستحقّ التَّأَنّيَ كذلك ـ اسمُ «آدم» نَفسُه ـ من «آدَمَ بَينهما» (أَلَّفَ ووَفَّقَ)، ومن «الأَدَمة» (التَّجَمّعُ والقُربى). فالاسمُ تَمثيلٌ وَظيفيٌّ يَكشف معاني الأُلفة والوِفاق والتَّجَمّع، تَنفُذ في خَصيصة الفَصيل الآدميّ.
3.2.4بَشَريةُ النَّوعَين (الإنسان والجانّ)
البَشَريةُ في القرآن جِنسٌ شاملٌ يَنتَشر في أَنواعٍ متَنَوّعة. يَكشف ذلك قَولُه ﴿ومن آياته أَن خَلَقَكم من تُرابٍ ثُمَّ إذا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشرون﴾ [الروم 20] ـ فالبَشَريةُ بدأَت من تُراب، ثُمَّ انتَشَرَت وتَنَوَّعَت وتَوَزَّعَت في أَنواعٍ متَمَيّزة. وقَولُه ﴿إنّي خالقٌ بَشَراً من صَلصالٍ من حَمأٍ مَسنون﴾ [الحجر 28] يَكشف نَوعاً مَخصوصاً من البَشَر، إذ التَّخصيصُ بمادّةٍ مُعَيَّنةٍ لا يَكون إلا حَيث يَتَمَيَّز هذا النَّوعُ عَن سواه.
ويُحَكّم بَشَريةَ النَّوعَين ـ بصورةٍ بَلاغيةٍ قاطعةٍ ـ اختيارُ القرآنِ لمُقابِله في آيتَي الخَلق. فقَد قابَلَ النَّصُّ الجانَّ بـ«الإنسان»، لا بـ«البَشَر». يَقول تعالى ﴿ولَقَد خَلَقنا الإنسانَ من صَلصالٍ من حَمأٍ مَسنون ـ والجانَّ خَلَقناه من قَبلُ من نار السَّموم﴾ [الحجر 26-27]، ويَقول ﴿خَلَقَ الإنسانَ من صَلصالٍ كَالفَخّار ـ وخَلَقَ الجانَّ من مارجٍ من نار﴾ [الرحمن 14-15]. ولو كان الجانُّ جِنساً مُغايراً للبَشَر، لكان الأَدَقّ بَلاغياً أَن يُقال «خَلَقَ البَشَرَ من صَلصالٍ كَالفَخّار ـ وخَلَقَ الجانَّ من مارجٍ من نار»، إذ التَّقابُلُ بَين جِنسَين يَستوجِب لَفظَ الجِنس الجامع تَمييزاً للجِنسَين. ولكنّ القرآنَ قابَلَ الجانَّ بـ«الإنسان» ـ وهو اسمُ نَوع ـ مما يَكشف أَنهما نَوعانِ في جِنسٍ واحد.
ويُعَضّد ذلك آياتُ المُماثَلة. يَقول تعالى ﴿قُل إنما أَنا بَشَرٌ مثلُكم يوحى إلَيَّ﴾ [الكهف 110]، ويَقول ﴿إن أَنتُم إلا بَشَرٌ مثلُنا﴾ [إبراهيم 10] و﴿إن نَحنُ إلا بَشَرٌ مثلُكم﴾ [إبراهيم 11]، ويَقول ﴿بَل أَنتُم بَشَرٌ ممن خَلَق﴾ [المائدة 18] ـ بَلاغةٌ بَديعةٌ تَكشف انتسابَ البَشَر إلى جِنسٍ بَشَريٍّ شاملٍ مَخلوقٍ متَنَوّع.
ومنه يُعَضّد ما عَرَفَته الملائكةُ من فَصيلٍ سابق. فحَين أَخبَرَهم اللهُ بخَلق آدم، اعتَرَضوا ﴿أَتَجعَل فيها مَن يُفسد فيها ويَسفك الدِّماء﴾ [البقرة 30]. ولم يَكن اعتراضُهم عَن جَهلٍ، بَل عَن مَعرفةٍ شَهدوا بها فَصيلَ الجانّ. والإفسادُ وسَفكُ الدِّماء ـ سُلوكٌ بَشَريٌّ مَعروفٌ في الواقع المادّيّ، لا فِعلٌ غَيبيّ ـ يُعَضّد كَونَ الجانّ بَشَراً.
ولَعَلَّ ما يَستحقّ التَّأَنّيَ بصورةٍ تَأسيسيةٍ ـ شاهدُ الأعراف 179. يَقول تعالى ﴿ولقَد ذَرَأنا لجَهَنَّمَ كَثيراً من الجِنّ والإنس لهم قُلوبٌ لا يَفقَهون بها ولهم أَعيُنٌ لا يُبصرون بها ولهم آذانٌ لا يَسمَعون بها﴾ [الأعراف 179]. والصِّياغةُ تَكشف وَحدةَ الخَلق التَّكوينيِّ بَين الفَريقَين بصورةٍ قاطعةٍ بَلا مَفَرّ ـ فالقُلوبُ والأَعيُنُ والآذانُ خَصائصُ تَكوينيةٌ بَشَريةٌ صَريحةٌ ماديةٌ في بنيتها. ولو كان الجِنُّ كائناً شَبَحياً منفصلاً لما اطَّرَدَ وَصفُه بصَريح الأَعضاء المادية كَالإنس. والنَّصُّ ـ بدِقَّته القُدُسية ـ حَبَكَ البنيةَ حَبكةً مُغلَقةً لا تَحتَمل إلا فَهماً واحداً: الفَريقانِ كائنٌ واحدٌ في الخَلق، يَحملانِ خَصائصَ البَشَرية في تَكوينهما المادّيّ.
ويُعَضّد ذلك صياغةُ الجِنّ 6 ﴿وأَنه كان رِجالٌ من الإنس يَعوذون برِجالٍ من الجِنّ فزادوهم رَهَقاً﴾. فالرِّجالُ ـ صفةٌ ماديةٌ بَحتةٌ تَكشف الأَرجُلَ والمَضيَ والسَّيرَ ـ تُنسَب صَريحاً للفَريقَين معاً، تَماثُلٌ تامٌّ في البنية الجَسَدية بَلا تَفاوُتٍ تَكوينيّ.
ويُعَضّد بَشَريةَ النَّوع المُقابل لآدم ـ بصورةٍ بَلاغيةٍ تَأسيسية ـ آيتا العَصا في قِصَّة موسى. يَقول تعالى ﴿فلَمّا رآها تَهتَزُّ كَأَنها جانٌّ وَلّى مُدبراً ولم يُعَقّب﴾ [النمل 10، القصص 31]، ويَقول ﴿فإذا هيَ حَيَّةٌ تَسعى﴾ [طه 20]. النَّصُّ يُشَبّه حَرَكةَ العَصا بحَرَكة «الجانّ» ـ والتَّشبيهُ في اللُّغة العَرَبية يَستوجِب أَن يَكون المُشَبَّهُ به مَعروفاً مُدرَكاً للمُخاطَب، حَتى يَفهَم وَجهَ الشَّبَه.
والذي يَكشفه التَّشبيهُ ـ أَن «الجانّ» في القرآن ليس اسمَ جِنسٍ مَحَلّيٍّ مُستَقِلّ، بَل اسمٌ وَظيفيٌّ يَكشف معنىً وَصفياً ظاهراً ـ الخِفَّةُ، الاضطرابُ، السُّرعةُ، الحَرَكةُ المُتَلَوّية. ولو كان «الجانّ» جِنساً مَحَلّياً منفصلاً ـ سَواءٌ كَكائنٍ غَيبيٍّ، أَو كَنَوعٍ مَخلوقٍ مُستَقِلٍّ بَعيدٍ عَن المُخاطَب ـ لاستَحال التَّشبيهُ به، إذ التَّشبيهُ يَستوجب الإدراكَ. ولكنّ التَّشبيهَ يَكون مَفهوماً مُباشَرةً إذا كان «الجانّ» يَحمل معنىً وَصفياً مَعروفاً للمُخاطَب ـ صفةُ الستر والاضطراب والسُّرعة.
ومنه يَنفَتح فَهمٌ تَأسيسيٌّ ـ «الجانّ» في القرآن اسمٌ وَظيفيٌّ يَتَمَثَّل في خَصائص نَوعٍ بَشَريٍّ مُقابل لآدم. ليس جِنساً مُستَقِلاً منفصلاً، بَل اسمٌ يَكشف وَظيفةَ هذا النَّوع في الواقع البَشَريّ. كَما «آدم» اسمٌ وَظيفيٌّ يَكشف الأُلفةَ والوِفاق في النَّوع المُقابل، «الجانّ» اسمٌ وَظيفيٌّ يَكشف الستر والاضطراب والسُّرعة في النَّوع المُقابل. وهذا يَلتَئم تَماماً مع مَنهج المعاني الوَظيفية الذي تَأَسَّسَ ـ كلُّ اسمٍ في القرآن تَمثيلٌ وَظيفيٌّ يَكشف خَصيصةً، لا اسمَ جِنسٍ مَحَلّيٍّ صرف.
ويَستحقّ التَّأَنّيَ ـ التَّمييزُ الثُّلاثيُّ بَين البَشَر وآدم والإنسان. فـ«البَشَر» الجِنسُ الشامل (التَّكوينُ المادّيُّ في عُمومه)، و«آدم» الفَصيلُ المُسَوّى من البَشَر، و«الإنسان» النَّوعُ المُتَأَنسن (آدمُ وذُرّيتُه بَعد نَفخ الرُّوح). وكلٌّ منها يَنفُذ في طَبَقته بحَسَب السياق.
3.2.5المَراحلُ التَّكوينيةُ المَفهومية في خَلق الإنسان
كلُّ ما يَذكره القرآنُ من مَراحلَ تَكوينيةٍ في خَلق الإنسان ـ من تُرابٍ، من طينٍ، من سُلالةٍ من طين، من حَمأٍ مَسنون، من صَلصالٍ من حَمأٍ مَسنون، من صَلصالٍ كَالفَخّار ـ دَلالةٌ على كَيفيةٍ وَظائفيةٍ معنوية في التَّدَرّج التَّكوينيّ، لا على مادّةٍ مَحَلّيةٍ صرفه. وكلُّ مَرحلةٍ تَكشف صِفةً وَظائفيةً تَنفُذ في طَبع الفَصيل الآدميّ، تُفيد سَبَبَ اصطفائه للأَنسَنة.
فالتُّرابُ ـ يَنفُذ في صِفة الإمكان الأَوَّليِّ المُجَرَّد، الحالُ القابلةُ للتَّشَكّل بأَيّ صورة، بَلا التزامٍ مُسبَقٍ بطَبع. والبَشَريةُ بدأَت من هذا الإمكان قَبل التَّخصيص ﴿أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشرون﴾ من تُراب [الروم 20] ـ أَصلٌ أَعَمُّ مُشتَركٌ، حالٌ لا تَحمل في ذاتها تَمَيُّزَ نَوعٍ على نَوع.
والطِّينُ ـ يَنفُذ في صِفة اللُّيونة والتَّماهي والانسجام واللُّحمة. فهو الحالُ التي تَلتَزِم بصورةٍ مع احتفاظها بالقابلية للتَّشَكّل، تَتَّحد فيها العَناصرُ في وَحدةٍ متآلفةٍ بَلا تَنافُر ﴿بَدَأَ خَلقَ الإنسان من طين﴾ [السجدة 7]. وهذه الصِّفاتُ الوَظائفيةُ ـ اللُّيونةُ في التَّفاعُل، والتَّماهي مع المُحيط، والانسجامُ بَين أَجزاء النَّفس، واللُّحمةُ التي تَجمَع البِنيةَ على وَحدةٍ ـ تُلائم طَبعَ الفَصيل الآدميّ، تَفتَح فيه استعدادَ التَّوالف والتَّعاضُد الذي يُهَيّئ للأَنسَنة.
والسُّلالةُ من طين ـ من «سَلَّ» الذي يَدلّ على الاستخراج والاصطفاء بهُدوء. وهذه الصِّياغةُ تَنفُذ في صِفة الاصطفاء النَّوعيّ ـ خُلاصةٌ مَخصوصةٌ مُستَخرَجةٌ من جُملة الإمكان الطِّينيِّ، يُحتَفَظ فيها بأَجمَل ما في صفات الطِّين الوَظائفية (اللُّيونةُ والانسجامُ واللُّحمة) ويُصطَفى من جُملة البَشَر مَن يَحمل هذه الصِّفاتِ في أَكمَلها ﴿ولَقَد خَلَقنا الإنسانَ من سُلالةٍ من طين﴾ [المؤمنون 12]. فالانتقالُ من «طين» إلى «سُلالةٍ من طين» ـ انتقالٌ من العامِّ إلى الخاصّ، من الصِّفة الوَظائفية في عُمومها إلى أَكمَل تَجَلّياتها.
والطِّينُ اللازب ـ من «لَزُبَ» الذي يَدلّ على الالتصاق والتَّمَكّن. يَنفُذ في صِفة التَّمَكّن من الصورة بَلا تَفَكّك، الحالُ التي اجتَمَعَت فيها صفاتُ السُّلالة وتَماسَكَت بَلا انفصال، صارَت بِنيةً وَظائفيةً مُحَدَّدةً ثابتةً ﴿إنا خَلَقناهم من طينٍ لازب﴾ [الصافات 11].
والحَمَأُ المَسنون ـ من «حَمَأ» الذي يَدلّ على التَّحَوّل والتَّغَيّر، ومن «سَنَّ» الذي يَدلّ على التَّشكيل على نَهجٍ متَّسق. يَنفُذ في صِفة التَّسوية التَّشكيلية المُتَّسقة ـ البِنيةُ المُتَمَكّنةُ خَضَعَت لتَشكيلٍ متَدَرّجٍ على نَهجٍ مَنضَبط، انفَتَحَت فيها قابليةُ التَّحَوّل والنُّمُوّ على اتساقٍ بَلا اضطراب.
والصَّلصالُ ـ يَنفُذ في صِفة سَلسلة الصِّلات المُتَواصلة بَين المَراحل. فالكَلمةُ بصياغة المُبالغة تَكشف شِدَّةَ التَّواصُل، تَتَّصل فيها صِلاتُ الصِّفات الوَظائفية عَبر التَّحَوّلات المتَتالية بَلا انقطاع، فيَحفَظ ما تَحَصَّلَ في كلّ مَرحلةٍ تَواصُلَه مع ما قَبلها وما بَعدها.
والصَّلصالُ كَالفَخّار ـ من «ف-خ-ر» الذي يَدلّ على القُوَّة والمَتانة والتَّمَيّز. يَنفُذ في صِفة اكتمال التَّماسُك القَويِّ المُتَمَيّز ـ سَلسلةُ الصِّلات المُتَواصلة بَلَغَت تَماسُكاً يَجمَع بَين القُوَّة والتَّمَيّز، اكتَمَلَت البِنيةُ الوَظائفيةُ على صورتها النِّهائية المُستَعِدَّةِ لاستقبال نَفخة الرُّوح.
والصِّفاتُ الجامعةُ التي تَنفُذ في كلّ هذه المَراحل ـ اللُّيونةُ والتَّماهي والانسجامُ واللُّحمةُ والأُلفةُ والتَّماسُكُ والتَّأَنّي ـ تَنفُذ وَظائفياً في طَبع الفَصيل الآدميّ، تَكشف اصطفاءَه للأَنسَنة. وهي الصِّفاتُ ذاتُها التي تَنفُذ في معاني «آدَمَ بَينهما» (التَّأليفُ والتَّوفيقُ) و«الأَدَمة» (التَّجَمّعُ والقُربى). فاللَّفظُ الجامعُ لاسم النَّوع (آدم) يَلتَئم مع الصِّفات الوَظائفية لمَراحل تَكوينه، تَلتَئم البِنيةُ بَلاغياً ومنطقياً.
3.2.6تَكوينُ الجانّ وكَيفياتُه
صفاتُ الجانّ التَّكوينية ـ من نار السَّموم، من مارجٍ من نار ـ تَنفُذ كَذلك في كَيفياتٍ وَظائفيةٍ معنوية، لا في مادّةٍ مَحَلّيةٍ صرفة. ولكنّها تَكشف صِفاتٍ مُغايرةً تَماماً لما تَكشفه صِفاتُ الطِّين في الإنسان.
فأَمّا «نارُ السَّموم» ـ فالسَّمومُ من «س-م-م» تَدلّ على ما يَنفُذ بَلا قَرار، يَتَخَلَّل بَلا التزامٍ بموضع. ويُعَضّده قَولُه ﴿ووَقاهم عَذابَ السَّموم﴾ [الطور 27]. ومنه تَنفُذ نارُ السَّموم في صِفة التَّعَجّل بَلا تَأَنٍّ، والحَرَكة السَّريعة بَلا تَدَبّر، والنُّفوذ بَلا قَرار. فهي صِفةُ سُلوكٍ في مَسارٍ لا قَرارَ فيه، يَتَنَقَّل بَلا استقرارٍ على موضع، يَخترق بَلا أَن يَتَمَكَّن من بِنية، يَتَحَرَّك بسُرعةٍ غَير مَدروسةٍ لا تُثمر نَتائجَ مَجدية. وهي صِفةٌ تُغاير تَماماً صِفاتِ الطِّين الوَظائفية (اللُّيونةُ والتَّماهي والانسجامُ واللُّحمة)، إذ الطِّينُ يَلتَزِم بصورةٍ ويَنسَجم مع ما يُلابسه، بَينما نارُ السَّموم تَأبى الالتزامَ وتَأبى الانسجامَ.
وأَمّا «مارجٌ من نار» ـ فالمارجُ من «م-ر-ج» يَدلّ على الالتقاء والاختلاط والاضطراب. يَكشف ذلك قَولُه ﴿مَرَجَ البَحرَين يَلتَقيانِ﴾ [الرحمن 19]، وقَولُه ﴿مَرَجَ البَحرَين هذا عَذبٌ فُراتٌ وهذا مِلحٌ أُجاج﴾ [الفرقان 53] ـ التقاءٌ بَلا اندماجٍ متَّسق. ومنه يَنفُذ المارجُ في صِفة الاضطراب في الموقف، والتَّقَلّب بَلا ثَبات، والاختلاط بَلا اتساق. فما يَتَجَلّى به الجانُّ ـ صِفةٌ تَجمَع التَّقاءَ الأَطراف المُتَنافرة بَلا أَن تَأتَلِف، يَحمِل في ذاته أَضدادَه بَلا أَن يَتَّسق على واحدٍ منها، يَتَقَلَّب بَين الأَحوال بَلا قَرارٍ على موقف.
والصِّفاتُ الجامعةُ التي تَنفُذ في صياغات تَكوين الجانّ ـ التَّعَجّلُ والتَّقَلّبُ والاضطرابُ والنُّفوذُ بَلا قَرار، والحَرَكةُ السَّريعةُ بَلا تَدَبّر، والاختلاطُ بَلا اتساق، والسُّلوكُ في مَسارٍ لا يُثمر نَتائجَ مَجدية. وهي صِفاتٌ معنويةٌ تُغاير تَماماً صِفات تَكوين الإنسان. ففي حين سَلكَ تَكوينُ الإنسان سَلسلةً متَأَنّيةً من الصِّفات المُتَواصلة (اللُّيونةُ والانسجامُ واللُّحمةُ والتَّماسُك) بَلَغَت اكتمالَ بِنيةٍ مُستَعِدّةٍ لنَفخ الرُّوح، نَفذَ تَكوينُ الجانّ في صِفاتٍ تَكشف التَّعَجّلَ بَلا تَأَنٍّ والاضطرابَ بَلا اتساق، بَلا تَدَرّجٍ متَأَنٍّ يُؤَهّل لاكتمالٍ بِنيوي.
ومنه يَنفَتح فَهمُ السِّرّ في عَدَم اكتمال أَنسَنة الجانّ. فالأَنسَنةُ ـ كَما تَأَسَّسَ ـ ثَمَرةُ التَّوالف والتَّعاضُد والتَّأَنّي والتَّدَرّج في التَّسوية، تَستوجب صِفاتٍ وَظائفيةً تَحفَظ ما يَتَحَصَّل في كلّ مَرحلةٍ وتَبني عَلَيه. والجانُّ ـ بصِفاته التَّكوينية النافذةِ بَلا قَرار، المُضطَرِبةِ بَلا اتساق، المُتَعَجّلةِ بَلا تَدَبّر ـ لم يَتَوَفَّر فيه شَرطُ التَّأَنّي الذي يَجمَع البِنيةَ على وَحدةٍ مُستَعِدّةٍ لاستقبال نَفخة الرُّوح. فبَقيَ على حاله، رَغمَ بَشَريته، نَوعاً متَأَخّراً عَن التَّأَنسن، يَنفُذ سُلوكُه في مَسارٍ لا يُثمر بناءً ولا اكتمالاً.
3.2.7التَّقابُلُ المَفهوميُّ والطَّبائعُ النَّفسيّة
التَّقابُلُ بَين الطِّين والنار في تَكوين النَّوعَين ـ ليس مُجَرَّدَ تَقابُل مَوادّ، بَل تَقابُل مَفاهيمَ تَكوينيةٍ متَناقضةٍ تَكشف اختلافَ النَّوعَين في الزَّمَن والبنية والجَوهر. فالطِّينُ في الإنسان يَكشف اللُّيونةَ والتَّماهيَ في التَّسوية، والنارُ في الجانّ تَكشف التَّعَجّلَ والاضطرابَ في التَّسوية. والطِّينُ يَكشف التَّماسُكَ، والنارُ تَكشف التَّفَرّقَ. والطِّينُ يَكشف الثَّباتَ في الحَرَكة، والنارُ تَكشف الاضطرابَ. والطِّينُ يَكشف الاتصالَ، والنارُ تَكشف التَّفَرّدَ. والطِّينُ يَكشف القابليةَ للتَّشَكّل، والنارُ تَكشف عَدَمَ التَّشَكّل على صورةٍ متَّسقة. وفي الجَوهر ـ الطِّينُ يَكشف الانسجامَ والأُلفةَ، والنارُ تَكشف التَّكَبّرَ والتَّسَرّعَ.
ومنه يَنفَتح فَهمُ الطَّبائع النَّفسيّة المُلائمة لكلّ نَوع. فالطَّبعُ الإنسانيُّ ـ بحَسَب تَكوينه ـ مَجبولٌ على التَّأَنّي والتَّماسُك الاجتماعيِّ والثَّبات على الموقف والتَّآلف والقابلية للتَّعَلّم. والطَّبعُ الجانّيُّ ـ بحَسَب تَكوينه ـ مَجبولٌ على التَّسَرّع والتَّفَرّد والتَّقَلّب والجَفاف والتَّكَبّر.
ويُعَضّد ذلك شاهدُ إبليس ﴿أَنا خَيرٌ منه خَلَقتَني من نار وخَلَقتَه من طين﴾ [الأعراف 12] ـ إذ نَطَقَ عَن خَصائص ناره في طَبعه (السُّرعةُ والتَّفَرّدُ والاستعلاءُ)، فاستَدَلَّ بها على أَفضليةٍ موهومة، بَينما الحَقيقةُ أَن خَصائصَ الطِّين (التَّماسُكُ والتَّأَنّي والاتصالُ) أَهدى وأَكمَلُ في التَّكوين.
3.2.8ثلاثيةُ الإنسان (النَّفس والجَسَد والرُّوح)
الإنسانُ في القرآن كَيانٌ مُرَكَّبٌ من ثَلاث طبقات متَكاملة، تَأَسَّسَت تَفاصيلُها في فصل 3.1 (الرُّوح والنَّفس والجَسَد)، ويَستَدعي السياقُ هنا استحضارَها في إيجازٍ يَخدم فَهمَ الأَنسَنة في الفَصيل الآدميّ.
فالنَّفسُ ـ الأَصلُ الأَوَّليُّ المُحيي، سابقةٌ على تَشَكّل الجَسَد ماديا. النَّفسُ هي ما يُحيي الكائنَ، تَتَدَرَّج في تَشَكّل الجَنين بَعد أَن يُغَشّيها الجَسَدُ في رَحم الأُمّ. ومنه يَنفَتح فَهمُ ﴿خَلَقَكم من نَفسٍ واحدة﴾ ـ الناسُ كلُّهم (فَصيلُ آدم) من نَفسٍ واحدةٍ، يَحملون طَبعاً موحَّداً (الفِطرةُ الآدمية). و«النَّفس الواحدة» تَدلّ على وَحدة الطَّبع لا وَحدة البَدَن، إذ النَّفسُ من «ن-ف-س» تَدلّ على الذات والطَّبع.
والجَسَدُ ـ زَوجٌ للنَّفس، يُغَشّيها في الرَّحم، يَتَشَكَّل ماديا من سُلالةٍ من طين ﴿خَلَقنا الإنسانَ من سُلالةٍ من طين﴾ [المؤمنون 12]. ومنه قَولُه ﴿وجَعَلَ منها زَوجَها﴾ [النساء 1] ـ الجَسَدُ زَوجُ النَّفس يَندمج ويَتَماهى فيها فيَكتَمل الكائنُ البَشَريّ.
والرُّوحُ ـ الخُلاصةُ المعرفيةُ من أَمر الله، تُنفَخ في الإنسان بَعد اكتمال نَفسه وجَسَده ﴿فإذا سَوَّيتُه ونَفَختُ فيه من رُوحي﴾ [الحجر 29]. والرُّوحُ من «ر-و-ح» تَدلّ على العُصارة والخُلاصة (كَرُوح الخَلّ والزَّيت)، فهي الخُلاصةُ المعرفيةُ التي تُسرع وتُعطي طَفرةً في الوَعي وتُؤَنسن الإنسانَ.
ولَعَلَّ ما يَستحقّ التَّأَنّيَ في هذا السياق ـ قَولُه تعالى ﴿ثُمَّ أَنشَأناه خَلقاً آخَر﴾ [المؤمنون 14]. فالنَّصُّ يَأتي بَعد تَدَرّج التَّشَكّل المُشتَرَك بَين كلّ بَني آدم ـ النُّطفةُ ثُمَّ العَلَقةُ ثُمَّ المُضغةُ ثُمَّ العِظامُ تُكسى لَحماً. وكلُّ هذه المَراحل صياغاتٌ بنيويةٌ تَنفُذ في كلّ بَشَريٍّ بَلا تَمييز. ثُمَّ يَأتي قَولُه ﴿ثُمَّ أَنشَأناه خَلقاً آخَر﴾ ليَكشف الطَّفرةَ التي بها يَتَفَرَّد كلُّ مَولودٍ بخَصوصيته، فيُنشَأ خَلقاً مُغايراً لكلّ مَن سَبَقَه ولكلّ مَن سَيَلحَقه.
فالنَّصُّ ـ بدِقَّته القُدُسية ـ يَكشف سُنَّةً كَونيةً مُحَكَمةً تَنفُذ في الواقع المُتَجَلّي. فكلُّ مَولودٍ يَأتي بوَجهٍ لم يَأتِ به أَحَدٌ قَبله ولا يَأتي به أَحَدٌ بَعده، وبصَوتٍ يَتَمَيَّز عَن كلّ صَوتٍ سواه، وببَصمةٍ لا تَتَكَرَّر، وبطَبعٍ يَخصُّه. حَتى التَّوأَمانِ المُتَطابقانِ في النَّسَب يَتَفاوَتانِ في تَفاصيل الخَصائص. وهذا التَّفَرّدُ الفِطريُّ ـ هو ما يَنفُذ فيه قَولُه ﴿ثُمَّ أَنشَأناه خَلقاً آخَر﴾.
ومنه يَنفَتح فَهمٌ تَأسيسيٌّ ـ المَراحلُ المُشتَرَكةُ في التَّشَكّل تَجمَع البَشَريةَ على وَحدةٍ نَوعيةٍ في البِنية، ثُمَّ يَأتي الإنشاءُ الآخَرُ ليَحفَظ التَّفَرّدَ الفَرديَّ في الخَصوصية. فالبَشَريةُ واحدةٌ في صياغتها الجامعة، متَفَرّدةٌ في تَجَلّياتها الفَرديةِ. وهذه السُّنَّةُ ـ تَنفُذ في الإنسان الآدميِّ، وكانت تَنفُذ في الجانّ بَشَرياً أَيضاً، إذ هي سُنَّةٌ ربوبيةٌ في كلّ نَوعٍ بَشَريّ.
ومنه يَنفَتح فَهمٌ آخَرُ ـ التَّمييزُ بَين الإنشاء الآخَر (التَّفَرّدُ الفِطريُّ في الخَلق) وبَين نَفخ الرُّوح (الأَنسَنةُ التي ضَبَطنا تَأسيسَها في 3.1.2). فالأَوَّلُ يَنفُذ في كلّ مَولودٍ من ذُرّية آدم بصورةٍ فِطرية، والثاني نَفخةُ الخُلاصة المعرفية في الفَصيل الآدميِّ بَلا اشتراطٍ بمَرحلةٍ مَخصوصةٍ في تَكوين الجَنين.
والتَّفاعُلُ بَين النَّفس والجَسَد ـ يُسفر عَن تَجَلّي الطَّبع في الكائن. فالجَسَدُ ليس عِلَّةَ الطَّبع، ولكنّه مُلائمٌ له، يَكشفه ويُؤَثّر في تَجَلّيه. فالجَسَدُ الذي تَنفُذ فيه صِفاتُ الطِّين الوَظائفية (اللُّيونةُ والتَّماهي والانسجامُ واللُّحمةُ) يُلائم النَّفسَ، يَتَجَلّى فيها الطَّبعُ بصورته الصَّحيحة الأَنسَنية. والجَسَدُ الذي تَنفُذ فيه صِفاتُ النار الوَظائفية (التَّعَجّلُ والاضطرابُ والنُّفوذُ بَلا قَرار) لا يُلائم تَسويةَ النَّفس، يُؤَثّر سَلباً في تَجَلّي طَبعها.
واللهُ ـ بحِكمته ـ خَلَقَ كلَّ نَوعٍ متَّسقَ النَّفس والجَسَد. فالنَّفسُ مُستَقِلّةٌ في خَلقها عَن المادّة، تَحمل قابليتها من الله، والجَسَدُ يُلائمها بحَسَب تَسويته فيَكشف طَبعَها.
3.2.9آدمُ والأَنسَنة
آدمُ في القرآن فَصيلٌ بَشَريٌّ مُسَوّى، نَوعٌ متَوافقٌ مُتَجانسٌ مُتَقَبّل، لا مُجَرَّد شَخصٍ مُعَيَّن. واسمُ «آدم» نَفسُه يَكشف خَصيصتَه ـ من «آدَمَ بَينهما» (أَلَّفَ ووَفَّقَ)، ومن «الأَدَمة» (التَّجَمّعُ والقُربى). فالاسمُ تَمثيلٌ وَظيفيٌّ يَكشف معاني الأُلفة والوِفاق والتَّجَمّع التي تَنفُذ في هذا الفَصيل.
والآياتُ تَكشف بنيةَ تَكوينه خُطوةً خُطوة. فقَولُه ﴿إنّي خالقٌ بَشَراً من طين﴾ ـ الإخبارُ بخَلق الفَصيل من جِنسٍ بَشَريٍّ، يَنتَمي إلى صفات الطِّين الوَظائفية (اللُّيونةُ والتَّماهي والانسجامُ واللُّحمةُ). وقَولُه ﴿فإذا سَوَّيتُه﴾ ـ التَّسويةُ من «س-و-ي» تَدلّ على التَّساوي والاعتدال وضَبط الاعوجاج، ويُعَضّده قَولُه ﴿الذي خَلَقَك فسَوّاكَ فعَدَلَك﴾ [الانفطار 7]. فالتَّسويةُ في خَلق آدم ضَبطُ ما كان مُختَلاً في الأَنواع البَشَرية السابقة (كَالجانّ المُضطَرب)، تَمَّت تَسويةُ نَسل آدم في صورةٍ معتَدلةٍ متآلفةٍ متَوافقةٍ، مُهَيَّأَةٍ لاستقبال الكَمال.
وقَولُه ﴿ونَفَختُ فيه من رُوحي﴾ ـ الأَنسَنةُ، التَّسويةُ الفكريةُ، طَفرةٌ معنويةٌ معرفيةٌ تَمَّ تَسريعُها في فَصيل آدم بَعد تَسويته الجَسَدية. فالرُّوحُ (الخُلاصةُ المعرفيةُ من أَمر الله) نُفخَت في الفَصيل المُسَوّى، فاكتَمَلَت بها الأَنسَنة. وقَولُه ﴿فقَعوا له ساجدين﴾ ـ شَهادةُ الملائكة على تَلاؤُم الفَصيل مع الوُجود، صارَ يَفهَم الواقعَ، يَتَعامَل معه بتَناغُم، يَنفُذ في السُّنَن الكَونية بانسجام.
والمعرفةُ والأَنسَنةُ ـ لا تَتِمّ إلا في التَّعاضُد والتَّوالف بَين الجَمع. فالوَعيُ يَنشأ في التَّفاعُل الاجتماعيِّ المُتَآلف، والأَنسَنةُ ثَمَرةُ هذا التَّآلف الجَمعيّ. ومن هنا ـ تَأَنسنَ آدمُ ولم يَتَأَنسن الجانّ. الجانُّ بطَبيعته الناريةِ المُتَعَجّلةِ المُضطَربةِ بَلا قَرار ـ لا يَتَوالف ولا يَتَعاضَد، فبَقيَ خارجَ الأَنسَنة، رَغمَ بَشَريته.
وبَعد نَفخ الرُّوح في آدم وقَبوله للأَنسَنة ـ أَصبَحَ «إنساناً» ـ واقعَه المتَقَدّمَ المُكتَسَبَ. والأَنسَنةُ صارَت أَصلاً مُكتَسَباً واقعاً فيه. أَمّا الجانُّ ـ فلَم يَتَوافَق مع الأَنسَنة، فبَقيَ على حاله السابق، مُتَوَقّفاً عَن التَّواصُل والتَّقَدّم.
ومنه يَنحَلّ السِّرُّ البَلاغيُّ في تَقابُل «الإنسان» مع «الجانّ» لا «آدم» مع «الجانّ» في آيات الخَلق. فاختيارُ «الإنسان» مَكانَ «آدم» يَكشف النَّتيجةَ الواقعية التي تَجَلَّت في الفَصيل الآدميِّ بَعد أَنسَنته، مُقابلَ النَّتيجة الواقعية في الجانّ الذي رَفَضَ الأَنسَنة. والتَّقابُلُ يَنفُذ في مُعاصَرةٍ واقعيةٍ بَين النَّوعَين البَشَريَّين في حالهما المُكتَمل، لا في مَراحل التَّكوين المُجَرَّدة. فالإنسانُ هو الفَصيلُ البَشَريُّ المتَقَدّمُ المتَوافقُ بَعد اكتمال أَنسَنته، والجانُّ هو الفَصيلُ البَشَريُّ المتَوَقّفُ على حاله بَعد رَفضه الأَنسَنة.
ومما يَستحقّ التَّأَنّيَ بَعد ضَبط هذه البنية ـ التَّوازي البَلاغيُّ بَين آدمَ وإبليس، تَمثيلانِ وَظيفيانِ متَناظرانِ يَكشفانِ بنيةَ التَّسمية الوَظيفية في القرآن. فكَما يَكشف اسمُ «آدم» خَصيصةَ نَوعه (الأُلفةُ والوِفاقُ والتَّجَمّع)، يَكشف اسمُ «إبليس» خَصيصةَ نَوعه ـ من جَذر «ب-ل-س» الذي يَحمل معاني الإبلاس والانقطاع واليَأس والتَّلبيس. يَكشف ذلك قَولُه ﴿فإذا هم مُبلسون﴾ [الأنعام 44]، وقَولُه ﴿يَومَ تَقومُ السَّاعةُ يُبلِسُ المُجرمون﴾ [الروم 12]، وقَولُه ﴿فإذا فيهم مُبلسون﴾ [الزخرف 75].
والاسمُ يَحمل ثلاثيةً وَظيفيةً بَديعة. فحالُه الذاتيةُ ـ مُبلِسٌ، مَقطوعٌ يائسٌ عَن الرَّحمة. وفِعلُه ـ التَّلبيسُ، خَلطُ الحَقّ بالباطل، تَحويرُ الحَقّ إلى الهَوى ولو كان يَعلَم اعوجاجَ رَأيه. ونَتيجتُه ـ إبلاسُ الناس، إيقاعُهم في الحَيرة عَن تَمييز الحَقّ من الباطل.
ومنه يَنفَتح التَّوازي البَلاغيُّ المُحَكَم بَين الفَردَين المُمَثّلَين لنَوعَيهما البَشَريَّين. فكَما آدمُ يُمَثّل رَأسَ هَرَم النَّوع المُتَأَنسن (اسمُه يَكشف الأُلفةَ، وفِعلُه يَكشف القَبولَ لنَفخة الرُّوح والخِلافة)، إبليسُ يُمَثّل رَأسَ هَرَم النَّوع غَير المُتَأَنسن (اسمُه يَكشف الانقطاعَ، وفِعلُه يَكشف الرَّفضَ للأَمر الإلهيّ). وكلُّ زَوجٍ يَكشف تَضادّاً جَوهرياً في الخَصيصة الوَظيفية ـ الأُلفةُ والتَّجَمّعُ في مُقابلة الانقطاع والتَّلبيس، والظُّهورُ والوَعيُ في مُقابلة الستر والإبلاس.
والكَشفُ التَّأسيسيُّ ـ كلُّ نَوعٍ بَشَريٍّ من النَّوعَين له فَردٌ مُمَثّلٌ يَحمل اسماً وَظيفياً يَكشف خَصيصتَه بأَقصى صورها. وهذا يُحَكّم منهجَ التَّسمية الوَظيفية في القرآن ـ المُسَمَّياتُ تَمثيلٌ وَظيفيٌّ يَكشف خَصائصَ المُسَمَّيات بأَدَقّ صياغة. ويَلتَئم ذلك مع طَبع كلّ نَوع. فالأُلفةُ والوَعيُ ثَمَرةُ التَّأَنّي والتَّماسُك في تَكوين آدم. والانقطاعُ والتَّلبيسُ ثَمَرةُ السُّرعة والاضطراب في تَكوين الجانّ. فالأَسماءُ تَنفُذ في الخَصائص التَّكوينية ذاتها، تَكشفها بصورةٍ بَلاغيةٍ بَديعة.
ولَعَلَّ ما يُحَكّم هذا الفَهمَ بَلاغياً ـ شاهدُ المِيثاق في قَوله تعالى ﴿وإذ أَخَذَ رَبُّكَ من بَني آدمَ من ظُهورهم ذُرّيتَهم وأَشهَدَهم على أَنفُسهم أَلَستُ بربّكم قالوا بَلى شَهِدنا أَن تَقولوا يَومَ القيامة إنا كنا عَن هذا غافلين﴾ [الأعراف 172]. والصِّياغةُ تَكشف بنيةً تَأسيسيةً تَستحقّ التَّأَنّي في ثَلاثة مَواضع.
أَوَّلاً ـ التَّخصيصُ ببَني آدمَ، لا بالبَشَر عُموماً. وهذا التَّخصيصُ يَكشف بَلاغياً أَن مَشهدَ أَخذ المِيثاق نَفذَ في الفَصيل الآدميِّ المُتَأَنسن وَحدَه. ولَو كان النَّوعُ الجانّيُّ قائماً كَجِنسٍ أَصيلٍ في موضع المِيثاق لاستَخدَمَ القرآنُ لَفظَ «البَشَر» الجامعَ، أَو لخَصَّص الفَريقَين معاً. ولكنّه قَصَرَ على بَني آدم، مما يَكشف أَن النَّوعَ الجانّيَّ كَجِنسٍ أَصيلٍ قائمٍ كان قَد اندَثَرَ قَبل أَخذ المِيثاق، أَو أَنّ الموروثَ التَّكوينيَّ الجانّيَّ قَد دَخَلَ في صُلب ذُرّية آدم (يَتَأَسَّس ذلك في القسم التالي)، فنَفذَ المِيثاقُ في كلّ بَني آدم بكِلتا قابليتَيهم.
وثانياً ـ صياغةُ «من ظُهورهم» تَستحقّ التَّأَنّيَ بصورةٍ مَخصوصة. فالجَذرُ «ظ-ه-ر» يَدلّ على البُروز والعُلُوّ والتَّفَوّق، يُقابله الخَفاءُ والاندثار. ومنه قَولُه ﴿ليُظهره على الدِّين كلّه﴾ [التوبة 33] ـ يَنفُذ في معنى الغَلَبة والتَّمَكّن، وقَولُه ﴿فأَصبَحوا ظاهرين﴾ [الصف 14] ـ يَنفُذ في معنى البُروز والاستمرار. فالصِّياغةُ «من بَني آدمَ من ظُهورهم» ـ لا تَنفُذ في المعنى الحِسّيِّ المَوروث (الظَّهرُ كَجُزءٍ من الجَسَد)، بَل في معنىً وَظائفيٍّ أَدَقّ: الظُّهورُ كَتَفَوّقٍ واستمرارٍ وغَلَبةٍ على غَيرهم من الأَنواع البَشَرية المُندَثِرة. فرَبُّ العالمين يُؤَكّد في السياق أَنّ بَني آدم تَمَكَّنوا من الظُّهور على غَيرهم ببَقائهم ومُحاكاتهم للوُجود وتَكَيُّفهم مع الواقع الدُّنيويّ، وأَنّ هذا الظُّهورَ نَتاجٌ مُباشَرٌ للتَّسوية ونَفخة الرُّوح التي اختَصَّت بهم دون غَيرهم. فاللَّفظُ بَلاغياً ـ يَجمَع بَين الإشارة إلى الذُّرّية وإلى سَبَب بَقائها (التَّفَوّقُ الذي مَنَحَهم اللهُ بالأَنسَنة).
وثالثاً ـ القَبولُ المَفهوميُّ للربوبية في قَوله ﴿أَلَستُ بربّكم قالوا بَلى شَهِدنا﴾ ـ يَستوجب الوَعيَ والإدراكَ والتَّمييز، يَستوجب قُدرةً على فَهم مفهوم الربوبية والشَّهادة عَلَيه. وهذا القَبولُ لا يَتَأَتّى إلا من نَوعٍ مُتَأَنسنٍ بنَفخ الرُّوح، إذ الرُّوحُ هي الخُلاصةُ المعرفيةُ التي تُسرع وتُعطي طَفرةً في الوَعي. فالشَّهادةُ بالربوبية ـ ثَمَرةُ الأَنسَنة، ودَليلٌ على اكتمالها في بَني آدم. والنَّوعُ الجانّيُّ ـ بصفاته التَّكوينية النافذة في التَّعَجّل والاضطراب بَلا قَرار ـ لم يَتَوَفَّر فيه شَرطُ هذا القَبول.
ومنه يَنفَتح فَهمٌ تَأسيسيٌّ جامعٌ ـ أَنّ ما تَأَسَّسَ في مَشهد السُّجود (سُجودُ الملائكة لآدمَ بَعد نَفخ الرُّوح وتَعليمه الأَسماءَ) يَلتَئم مع ما يَتَأَسَّس في مَشهد المِيثاق (شَهادةُ ذُرّية آدم بالربوبية بَعد قَبولهم الأَنسَنة وظُهورهم على غَيرهم). فالسُّجودُ كَشفٌ لتَلاؤُم الفَصيل مع الوُجود، والمِيثاقُ كَشفٌ لتَلاؤُمه مع الربوبية، والظُّهورُ كَشفٌ لتَلاؤُمه مع الواقع الدُّنيويّ. وكلُّ ذلك يَنفُذ في الفَصيل الآدميِّ المُتَأَنسن، لا في النَّوع الجانّيِّ الذي بَقيَ على حاله فاندَثَرَ.
3.2.10الطَّبَقاتُ الأَربعُ للتَّقابُل
يَستَخدم القرآنُ في تَقابُل النَّوعَين أَربعَ طَبَقاتٍ متَمَيّزة، كلٌّ في سياقها بصياغةٍ مَخصوصة، تَكشف بنيةً بَلاغيةً مُحَكَمةً تَستحقّ الاستنطاق.
فالطَّبَقةُ الأُولى ـ الإنسانُ والجانُّ في الخَلق. ففي سياق التَّكوين، يُقابل القرآنُ «الإنسان» (اسمَ نَوع) بـ«الجانّ» (اسمَ نَوع) ﴿خَلَقَ الإنسانَ من صَلصالٍ كَالفَخّار ـ وخَلَقَ الجانَّ من مارجٍ من نار﴾ [الرحمن 14-15]. تَقابُلُ نَوعَين بَشَريَّين في حالهما المُكتَمل ـ المُتَأَنسن مُقابل غَير المُتَأَنسن.
والطَّبَقةُ الثانية ـ الإنسُ والجِنُّ في الخَبَر العامِّ. ففي سياق الإخبار العامِّ المُطلَق، يُقابل القرآنُ «الإنس» (مَصدر) بـ«الجِنّ» (مَصدر) ﴿وما خَلَقتُ الجِنَّ والإنسَ إلا ليَعبُدون﴾ [الذاريات 56]. تَقابُلُ صفتَين جَوهريتَين (الانكشافُ والستر) في الإنسان، بَلا تَقييدٍ بزَمَن.
وما يَستحقّ التَّأَنّيَ في هذه الطَّبَقة ـ شاهدُ الرحمن 33 ﴿يا معشَرَ الجِنّ والإنس إن استَطَعتُم أَن تَنفُذوا من أَقطار السَّماوات والأَرض فانفُذوا لا تَنفُذون إلا بسُلطان﴾. فقَولُه ﴿يا معشَرَ الجِنّ والإنس﴾ ـ بمعشَرٍ واحدٍ يَجمَع الاثنَين ـ كَشفٌ صَريحٌ أَنهما معشَرٌ واحد، أَي جِنسٌ واحدٌ تَجمَعه بنيةٌ واحدة. ثُمَّ يُذَيَّل ذلك بنَفي النَّفاذ من أَقطار السَّماوات والأَرض إلا بسُلطان ـ أَي بعِلمٍ ووَسيلةٍ ماديةٍ تُلائم البنيةَ المادية للنَّفاذ. ومنه يَنفَتح أَن الجِنَّ ـ بحَسَب صَريح الآية ـ يَخضَع لقَيد البنية المادية كَالإنس، لا قُوّةَ خارقةَ له تُتيح له النَّفاذَ بَلا سُلطان. ويَهدِم ذلك الأُسطورةَ الشَّعبيةَ التي تَجعَله ذا سُرعةٍ وقُوّةٍ خارقةٍ تَتَجاوَز السُّنَن.
والطَّبَقةُ الثالثةُ ـ الناسُ والجِنَّةُ في الخِطاب الحَيّ. ففي سياق الخِطاب الحَيِّ المُعاش، يُقابل القرآنُ «الناس» (جَمعٌ كُتَليّ) بـ«الجِنَّة» (جَمعٌ كُتَليّ) ﴿لأَملأَنَّ جَهَنَّمَ من الجِنَّة والناس أَجمَعين﴾ [هود 119]. تَقابُلُ كُتلتَين متَّصلتَين عَبر الزَّمَن ـ تُحاكي القارئَ الحَيَّ في كلّ عَصر.
والطَّبَقةُ الرابعةُ ـ الإنسُ والجانُّ في الحساب. ففي سياق الجَزاء، يُقابل القرآنُ «الإنس» (صفة) بـ«الجانّ» (نَوع) ﴿فيَومَئذٍ لا يُسأَل عَن ذَنبه إنسٌ ولا جانّ﴾ [الرحمن 39]. تَقابُلٌ يَكشف الأَصلَ الأَنسَنيَّ والموروثَ الجانّيَّ في الإنسان الواحد.
والسِّرُّ البَلاغيُّ في تَنَوّع التَّقابُل ـ كلُّ صياغةٍ تَنفُذ في طَبَقتها بحَسَب موضع الكَلام ومحور الزَّمَن. فصياغةُ المَصدر (الإنس والجِنّ) تَكشف حَقيقةً لا زَمانيةً ثابتةً مُجَرَّدة. وصياغةُ الجَمع الكُتَليّ (الناس والجِنَّة) تَكشف واقعاً متَجَسّداً في الزَّمَن يُحاكي القارئَ المُعاصر. واسمُ النَّوع (الإنسان والجانّ) يَكشف الواقعَ التَّكوينيَّ المُكتَمل.
وأَمّا قَولُه ﴿يا معشَرَ الجِنّ والإنس﴾ [الأنعام 130، الرحمن 33] ـ فهو خِطابٌ مُباشَرٌ، ولكنّ «معشَر» يَحفَظ صياغةَ الصِّفة المُطلَقة، إذ هو اسمُ جَمعٍ يَجمَع الصِّفةَ بَلا تَجَسّدٍ كُتَليّ. فتَنفُذ الآيةُ في طَبَقة الصِّفة المُجَرَّدة رَغمَ صياغة الخِطاب.
3.2.11الجِنُّ والجِنَّةُ في الواقع
يَستحقّ التَّمييزُ الحاسمُ بَين الجِنّ (الصِّفة) والجانّ (النَّوع). فالجِنّ والجانّ ـ رَغمَ اشتراكهما في جَذر الستر (ج-ن-ن) ـ متَمَيّزانِ في الطَّبَقة. فالجِنُّ صفةُ الستر الجامعةُ، صياغةُ مَصدر، تَنفُذ في كلّ مَن يَلتَزم الستر والاحتجاب ـ في الفَرد ذي الثَّقَل الفكريّ، وفي الكَهَنة المُحتَجَبين خَلفَ سَلطَتهم، وفي الأَسماء المُقَدَّسة المُسَتَتِرة عَن التَّمَحّص. والجانُّ اسمُ نَوعٍ لحال الجِنّ المُنكَشف المُضطَرب، تَجَلَّت ثَمَرتُه في النَّوع البَشَريِّ المُقابل لآدم، الذي عاصَرَ نَشأَتَه ثُمَّ اندَثَرَ كَجِنسٍ أَصيل.وأَمّا «الجِنَّة» (بتاء الكُتلة) ـ فلَيست مُجَرَّدَ تَجَمّعٍ مَكانيّ، بَل اتصالٌ في وَحدة الأَمر والفِعل والمَوقع المعرفيّ عَبر الزَّمَن كلِّه. فالجِنَّةُ ـ جِنُّ الماضي وجِنُّ الحاضر وجِنُّ المُستَقبَل ـ منظومةٌ واحدةٌ تَجمَعها ثَلاثةُ أُمور: وَحدةُ الفِعل (الإكثارُ من الإنس)، ووَحدةُ المَوقع (مَحَلُّ الاستعاذة من العامَّة المُنكَشفين)، ووَحدةُ الصِّفة (الستر والاحتجاب ذو الثَّقَل المعرفيّ).
ويُعَضّد هذا قَولُه ﴿لأَملأَنَّ جَهَنَّمَ من الجِنَّة والناس أَجمَعين﴾ [هود 119] ـ كُتلتانِ متَقابلتانِ يَجمَعهما لَفظُ «أَجمَعين». وقَولُه ﴿من شَرّ الوَسواس الخَنّاس... من الجِنَّة والناس﴾ [الناس 4-6] ـ كُتلتانِ في مَشهد الوَسوَسة المُسَتَمِرّ عَبر الزَّمَن. ويَكشف وَحدةَ الفِعل قَولُه ﴿يا معشَرَ الجِنّ قَد استَكثَرتُم من الإنس﴾ [سَبَأ 40] ـ فِعلُ الاستكثار مُشتَركٌ بَين الجِنَّة عَبر الأَجيال. ويَكشف وَحدةَ المَوقع قَولُه ﴿وأَنه كان رِجالٌ من الإنس يَعوذون برِجالٍ من الجِنّ﴾ [الجِنّ 6].
ومما يَكشف آليةَ تَمكين الجِنَّة في الواقع ـ شاهدُ الصافات 158 ﴿وجَعَلوا بَينه وبَين الجِنَّة نَسَباً ولقَد عَلِمَت الجِنَّةُ إنهم لمُحضَرون﴾. والصِّياغةُ تَكشف بنيةً تَأسيسيةً في ثَلاث طَبَقات.
أَوَّلاً ـ فاعلُ الجَعل هم المُشركون الذين يُؤَلّهون الجِنَّةَ ويَتَّخذونها أَولياءَ. وما يَجعَلونه ـ نَسَبٌ مُفتَرى بَين الله وبَين الجِنَّة، يُلصِق الكُتلةَ المُسَتَتِرةَ بالربوبية، فيَجعَلها مَصدرَ سُلطةٍ مُقَدَّسةٍ لا تُمَسّ. وبهذا النَّسَب المَزعوم ـ يَصير نَقدُ الجِنَّة نَقداً لله، وتَكذيبُها تَكذيباً لله، والإساءةُ إلَيها إساءةً لله. وهي آليةُ التَّمكين التي تَحتَكر بها الجِنَّةُ السُّلطةَ، تَحجُب نَفسَها من المُساءَلة، تُمَكّن نُفوذَها عَبر الأَجيال.
وثانياً ـ صياغةُ «ولقَد عَلِمَت الجِنَّةُ إنهم لمُحضَرون» تَستحقّ التَّأَنّيَ. فالنَّصُّ يَكشف عِلمَ الجِنَّةِ بحالها ـ يَعلَمون أَنهم مُحضَرون يَومَ القيامة، يَعلَمون أَن الحسابَ قائمٌ، يَعلَمون أَنهم في محلّ المُساءَلة. ومع ذلك ـ يَستَميتون على استمرار نُفوذهم وسَلطَتهم وإضلالهم للعباد. فعِلمُهم بمَصيرهم لا يَردُعهم، بَل يَزيدهم استبساطاً في احتكار السَّلطة، إذ لا أَمَلَ لهم بَعد الحساب إلا في تَكثير الأَتباع وتَوسيع شَبَكَتهم.
وثالثاً ـ ما يَكشفه هذا العِلمُ المَفضوحُ ـ أَن الجِنَّةَ ليسوا ضَحايا الجَهل، بَل فاعلون واعون يَختارون الإضلالَ مع علمهم بمَصيرهم. فإجرامُهم عَن علمٍ لا عَن جَهل، حِرصُهم على السَّلطة فَوقَ كلّ اعتبار. ومنه يَنفَتح فَهمُ بَلاغة المُحاسَبة الإلهية لهم ـ حسابُهم مُشَدَّدٌ لأَنهم لا يَملكون حُجَّةَ الجَهل، بَل يُمَثّلون أَقصى تَجَلّيات الإجرام الواعي.
ومنه يَلتَئم هذا الفَهمُ مع ما تَأَسَّسَ ـ الجِنَّةُ منظومةٌ واحدةٌ تَجمَع الراحلين الذين أَسَّسوا التَّضليلَ في حياتهم، والأَولياءَ القائمين الذين يَحتَكرون السَّلطةَ بنَسَبٍ مَزعومٍ مع الله، والشَّبَكةَ المُتَّصلةَ زَمنياً عَبر الأَجيال، يَعلَمون جَميعاً مَصيرَهم، ويَستَميتون على النُّفوذ.
ويَستحقّ التَّمييزُ ـ أَن «الناس» اسمُ جمعٍ يَنفُذ في سياقَين: الجَمعُ التَّداوُليُّ العامُّ ﴿يا أَيُّها الناسُ﴾ في الخِطاب التَّبليغيّ، والكُتلةُ المُنكَشفةُ مُقابلَ الجِنَّة في تَقابُل الجَزاء. وهذا ليس تَناقُضاً، بَل مَرونةُ الكَلمة بحَسَب السياق.
وما يَستحقّ التَّأَنّيَ ـ شاهدُ سَبَأ 14 ﴿فلَمّا قَضَينا عَلَيه المَوتَ ما دَلَّهم على مَوته إلا دابَّةُ الأَرض تَأكُل منسَأَتَه فلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَت الجِنُّ أَن لَو كانوا يَعلَمون الغَيبَ ما لَبثوا في العَذاب المُهين﴾. والصِّياغةُ تَكشف هَدماً قاطعاً لأُسطورة علم الجِنّ بالغَيب التي تَراكَمَت في الفَهم الشَّعبيّ. فالجِنُّ بحَسَب صَريح النَّصّ لا يَعلَمون الغَيب، بَل ماضيهم بالنِّسبة لهم تَخمينٌ ورِوايةٌ غَيرُ دَقيقة. وهذا يُلائم الفَهمَ البنيويَّ الذي تَأَسَّسَ ـ الجِنُّ كائنٌ بَشَريٌّ مُستَتِرٌ ذو ثَقَلٍ فكريٍّ ومعرفيّ، يَخضَع لقَيد البنية البَشَرية في عَدَم علم الغَيب.
وما يَكشف عَلاقةَ الجِنَّة بالإنس في الواقع المُعاش ـ شاهدا سَبَأ 40-41 ﴿ويَومَ يَحشُرهم جميعاً يا معشَرَ الجِنّ قَد استَكثَرتُم من الإنس ـ وقال أَولياؤهم من الإنس رَبَّنا استَمتَعَ بَعضُنا ببَعض... بَل كانوا يَعبُدون الجِنَّ أَكثَرُهم بهم مُؤمنون﴾. والتَّمييزُ البنيويُّ قاطع ـ الإنسُ هم الأَتباعُ المُسَتَكثَرون، والجِنُّ هم المَتبوعون المُسَتَكثرون منهم. والاستمتاعُ تَبادُلٌ مَنفَعيٌّ بَين الفَريقَين، الجِنُّ يَكتَسبون التَّبَعيةَ والتَّقديسَ، والإنسُ يَكتَسبون الأَمانَ الفكريَّ والإحساسَ بأَنهم على هُدى. وأَكثَرُ الناس ـ في تَجَلّيهم ـ يُؤمنون بالجِنّ لا بالله، أَي يُؤمنون بالأَسماء التي نُقلَ عَنها عِلمُ الأَوَّلين بكُتُبها ورِواياتها، فحَيَّدَت كتابَ الله عَن أَكثَر الناس.
ومما يَتَتِم بنيةَ الفَهم ـ شاهدُ الأنعام 112 ﴿وكَذلك جَعَلنا لكلّ نَبيٍّ عَدوّاً شَياطينَ الإنس والجِنّ يُوحي بَعضُهم إلى بَعضٍ زُخرفَ القَول غُروراً﴾. فعَدوّ كلّ نَبيٍّ ـ في كلّ زَمَن ـ شَياطينُ الإنس والجِنّ، أَي المُنحَرفون فكرياً من الفَريقَين: شَياطينُ الجِنّ من الكَهنة المُسَتَتِرين أَصحاب المَنابر، وشَياطينُ الإنس من الأَتباع المُنفَعلين الذين يَتَبَنَّون انحرافَ مَتبوعيهم. والوَحيُ بَينهم بزُخرف القَول غُروراً ـ تَبادُلُ الانحراف الفكريِّ المُزَيَّن الذي يَبدو حَقاً وهو باطل. ومنه يَنفُذ في الواقع المُعاش ـ كلَّما جاءَ نَبيٌّ يُحَرّر العباد من التَّبَعية العَمياء، تَهاجمه شَياطينُ الإنس والجِنّ بشَراسة، حِفظاً لمَكانتهم ومَكاسبهم.
ولَعَلَّ مما يَفتَح فَهمَ ظاهرة الجِنَّة في الواقع المُعاش ـ تَدَبّرُ نَزعةٍ نَفسيةٍ عَميقةٍ في طَبيعة الإنسان البَسيط، تَنفُذ في كلّ زَمَنٍ بَلا أَن تَتَبَدَّل بَتَبَدّل الثَّقافات. فالإنسانُ في صفته الإنسية الكَشوفة الفِطرية يَحمل في طَبعه نَزعةً إلى تَضخيم المَجهول وتَعظيم المُسَتَتر، يُعطي الغائبَ أَكبَرَ من حَجمه، يَملَأ فَجوةَ المعرفة بالتَّقديس بَدَل التَّدَبّر. والمَوجودُ الحاضرُ بَين الناس يَخضَع للتَّمَحّص والمُراجَعة، يَنكَشف نَقصُه وتَناقُضه، تَبدو حُدودُه البَشَرية. أَمّا الغائبُ المُستَتر ـ بالرَّحيل أَو بالاحتجاب أَو بالغموض الزَّمَني ـ فلا يَستَطيع أَن يُكَذّب ما يُنسَب إليه، ولا أَن يُصَحّح ما يُحَرَّف من قَوله. ومنه تَنفُذ ظاهرةُ التَّقديس بَعد الرَّحيل في كلّ الثَّقافات، إذ المُسَتَتر يَتَضَخَّم في وَعي العامَّة بمِقدار ما يَبتَعد عَن إمكانية التَّمَحّص المُباشَر.
وما يَستَنطق الجِنَّةَ مَحَلَّ تَدَبّرٍ ومعرفةٍ لا سَفاهةَ ولا بَساطة ـ شاهدا الأَحقاف وسورة الجِنّ. يَقول تعالى ﴿وإذ صَرَفنا إليك نَفَراً من الجِنّ يَستَمعون القرآنَ فلَمّا حَضَروه قالوا أَنصتوا فلَمّا قُضيَ وَلَّوا إلى قَومهم منذرين﴾ [الأَحقاف 29]، ويَقول ﴿قُل أُوحيَ إليَّ أَنه استَمَعَ نَفَرٌ من الجِنّ فقالوا إنا سَمعنا قرآناً عَجَباً يَهدي إلى الرُّشد فآمَنّا به﴾ [الجِنّ 1-2]. والصِّياغتانِ تَكشفانِ قَدراً عَظيماً من الفَهم والتَّدَبّر عند هذا النَّفَر ـ يَستَمعون ويُنصتون ويَفهمون ويُدركون أَن المَسموعَ ليس بقَول بَشَر، ثُمَّ يُولّون إلى قَومهم منذرين بما أَدرَكوا. وهذا قَدرٌ من الوَعي والفِكر لا يُلائم البَساطةَ ولا السَّفاهة، بَل يَكشف ثَقَلاً فكرياً ومعرفياً عَميقاً يَجعَلهم أَهلاً لاستيعاب القرآن. ومنه يَنفَتح التَّمييزُ ـ ثَمَّةَ من الجِنّ مَن هم مُجرمون مُضِلّون (يَستَكثرون من الإنس بتَزييف الفِكر)، وثَمَّةَ منهم مَن هم مُستَجيبون لربهم (سَمعوا القرآنَ فآمَنوا به).
ومما يَكشف إمكانيةَ تَسخير الفَريقَين في الحَقّ ـ تَدبيرُ سُلَيمانَ ﴿وحُشرَ لسُلَيمانَ جُنودُه من الجِنّ والإنس والطَّير فهم يُوزَعون﴾ [النمل 17]، وقَولُه ﴿ومن الجِنّ مَن يَعمَل بَين يَدَيه بإذن رَبّه﴾ [سَبَأ 12]. فسُلَيمانُ ـ بما أُوتيَ من العِلم والسُّلطان ـ استَطاعَ تَسخيرَ الجِنّ والإنس معاً، أَي تَسخيرَ الثَّقَل الفكريِّ المعرفيِّ (الجِنّ) والبَسطاء المُنفَعلين (الإنس) في خِدمة مَشروعه الربوبيّ. ولَو كان الجِنُّ كائناتٍ شَبَحيةً منفصلةً لانفَصَلَت بنيةُ الحَشر وتَفَرَّقَ النَّسَقُ القُرآنيّ، لكنّ النَّصَّ جَمَعَهما في تَدبيرٍ واحدٍ يَنفُذ بإذن الرَّبّ، يَكشف وَحدةَ المُسَخَّر وتَنَوّعَ صفاته.
ومَن هم «الجِنَّة» في الواقع المُعاصر؟ هم منظومةُ الكَهنوت الفكريِّ المُسَتَتِرة المُتَّصلة زَمنياً ـ تَجمَع المُضِلّين الراحلين الذين أَسَّسوا التَّضليلَ في حياتهم (الأَسماءُ المُقَدَّسةُ التي تُتَّبَع من دون الله)، وشَبَكَتَهم القائمةَ في الحاضر التي تَتَحاكَم إلى الراحلين. ويُعَضّد ذلك قَولُه ﴿إن هي إلا أَسماءٌ سَمَّيتُموها أَنتُم وآباؤكم ما أَنزَل الله بها من سُلطان﴾ [النجم 23] ـ يَجمَع الأَبناءَ الحاضرين والآباءَ الراحلين في منظومةٍ واحدةٍ من الأَسماء المُقَدَّسة المُسَتَتِرة.
3.2.12الاختلاطُ النَّسَبيُّ ونَتائجُه ـ فَكُّ شَبَكَة الشَّجَرة الملعونة
البنيةُ القرآنيةُ في قِصَّة آدمَ وإبليسَ والشَّجَرة ـ تَكشف خَيطاً متَّسقاً متَكامِلاً يَنحَلّ به سِرُّ «الشَّجَرة الملعونة» وآليةُ مَكيدة إبليس في احتناك الذُّرّية. نَستَنطقها هنا في تَدَرّجها البَلاغيِّ والمنطقيّ.
ولَعَلَّ ما يَستحقّ التَّأَنّيَ ابتداءً ـ مَشهدُ السُّجود وكَشفُ بَشَرية إبليس. فقَد نَفخَ رَبُّ العالمين من رُوحه في آدمَ، فاكتَمَلَت أَنسَنتُه. حيث عَلَّمَه الأَسماءَ كلَّها ﴿وعَلَّمَ آدمَ الأَسماءَ كلَّها﴾ [البقرة 31] ـ آليةُ التَّسخير واكتمالُ الأَنسَنة بالمعرفة. ثُمَّ أَمَرَ المَلائكةَ بالسُّجود لآدمَ اعترافاً بمَكانته في الخِلافة وتَسخيراً لسُنَن الكَون له. يَقول تعالى ﴿إذ قال رَبُّك للمَلائكة إنّي خالقٌ بَشَراً من طين ـ فإذا سَوَّيتُه ونَفَختُ فيه من رُوحي فقَعوا له ساجدين ـ فسَجَدَ المَلائكةُ كلُّهم أَجمَعون ـ إلا إبليسَ استَكبَرَ وكان من الكافرين﴾ [ص 71-74].
والذي يَستحقّ التَّأَنّيَ ـ تَأكيدُ النَّصّ «كلُّهم أَجمَعون». تَأكيدٌ مُضاعَفٌ يَكشف شُمولَ السُّجود لكلّ المَلائكة بَلا استثناء. فالاستثناءُ في «إلا إبليس» مُنقَطعٌ ـ إبليسُ ليس من المَلائكة، إذ المَلائكةُ كلُّهم سَجَدوا. ولكنّه كان في محلّ الأَمر بالسُّجود ـ مَأموراً مع المَلائكة بالاعتراف بخِلافة آدم، دون أَن يَكون منهم. ويَكشف ذلك صَريحاً قَولُه ﴿إلا إبليسَ كان من الجِنّ ففَسَقَ عَن أَمر رَبّه﴾ [الكهف 50]. و«من الجِنّ» يَنفُذ في معنى الستر، صفةُ المُسَتَتر، يَلتَئم مع كَيفية النَّوع البَشَريِّ المُقابل لآدم (الجانّ) الذي يَتَمَيَّز بصفة الستر والاضطراب والسُّرعة.
ومما يَفتَح فَهماً تَأسيسياً لطَبيعة إبليس ـ حُجَّتُه نَفسُها. يَقول تعالى ﴿قال يا إبليسُ ما مَنَعَك أَن تَسجُدَ لما خَلَقتُ بيَدَيَّ أَستَكبَرتَ أَم كنتَ من العالين ـ قال أَنا خَيرٌ منه خَلَقتَني من نار وخَلَقتَه من طين﴾ [ص 75-76]. والتَّعبيرُ «أَنا خَيرٌ منه» يَكشف بَلاغياً مُقارنةَ تَفاضُلٍ بَين نَوعَين مُتَناظرَين. ولو كان إبليسُ جِنساً مُغايراً تَماماً للبَشَر ـ ملَكاً أَو كائناً غَيبياً منفصلاً تَكوينياً ـ لاستَحالَ التَّفاضُلُ معه بالمادّة، إذ التَّفاضُلُ المادّيُّ يَستوجب التَّناظرَ التَّكوينيَّ. ولكنّ إبليسَ قارَنَ نَفسَه بآدمَ بالمادّة (النار والطين)، مما يَكشف انتسابَه إلى النَّوع البَشَريِّ المُقابل لآدم، يَتَناظر معه في صياغة الخَلق، يَتَفاضَل معه في المادّة التَّكوينية.
ويُعَضّد ذلك قَولُه ﴿قال أَرأَيتَكَ هذا الذي كَرَّمتَ عَلَيَّ لئن أَخَّرتَن إلى يَوم القيامة لأَحتَنكنَّ ذُرّيتَه إلا قَليلاً﴾ [الإسراء 62]. وقَولُه «كَرَّمتَ عَلَيَّ» يَكشف صَريحاً أَنه كان يَتَوَقَّع التَّكريمَ لنَفسه، فلَمّا فَضَّلَ ربُّه آدمَ عَلَيه اعتَبَرَ ذلك إهانةً له. وهذا التَّوَقّعُ لا يَكون إلا من مُتَناظرٍ يَستَشعر التَّفاوُتَ في الاصطفاء.
ولمّا فَضَّلَ رَبُّ العالمين آدمَ بالنَّفخة والاستخلاف ـ ثارَت غَيرةُ النَّوع البَشَريِّ المُقابل، المُمَثّل بإبليس. والغَيرةُ لا تَكون لأَنواعٍ مُغايرةٍ تَكوينياً، بَل لمُتَناظرٍ يَستَشعر التَّفاوُتَ في الاصطفاء. والنَّوعُ البَشَريُّ المُقابل لآدمَ (المُسَمّى وَظيفياً بالجانّ) كان غَيرَ مُهَيَّأٍ للاستخلاف. يَكشف ذلك ما عَرَفَته المَلائكةُ من فَصيلٍ سابق ﴿أَتَجعَل فيها مَن يُفسد فيها ويَسفك الدِّماء﴾ [البقرة 30]. والإفسادُ وسَفكُ الدِّماء سُلوكٌ بَشَريٌّ شَهدَت به المَلائكةُ في النَّوع السابق، يَكشف عَدَم تَهيُّئه للاستخلاف. فاصطُفي آدمُ المُتَأَنسن بَدلاً منهم، فثارَ إبليسُ غَيرةً على نَوعه. وإبليسُ يُمَثّل رَأسَ هَرَم النَّوع البَشَريِّ المُقابل، كَما آدمُ يُمَثّل رَأسَ هَرَم النَّوع المُتَأَنسن.
ولمّا طُرد إبليسُ من الجَنَّة ﴿قال فاهبط منها فما يَكون لكَ أَن تَتَكَبَّر فيها فاخرُج إنكَ من الصاغرين﴾ [الأعراف 13] ـ سأَلَ الإمهال ﴿قال أَنظِرني إلى يَوم يُبعَثون﴾ [الأعراف 14]. وسُؤالُ الإمهال ليس لتَوبةٍ أَو إصلاحٍ، بَل لـ﴿لأَحتَنكنَّ ذُرّيتَه إلا قَليلاً﴾ [الإسراء 62]. والاحتناكُ من «ح-ن-ك» يَدلّ على السَّيطرة من الفَم، كَما يُحَنّك الفَرَسُ بالحَبل في فَمه فيَنقاد لراكبه.
ومَكيدةُ إبليس السَّيطرةُ على ذُرّية آدم من داخلها لا من خارجها فَقَط. ويَكشف ذلك قَولُه ﴿لأَقعُدَنَّ لهم صراطَك المُستَقيم ـ ثُمَّ لآتيَنَّهم من بَين أَيديهم ومن خَلفهم وعَن أَيمانهم وعَن شَمائلهم ولا تَجد أَكثَرَهم شاكرين﴾ [الأعراف 16-17]. ومَدخلُه من كلّ جِهة يَكشف أَنه يَدخل من داخل النَّسل البَشَريِّ نَفسه، لا من خارجٍ مُحَدَّد.
وآليةُ مَكيدة إبليس يَكشفها القرآنُ في قِصَّة الشَّجَرة. يَقول تعالى ﴿ولَقَد عَهِدنا إلى آدمَ من قَبلُ فنَسيَ ولم نَجد له عَزماً... فوَسوَسَ إليه الشَّيطانُ قال يا آدمُ هَل أَدُلُّك على شَجَرة الخُلد ومُلكٍ لا يَبلى ـ فأَكَلا منها فبَدَت لهما سَوآتُهما وطَفِقا يَخصفان عَلَيهما من وَرَق الجَنَّة وعَصى آدمُ ربَّه فغَوى﴾ [طه 115-121]. والشَّجَرةُ من جَذر «ش-ج-ر» يَدلّ على التَّفَرّع والتَّشابُك النَّسَبيّ (كَشَجَرة العائلة) ـ تُمَثّل النَّسَبَ المُتَفَرّعَ الجانّيَّ، النَّوعَ البَشَريَّ المُقابل لآدم. والوَسوَسةُ كانت بأَعلى مَطامع البَشَرية (الخُلدُ والمُلكُ). وأَكَلَ آدمُ من الشَّجَرة ـ اختَلَطَ نَسَبياً بالنَّوع البَشَريِّ المُقابل. وبُدُوُّ السَّوآت يَكشف انكشافَ الموروث الجانّيِّ المُتَسَلّل في الذُّرّية، الذي كان مَستوراً بستار الأَنسَنة قَبل الاختلاط.
ويُعَضّد بنيةَ التَّوارُث النَّسَبيِّ قَولُه ﴿وهو الذي خَلَقَ من الماء بَشَراً فجَعَلَه نَسَباً وصِهراً وكان رَبُّك قَديراً﴾ [الفرقان 54] ـ فالبَشَريةُ بنيةٌ نَسَبيةٌ تَتَفَرَّع عَبر الأَجيال (نَسَباً) وتَتَشابك بالاختلاط (صِهراً). وهذه البنيةُ التَّفَرّعيةُ التَّشابُكيةُ تُلائم جَذرَ الشَّجَرة، وتَفتَح فَهمَ كَيفَ انتَقَلَ الموروثُ التَّكوينيُّ عَبر النَّسَب.
ومن هنا ـ حَمَلَ آدمُ في صُلب نَسله موروثاً تَكوينياً جانّياً، صارَ سارياً في أَغلَب ذُرّيته إلى يَوم الدِّين. وتَحَقَّقَ ما خَطَّطَ له إبليسُ من احتناكٍ للذُّرّية ـ لم يَكتَفِ بالغَواية الفَردية، بَل أَدخَلَ موروثه في صُلب النَّسل البَشَريِّ نَفسه. ومن هنا تَأَتّى تَأثيرُه المُتَّصلُ زَمنياً، يُغوي الذُّرّيةَ من داخلها لا من خارجها فَقَط. ولذلك مَدخلُه من كلّ جِهة، إذ هو في صُلبهم.
ومن هنا كان الهُبوطُ ﴿قال اهبطا منها جميعاً بَعضُكم لبَعضٍ عَدوٌّ فإمّا يَأتيَنَّكم منّي هُدىً فمَن اتَّبَعَ هُدايَ فلا يَضِلّ ولا يَشقى﴾ [طه 123]. والهُبوطُ ليس مُجَرَّدَ انتقالٍ مَكانيٍّ من سَماءٍ إلى أَرض، بَل خُروجٌ من حالٍ إلى حال ـ من حال التَّكوين النَّقيِّ المُتَأَنسن إلى حال الموروث المُختَلِط الذي يَحمل قابليتَين متَضادَّتَين. وهذا الحالُ يَستَدعي التَّمييزَ والمُراقبةَ والفَحصَ عَبر الابتلاء والامتحان ـ آليةً لتَنقية الذُّرّية، التَّمييزُ بَين مَن يُغَلّب أَصلَه الأَنسَنيَّ ومَن يُغَلّب موروثَه الجانّيَّ.
ويَنفُذ هذا الفَهمُ في قَوله ﴿ولَقَد عَلِمنا المُستَقدمين منكم ولَقَد عَلِمنا المُستَأخرين ـ وإن رَبَّك هو يَحشُرهم إنه حَكيمٌ عَليم ـ ولَقَد خَلَقنا الإنسانَ من صَلصالٍ من حَمأٍ مَسنون ـ والجانَّ خَلَقناه من قَبلُ من نار السَّموم﴾ [الحجر 24-27]. فالخِطابُ بـ«منكم» يَكشف انتسابَ كلا الفَريقَين إلى المُخاطَبين، والصِّياغتانِ «المُستَقدمين» و«المُستَأخرين» على وَزن «استَفعَلَ» تَكشفانِ الاختيارَ والإرادةَ. فالمُستَقدمُ مَن طَلَبَ التَّقَدّمَ وقَبلَ الأَنسَنة (الإنسانُ الآدميُّ)، والمُستَأخرُ مَن طَلَبَ التَّأَخّرَ ورَفَضَ الأَنسَنة (الجانُّ). والآيتانِ التاليتانِ تُعَرّفانِ المُستَقدمَ والمُستَأخرَ. وإذا كان النَّوعُ الجانّيُّ قَد اندَثَرَ كَجِنسٍ أَصيلٍ قائمٍ، فإن انتسابَه إلى المُخاطَبين «منكم» يَنفُذ من خلال الموروث التَّكوينيِّ الذي تَسَلَّلَ في ذُرّية آدم بَعد الاختلاط النَّسَبيّ. فمنا الإنسانُ الآدميُّ المُستَقدمُ بالأَنسَنية، ومنا الإنسانُ الجانّيُّ المُستَأخرُ بالموروث الجانّيِّ.
ومنه يَنفَتح فَهمُ القِصَّة كاملةً في انسجامٍ بَلاغيٍّ ومنطقيٍّ بَديع. فنَفخةُ الرُّوح في آدمَ اكتمالُ أَنسَنته بتَعليمُ الأَسماء كلِّها آليةُ التَّسخير، والأَمرُ بالسُّجود تَسخيرُ سُنَن الكَون لخَليفة الله، وسُجودُ المَلائكة كلِّهم أَجمَعون استجابةُ السنن، ورَفضُ إبليس كَشفُ الجَوهر الكامن في النَّوع البَشَريِّ المُقابل، وغَيرتُه على التَّكريم ثَوَرانُ نَوعه المَكشوفِ بَشَريتَه المُتَناظرة، وسُؤالُ الإمهال التَّخطيطُ لمَكيدة الاحتناك، والوَسوَسةُ بالشَّجَرة آليةُ المَكيدة (الاختلاطُ النَّسَبيُّ بالنَّوع البَشَريِّ المُقابل)، وبُدُوُّ السَّوآت انكشافُ الموروث الجانّيِّ في الذُّرّية، والهُبوطُ خُروجٌ إلى حال الموروث المُختَلِط، والابتلاءُ والامتحانُ آليةُ التَّمييز بَين القابليتَين.
وكلُّ هذا ـ يَنحَلّ به سِرُّ «الشَّجَرة الملعونة» في القرآن. فالشَّجَرةُ ليست شَجَرةً عاديةً تُؤكَل ثمارُها، بَل بنيةٌ نَسَبيةٌ متَفَرّعةٌ تُمَثّل النَّوعَ البَشَريَّ المُقابل لآدم، التي وَسوَسَ بها إبليسُ ليُدخل موروثه في صُلب النَّسل البَشَريِّ نَفسه. وبهذا تَحَقَّقَت مَكيدتُه ـ احتناكُ الذُّرّية من داخلٍ لا من خارجٍ فَقَط.
وثَمَرةُ المَكيدة تَتَجَلّى في الواقع المُعاش ـ ذُرّيةُ إبليس المُتَكَشّفةُ في النَّسل البَشَريِّ. ولكنّها ليست ذُرّيةً نَسَبيةً منفصلةً، بَل الموروثُ التَّكوينيُّ الجانّيُّ السَّاري في ذُرّية آدم بَعد الاختلاط النَّسَبيّ. يَكشف ذلك قَولُه ﴿أَفَتَتَّخذونه وذُرّيتَه أَولياءَ من دوني وهم لكم عَدوّ﴾ [الكهف 50]. والتَّحذيرُ من اتّخاذ إبليس وذُرّيته أَولياءَ من دون الله. وذُرّيتُه هم الذين غَلَبَ فيهم الموروثُ الجانّيُّ، فصاروا في الواقع المُعاش الجِنَّ المُجرمين، لا الجِنَّ المُستَجيبين لربهم الذين سَمعوا القرآنَ فآمَنوا به. والتَّكليفُ شامل ـ يَنفُذ في كلّ ذُرّية آدم، سَواءٌ مَن غَلَبَت فيه الأَنسَنيةُ من النَّسَب الآدميّ، أَو مَن غَلَبَ فيه الموروثُ الجانّيُّ المُتَسَلّل. وكلٌّ يُحاسَب بحَسَب ما يَختار من تَغليب أَيّ من القابليتَين.
ويُفَسّر ذلك قَولُه تعالى ﴿فكُبكبوا فيها هم والغاوون ـ وجُنودُ إبليسَ أَجمَعون ـ قالوا وهم فيها يَختَصمون ـ تالله إن كنا لَفي ضَلالٍ مُبين ـ إذ نُسَوّيكم بربّ العالمين ـ وما أَضَلَّنا إلا المُجرمون﴾ [الشعراء 94-99]. فجُنودُ إبليس ـ ذُرّيتُه المَكشوفةُ في الواقع ـ يُحشَرون مع الغاوين، والمُجرمون منهم هم الذين أَضَلّوا غَيرَهم.
ونَجَحَت مَكيدةُ إبليس في إزاحة البَشَر الآدميِّ ـ غَريمه في الاصطفاء والخِلافة في الأَرض ـ عَن صراط الله المُستَقيم واتّباع كتابه، إلى اتّباع الجِنّ المُتَمَثّل في الأَسماء المُقَدَّسة من الجِنّ المُتَمَثّلين بالآباء، وتَسَلسلِ غَوايتهم عَبر الأَجيال لتَشكيل كُتلة متَراصَّةٍ متَواصلةٍ من الجِنَّة. وهذا يَلتَئم مع ما تَأَسَّسَ ـ الجِنَّةُ كَكُتلةٍ متَّصلةٍ زَمنياً في وَحدة الفِعل والمَوقع والصِّفة.
والكَشفُ الجامع ـ «ذُرّيةُ إبليس» في النَّصّ، و«الجِنَّةُ» كَكُتلةٍ متَّصلةٍ، و«جُنودُ إبليس»، و«المُجرمون الذين أَضَلّوا» ـ وُجوهٌ لحَقيقةٍ واحدةٍ تَنفُذ في الواقع المُعاش. من جانب التَّكوين موروثٌ جانّيٌّ سَلَّلَه إبليسُ في صُلب النَّسل، ومن جانب الفِعل مَن يُتَّبَع من دون الله يُضِلّ غَيرَه عَن الصراط، ومن جانب الكُتلة شَبَكةٌ متَّصلةٌ زَمنياً تَجمَع الراحلين والحاضرين. وكلُّ ذُرّية آدم في موضع الابتلاء ـ بَين تَغليب أَصله الأَنسَنيِّ (يَستَجيب للهُدى) أَو تَغليب موروثه الجانّيِّ (يَنضَمّ إلى الجِنّ المُجرمين والجِنَّة المُضِلّة).
3.2.13التَّجَلّي في الإنسان المُعاصر وتَطبيقُ البنية
تَنتَهي البنيةُ إلى كَشفٍ جامعٍ عَن طَبيعة الإنسان المُعاصر. فهو كائنٌ مُرَكَّبٌ يَحمل في موروثه التَّكوينيِّ قابليتَين متَضادَّتَين، تَتَجَلّى كلٌّ منهما في صفاتٍ يَومية.
أَمّا الطَّبعُ الآدميُّ المُتَجَلّي في الإنسان الحاضر ـ فيَتَجَلّى فيمَن يُحبّ الاجتماعَ والأُنسَ، يَتَأَلَّف مع غَيره، يَتَرَوّى ولا يَتَسَرَّع، يَنسَجم مع الواقع ولا يُعارض كلَّ شَيءٍ اعتباطاً، يُحبّ الوِفاقَ ويَسعى للتَّوافُق، يَصبر ويَسعى ويُداوم على المعرفة والعَمَل. وهذه خَصائصُ تَجَلّي الأَصل الأَنسَنيِّ في تَكوينه.
وأَمّا الطَّبعُ الجانّيُّ المُتَجَلّي في الإنسان الحاضر ـ فيَتَجَلّى فيمَن يَتَعَصَّب ويَتَمَسَّك برَأيه بَلا مَرونة، ويَتَكَبَّر كَما إبليس، ويَتَسَرَّع فيَردّ قَبل التَّأَمّل، ويَتَهَوَّر فيَفعَل بَلا حسابٍ للعَواقب، ويَنطَوي فلا يَتَأَلَّف مع غَيره. وهذه خَصائصُ تَجَلّي الموروث الجانّيِّ في تَكوينه.
وكلا الصِّنفَين موجودٌ في كلّ مُجتَمَع، وفي كلّ نَفس. والإنسانُ في صَيرورته ـ بَين تَغليب الآدميةِ أَو الجانّيةِ ـ يَختار مَصيرَه عَبر الابتلاء.
ونَختَبر الآنَ نَفاذَ البنية على الشاهدَين اللَّذَين كانا موضعَ الإشكال التَّقليديّ.
ولَعَلَّ ما يَستحقّ التَّأَنّيَ ابتداءً ـ تَحَوّلُ المُقابَلة البَلاغية في الآيتَين. فالمُقابَلةُ المُعتادةُ في القرآن بَين «الإنس» و«الجِنّ» (مَصدرٌ بمَصدر، صفةٌ بصفة) ـ نَجدها مَضبوطةً في سياقات الدُّنيا، كَقَوله ﴿وما خَلَقتُ الجِنَّ والإنسَ إلا ليَعبُدون﴾ وقَوله ﴿يا معشَرَ الجِنّ والإنس﴾. ولكنّ القرآنَ في هاتَين الآيتَين عَدَلَ عَن المُقابَلة المُعتادة، فقابَلَ «الإنس» بـ«الجانّ» لا بـ«الجِنّ». وهذا التَّحَوّلُ البَلاغيُّ لا يَكون اعتباطاً، بَل لسِرٍّ تَأسيسيٍّ يَستحقّ الاستنطاق.
والذي يَنفَتح ـ أَنّ المُقابَلةَ بـ«الجانّ» لا بـ«الجِنّ» تَكشف سياقَ الآخرة، لا سياقَ الدُّنيا. ففي الدُّنيا ـ مَوضعُ التَّكليف والابتلاء ـ تَكون صفةُ الستر (الجِنّ) فاعلةً، يَنفُذ بها الجِنُّ في احتجابه عَن العامَّة، يَستَكثر من الإنس بتَزييف الفِكر من خَلف حِجاب، تَتَجَلّى الجِنَّةُ كَكُتلةٍ مُسَتَتِرةٍ تَحجُب نَفسَها وراء الأَسماء المُقَدَّسة. ولذلك تَكون المُقابَلةُ الدُّنيوية بَين «الإنس» (الكَشف) و«الجِنّ» (الستر) ـ كلاهما حالٌ فاعلةٌ في زَمَن الابتلاء.
أَمّا في الآخرة ـ مَوضعُ الجَزاء والظُّهور التامّ ـ فلا يَبقى ستر ولا احتجاب. الكلُّ مَكشوفٌ مَعلومٌ ظاهرٌ بَلا حِجاب. فلَم تَعُد صفةُ الجِنّ (الستر) فاعلةً، إذ لا حِجابَ يَستَتر خَلفَه أَحد. وما يَبقى من تَجَلّيات الجَذر الستريِّ في الآخرة ـ هو الجانّ بحاله المُنكَشف المُضطَرِب (يَتَأَسَّس ذلك في 3.2.3). أَي أَن الكُتلةَ التي كانت في الدُّنيا مُسَتَتِرةً (الجِنَّة/الجِنّ بصفته الفاعلة) ـ تَنكَشف في الآخرة بَلا حِجاب، تَظهَر بحقيقتها الجانّيةِ المُضطَرِبةِ المُنتَهَكةِ ستراً. ولذلك ناسَبَ بَلاغياً مُقابَلةُ «الإنس» (الكَشف الدُّنيويّ الذي امتَدَّ في الآخرة) بـ«الجانّ» (الانكشاف الأُخرويُّ للجِنَّة) ـ لأَن المَشهدَ مَشهدُ انكشافٍ لا مَشهدُ ستر.
وعَلَيه ـ ففي قَوله ﴿فيَومَئذٍ لا يُسأَل عَن ذَنبه إنسٌ ولا جانّ﴾ [الرحمن 39] ـ السياقُ الذي يَتلوها يَكشف المعنى ﴿يُعرَفُ المُجرمونَ بسيماهم فيُؤخَذ بالنَّواصي والأَقدام﴾ [الرحمن 41]. فالنَّفيُ ليس عَدَمَ الحاجة للسُّؤال لظُهور الذَّنب، بَل عَدَمَ السُّؤال أَصلاً، إذ هؤلاء لا حسابَ لهم. التَّكليفُ كان قائماً عَلَيهم في الدُّنيا، لم يُرفَع، ولكنّهم لم يُؤمنوا فأَجرَموا عَلاقَتَهم بالله. وكَلمةُ «أَجرَمَ» من جَذر «ج-ر-م» الدالِّ على القَطع ـ المُجرمُ مَن قَطَعَ صلَتَه بالله.
والحسابُ في منهج القرآن مُكَرَّمةٌ تَفترض الإيمانَ بحاسب. فمَن آمَنَ بالله واليَوم الآخر يُحاسَب (مُكَرَّمة). ومَن قَطَعَ صلَتَه بالله إجراماً، لا يَستحقّ كَرامةَ الحساب، بَل يُؤخَذ مُباشَرةً بالنَّواصي والأَقدام. ويُعَضّده ﴿فلا نُقيمُ لهم يَومَ القيامة وَزناً﴾ [الكهف 105]، و﴿لا يُكَلّمهم الله يَومَ القيامة﴾ [البقرة 174]. والذي يَنفُذ في الآية ـ أَن المُجرمين عَبر طَرَفَي البَشَرية في يَوم الانكشاف ـ الإنسُ المُنكَشف من الأَصل، والجانُّ الذي كان جِنّاً مُسَتَتِراً في الدُّنيا فانكَشَفَ على حقيقته المُضطَرِبة في الآخرة ـ كلاهما إن قَطَعَ صلَتَه بالله أَجرَمَ، فلا يُسأَل عَن ذَنبه، بَل يُؤخَذ بالنَّواصي والأَقدام.
وفي قَوله ﴿لم يَطمثهُنَّ إنسٌ قَبلَهم ولا جانّ﴾ [الرحمن 56] ـ يَنفُذ التَّمييزُ نَفسُه. السياقُ سياقُ الجَنَّة، مَشهدٌ أُخرويّ، فناسَبَ بَلاغياً المُقابَلةُ بـ«الجانّ» لا بـ«الجِنّ» ـ توكيداً لطَبَقة الآخرة. والذي يَستحقّ الانتباهَ كَذلك ـ صياغةُ «قَبلَهم» (لا «من قَبلهم») ـ تَمتَدّ إلى بَعيد الماضي بَلا تَقييدٍ بقُرب. ويَجمَع النَّصُّ طَرَفَي البَشَرية كَما تَتَجَلّى في الآخرة ـ مَن غَلَبَ فيه الأَصلُ الأَنسَنيُّ (الإنس) ومَن غَلَبَ فيه الموروثُ التَّكوينيُّ الجانّيُّ (الجانّ المُنكَشف في الآخرة) ـ توكيداً لشُمول النَّفي لكلّ مَن خُلق من البَشَر بكلا تَجَلّيَيه.
3.2.14خاتمةُ الفصل وتَمهيدٌ لما يَلي
ما عَرَضناه عَبر اثنَي عَشَر محوراً ـ بنيةٌ متَّسقةٌ تَنحَلّ بها معضلاتٌ تَقليديةٌ كَثيرة. فالأَلفاظُ السَّبعةُ في القرآن (البَشَر، الإنسان، الناس، الإنس، الجِنّ، الجِنَّة، الجانّ) ليست مُترادفةً، بَل تَنفُذ كلٌّ منها في طَبَقتها بدِقَّة. والإنسانُ والجانُّ نَوعانِ بَشَريانِ في جِنسٍ شاملٍ، يَختَلفان في كَيفية التَّسوية التَّكوينية (اللُّيونةُ والتَّماهي والانسجامُ مُقابل التَّعَجّل والاضطراب والنُّفوذ بَلا قَرار)، وفي حال الأَنسَنة (الإنسانُ تَأَنسنَ بنَفخ الرُّوح، الجانُّ بَقيَ على حاله).
والإنسانُ المُعاصرُ ـ بَعد معصية آدمَ واختلاطه بالجانّ ـ يَحمل القابليتَين معاً: الأَصلَ الأَنسَنيَّ والموروثَ الجانّيَّ. والابتلاءُ في الدُّنيا آليةُ تَمييزٍ تَكشف ما يُغَلّب الإنسانُ من القابليتَين. والحسابُ مُكَرَّمةٌ لأَهل الإيمان، بَينما المُجرمون يُؤخَذون بَلا حساب.
ومما يَكسبه هذا الفَهمُ ـ تَنحَلّ به المعضلاتُ التَّقليديةُ بَلا تَكَلّفٍ (الجِنُّ ناريٌّ يُعَذَّب بالنار، الجِنُّ في الجَنَّة، تَزاوُج الجِنّ والإنس)، ويَستَقيم به الفَهمُ مع منهج القرآن (الإنسانُ هو المُكَلَّف)، ويَنفَتح به بابُ التَّدَبّر للقارئ الحَيِّ (الجِنَّةُ المُلتَويةُ في الواقع المُعاش، التَّجَلّي اليَوميُّ للقابليتَين)، ويُحَرَّر به الفَهمُ من ميثولوجياتٍ تَراكَمَت بَلا أَصلٍ قرآنيٍّ صَريح.
ولَعَلَّ ما يَستحقّ الإشارةَ ـ أَن في هذا الفصل مَواضعَ تَأَنٍّ مَفتوحةً تَستحقّ الاستئنافَ في فُصولٍ لاحقة. فتَفصيلُ الفَصائل البَشَريّة وكَيفية اصطفاء آدمَ من بَينها ـ يُدَّخر لفصل 3.5. وتَدَبّرُ قِصَّة الإزلال والاستخلاف بتَفاصيلها ـ يُدَّخر لفصل 3.6. ومَفهومُ الحساب كَمُكَرَّمةٍ ـ يُدَّخر لفصل القَضاء والقَدَر. وكَيفيةُ تَكوين الجانّ من النار بصورةٍ تَفصيلية، وطَبيعةُ حُضور إبليس في موضع الأَمر بالسُّجود ـ مَواضعُ تَأَنٍّ تَستحقّ الاستئنافَ بَلا قَطعٍ نِهائيٍّ في هذا الموضع.
ويَنفَتح في الفصل التالي بابُ التَّأَنّي في الأَدوات المعرفية الكُبرى التي يَستَخدمها الإنسانُ في تَلَقّي التَّكليف وتَدَبّره. فالقرآنُ والكتابُ والفُرقانُ ـ ثَلاثُ أَلفاظٍ تَتَكَرَّر في الخِطاب القُرآنيّ، تَكشف ثَلاثَ أَدواتٍ متَكامِلةً يَنفُذ بها الإنسانُ في فَهم ما يَنزِل عَلَيه، وفي بناء المعرفة من اجتهاده، وفي التَّمييز بَين الحَقّ والباطل. وما يَلي في 3.3 ـ بإذن الله ـ هو تَأَسيسٌ لهذه الأَدوات المعرفية الكُبرى، تَكميلاً لما تَأَسَّسَ في 3.1 من بنية الإنسان الذاتية، وفي 3.2 من بنيته الطَّبَقية والصِّفاتية.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «الإنسانُ بَين الإنس والجِنّ والجِنَّة والجانّ»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث