3.1

النفس والروح

116 دقائق قراءة~20836 كلمة2 مبحثاً في هذا الفصل

3.1.1النَّفس

تَمهيد

من أَوسَع المفاهيم القرآنية حُضوراً في الخطاب الديني والوُجداني العامّ مفهومُ النَّفس. فقَلَّ أَن تَخلوَ مُحاوَرةٌ في شَأن الإنسان وغايته من ذِكرها ـ في الحَياة والمَوت، في التَّكليف والمَسؤولية، في الحِساب والمآل. ومعَ هذا الحُضور الواسع، يَتَعَرَّض المفهومُ ـ في التَّداوُل العامّ ـ لخَلطٍ مُمتَدّ، يَحول دون استبانة وَظيفته البنيوية في القرآن.

ولَعَلَّ أَوَّلَ ما يَستحقّ الوُقوفَ تَأَمّلٌ في الفَهم الشَّعبي للنَّفس، ثُمَّ ما يُضاف إليه من النَّظَر العِلمي المُعاصِر. فالنَّفسُ في التَّداوُل الشَّعبي تَلتَبِس بعِدَّة معانٍ، يُستَعمَل بَعضُها مَكان بَعض دون تَمييز. تُستَعمَل تارةً بمعنى الذات الكاملة للإنسان ـ كَأن يُقال «نَفسي تَتوق» أَو «حَدَّثَت نَفسي»، فيُرادُ بها مَجموعُ ما يَكون الإنسانُ عَليه. وتُستَعمَل تارةً مُرادفةً للهَوى وما يَنزِع إليه من رَغَبات ـ كَما في «اشتَهَت نَفسُه» أَو «مالَت نَفسُه»، فتُفهَم بوَصفها مَركَزَ الشَّهَوات. وتُستَعمَل تارةً مُرادفةً للقَلب بمعناه العُضويّ ـ في إسقاطٍ من التَّداوُل، إذ يُجعَل القَلبُ مَركَزَ الإدراك والشُّعور، فيُسَوّى به النَّفس. ومن الخَلط الجاري في التَّداوُل أَيضاً ما يَجعَل النَّفسَ صِفةً مُشتَرَكةً بَين الإنسان وسائر الحَيَوانات ـ فيُقال «نَفسُ الحَيَوان» كَما يُقال «نَفسُ الإنسان» ـ في تَسويةٍ يَكشف الاستقراءُ القُرآنيُّ خِلافَها، كَما سيَتَبَيَّن في موضعه.

أَمّا في النَّظَر العِلمي المُعاصِر ـ فلا يَكاد العِلمُ التَّجريبيُّ يُثبِت للنَّفس وُجوداً مَوضوعياً مُستَقِلاًّ، إذ هو يَتَعامَل مع ما يَستطيع قِياسَه ورَصدَه. فالنَّفسُ ـ بوَصفها الكيانَ الباطنَ ـ تَنحَلّ في النَّظَر العِلمي إلى ظَواهرَ نَفسية تُدرَس بأَدوات عِلم النَّفس، أَو إلى نَشاطٍ عَصبيٍّ في الدِّماغ يُدرَس بعِلم الأَعصاب. وفي كِلتا الحالَين، لا تَظهَر النَّفسُ بوَصفها كياناً مُستَقِلاًّ، بَل بوَصفها وَصفاً لمَجموع وَظائفَ في الكائن الحَيّ.

ومن أَشَدّ صُوَر الخَلط في التَّداوُل العامّ ما يَجري بَين النَّفس والرُّوح ـ إذ تُعامَلان في الفَهم الشائع كأَنهما شَيءٌ واحد، تُستَعمَل إحداهما مَكان الأُخرى دون تَمييز. فيُقال «خَرَجَت نَفسُه» و«خَرَجَت رُوحُه» للحَدَث ذاته. ولَعَلَّ من أَوَّل ما يَجِب تَثبيتُه قَبل استقراء النَّفس أَن النَّفسَ والرُّوحَ في القرآن ليستا مُتَرادفتَين. فالنَّفسُ كيانٌ، له كَينونتُه ووَجودُه الذاتي، يُنسَب إلى الله، ويَنفُذ به الإنسانُ في أَطوار الوجود، ويُتَوَفّى ويُحاسَب ويُكَرَّم أَو يُعاقَب. أَمّا الرُّوحُ ـ فلَيست كياناً، بَل معنىً معرفيٌّ مُدرَجٌ من نَبعٍ وَعويٍّ وعِلميٍّ سابق. فالنَّفسُ تُتَوَفّى وتُحاسَب، والرُّوحُ تُدرَج وتُوحى. النَّفسُ مَحَلٌّ، والرُّوحُ مُدرَجٌ في المَحَلّ. وتَفصيلُ هذا التَّمييز يُترَك لموضعه (3.1.2)، حَيث يُستَقرأ مفهومُ الرُّوح من سِياقاته القرآنية.

ولَعَلَّ في تَأَمّل الأَلفاظ التي يَستَخدِمها القرآن لِما يَتَّصِل بالإنسان ما يُعَضّد التَّمييز ويُمَهّد للاستقراء. فثَمَّة في الخطاب القرآني ثَلاثةُ أَلفاظٍ مُتَلازِمة في المعنى، متَمايزةٌ في الوَظيفة: النَّفس، والإنسان، والبَشَر. كلٌّ يَختَصّ بجانبٍ مَخصوص، وبنيتُها اللُّغوية نَفسُها تَكشف وَظيفتَها.

فـ«البَشَر» ـ من «البَشَرة»، أَي ظاهرُ الجَسد ـ يَدلّ على الجانب المادي. ويَأتي في القرآن لافتاً ـ مُفرَداً جامعاً لا فَردياً ـ كَما في ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم 20] ولا غَرابةَ في ذلك ـ إذ البَشَريةُ تَنَوّعٌ خَلقيٌّ متكاثر، كلُّ فَردٍ منها خَلقٌ آخَرُ مُتَمَيّز عن سائرهم تَمَيّزاً جَذرياً ـ ﴿ثُمَّ أَنشَأناه خَلقاً آخَرَ فتَبارَكَ الله أَحسَنُ الخالِقين﴾ [المؤمنون 14]. فلا بَصمةَ تُشبه بَصمة، ولا وَجهَ يُماثِل وَجهاً، ولا تَكوينَ جينياً يُطابِق تَكويناً ـ كلُّ فَردٍ بَشَريٍّ مُنشَأٌ على حِدة. فناسَبَ أَن يَدلّ اللَّفظُ ـ بصيغته الجامعة ـ على هذا التَّنَوّع المُتَكَثّر في الجِنس المادي.

وأَمّا «الإنسان» ـ فيَدلّ على الجانب الواعي الفِكري، الذي به يَفهَم ويُمَيّز ويَختار. ويَأتي في القرآن مُفرَداً ـ ﴿خُلِقَ الإنسانُ من عَجَل﴾، ﴿إنَّ الإنسانَ لرَبّه لكَنود﴾ ـ لا بصيغةِ جَمعٍ مُكَسَّر. ولَعَلَّ في هذا التَّفريد دَلالةً بنيوية: فاللَّفظُ مُفرَدٌ في صيغته، لكنّه عامٌّ في بنيته ـ يُشير إلى وَحدة المصدر، لا إلى قِلَّة المَوصوف. وذلك أَن أَصلَ هذا الجانب الواعي ـ كَما يُقَرّره القرآن ـ نَفسٌ واحدةٌ ينَبَثِق منها الإنسانُ كلُّه: ﴿هو الذي خَلَقَكم من نَفسٍ واحدة﴾ [الأعراف 189]، ﴿وهو الذي أَنشَأَكم من نَفسٍ واحدة﴾ [الأنعام 98]. فلَمّا كان الأَصلُ واحداً، ناسَبَ أَن يَتَفَرَّد اللَّفظُ، إذ التَّفريدُ يَعكِس وَحدةَ المنبَع لا فَرديةَ الكائن المُسَمَّى.

و«النَّفسُ الواحدة» التي يَتَكَلَّم عنها النَّصُّ ليست كياناً مادياً قائماً يُستَنسَخ منه ـ إذ النَّفسُ معنويةٌ لا مادية، ولا يَستقيم في المعنوي ما يَستقيم في المادي من نَسخٍ واستنساخ. بَل هي ـ على ما يَقتَضيه الاستقراء ـ وَحدةُ طَبعٍ ووَحدةُ مَنبَع: كلُّ النَّفوس البَشَرية من جِنسٍ نَفسيٍّ واحد، طَبعُها واحد، مَنبَعُها واحدٌ مَنسوبٌ إلى الله. ومنه تَنبَثِق نُفوسٌ متَكاثرةٌ بَلا نَقصٍ في المَنبَع، إذ المعنويُّ يَتَكَثَّر بَلا انتقاص ـ كَما تَنبَثِق المعاني من المعنى الواحد بَلا أَن يَنقُص شَيءٌ من المعنى الأَصلي. فالنَّفسُ، في هذا، نَوعٌ معنويٌّ واحد، يَتَفَرَّد في كلّ إنسانٍ بتَجَلّيه واكتسابه ـ فتَكون النَّفسُ في الفَرد أَمّارةً، أَو لَوّامةً، أَو مُطمَئنّةً، بحَسَب ما تَكتَسِب. والجامعُ بَين النُّفوس جميعاً وَحدةُ المصدر النَّوعي، لا تَطابُقُ التَّجَلّيات.

وأَمّا «النَّفس» ـ فهي المَحورُ الذي يَتَمَحوَر عَليه الجانبُ الإنسانيّ، والكيانُ الذي يَنفُذ به الإنسانُ في أَطوار الوجود. وتُجمَع في القرآن «نُفوس» و«أَنفُس» ـ ﴿كلُّ نَفسٍ بما كَسَبَت رَهينة﴾، ﴿ولا تَزِر وازِرةٌ وِزرَ أُخرى﴾. فالنَّفسُ شَأنٌ فَردي، كلُّ نَفسٍ مُتَفَرّدةٌ في كَسبها ومَسؤوليتها، وإن كانت من النَّوع النَّفسي الواحد. ولهذا تُجمَع جَمعاً يَدلّ على الفَردانية، خِلافاً للإنسان الذي يَدلّ بتَفريده على وَحدة المصدر.

فيَنتَظِم التَّمييزُ على ثَلاث: البَشَريةُ تَنَوّعٌ ماديٌّ متكاثر، جامعةٌ في لَفظها لأَن البَشَرَ مُختَلِفون في الهَوية الفَردية رَغمَ اشتراكهم في المادة.

والإنسانيةُ وَعيٌ مُفرَدُ المَصدر، يَدلّ التَّفريدُ فيها على وَحدة المَنبَع والطَّبع.

والنَّفسُ كيانٌ فَرديُّ التَّجَلّي، تُجمَع لتَدلّ على تَفَرّد كلّ نَفسٍ في كَسبها ومَسؤوليتها.

ولَعَلَّ في قَوله تعالى ﴿وجَعَلَ منها زَوجَها ليَسكُنَ إليها﴾ [الأعراف 189] ما يَكشف بنيةً أُخرى تَتَكامَل مع ما تَأَسَّس. فالضَّميرُ في «منها» و«زَوجها» يَعود على «نَفسٍ واحدة» المَذكورة قَبلَه. والاتّجاهُ بنيوياً: من النَّفس ينَشأ الزَّوج، لا العَكس. والزَّوجُ هنا ـ على ما يَقتَضيه السِّياق وأَصلُ النَّفس الواحدةِ بَلا جِنس ـ ليس الزَّوجَ الجِنسيَّ المُجَرَّد، بَل الشَّقُّ التَّكوينيُّ المُكَمّل الذي يُهَيَّأ ليَتَوافَق مع طَبيعة النَّفس في تَجَلّيها الدُّنيوي ـ أَي الجَسدُ. ويُعَضّد ذلك ﴿ليَسكُنَ إليها﴾ ـ فالسَّكَنُ سُكونٌ نَفسيٌّ يَجري من الفَرع إلى الأَصل، إذ الجَسدُ يَسكُن إلى النَّفس ويَتَناغَم معها، لا العَكس. فالنَّفسُ هي الأَصلُ المُهَيمِن، والجَسدُ زَوجُها التَّكويني المُتَناغِم معها ـ يُهَيَّأ ليُلائِم طَبعَها وحالها، فيَتَنَوَّع الجَسَدُ تَنَوّعاً يُناسِب تَنَوّعَ النَّفوس في تَجَلّياتها واكتسابها.

ومن هنا، يَستحقّ مفهومُ النَّفس استنطاقاً مُستَأنَفاً ـ نَعرِض فيه آياتِ النَّفس بَعضَها على بَعض، ونَدَع النَّصَّ يُحَدّد كَينونتها، وأَصلَها، ومَراحلَ تَجَلّيها، ومآلها. وهذا ما يَتَتَبَّعه هذا الفصل ـ استقراءً للنَّصّ، لا إسقاطاً عَليه.

3.1.1.1النَّفسُ تَعريفاً واستعمالاً قُرآنياً

تَأَسَّسَ في التَّمهيد أَن النَّفسَ كيانٌ، له كَينونتُه ووَجودُه الذاتي، يُنسَب إلى الله ابتداءً، ويَنفُذ به الإنسانُ في أَطوار الوجود. ولَعَلَّ في فَحص اللَّفظ ـ كَيف يَستَعمِله القرآنُ، وما يَكشفه استقراءُ مَواضعه ـ ما يَزيد التَّعريفَ تَحريراً ووُضوحاً.

ولَفظُ «النَّفس» في القرآن يَجري على وُجوهٍ مُتَنَوّعةٍ، يَجمَعها أَصلٌ واحدٌ يَستحقّ التَّأَمّل. فيُستَعمَل بمعنى الذات ـ كَما في قَوله تعالى ﴿كَتَبَ رَبُّكم على نَفسه الرَّحمة﴾ [الأنعام 54]، حَيث تَدلّ النَّفسُ هنا على ذاتٍ مَوصوفةٍ بصِفاتها. ويُستَعمَل بمعنى الإنسان كلِّه ـ ﴿ولا تَقتُلوا أَنفُسَكم﴾ [النساء 29]، فالنَّفسُ هنا الإنسانُ بكَيانه الكامل. ويُستَعمَل بمعنى الكيان الواعي المُكَلَّف ـ ﴿كلُّ نَفسٍ بما كَسَبَت رَهينة﴾ [المدثر 38]، ﴿لا تَزِر وازِرةٌ وِزرَ أُخرى﴾ [الأنعام 164]، فالنَّفسُ هنا مَحَلُّ الكَسب والمسؤولية.

ولَعَلَّ هذا الاستعمالَ الأَخير ـ النَّفسُ كَيانٌ واعٍ مُكَلَّف، مَحَلُّ الكَسب والمسؤولية ـ هو المِحوَرُ الذي يَتَفَرَّع عنه سائرُ الاستعمالات. فالنَّفسُ ـ في جَوهرها ـ ليست مُجَرَّدَ اسمٍ يُطلَق على الذات أَو الكيان، بَل هَويةٌ واعيةٌ مُمَيَّزة تَحمِل صِفاتها، وتَكتَسِب باختيارها، وتُسأَل عن كَسبها. ولذلك يَجمَعها القرآنُ على «نُفوس» و«أَنفُس» ـ كَما في قَوله تعالى ﴿وإذا النُّفوسُ زُوّجَت﴾ [التكوير 7]، وقَوله ﴿ولا تَقتُلوا أَنفُسَكم﴾ [النساء 29]، وقَوله ﴿وما تَدري نَفسٌ ماذا تَكسِب غَداً﴾ [لقمان 34]. والمسؤوليةُ الفَردانية ظاهرةٌ في ذلك: ﴿ولا تَكسِب كلُّ نَفسٍ إلا عَليها﴾ [الأنعام 164]، ﴿كلُّ نَفسٍ بما كَسَبَت رَهينة﴾ [المدثر 38]. فجَمعُ النَّفس يَكشف فَردانيةَ التَّجَلّي: كلُّ نَفسٍ كيانٌ مُمَيَّزٌ في كَسبه ومسؤوليته، وإن كانت كلُّها من النَّوع النَّفسي الواحد.

ولَعَلَّ مما يُمَيّز هذا الكيانَ ـ بحَسَب ما يَكشفه استقراءُ سائر آيات النَّفس ـ أَنه وعاءٌ معرفيٌّ بطَبعه، يَبدأ فارغاً ويَمتَلِئ بالاكتساب. وهذا الفَراغُ الأَصلي ـ الذي تَخرُج به النَّفسُ إلى عالَم الشَّهادة كَما يَكشف قَولُه تعالى ﴿والله أَخرَجَكم من بُطون أُمَّهاتكم لا تَعلَمون شَيئاً﴾ [النحل 78] ـ هو الذي يُفَسّر طَبيعةَ النَّفس الأَوَّلية. فالفُجورُ ليس صِفةً مَزروعةً في النَّفس ابتداءً، بَل هو مآلُ الفَراغ المعرفي الذي تَولَد به. كَما تَرى في المُجتَمَع المتخلِّف الفارغ معرفياً ـ تَنشأ فيه الاختلافاتُ، وتَضارُبُ الرُّؤى، والمَشاحَناتُ، والفَوضى ـ لا لأَنه مَفطورٌ على ذلك، بَل لخَوائه من المعرفة المُنَظِّمة. كَذلك النَّفسُ في خَوائها الأَصلي تَكون فاجرةً، لأَن المعرفةَ لم تَملأها بَعد.

ولَعَلَّ هذا ما يَكشفه قَولُه تعالى ﴿ونَفسٍ وما سَوّاها ۝ فأَلهَمها فُجورها وتَقواها﴾ [الشمس 7-8]. فالإلهامُ ـ في هذا السِّياق ـ ليس وَضعَ الفُجور والتَّقوى في النَّفس بالتَّساوي، بَل تَعريفُها بقابليتَيها: قابليةُ الانزِلاق إلى الفُجور إن بَقيَ الوعاءُ فارغاً، وقابليةُ الارتفاع إلى التَّقوى إن مُلِئَ بالمعرفة. وعَطفُ التَّقوى على الفُجور ليس عَطفَ مُساواة، بَل عَطفُ ما يَأتي ليَسكُن السابقَ ويُغَطّيه ـ كَما تَملأ المعرفةُ الفَراغَ فتَنتَفي الفَوضى الناشئةُ عنه.

ولذلك يَختِم القرآنُ بقَوله ﴿قَد أَفلَحَ مَن زَكّاها ۝ وقَد خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس 9-10]. والتَّزكيةُ في أَصلها سُمُوٌّ ورُقي، ولا يَكون السُّموُّ إلا بالعِلم والمعرفة. فالذي زَكّى نَفسَه هو من مَلَأَ وعاءَها بالمعرفة المُنَظِّمة فأَخمَدَ فَوضى الفُجور وأَقامَ مَكانها السَّكينةَ والصَّوابَ والحِكمةَ وحُسنَ الخُلُق والمُواءَمة. والذي دَسّى نَفسَه ـ من «التَّدسية»، أَي الإخفاء والإبقاء على الخواء ـ هو من تَرَكَ الوعاءَ فارغاً، فظَلَّ الفُجورُ ظاهراً فيه لأَن المعرفةَ لم تَأتِ تَسكُنه

وعَلى هذا، تَتَجَلَّى النَّفسُ في الحياة الدُّنيا على حالَين رَئيسَين بحَسَب ما يُمَلَأ من وعائها. فمن بَقيَت نَفسُه فارغةً معرفياً، استَمَرَّ فُجورُها الأَصلي، فهي النَّفس الأَمّارةُ بالسوء ـ كَما في قَوله تعالى ﴿إنَّ النَّفسَ لأَمّارةٌ بالسوء﴾ [يوسف 53] ـ تَأمُر بسوءٍ لا لأَنها فُطِرَت عَليه، بَل لأَن الفَراغَ لم يُملأ بَعد. ومن بَدَأَ يَكتَسِب المعرفةَ ويَلوم نَفسَه على ما يَفرُط منها، صارت النَّفس اللَّوّامةَ ـ ﴿ولا أُقسِم بالنَّفس اللَّوّامة﴾ [القيامة 2] ـ في حال صَقلٍ وتَهيئةٍ مُستَمِرَّة، تَملأ فَراغَها بالعِلم والكَسب الواعي.

أَمّا قَوله تعالى ﴿يا أَيَّتُها النَّفسُ المُطمَئنّة ۝ ارجِعي إلى رَبّك راضيةً مَرضيّة ۝ فادخُلي في عِبادي ۝ وادخُلي جَنَّتي﴾ [الفجر 27-30] ـ فيَكشف مَنزلةً للنَّفس المُؤمِنة العاملة، تَبدأ في الدُّنيا بذِكر الله، وتَستمِرّ عَبر الأَطوار اللاحقة حَتى الرُّجوع إلى الرَّبّ. ويُعَضّد ذلك قَولُه تعالى ﴿الذين آمَنوا وتَطمَئنّ قُلوبُهم بذِكر الله أَلا بذِكر الله تَطمَئنّ القُلوب﴾ [الرعد 28] ـ والآيةُ تَكشف أَن الاطمئنانَ يَكون في الدُّنيا، يَنبَثِق من ذِكر الله والإيمان به، لا يَنتَظِر النَّتيجةَ يَومَ الحِساب. فالنَّفسُ المُطمَئنَّةُ هي التي آمَنَت في الدُّنيا خَيرَ إيمان، وعَمِلَت خَيرَ عَمَل، وقَدَّمَت لحَياتها الآخرة خَيرَ تَقديم، اطمَأَنَّت بإيمانها وعَمَلها وتَقديمها. وتَأتي تَفاصيلُ هذه المَنزلة في موضعها من الفصل [3.1.1.7]، عند الحديث عن الرُّجوع إلى الرَّبّ والمآل.

والمُطمَئنَّةُ ـ بهذا الفَهم ـ تَختَلِف بنيوياً عن الأَمّارة واللَّوّامة. فالأَمّارةُ واللَّوّامةُ حالان تَتَدافَعان في النَّفس بحَسَب امتلاء الوعاء أَو فَراغه، تَمحوهما الأَعمالُ والمُكتَسَبات النافعة ويُظهِرُهما الفَراغُ وقِلَّةُ الوَعي. أَمّا المُطمَئنَّةُ ـ فمَنزلةٌ تَتَجاوَز هذا التَّدافُع، تَنبَثِق من الإيمان الراسخ والعَمَل الصالح، فتَستَقِرّ في النَّفس وتَستمِرّ معها إلى ما بَعد الوَفاة.

ويَتَّضح ـ في ضَوء هذا الاستقراء ـ أَن النَّفسَ التي يَتَناوَلها القرآنُ ليست شَيئاً مادياً يَنحَلّ في الجَسد، ولا مُجَرَّدَ مَجموع وَظائفَ بَيولوجية، ولا قَلباً عُضوياً يَنبِض. بَل هي ـ في تَعريفها المُستَخلَص من النَّصّ ـ كَيانٌ معرفيٌّ واعٍ، مَنسوبٌ إلى الله ابتداءً، يَنفُذ به الإنسانُ في أَطوار الوجود، يَكتَسِب وَيُحاسَب ويَتَجَلَّى بحَسَب ما يُدرَج فيه. وهي وعاءُ المعرفة، لا أَن المعرفةَ وعاؤها. والمعارفُ المُدرَجةُ فيها ـ سَواءٌ ما يَأتيها من الوَحي عَبر الرُّوح، أَو ما تَكتَسِبه باجتهادها عَبر السَّمع والأَبصار والأَفئدة ـ تُشَكّل تَجَلّيها وتُحَدّد مَآلها.

ومما يُعَضّد كَونها وعاءً معرفياً يَبدأ ليَمتَلِئ بالاكتساب، قَولُه تعالى ﴿والله أَخرَجَكم من بُطون أُمَّهاتكم لا تَعلَمون شَيئاً وجَعَلَ لكم السَّمعَ والأَبصارَ والأَفئدةَ لعَلَّكم تَشكُرون﴾ [النحل 78]. فالآيةُ تَكشف لَحظةَ بَدء النَّفس مَشوارَها المعرفيَّ الدُّنيوي: ﴿لا تَعلَمون شَيئاً﴾ ـ فَراغٌ معرفيٌّ يَنتَظِر الاكتسابَ من عالَم الشَّهادة. ثُمَّ ﴿وجَعَلَ لكم السَّمعَ والأَبصارَ والأَفئدة﴾ ـ أَدواتُ الاكتساب التي يَجمَع بها الإنسانُ معرفتَه في هذه الحياة. فالنَّفسُ تَخرُج إلى عالَم الشَّهادة فارغةً مما يَخصّ هذا العالَم، ثُمَّ تَبدأ رِحلةَ ملئها بما تَكتَسِب وما يُدرَج فيها من المعرفة.

ولا يَعني هذا أَنها كانت قَبل خُروجها مَحَلاً مَحضَ العَدَم. فهي ـ كَما تَأَسَّسَ في التَّمهيد ـ كَيانٌ مَنسوبٌ إلى الله، له وَجودُه السابقُ على التَّجَسّد. ولكنّ معرفتَها بعالَم الشَّهادة ـ بما فيه من قَوانينَ وأَسبابٍ وعَلاقاتٍ ـ تَبدأ من نُقطة الصِّفر عند الخُروج، إذ هذا عالَمٌ جَديدٌ تَدخُله النَّفسُ، فتَكتَسِب فيه ما يُهَيّئها للتَّكليف وللحِساب.

وعَلى هذا، يَنتَظِم تَعريفُ النَّفس في القرآن على بناءٍ متماسك: هي كَيانٌ معرفيٌّ واعٍ، خاصٌّ بالإنسان دون سائر الكائنات الحَيَّة، مَنسوبٌ إلى الله، يُدرَج في الجَسد فيَنفُذ به الإنسانُ في أَطوار الوجود، يَخرُج إلى عالَم الشَّهادة فارغاً مما يَخصّه فيَكتَسِب باجتهاده، ويَتَجَلَّى بحَسَب ما يُدرَج فيه من معرفة أَو غَفلة، ويُتَوَفّى عند انقضاء أَجَله ليُحاسَب على كَسبه. وسيَأتي تَفصيلُ هذه الخَصيصة ـ النَّفسُ خاصَّةً بالإنسان ـ في القِسم التالي، بَعد عَرض القَرائن النَّصّية التي تَكشفها.

3.1.1.2خَصيصةُ النَّفس البَشَرية

تَأَسَّسَ في القِسم السابق أَن النَّفسَ كَيانٌ معرفيٌّ واعٍ، وعاءٌ تُدرَج فيه المعرفة، ومَحَلٌّ للكَسب والمَسؤولية. وأُلمِحَ في خاتمة التَّعريف إلى أَن هذه الخَصيصةَ ـ كَيانياً ووَظيفياً ـ تَنحَصِر في الإنسان دون سائر الكائنات الحَيَّة. ويَستحقّ هذا التَّخصيصُ تَأَسيساً، إذ يَكشف عن بنيةٍ قُرآنيةٍ متماسكةٍ في التَّمييز بَين الإنسان وما حَولَه من المَخلوقات.

ولَعَلَّ أَوَّلَ ما يَستوقِف في هذا الباب أَن القرآنَ ـ في استقراء آيات النَّفس كلِّها ـ لا يَنسِب «النَّفس» بمعناها الكَياني الواعي إلى الحَيَوان أَو الدَّابَّة، بَل يَخُصّ بها الإنسانَ تَخصيصاً مُطَّرِداً. والكَشفُ في ذلك ليس مَحض غيابٍ لُغوي، بَل مَنسوجٌ في النَّسَق القُرآني على وُجوهٍ متَتالية، أَفحَصها بترتيبٍ يَكشف بنيتَها.

أَوَّلاً ـ تَمييزُ الأَداة المَفتوحة والأَداة المُغلَقة

يَقول تعالى ﴿ولقَد ذَرَأنا لجَهَنَّمَ كَثيراً من الجِنّ والإنس لهم قُلوبٌ لا يَفقَهون بها ولهم أَعيُنٌ لا يُبصِرون بها ولهم آذانٌ لا يَسمَعون بها أُولئك كالأَنعام بَل هم أَضَلّ﴾ [الأعراف 179]. ويَقول كَذلك ﴿أَم تَحسَب أَنَّ أَكثَرَهم يَسمَعون أَو يَعقِلون إن هم إلا كالأَنعام بَل هم أَضَلّ سَبيلاً﴾ [الفُرقان 44].

ولَعَلَّ في تَأَمّل هذه المُقابَلة كَشفاً بنيوياً. فالآيةُ تُشَبّه الإنسانَ الخاويَ بالأَنعام ـ ومحلُّ التَّشبيه هو الأَدوات (القَلب، العَين، الأُذُن)، لا كَيفيةُ استعمالها. فالأَنعامُ لها قُلوبٌ وأَعيُنٌ وآذان، لكنّها أَدواتٌ مُغلَقةُ المصدر، مُبرمَجةٌ على حاجتها التي خُلِقَت لها، لا تَتَعَدّى ما يَقتَضيه تَكوينُها من إدراكٍ مَحدودٍ ومُقَفَّل. أَمّا الإنسانُ ـ فأَدواتُه مَفتوحةُ المصدر، قابلةٌ لاستيعاب ما يُدرَج فيها من معرفةٍ مُتَجَدّدةٍ مُتَّسِعة.

ولِذا قال تعالى ﴿بَل هم أَضَلّ سَبيلاً﴾ ـ في إضافةٍ تَكشف أَن الأَنعامَ ليست في مَوقع التَّكليف أَصلاً، فمَن يَملِك أَداةَ التَّكليف ولا يَستخدِمها أَسوأُ ممن لم يُكَلَّف بطَبعه. ولَو كانت الأَنعامُ ذاتَ أَنفُسٍ معرفيةٍ كالإنسان، لكان مَن لا يَستخدِم نَفسَه «كالأَنعام» فقط، لا «أَضَلّ سَبيلاً». فإضافةُ «أَضَلّ» قَرينةٌ بنيويةٌ على أَن الأَنعامَ خارجَ مَيدان النَّفس المُكَلَّفة، إذ هي بَدَنٌ بأَدواتٍ مُبرمَجة، لا وعاءٌ معرفيٌّ قابلٌ للكَسب.

ومن لافِت ما يَدخُل في هذا الباب أَن السَّمعَ في القرآن لا يَقتَصِر على إدراك الصَّوت، بَل يَتَعَدّاه إلى إدراك المعنى. الأَنعامُ تَسمَع الصَّوتَ، لكنّها لا تَسمَع المعنى. والإنسانُ ـ بانفتاح أَدواته ـ يَسمَع الصَّوتَ والمعنى معاً، ويَعقِل ما يَسمَع. والعَقلُ ـ القُدرةُ على التَّجريد والاستيعاب ـ خَصيصةُ الإنسان وَحدَه، ولا يُنسَب في القرآن لغَيره.

ثانياً ـ تَمييزُ الخَلق والإنزال

يَقول تعالى ﴿خَلَقَكم من نَفسٍ واحدةٍ ثُمَّ جَعَلَ منها زَوجَها وأَنزَلَ لكم من الأَنعام ثَمانيةَ أَزواج﴾ [الزُّمَر 6]. ولاحَظَ النَّسَقُ اللُّغوي اختلافَ الفِعل بَين الإنسان والأَنعام:

في الإنسان ـ ﴿خَلَقَكم من نَفسٍ واحدة ثُمَّ جَعَلَ منها زَوجَها﴾ ـ فِعلُ الخَلق الذي يَنطَلِق من نَفسٍ سابقة.

في الأَنعام ـ ﴿وأَنزَلَ لكم من الأَنعام ثَمانيةَ أَزواج﴾ ـ فِعلُ الإنزال، أَي إدخالُها في وَعي الإنسان وتَسخيرها لخدمته.

اختلافُ الفِعل يَكشف اختلافَ النِّسبة بنيوياً. فالإنسانُ يُنسَب خَلقُه إلى الله ابتداءً من نَفسٍ ـ كَيانٌ معرفيٌّ سابق ـ يُلبَس جَسداً. أَمّا الأَنعامُ ـ فلا تُنسَب نَفسياً، بَل مادياً وَظيفياً: أَزواجٌ مُنزَلةٌ لخدمة الإنسان وتَسخيره. والإنزالُ هنا ليس نُزولاً ماديّاً، بَل دُخولاً في النَّسَق الذي يَخدِم الإنسانَ في عالَم الشَّهادة.

ثالثاً ـ خَصيصةُ النِّسبة بَين الأَنفُس والأَزواج

يَقول تعالى ﴿فاطرُ السَّماوات والأَرض جَعَلَ لكم من أَنفُسكم أَزواجاً ومن الأَنعام أَزواجاً يَذرَؤكم فيه ليس كمِثله شَيءٌ وهو السَّميع البَصير﴾ [الشُّورى 11].

ولَعَلَّ النَّظَرَ الدَّقيقَ في هذا النَّصّ يَكشف تَمييزاً صَريحاً لا لَبسَ فيه. الأَزواجُ في الإنسان نُسِبَت ﴿من أَنفُسكم﴾ ـ أَي من النَّفس البَشَرية يَنشأ زَوجها. والأَزواجُ في الأَنعام نُسِبَت ﴿من الأَنعام أَزواجاً﴾ ـ بَلا ذِكرٍ لنَفسٍ تُنسَب إليها. فالنَّسَقُ القُرآنيُّ يُخَصّ الإنسانَ بنَفسٍ تُنسَب إليه، ولا يُنسِب للأَنعام إلا أَزواجاً مادية.

ولَو كانت الأَنعامُ ذاتَ نَفسٍ، لاطَّرَدَ النَّصُّ في نِسبتها كَما اطَّرَدَ في نِسبة الإنسان ـ فلَقيلَ «من أَنفُسها أَزواجاً». لكنّ النَّصَّ نَسَبَ في الأَنعام «الأَزواج» لا «الأَنفُس»، فدَلَّ ذلك على أَن الأَنعامَ لها زَوجٌ ماديٌّ بَلا نَفس، خِلافاً للإنسان الذي له نَفسٌ يَنشأ منها زَوجها.

ويَتَعَضَّد هذا بقَوله تعالى ﴿والذي خَلَقَ الأَزواجَ كلَّها وجَعَلَ لكم من الفُلك والأَنعام ما تَركَبون﴾ [الزخرف 12]. فالأَنعامُ هنا في نَسَقٍ واحدٍ مع الفُلك ـ كَتلتان ماديتان يَركَبهما الإنسانُ بجَسده ليَنتَقِل في عالَم الشَّهادة. وفي هذا النَّسَق ما يَكشف عن ماديةِ الجَسد ـ زَوجِ النَّفس ـ إذ هو الذي يَحتاج وَسيلةَ النَّقل، فيَركَب الفُلكَ والأَنعام. فلَو كان الإنسانُ نَفساً مَحضةً بَلا جَسد، لَما احتاج إلى مَركَب. والآيةُ ـ بإلحاق الجَسد نَسَقياً بما يَركَبه من مادياتٍ أُخرى ـ تَكشف أَن الجَسدَ كَتلةٌ ماديةٌ في النَّوع نَفسه الذي تَنتَمي إليه الأَنعامُ والفُلك، وإن تَفاوَتَ التَّكوينُ. والأَنعامُ بهذا أَجسامٌ مُسَخَّرةٌ تَخدِم أَجسامَ البَشَر، فهي ـ بنيوياً ـ في رُتبةٍ ماديةٍ خادمة، بَلا نَفسٍ كَيانيةٍ تُمَيّزها.

رابعاً ـ خَصيصةُ التَّحريم

يَقول تعالى ﴿ولا تَقتُلوا النَّفسَ التي حَرَّمَ الله إلا بالحَقّ﴾ [الإسراء 33]. ويَقول ﴿مَن قَتَلَ نَفساً بغَير نَفسٍ أَو فَسادٍ في الأَرض فكَأَنَّما قَتَلَ الناسَ جميعاً﴾ [المائدة 32].

ولَعَلَّ من لافِت النَّظَر أَن القرآنَ خَصَّ التَّحريمَ بـ«النَّفس»، لا بـ«البَدَن» أَو «الإنسان» أَو «البَشَر». ولَو كان المُحَرَّمُ مَحلَّه الجَسدُ المادي مُجَرَّداً، لاطَّرَدَ التَّحريمُ على كلّ بَدنٍ حَيٍّ ـ ولَدَخَلَت الأَنعامُ في التَّحريم، إذ هي أَجسادٌ حَيَّة. لكنّ النَّصَّ خَصَّ «النَّفس» ـ ليَكشف أَن المُحَرَّمَ في حَقيقته قَتلُ الوَعي والكَيان المعرفي، لا قَتلُ مُجَرَّد البَدَن. ولِذا أُحِلَّ ذَبحُ الأَنعام لمَنافع الإنسان، إذ ما لها بَدَنٌ بأَدواتٍ مُبرمَجة، لا نَفسَ كَيانيةَ تُحَرَّم.

خامساً ـ خَصيصةُ الشَّهوة

يَقول تعالى في وَصف نَعيم الجَنَّة ﴿يُطاف عَليهم بصِحافٍ من ذَهَبٍ وأَكوابٍ وفيها ما تَشتَهيه الأَنفُسُ وتَلَذّ الأَعيُن﴾ [الزخرف 71]. ولَعَلَّ في هذا التَّمييز كَشفاً لطيفاً. فالشَّهوةُ ـ في هذا السِّياق ـ نُسِبَت إلى الأَنفُس، لا إلى البَدَن. وهذا فَرقٌ بنيويٌّ يَستحقّ التَّأَمل.

فالغَريزةُ ـ في طَبعها ـ حِسٌّ ماديٌّ يَكون في البَدَن (الجوعُ، التَّكاثُر، الحَفاظ على الذات)، وهي مُشتَرَكةٌ بَين الإنسان وسائر الحَيَوان. أَمّا الشَّهوةُ ـ فحِسٌّ معنويٌّ يَكون في النَّفس، يَنشأ من اقتران الوَعي بالحاجة. ولِذا لا تَكون الشَّهوةُ مُجَرَّدَ إشباع غَريزة، بَل تَلَذّذٌ واعٍ بما يَطلُبه الإنسان من خَيرٍ ولَذَّةٍ ووَجاهة.

ويَتَّضح من هذا أَن ما يُمَيّز الإنسانَ ـ بَعد أَن اشتَرَكَ مع الحَيَوان في الغَرائز البَدَنية ـ هو أَنه اكتَسَبَ نَفساً تَضبِط هذه الغَرائزَ بغِطاء الوَعي الذي تَكتَسِبه. فالغَريزةُ لا تُلغى في الإنسان، بَل تُغَطّى بالوَعي فتُضبَط، وتُهَذَّب، وتُوَجَّه. ومن اقتران الغَريزة بالوَعي يَنشأ نَوعٌ مُتَفَرّدٌ من الحِسّ ـ هو الشَّهوة الإنسانية ـ شَهوةٌ ليست مُجَرَّدَ إشباعٍ غَريزي، بَل غَريزةٌ مَطبوعةٌ بالوَعي. ولِذا نَسَبَ القرآنُ الشَّهوةَ إلى الأَنفُس، إذ هي ثَمَرةُ اقتران الغَريزة البَدَنية بالوَعي النَّفسي.

سادساً ـ الوَظيفةُ تَستلزِم الأَداة

ولَعَلَّ ما تَقَدَّمَ من القَرائن النَّصّية يَتَّسق ـ بنيوياً ـ مع قاعدةٍ بَدَهية: الوَظيفةُ تَستلزِم الأَداة. فما لا يُطلَب لا يُهَيَّأ له آلتُه. والمَطلوبُ من الإنسان: الفِكرُ، والمعرفة، والكَسبُ الواعي، والتَّكليفُ ـ كلُّها وَظائفُ تَستلزِم وعاءً معرفياً يَستوعِب ويُخَزّن ويُمَيّز. أَمّا المَطلوبُ من الأَنعام ـ فأَداءُ وَظيفتها المَحدودة من التَّكاثُر والخدمة والغذاء ـ ولا تَستلزِم هذه الوَظائفُ وعاءً معرفياً، إذ تَجري بقَوانينَ كَونيةٍ تَلائِم الغَرائز التي زُوّدَت بها.

فالأَنعامُ ليست مَحرومةً من النَّفس بنَقصٍ في خَلقها، بَل بدِقَّة المُلائَمة بَين الوَظيفة والأَداة. ما تَحتاجه لإتمام وَظيفتها مَوجودٌ فيها كاملاً، وما لا تَحتاجه لم يُهَيَّأ لها. والنَّفسُ ـ بمعناها الكَياني الواعي ـ لا تُحتاج لأَداء الوَظائف الحَيَوانية، فلا تُهَيَّأ. أَمّا الإنسانُ ـ فلكَونه مَحَلَّ التَّكليف والكَسب والمَسؤولية ـ هُيّئَ له هذا الوعاءُ المعرفيُّ الذي يَستوعِب المعرفةَ ويَكتَسِب بها التَّقوى التي تَضبِط الغَرائزَ بغِطاء الوَعي.

سابعاً ـ التَّمييزُ في الأَكل ـ آيةُ السَّجدة 27

ومن لافِت ما يُتَمّ هذه القَرائن قَولُه تعالى ﴿أَوَلم يَرَوا أَنّا نَسوق الماءَ إلى الأَرض الجُرُز فنُخرِج به زَرعاً تَأكُل منه أَنعامُهم وأَنفُسُهم﴾ [السجدة 27]. فالآيةُ تَضَع الأَنعامَ والأَنفُسَ في نَسَقٍ واحدٍ بالأَكل، لكنّها تُفَرّق في التَّسمية ـ الأَنعامُ بَدَنٌ مَحضٌ يَأكُل لإشباع غَريزته، والأَنفُسُ كَيانٌ مُرَكَّبٌ من نَفسٍ وجَسد يَأكُل لإمداد كلَيهما. والتَّمييزُ الذي بَنَيناه يَقوى بهذا النَّسَق: الأَنعامُ تُسَمَّى بَدَنياً (إذ هي كلُّها بَدَن)، والإنسانُ يُسَمَّى نَفسياً (إذ النَّفسُ هي مَحوَره، والجَسدُ زَوجُها التَّكويني).

ثامناً ـ خُلاصةُ الخَصيصة

ومن مَجموع هذه القَرائن، يَتَأَسَّس أَن النَّفسَ ـ بمعناها القُرآني المُحَرَّر ـ خاصَّةٌ بالإنسان دون سائر الكائنات الحَيَّة. وهذا التَّخصيصُ ليس مَحضَ تَفضيلٍ، بَل بنيةٌ متماسكةٌ تَنتَظِم النَّفسَ والوَظيفة والتَّكليف معاً. فالإنسانُ مُكَلَّفٌ، فيَستحقّ نَفساً تَستوعِب ما يَكتَسِبه؛ والأَنعامُ غَيرُ مُكَلَّفة، فلا تَستحقّ هذه الأَداة.

ويَنتَظِم التَّمييزُ على هذا النَّحو: الإنسانُ كَيانٌ مُرَكَّب من نَفسٍ معرفيةٍ واعيةٍ وجَسدٍ ماديٍّ هو زَوجُها التَّكويني. النَّفسُ مَنسوبةٌ إلى الله، تَنفُذ بالجَسد في أَطوار الوجود. والجَسدُ زَوجٌ ماديٌّ يسكن الى النَّفسُ، كَما أن زوج النفس كتلة مادية كما الأَجسامُ تحمله الأَنعام والفُلك. والأَنعامُ بَدَنٌ ماديٌّ بأَدواتٍ مُبرمَجة، خاليةٌ من النَّفس الكَيانية الواعية، تَجري بقَوانينَ كَونيةٍ تَلائِم وَظائفها التي خُلِقَت لها. وتَسخيرُها للإنسان ـ كَما يَكشفه ﴿أَنزَلَ لكم من الأَنعام﴾ و﴿جَعَلَ لكم من الفُلك والأَنعام ما تَركَبون﴾ ـ سُنَّةٌ ربوبيةٌ تَجعَل الإنسانَ سَيّدَ الكائنات المَرئية في عالَم الشَّهادة، وحاكِمَ المُتَصَرّفين فيها.

ومن هذا التَّأسيس يُفهَم لمَ خَصَّ القرآنُ الإنسانَ بالتَّكليف، وبالنَّفس، وبتَحريم القَتل، وبالشَّهوة الواعية، وبالحِساب يَومَ القيامة. كلُّ ذلك بنيةٌ واحدةٌ متماسكةٌ، يَنتَظِم بَعضُها بَعضاً، وتَدور كلُّها حَول هذا الوعاء المعرفي الفَريد: النَّفس البَشَرية.

3.1.1.3مصدرُ النَّفس وكَينونتها

تَأَسَّسَ في القِسمَين السابقَين أَن النَّفسَ كَيانٌ معرفيٌّ واعٍ، خاصٌّ بالإنسان، وعاءٌ تُدرَج فيه المعرفةُ ويُكتَسَب فيه ما تَتَجَلَّى به في الحياة. ويَستحقّ هذا الكيانُ ـ بَعد تَبَيّن تَعريفه وخَصيصته ـ أَن يُستَقصى مصدرُه الذي انبَثَقَ منه، ومَجرى كَينونته في النَّوع البَشَري. وفي تَأَمّل آيات النَّفس بَعضها على بَعض، يَتَكَشَّف نَسَقٌ بنيويٌّ دَقيق يَستحقّ التَّأَنّي عند كلّ وَجهٍ من وُجوهه.

أَوَّلاً ـ آدمُ بَدايةُ النَّوع، ووعاءُ النَّفس في طَوره الأَوَّل

من أَوَّل ما يَلفِت في استقراء آيات آدم أَنها ـ في كلّ مَواضعها ـ تَدور حَول خَلقه وتَسويته ونَفخ الرُّوح فيه وتَعليمه الأَسماءَ، ثُمَّ سَكَنه في الجَنَّة ومَعصيته وتَوبته. لكنّها ـ في هذا كلِّه ـ لا تَنسِب إلى آدم لَفظَ «النَّفس». فالقرآنُ يَستَخدِم له «بَشَر» ـ ﴿إنّي خالقٌ بَشَراً من طين﴾ [ص 71] ـ و«آدم» اسماً، و«زَوجه» إشارةً إلى التَّكوين البَشَريِّ المُرافِق له، يَعيشان في تَكامُلٍ بَشَريٍّ يُؤَسّس عَليه ظُهورُ هذا النَّوع المُختار واندثارُ ما سِواه من البَشَريات. ولا يَستَخدِم له «نَفس» في أَيّ موضعٍ من هذه المَواضع.

ولَعَلَّ في تَأَمّل الخِطاب القُرآني لآدم ما يَكشف أَن «آدم» في هذه السِّياقات ليس اسمَ فَردٍ مُحَدَّد، بَل اسمَ نَوعٍ بَشَريٍّ بِدائي، يُخاطِب القرآنُ فيه كلَّ فَردٍ من هذا النَّوع بصيغة المُفرَد توَحيداً للخَبَر. ويَتَأَكَّد هذا بقَوله تعالى ﴿وإذ أَخَذَ رَبُّك من بَني آدمَ من ظُهورهم ذُرّيَّتَهم﴾ [الأعراف 172] ـ ﴿بَني آدم﴾ تَدلّ على المُنحَدِرين من النَّوع المُسَمَّى آدم، الذي تَفَوَّقَ على سائر البَشَريات واستَمَرَّ، فيما اندَثَرَت سائرُ النَّوعيات البَشَرية المُعاصِرة. ﴿من ظُهورهم﴾ في اللسان تَدلّ على التَّفَوّق والبُروز، لا على العُضو الجَسَدي.

ولَعَلَّ في هذا الغياب اللُّغوي ـ المُطَّرِد عَبر آيات آدم كلِّها ـ كَشفاً بنيوياً يَتَّسق مع طَبيعة النَّفس بوَصفها وعاءً معرفياً. فالنَّفسُ ـ كَوعاءٍ ـ مَوجودةٌ في الإنسان مع الخَلق الأَوَّل لآدم، لكنّ هذا الوعاءَ في طَوره الأَوَّل فارغٌ من المعرفة التي يُمكن أَن يُخاطَب بها بنَفسه. فالمُخاطَبةُ النَّفسيةُ تَستلزِم وعاءً ممتَلِئاً بما يَكفي لاستيعاب الخِطاب التَّجريدي. ولا تَكون النَّفسُ مَحَلَّ مُخاطَبةٍ ما دامَ وعاؤها فارغاً ـ كَما لا تُخاطَب صَحيفةٌ بَيضاء.

ولِذا يَنفي القرآنُ نِسبةَ «النَّفس» إلى آدم بلَفظها ـ ليس لأَن آدمَ بَلا نَفس، بَل لأَن نَفسَه في طَورها الأَوَّل لم تَبلُغ مَرتبةَ الامتلاء الذي يُؤَهّلها للمُخاطَبة بنَفسها. آدمُ ـ في هذا الطَّور ـ نَوعٌ بَشَريٌّ مَوهوبٌ وعاءَ النَّفس، يَتَأَسَّس فيه الوَعيُ تَدريجياً، اختاره الرَّبُّ من بَين البَشَريات ليَستَمِرَّ، وأَودَع فيه التَّأسيسَ الأَوَّليَّ للوَعي الذي يَتَراكَم في ذُرّيته لاحقاً.

ولَعَلَّ هذا ما يَكشفه قَولُه تعالى ﴿وإذ قال رَبُّك للمَلائكة إنّي خالقٌ بَشَراً من طين ۝ فإذا سَوَّيتُه ونَفَختُ فيه من رُوحي فقَعوا له ساجِدين﴾ [ص 71-72]. لاحَظَ النَّسَقُ يَنسِب هذا الخَلقَ كلَّه إلى «رَبُّك» ـ لا إلى الله. وليس ذلك من قَبيل الإطلاق أَو التَّبادُل، بَل من بنية التَّعَلّق بَين المَوضوع ومَقام النِّسبة. فما يَجري في الوجود من ضَبطٍ تَكويني وأَخلاقيٍّ اجتماعي ـ مَنسوبٌ إلى الرَّبّ، إذ هو شَأنُ الإدارة الوُجودية. وآدمُ ـ في تَأَسيسه ـ مَوضوعُ ضَبطٍ ربوبي: يَتَعَلَّم ما له وما عَليه في الوجود من سُلوكٍ وقِيَمٍ أَخلاقية، ويَدخُل الجَنَّةَ ويُخرَج منها بحَسَب طاعته لرَبّه ومَعصيته.

ولَعَلَّ ما يُعَضّد هذا أَن نَفخَ الرُّوح في آدم ـ يُقابِله في موضعٍ آخَر ﴿وعَلَّمَ آدمَ الأَسماءَ كلَّها﴾ [البقرة 31]. والتَّعليمُ هنا تَجريدٌ معرفيٌّ دُنيوي ـ تَعريفُ آدم بالمَوجودات في الوجود، إدراجٌ أَوَّليٌّ في وعاء نَفسه ـ كنواةٍ يَبتَدِئ منها التَّراكُمُ المعرفي. وهذا كلُّه شَأنٌ ربوبيٌّ في عالَم الإدارة الدُّنيوية، يَخدِم الضَّبطَ الاجتماعيَّ والأَخلاقيَّ الذي به يَنتَظِم الوجودُ البَشَريّ.

فآدمُ ـ في طَوره الأَوَّل ـ حامِلٌ لوعاء النَّفس ابتداءً، لكنّ هذا الوعاءَ في بداياته فارغٌ من المعرفة الكافية للمُخاطَبة بنَفسه. وما تَلَقّاه من نَفخ الرُّوح وتَعليم الأَسماء ـ نَواةُ هذا التَّأسيس، ربوبيُّ النِّسبة، يَخدِم بدايةَ الامتلاء الذي يَتَراكَم عَبر الأَجيال.

ثانياً ـ بُلوغُ الامتلاء في الذُّرّية والمُخاطَبةُ بالنَّفس

وأَوَّلُ ما يُخاطَب القرآنُ النَّفسَ بلَفظها ـ مَنسوبةً إلى البَشَر ـ يَكون في ذُرّية آدم لا في آدم نَفسه. يَقول تعالى ﴿وإذ أَخَذَ رَبُّك من بَني آدمَ من ظُهورهم ذُرّيَّتَهم وأَشهَدَهم على أَنفُسهم أَلستُ برَبّكم قالوا بَلى شَهِدنا أَن تَقولوا يَومَ القيامة إنا كُنّا عن هذا غافِلين﴾ [الأعراف 172].

لاحَظَ النَّسَقُ يَنسِب الأَخذَ إلى «رَبُّك»، والشَّهادةَ إلى ربوبية الله ﴿أَلستُ برَبّكم﴾ ـ ربوبيةٌ صَريحةٌ في كلّ مَوضع. ولَعَلَّ المُلاحَظَ الأَدَقّ أَن «الأَنفُس» هنا نُسِبَت إلى «ذُرّيَّتَهم»، لا إلى آدم. فالشَّهادةُ على النَّفس لم تَجرِ على آدم، بَل على الذُّرّيةِ اللاحقة التي بَلَغَ بها امتلاءُ الوعاء النَّفسي مَرتبةَ التَّأَهّل للمُخاطَبة ـ ذُرّيةٍ تَنتَمي إلى آدم نَسَباً مَصدرياً، حامِلةً منه خَصائصَه البَشَرية ووعاءَ نَفسه، وإن تَطَوَّرَت معرفياً ونَوعياً لتَبلُغ مَرتبةَ المُخاطَبة بالنَّفس.

وهذه الشَّهادةُ ـ في مَقامها الربوبيّ ـ ليست مُحادَثةً غَيبيةً وَقَعَت في عالَمٍ مَجهول، بَل مَرحلةٌ تاريخيةٌ معرفيةٌ في تَطَوّر الوَعي البَشَري. الذُّرّيةُ بَلَغَت ـ بَعد التَّأَهيل الذي بَدَأَ بآدم وتَراكَمَ عَبر الأَجيال ـ مَرتبةَ استيعاب مفهوم الرُّبوبية، فأَقَرَّت به قَبل أَن يَأتيها الرَّسولُ يَحمِل الرِّسالةَ من الله. وهذه المَرتبةُ مَرتبةُ امتلاءٍ نَفسيٍّ بطَبعها ـ لأَنها تَلَقٍّ معرفيٌّ تَجريديٌّ يَستوجِب وعاءً ممتَلِئاً يَستوعِب ويَشهَد.

ثالثاً ـ الامتلاءُ المُتَدَرّج للنَّفس

ويَتَّتِم هذا الفَهمُ بقَوله تعالى ﴿وهو الذي أَنشَأَكم من نَفسٍ واحدةٍ فمُستَقَرٌّ ومُستَودَع قَد فَصَّلنا الآياتِ لقَومٍ يَفقَهون﴾ [الأنعام 98]. ولَعَلَّ في اللَّفظ ﴿أَنشَأَكم﴾ كَشفاً بنيوياً يَتَّسق مع ما تَأَسَّسَ. فالإنشاءُ في اللسان تَكوينٌ مُتَدَرّج طَبَقياً ـ يُنشَأ البِناءُ طَبَقةً فَوقَ طَبَقة، يَأتي اللاحقُ على السابق فيُكَمّله ويَرتَفِع به. وهذا يَنسَجِم تَماماً مع ما لاحَظناه ـ أَن وعاءَ النَّفس لم يَمتَلِئ فَجأَةً في بَشَرٍ في زَمَنٍ مُحَدَّد، بَل امتَلَأَ تَدريجياً في ذُرّية آدم، طَبَقةً فَوقَ طَبقة، مُتَناغِماً مع تَطَوّر الوَعي البَشَري.

و«النَّفسُ الواحدة» التي يَتَكَلَّم عنها النَّصُّ ـ كَما تَأَسَّسَ في التَّمهيد ـ ليست كياناً مادياً يُستَنسَخ منه، بَل وَحدةُ طَبعٍ ووَحدةُ مَنبَع. كلُّ النُّفوس البَشَرية من جِنسٍ نَفسيٍّ واحد، طَبعُها واحد، مَنبَعُها واحدٌ مَنسوبٌ إلى الله. ومنه تَنبَثِق نُفوسٌ متَكاثرةٌ بَلا نَقصٍ في المَنبَع، إذ المعنويُّ يَتَكَثَّر بَلا انتقاص.

ويُعَضّد ذلك قَوله تعالى ﴿ما خَلقُكم ولا بَعثُكم إلا كنَفسٍ واحدةٍ إنَّ الله سَميعٌ بَصير﴾ [لقمان 28]. والآيةُ تَكشف ـ في وَجهٍ من وُجوهها ـ أَن خَلقَ النُّفوس وبَعثَها على البَشَر جميعاً كنَفسٍ واحدةٍ في النَّوع ـ من جِنسٍ نَفسيٍّ موَحَّد، وإن تَفَرَّدَت كلُّ نَفسٍ في كَسبها وتَجَلّيها.

ولَعَلَّ في هذه الوَحدة كَشفاً عن جَوهر النَّفس وطَبيعة مَنبَعها. فالنَّفسُ ـ في كَينونتها المعنوية ـ مَنبَعها العِلمُ الإلهيُّ الواحد. والعِلمُ في طَبعه يُوَحّد، والمعرفةُ في طَبعها تَنسَجِم ـ لوَحدة مَصدرها. ولِذا كانت النُّفوسُ موَحَّدةَ الطَّبع، متَّفِقةً في الجِنس النَّفسي. أَمّا البَشَريةُ ـ بمَصدرها المادي المُتَنَوّع ـ فمَحَلُّ تَفَرّدٍ واختلاف. كلُّ بَشَريٍّ بَصمتُه وهَويتُه وخَصائصُه التي لا تُشبه أَحَدٌ سِواه. ليس البَشَريُّ مَحَلَّ تَسويةٍ في المعرفة، بَل مَحَلُّ اختلافٍ في التَّكوين. فالعِلمُ يُوَحّد، والمعرفةُ تَنسَجِم لوَحدة مَصدرها الإلهي، والبَشَريةُ تَختَلِف وتَتَنَوَّع لسَعة مَصادرها وتَفَرّق خَصائصها.

أَمّا قَولُه ﴿فمُستَقَرٌّ ومُستَودَع﴾ ـ فيَكشف رِحلةَ النَّفس عَبر طَورَيها. المُستَقَرّ ـ مَوضعُ الاستقرار المُؤَقَّت في الحياة الدُّنيا، حَيث تَكتَسِب النَّفسُ وتَجتَهِد وتُختَبَر. والمُستَودَع ـ مَوضعُ الإيداع بَعد الوَفاة، عند الله، إلى يَوم الحِساب. وتَفصيلُ هذا يَأتي في موضعه من الفصل، عند الحديث عن الوَفاة والبَرزَخ والمَآل.

رابعاً ـ نِسبةُ النَّفس بَين الإلهي والرَّبوبي

ولَعَلَّ مما يَستحقّ التَّأَنّي في كَينونة النَّفس أَن نِسبتَها ـ في القرآن ـ ليست على وَتيرةٍ واحدة، بَل تَتَوَزَّع بَين الإلهي والرَّبوبي بحَسَب الجانب الذي يَتَكَلَّم عَنه النَّصّ. وهذه الثُّلاثيةُ ـ التي يَكشفها استقراءُ الآيات ـ تَستحقّ أَن تُؤَسَّس قاعدةً مَنهجيةً في فَهم النَّفس.

فالنَّفسُ ـ في مَنبَعها النَّوعيِّ المُطلَق ـ مَنسوبةٌ إلى الله. والنَّوعُ النَّفسيُّ الواحدُ الذي تَنبَثِق منه النُّفوسُ كلُّها ـ من المُطلَق الإلهي يَنبَعِث، بَلا أَن يَجري عَليه زَمنٌ أَو يَدخُل في تَكوينٍ مادي. وكَذلك مَآلُ النَّفس ـ ﴿الله يَتَوَفّى الأَنفُسَ﴾ [الزُّمَر 42] ـ نِسبةُ التَّوَفّي إلى الله، إذ الله مَآلُ النُّفوس ومُستَودَعُها بَعد الوَفاة، خارجَ جَريان الزَّمن الوُجودي.

أَمّا تَجَلّي النَّفس وتَدبيرُها في الوجود ـ فربوبيٌّ في كلّ وُجوهه. الإنشاءُ التَّكوينيُّ في الذُّرّية، الإدراجُ في الجَسد، التَّكاثُرُ والتَّوالُد، الضَّبطُ الأَخلاقيُّ الاجتماعي، الكَسبُ والاجتهاد، الحِسابُ على ما اكتَسَبَت في الدُّنيا ـ كلُّها شُؤونٌ ربوبيةٌ تَجري بسُنَن الرَّبّ التي تَحكُم عالَم الوجود.

أَمّا التَّلَقّي المعرفيُّ ـ فعَلى مَرتبتَين تَتَفاوَتان بحَسَب طَور امتلاء النَّفس:

المَرتبةُ الأُولى ـ ربوبية: في الطَّور الأَوَّل، يَمتَلِئ وعاءُ النَّفس بالضَّبط الأَخلاقيِّ والاجتماعي، وتَستوعِب مفهومَ الرُّبوبية. وهذا الطَّورُ يَمتَدّ من تَأَسيس آدم إلى ما قَبل أَوَّل رِسالةٍ إلهية. تَلَقٍّ ربوبيُّ النِّسبة، يَخدِم تَأَهيلَ النَّفس لمَرتبةٍ أَعلى.

المَرتبةُ الثانية ـ إلهية: بَعد بُلوغ النَّفس مَرتبةَ التَّأَهّل ـ ابتداءً من نوحٍ بوَصفه أَوَّلَ رَسولٍ يَحمِل رِسالةً من الله ـ تَدخُل النَّفسُ طَورَ التَّلَقّي الإلهي. تَتَلَقّى التَّجريدَ الأَعلى الذي يُعَرّفها بالله، وتَستوعِب القِيَمَ المُطلَقةَ التي تَتَعَدّى الضَّبطَ الاجتماعيَّ إلى الحَقّ في ذاته.

خامساً ـ تَمييزُ النِّسبة في آيات النَّفس

ولَعَلَّ في تَتَبُّع آيات الإنشاء والخَلق للنَّفس ما يَكشف هذه الثُّلاثية بنيوياً في النَّصّ. فحَيث يَكون الحديثُ عن النَّفس مِحوَراً، والجَسدُ تابعٌ جَعلٌ لاحق، تُنسَب الأَفعالُ إلى الله. وحَيث يَكون الحديثُ عن النَّفس والجَسد معاً كَوَحدةٍ واحدةٍ في السِّياق، يَنتَقِل النَّسَقُ إلى الرَّبّ.

من النَّوع الأَوَّل قَولُه تعالى ﴿وهو الذي أَنشَأَكم من نَفسٍ واحدةٍ فمُستَقَرٌّ ومُستَودَع﴾ [الأنعام 98]. النَّسَقُ يَدور حَول النَّفس وإنشائها، ويَنسِب الإنشاءَ إلى الله بالضَّمير ﴿هو﴾.

ومن مِثله قَولُه تعالى ﴿هو الذي خَلَقَكم من نَفسٍ واحدةٍ وجَعَلَ منها زَوجَها ليَسكُن إليها﴾ [الأعراف 189]. الآيةُ تَنسِب الخَلقَ إلى الله ـ ﴿هو الذي خَلَقَكم﴾ ـ مع ذِكر الزَّوج بصيغة ﴿وجَعَلَ منها﴾، فالنَّفسُ هي المِحوَر، والزَّوجُ جَعلٌ تَكويني تابع.

ومن مِثله قَولُه تعالى ﴿ما خَلقُكم ولا بَعثُكم إلا كنَفسٍ واحدةٍ إنَّ الله سَميعٌ بَصير﴾ [لقمان 28]. النَّسَقُ كلُّه حَول النَّفس ووَحدتها، والنِّسبةُ إلى الله مُباشَرةً.

ومن مِثله ـ في موضعٍ يَتَدَرَّج فيه السِّياق ـ قَولُه تعالى ﴿خَلَقَكم من نَفسٍ واحدةٍ ثُمَّ جَعَلَ منها زَوجَها وأَنزَلَ لكم من الأَنعام ثَمانيةَ أَزواجٍ يَخلُقُكم في بُطون أُمَّهاتكم خَلقاً من بَعد خَلقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلكم الله رَبُّكم له المُلك لا إله إلا هو فأَنّى تُصرَفون﴾ [الزُّمَر 6]. ابتَدَأَ النَّسَقُ من النَّفس، ثُمَّ تَدَرَّجَ إلى الجَسد، ثُمَّ إلى الأَنعام، ثُمَّ إلى التَّكوين الجَنيني ـ فلَمّا اتَّسَعَ النَّسَقُ إلى الوُجود كلِّه، ختمت الآيةُ بـ﴿ذلكم الله رَبُّكم﴾، تَجمَع الاسمَين معاً بحَسَب ما اتَّسَعَ السِّياقُ.

أَمّا من النَّوع الثاني ـ حَيث الحديثُ عن النَّفس والجَسد كَوَحدةٍ واحدةٍ ـ فقَولُه تعالى ﴿يا أَيُّها الناسُ اتَّقوا رَبَّكم الذي خَلَقَكم من نَفسٍ واحدةٍ وخَلَقَ منها زَوجَها وبَثَّ منهما رِجالاً كَثيراً ونِساءً واتَّقوا الله الذي تَساءَلون به والأَرحامَ إنَّ الله كان عَليكم رَقيباً﴾ [النساء 1]. السِّياقُ يَدور حَول التَّكاثُر، الرِّجال والنِّساء، الأَرحام، التَّساؤل المُجتَمَعي ـ شُؤونٌ ربوبيةٌ تَحكُم الوجودَ الدُّنيوي. ولِذا ابتَدَأَت الآيةُ ﴿اتَّقوا رَبَّكم﴾، إذ المِحوَرُ ضَبطٌ ربوبيٌّ للنَّفس والجَسد معاً، وللعَلاقات الاجتماعية التي تَنشأ منهما.

سادساً ـ خُلاصةُ الكَينونة

ومن مَجموع هذه القَرائن، يَتَأَسَّس أَن النَّفسَ كَيانٌ مُرَكَّبٌ في تَدبيره، يَنتَظِم على هذا النَّحو:

في مَنبَعها النَّوعي ـ مَنسوبةٌ إلى الله، إذ النَّوعُ النَّفسيُّ الواحدُ من المُطلَق الإلهي يَنبَعِث، خارجَ جَريان الزَّمن. وفي تَجَلّيها الوُجودي ـ ربوبيُّ الإدارة في كلّ شُؤونه (الإنشاءُ، الامتلاءُ، التَّكاثُرُ، الضَّبطُ، التَّكليفُ، الحِساب). وفي تَلَقّيها المعرفي ـ يَتَوَزَّع بَين الرَّبوبي (في الطَّور الأَوَّل قَبل الرِّسالات) والإلهي (بَعد التَّأَهّل، ابتداءً من نوحٍ). وفي مَآلها بَعد الوَفاة ـ مَنسوبةٌ إلى الله ﴿الله يَتَوَفّى الأَنفُسَ﴾، تَنفَصِل عن زَوجها الجَسَدي وتَعود إلى المُطلَق إلى يَوم الحِساب.

ومنه يُفهَم لمَ خَصَّ القرآنُ الإنسانَ بالنَّفس، وبالتَّكليف، وبالحِساب يَومَ القيامة. كلُّ ذلك بنيةٌ واحدةٌ متماسكةٌ، يَدور بَعضُها على بَعض، وتَجتَمِع كلُّها حَول هذا الوعاء المعرفيِّ الفَريد الذي وُهبَ لآدم ابتداءً، وامتَلَأَ تَدريجياً في ذُرّيته، ليَكون مَوضعَ الكَسب والمَسؤولية في الوجود.

3.1.1.4إنشاءُ النَّفس في الجَسد

تَأَسَّسَ في القِسم السابق أَن النَّفسَ في مَنبَعها مَنسوبةٌ إلى الله، وأَن وعاءَها امتَلَأَ تَدريجياً في ذُرّية آدم عَبر الأَجيال. ويَستحقّ ـ بَعد تَبَيّن المنبَع في النَّوع ـ أَن يُتَأَنّى في إنشاء النَّفس في الفَرد، إذ كلُّ مَولودٍ بَشَريٍّ يَخرُج إلى الوجود نَفساً وجَسداً متَلازِمَين. ويَكشف القرآنُ هذا الإنشاءَ في سياقَين متَتالِيَين: التَّكوينُ الجَسَدي المُتَدَرّج، وتَغَشّي الجَسد للنَّفس عَبر فَترة الحَمل.

أَوَّلاً ـ التَّكوينُ الجَسَدي المُتَدَرّج

يَكشف القرآنُ أَن تَكوينَ الجَسد ليس حَدَثاً لَحظياً، بَل عَمليةٌ تَتَدَرَّج عَبر مَراحلَ مُتَتالية. يَقول تعالى ﴿ولقَد خَلَقنا الإنسانَ من سُلالةٍ من طين ۝ ثُمَّ جَعَلناه نُطفةً في قَرارٍ مَكين ۝ ثُمَّ خَلَقنا النُّطفةَ عَلَقةً فخَلَقنا العَلَقةَ مُضغةً فخَلَقنا المُضغةَ عِظاماً فكَسَونا العِظامَ لَحماً ثُمَّ أَنشَأناه خَلقاً آخَرَ فتَبارَكَ الله أَحسَنُ الخالِقين﴾ [المؤمنون 12-14].

ولَعَلَّ في لَفظ ﴿ثُمَّ﴾ بَين كلّ مَرحلتَين ما يَكشف امتداداً زَمنياً لا تَتابُعاً لَحظياً. والمَراحلُ في ذاتها تَكشف تَدَرّجاً نَوعياً: السُّلالةُ من الطين (أَصلُ المادة)، النُّطفةُ في القَرار المَكين (انتقالٌ إلى الرَّحم)، العَلَقةُ (تَعَلّقٌ بجِدار الرَّحم)، المُضغةُ (كَتلةٌ تَتَكَوَّن)، العِظامُ (هَيكَلٌ يَتَأَسَّس)، اللحَمُ يَكسو العِظامَ (اكتمالُ البِنية الجَسَدية). ثُمَّ ـ بَعد كلّ هذا ـ ﴿ثُمَّ أَنشَأناه خَلقاً آخَر﴾ ـ نَقلةٌ نَوعيةٌ تَتَجاوَز التَّكوينَ المادي، تَجعَل من المَخلوق إنساناً مُتَكامِلاً.

ويَتَّتِم هذا التَّدَرّج بقَوله تعالى ﴿يَخلُقُكم في بُطون أُمَّهاتكم خَلقاً من بَعد خَلقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاث﴾ [الزُّمَر 6]. والظُّلُماتُ الثَّلاثُ ـ في وَجهٍ من وُجوهها ـ مَستويات من التَّكوين المادي المُتَدَرّج، ربَّما تَتَضَمَّن مَراحلَ تَطَوّريةً سَبَقَت الهَيئةَ البَشَرية الحالية، لا يُدرِكها الإنسانُ في وَعيه الحاضر. ويُعَضّد ذلك قَوله ﴿وقَد خَلَقَكم أَطواراً﴾ [نوح 14] ـ الأَطوارُ تَكشف التَّدَرّج لا اللَّحظية.

ثانياً ـ تَغَشّي الجَنين للنَّفس عَبر فَترة الحَمل

ولَعَلَّ مما يَستحقّ التَّأَنّي الدَّقيق ـ آيةٌ بَديعةٌ تَكشف التقاءَ النَّفس بالجَسد في طَور الحَمل. يَقول تعالى ﴿هو الذي خَلَقَكم من نَفسٍ واحدةٍ وجَعَلَ منها زَوجَها ليَسكُن إليها فلَمّا تَغَشّاها حَمَلَت حَملاً خَفيفاً فمَرَّت به فلَمّا أَثقَلَت دَعَوا الله رَبَّهما لَئن آتَيتَنا صالحاً لنَكونَنَّ من الشاكِرين﴾ [الأعراف 189].

ولا تَخصّ هذه الآيةُ ـ كَما يَكشف الاستقراءُ ـ قصة آدمَ وزَوجَه المنسوبة زورا للآية، بَل تَجري على كلّ مَولودٍ بَشَريّ على الإطلاق. ويَدلّ على عُمومها أَن «النَّفس» فيها مُؤَنَّثة، و«زَوجَها» مُذَكَّر ـ وهذا لا يَنطَبِق على آدمَ (المُذَكَّر) وحَواءَ (المُؤَنَّثة) في التَّفسير السائد. والتَّحريرُ الأَدَقّ يَكشف أَن النَّفسَ هي المُؤَنَّثة، وزَوجَها (الجَسد) هو المُذَكَّر ـ والمَولودُ يَتَكَوَّن من اتّحادهما.

ولَعَلَّ مِفتاحَ هذه الآية في تَأَمّل ﴿فلَمّا تَغَشّاها﴾. واللَّفظُ يَدلّ في اللسان على التَّغطية من خارج ـ كَما في ﴿وتَغشى وُجوهَهم النار﴾ [إبراهيم 50]، وكَما في ﴿أَو كَظُلُماتٍ في بَحرٍ لُجّيٍّ يَغشاه مَوجٌ من فَوقه مَوج﴾ [النور 40]. والفاعلُ في ﴿تَغَشّاها﴾ هو زَوجُها ـ أَي الجَسد، والمَفعولُ ضَميرُ النَّفس.

ولَعَلَّ في دِقَّة هذا اللَّفظ كَشفاً بنيوياً جَوهرياً: الذي يَنمو هو الذي يُغَشّي، والمَغشيُّ هي النَّفس. فالجَسدُ الجَنينيُّ ـ في نُمُوّه التَّدريجي عَبر فَترة الحَمل ـ يَتَكَوَّن من حَول النَّفس، يَلتَفّ عَليها، يَغطّيها كالغَشاء، حتى يَكتَمِل تَكَوّنه فيَكون قَد تَغَشّاها تَغطيةً كامِلة. والنَّفسُ هي الأَصلُ المَحفوظ، والجَسدُ هو الجَعلُ التابع الذي يَنمو حَولها.

ويَتَّسق هذا مع ﴿ليَسكُن إليها﴾ ـ الجَسدُ يَسكُن إلى النَّفس، لا النَّفسُ تَسكُن إلى الجَسد. فالنَّفسُ هي المَحَلُّ المَهيمن، والمصدرُ المَنبَعي، والجَسدُ تابعٌ يَسكُن إليها ويَتَغَشّاها. ويَتَّسق كَذلك مع ﴿وجَعَلَ منها زَوجَها﴾ ـ الجَسدُ مَجعولٌ مِن النَّفس، أَي أَنه يَتَلاءَم مع طَبيعتها ويَكون لها زَوجاً تَكوينياً يَنسَجِم معها.

ثالثاً ـ ﴿حَمَلَت حَملاً خَفيفاً فمَرَّت به﴾

ثُمَّ يَكشف النَّسَقُ ما يَلي التَّغَشّي: ﴿حَمَلَت حَملاً خَفيفاً فمَرَّت به﴾. والفاعِلةُ ـ بدِقَّة الضَّمير ـ هي النَّفسُ التي حَمَلَت زَوجَها الذي تَغَشّاها. وهي تَحمِله حَملاً خَفيفاً، إذ الجَسدُ في طَوره الأَوَّل بَلا مَرَضٍ ولا هَرَم، فلا يُثقِل على النَّفس. والمُرورُ بسَلاسةٍ كَمَرّ السَّحاب ـ يَكشف انسجامَ النَّفس بحَملها في طَور النَّماء والسَّلامة.

ولَعَلَّ في صيغة ﴿فمَرَّت به﴾ كَشفاً لَطيفاً يَستحقّ التَّأَنّي. فالمُرورُ في ذاته يَدلّ على انتقالٍ مُؤَقَّت، لا انتماءٍ عُضويٍّ متَلازم. وهذا يَكشف أَن انتماء النَّفس للجَسد ليس انتماءً عُضوياً نِهائياً، بَل انتماءُ مُرورٍ يَستمِرّ في الدُّنيا فَحَسب. النَّفسُ تَمُرّ بحَملها (الجَسد) ـ كَما يَمُرّ المُسافِر بمَنزِلٍ ـ ثُمَّ تَنفَصِل عَنه عند الوَفاة، فتَعود إلى رَبّها، ويَتَحَلَّل الجَسدُ في الأَرض كَأَصله الانتمائي الأَوَّل.

رابعاً ـ ﴿فلَمّا أَثقَلَت دَعَوا الله رَبَّهما﴾

ثُمَّ يَنتَقِل النَّسَقُ إلى مَرحلةٍ أَخرى: ﴿فلَمّا أَثقَلَت دَعَوا الله رَبَّهما لَئن آتَيتَنا صالحاً لنَكونَنَّ من الشاكِرين﴾. والفاعِلةُ في ﴿أَثقَلَت﴾ ـ بدِقَّة الضَّمير ـ هي النَّفس نَفسُها التي حَمَلَت زَوجَها حَملاً خَفيفاً ومَرَّت به. فبَعد طَور النَّماء والسَّلامة، يَأتي طَورٌ آخَر تَثقُل فيه النَّفسُ بحَملها، فيَنتَقِل النَّسَقُ من الخِفَّة إلى الثِّقَل. والإثقالُ في هذه المَرحلة ليس فَترةَ الإنجاب، بَل ثِقَلُ الحياة الدُّنيا بَعد طَور النَّماء والسَّلامة.

ولَعَلَّ في الجَمع بَين ﴿أَثقَلَت﴾ والدُّعاء بصيغة المُثَنّى ﴿دَعَوا الله رَبَّهما﴾ كَشفاً يَتَّسق مع ما تَأَسَّسَ. الإثقالُ يَجتَمِع على النَّفس وزَوجها معاً: النَّفسُ تَثقُل بالذُّنوب والهُموم والمَعاصي التي تُكتَسَب في الحياة، والجَسدُ يَثقُل بالهَرَم والضَّعف والمَرض. ولأَن الإثقالَ يَشمَلهما معاً، جاء الدُّعاءُ بصيغة المُثَنّى ـ يَتَوَجَّهان إلى رَبّهما طالبَين الصَّلاح، النَّفسُ صَلاحاً من ذُنوبها وهُمومها، والجَسدُ صَلاحاً من ضَعفه ومَرَضه.

ويُعَضّد هذا الفَهمَ شاهدٌ نَصّيٌّ قاطع في قَوله تعالى ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزرَ أُخرى وإن تَدعُ مُثقَلَةٌ إلى حِملها لا يُحمَل منه شَيءٌ﴾ [فاطر 18]. فالقُرآنُ يَستَخدِم لَفظَ «الإثقال» في النَّفس بمعنى ثِقَل الذُّنوب والأَوزار، لا بمعنى التَّكوين الجَنيني. والآيتان تَشتَركان في النِّسبة ذاتها ـ النَّفسُ هي المُثقَلَةُ بما تَكتَسِب، تَدعو طالبةً الصَّلاحَ والمَخرَج.

خامساً ـ القرآنُ مَثاني ـ الوَجهان المتَلائمان في الآية

ولَعَلَّ مما يَستحقّ التَّأسيسَ هنا مَنهجاً قُرآنياً جَوهرياً يَتَكَشَّف في هذه الآية. فالقُرآنُ ـ كَما يَكشف عن نَفسه ـ مَثاني، آياتُه ذاتُ طَبَقاتِ معانٍ متَشابهة، تَنطَبِق على وُجوهٍ متَلائمةٍ لا متَناقِضة. والمُطابَقةُ بَين المَفهوم والنَّصّ هي الحاكمةُ ـ كلَّما كان المَفهومُ متَلائماً مع اللَّفظ، صَحَّ التَّأويلُ في موضعه.

وفي آية الأَعراف 189 يَتَجَلَّى هذا المَنهج بوُضوح. فالآيةُ تَحتَمِل وَجهَين متَلائمَين:

الوَجهُ الأَوَّل ـ في رِحلة الحَمل: التَّغَشّي تَكَوّنُ الجَنين تَدريجياً، الحَملُ الخَفيف في الأَشهُر الأُولى، المُرورُ بسَلاسة، الإثقالُ في الأَشهُر الأَخيرة، الدُّعاءُ بمَولودٍ صالح.

الوَجهُ الثاني ـ في رِحلة الحياة كلِّها: التَّغَشّي اتّحادُ النَّفس بالجَسد، الحَملُ الخَفيف الطُّفولةُ والشَّباب، المُرورُ بسَلاسةٍ في طَور السَّلامة، الإثقالُ بالذُّنوب والهُموم والأَمراض في طَور الكَهولة والشَّيخوخة، الدُّعاءُ بصَلاحٍ في الحياة كلِّها.

والوَجهان لا يَتَناقَضان ـ بَل يَتَكامَلان. والاستخلاصُ من كلَيهما يَخدِم القارئَ في موضعَين: في فَهم إنشاء النَّفس في الجَسد (مَوضعُ هذا الفصل)، وفي فَهم رِحلة النَّفس في الحياة الدُّنيا (في موضعه اللاحق).

سادساً ـ ﴿ثُمَّ أَنشَأناه خَلقاً آخَر﴾

ولَعَلَّ في قَوله تعالى ﴿ثُمَّ أَنشَأناه خَلقاً آخَر﴾ [المؤمنون 14] ـ بَعد عَرض مَراحل التَّكوين الجَسَدي ـ ما يَكشف تَفَرّدَ الجَسد المادي لكلّ مَولود. فالسِّياقُ كلُّه ـ من السُّلالة إلى النُّطفة والعَلَقة والمُضغة والعِظام واللحَم ـ مُتَعَلَّقُه التَّكوينُ المادي للجَسد. والخَلقُ الآخَر في خاتمة النَّسَق يَنتَمي إلى النَّوع المادي ذاته، لكنّه يَكشف بُعداً جَوهرياً: أَن كلَّ مَولودٍ خَلقٌ آخَرُ مُتَفَرّدٌ في ذاته، لا يُماثل ما سَبَقه ولا ما يَلحَقه في خَصائصه الماديةِ الدَّقيقة.

ولَعَلَّ في هذا التَّفَرّد كَشفاً عن بَديع خَلق الله. فكلُّ جَسدٍ يَحمِل بَصمتَه التي لا تَتَشابه مع غَيرها، ووَجهَه الذي يُمَيّزه، وتَركيبتَه الخِلقيةَ المُتَفَرّدة. ولَولا هذا التَّمَيّز والتَّفَرّد في الخَلق ـ كلُّ مَولودٍ خَلقٌ آخَرُ ـ لما أَمكَنَ علومُ النَّسَب والأَجِنَّة والأَنسجة والبَصمات أَن تَقوم وتَخدِم الإنسانية في الطِّبّ والقَضاء وتَمييز الأَنساب.

ويَتَّسق هذا التَّفَرّدُ الخِلقيُّ مع ما تَأَسَّسَ في القِسم السابق ـ أَن البَشَريةَ تَختَلِف وتَتَنَوَّع لسَعة مَصادرها وتَفَرّق خَصائصها، خِلافَ النُّفوس التي تَتَّحِد في طَبعها لوَحدة مَصدرها الإلهي. فآيةُ المؤمنون 14 تَكشف ـ في ﴿خَلقاً آخَر﴾ ـ التَّفَرّدَ المادي الذي يَجعَل من كلّ مَولودٍ كياناً مُتَمَيّزاً خِلقياً، يَحمِل خَصائصَه التي لا تُشاركه فيها نَفسٌ أُخرى وإن اشتَرَكوا في النَّوع البَشَري.

سابعاً ـ زَوجُ النَّفس الجَسد ـ آياتُ الأَزواج

ويَتَأَكَّد هذا الفَهمُ بمَجموع آيات الأَزواج التي تَكشف ـ بنيوياً ـ أَن الجَسدَ زَوجُ النَّفس التَّكويني، لا أَن الزَّوجَ يَخصّ الذَّكَر والأُنثى تَخصيصاً. يَقول تعالى ﴿وإذا النُّفوسُ زُوّجَت﴾ [التكوير 7] ـ وهذه الآيةُ في سياقها العامّ تَكشف زَوجيةَ النَّفس بالجَسد عند البَعث. ويَقول ﴿ادخُلوا الجَنَّةَ أَنتُم وأَزواجُكم تُحبَرون﴾ [الزخرف 70] ـ والخِطابُ مُطلَقٌ يَتَّسق مع زَوجية النَّفس بالجَسد، لا الزَّوجة بالزَّوج، إذ لا يَدخُل الجَنَّةَ زَوجاتُ الكَفَرَة وأَزواجُ الكافِرات.

ويَقول ﴿وخَلَقناكم أَزواجاً﴾ [النبأ 8] ـ والآيةُ مُطلَقةٌ تَكشف أَن كلَّ بَشَريٍّ نَفسٌ وجَسد، لا أَن البَشَر مُوَزَّعون ذُكوراً وإناثاً بالتَّساوي، إذ الواقعُ يَكشف خِلاف هذا. ويَقول ﴿احشُروا الذين ظَلَموا وأَزواجَهم وما كانوا يَعبُدون﴾ [الصافات 22] ـ المَقصودُ حَشرُ الظالمين بأَجسادهم، لا حَشرُ أَزواجهم المُؤمِنات (إذ لا تُحشَر امرأَةُ فِرعَون مع فِرعَون).

ولَعَلَّ في هذه الآيات مَجموعةً ما يَكشف بنيةً جَوهرية: الزَّوجيةُ في القرآن ـ في وَجهٍ أَصيلٍ منها ـ بَين النَّفس والجَسد، لا بَين الذَّكَر والأُنثى تَخصيصاً. والزَّوجُ الجَسَدي للنَّفس هو ما يُلازِمها في الدُّنيا، يَتَغَشّاها في الرَّحم، يَسكُن إليها في الحياة، يَنفَصِل عنها عند الوَفاة.

ثامناً ـ الجَسدُ الدُّنيوي والجَسدُ الأُخروي ـ بنيةُ الجَسدَين

ولَعَلَّ مما يَتَّتِم هذا التَّأسيسَ كَشفاً بنيوياً جَوهرياً عن عَلاقة النَّفس بالأَجساد. فالنَّفسُ ـ كَما تَأَسَّسَ ـ تَمُرّ بالجَسد الدُّنيوي مَرّاً، تَلازِمه في الحياة، ثُمَّ تَنفَصِل عَنه عند الوَفاة، فيَتَحَلَّل الجَسدُ في الأَرض كَأَصله الانتمائي الأَوَّل ﴿منها خَلَقناكم وفيها نُعيدُكم ومنها نُخرِجُكم تارةً أُخرى﴾ [طه 55].

وفي الآخرة ـ عند البَعث ـ تَلبَس النَّفسُ جَسداً جَديداً يُلائم طَبيعةَ الأَبدية، لا الجَسدَ الدُّنيوي الذي تَحَلَّل. ويَكشف هذا قَوله تعالى ﴿أَفعَيينا بالخَلق الأَوَّل بَل هم في لَبسٍ من خَلقٍ جَديد﴾ [ق 15]. والآيةُ تُمَيّز صَريحاً بَين «الخَلق الأَوَّل» (الجَسدُ الدُّنيوي) و«الخَلق الجَديد» (الجَسدُ الأُخروي).

ولَعَلَّ في لَفظ ﴿لَبسٍ﴾ لَطافةً تَحتَمِل وَجهَين متَلائمَين كَذلك ـ على قاعدة المَثاني التي حَرَّرناها. فاللَّفظُ يَحتَمِل:

اللَّبسَ بمعنى الالتباس والشَّكّ ـ المُنكِرون في التباسٍ من حَقيقة الخَلق الجَديد

اللُّبسَ بمعنى الكِسوة ـ النَّفسُ تَلبَس خَلقاً جَديداً (جَسداً أُخروياً يُلائم الأَبدية)

والمعنيان متَلائمان: المُنكِرون في التباسٍ من حَقيقة ما سَيَكون، والحَقيقةُ أَن النَّفسَ سَتَلبَس جَسداً جَديداً. ويُعَضّد ذلك قَوله تعالى ﴿أَوَلَيس الذي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرضَ بقادرٍ على أَن يَخلُقَ مِثلَهم بَلى وهو الخَلَّاقُ العَليم﴾ [يس 81] ـ ﴿مِثلَهم﴾ تَكشف أَن الخَلقَ الجَديد مُماثلٌ لا مُطابق، جَسدٌ جَديد يُماثل الجَسدَ الأَوَّل في كَونه جَسداً، لكنّه يُلائم عالَماً مُختَلِفاً.

تاسعاً ـ خُلاصةُ الإنشاء

ومن مَجموع هذه القَرائن، يَتَأَسَّس أَن إنشاءَ النَّفس في الجَسد يَنتَظِم على هذا النَّحو:

النَّفسُ ـ الأَصلُ المَحفوظُ المنبَعُ ـ تُهَيَّأ لها كَتلةٌ ماديةٌ تَتَكَوَّن في الرَّحم تَدريجياً (سُلالة، نُطفة، عَلَقة، مُضغة، عِظام، لحَم) بخَصائصَ مُتَفَرّدةٍ تَجعَل من كلّ مَولودٍ خَلقاً آخَرَ يَنفَرِد بهَويَّته الخِلقية. وعَبر فَترة الحَمل، يَتَغَشّى الجَسدُ الجَنينيُّ النامي النَّفسَ، يَلتَفّ حَولها، يَسكُن إليها. والنَّفسُ ـ في موَازاة هذا التَّغَشّي ـ تَحمِله حَملاً خَفيفاً وتَمُرّ به بسَلاسةٍ في طَور النَّماء. حتى إذا اكتَمَل التَّغَشّي عند الوِلادة، خَرَج المَخلوقُ إلى الوُجود إنساناً مُتَكامِلاً، نَفساً متَّحِدةً بجَسدٍ مُتَفَرّد.

والنَّفسُ ـ في انتمائها للجَسد الدُّنيوي ـ تَمُرّ به مَرّاً، لا اتّحاداً نِهائياً. تُلازِمه في الحياة، تَكتَسِب فيه ما يَثقُل عَليها من ذُنوبٍ ويَثقُل عَلى جَسدها من هَرَمٍ ومَرَض. ثُمَّ يَأتي طَورُ الانفصال عند الوَفاة ـ تَعود النَّفسُ إلى رَبّها، ويَنحَلّ الجَسدُ في الأَرض. ثُمَّ ـ في الآخرة ـ تَلبَس النَّفسُ جَسداً جَديداً يُلائم الأَبدية، تَستَأنف به مَجراها الأَبَدي في الجَنَّة أَو في النار.

وهذا التَّأسيسُ يُمَهّد ـ بنيوياً ـ لما يَلي من فُصول الفصل: النَّفسُ في الحياة الدُّنيا (طَور الكَسب والمَسؤولية)، ثُمَّ الوَفاةُ والبَرزَخ (انفصالُ النَّفس عن جَسدها الأَوَّل ومُستَودَعُها عند الله)، ثُمَّ يَومُ الحِساب (لبسُ الجَسد الجَديد، والوُقوف بَين يَدَي الرَّبّ).

3.1.1.5النَّفسُ في الحياة الدُّنيا

تَأَسَّسَ في القِسم السابق أَن النَّفسَ تَخرُج إلى الوُجود نَفساً وجَسداً متَلازِمَين، بَعد أَن يَتَغَشّاها الجَسدُ الجَنينيُّ عَبر فَترة الحَمل. ويَستحقّ ـ بَعد تَبَيّن إنشائها في الجَسد ـ أَن يُتَأَنّى في طَور حَياتها الدُّنيوية، إذ هذا الطَّورُ هو موضعُ كَسبها واجتهادها، ومَحَلُّ تَجَلّياتها التي بها تَتَقَرَّر مَآلاتُها. والقرآنُ يَكشف هذا الطَّورَ بوُجوهٍ متَتاليةٍ، تَستحقّ التَّأَنّي عند كلّ وَجهٍ منها.

أَوَّلاً ـ الدُّنيا مُستَقَرٌّ للنَّفس

تَأَسَّسَ في القِسم السابق ما حَرَّرَه قَولُه تعالى ﴿وهو الذي أَنشَأَكم من نَفسٍ واحدةٍ فمُستَقَرٌّ ومُستَودَع﴾ [الأنعام 98] ـ أَن المُستَقَرّ مَوضعُ الاستقرار المُؤَقَّت في الحياة الدُّنيا. ولَعَلَّ في لَفظ «المُستَقَرّ» كَشفاً لطَبيعة الحياة الدُّنيا في حَقّ النَّفس. فالقَرارُ في اللسان يَدلّ على الثَّبات المُؤَقَّت، لا على الثَّبات الأَبَدي. والنَّفسُ في الدُّنيا تَستَقِرّ ـ تَلازِم جَسدَها، تَنشَط فيه، تَكتَسِب به ـ لكنّ هذا الاستقرار مَحدودٌ بأَجَلٍ مُسَمّى، يَنتَهي بالوَفاة.

ولِذا يَنبَغي أَن تُفهَم الحياةُ الدُّنيا في حَقّ النَّفس ـ ليست هي مَجراها الكامل، بَل موضعُ كَسبها الذي يَنبَني عَليه ما يَلي. الدُّنيا للنَّفس كَالحَقل للزَّرع ـ تُمَهَّد، تُسقى، تُعتَنى بها، لكنّ ثَمَرتَها تُجنى في موضعٍ آخَر. والاستقرارُ المُؤَقَّت يَستوجِب أَن تُستَخدَم هذه الفُرصةُ بما يَخدِم المآل.

ثانياً ـ النَّفسُ مَحَلُّ الكَسب والتَّكليف

ولَعَلَّ من أَبرَز ما يُمَيّز النَّفسَ في الحياة الدُّنيا أَنها مَحَلُّ الكَسب والمَسؤولية. والقرآنُ يَنسِب الكَسبَ صَريحاً إلى النَّفس، لا إلى الجَسد. يَقول تعالى ﴿لا يُكَلّفُ الله نَفساً إلا وُسعَها لها ما كَسَبَت وعَليها ما اكتَسَبَت﴾ [البقرة 286]. ويَقول ﴿كلُّ نَفسٍ بما كَسَبَت رَهينة﴾ [المدثر 38]. ويَقول ﴿لتُجزى كلُّ نَفسٍ بما كَسَبَت﴾ [إبراهيم 51].

ولَعَلَّ في هذه النِّسبة المُطَّرِدة كَشفاً بنيوياً جَوهرياً ـ أَن الكَسبَ يَتَّحِد بالنَّفس لا بالجَسد. فالجَسدُ آلةٌ تابعةٌ، أَمّا الكَسبُ الحَقيقي ـ ما يُحاسَب عَليه الإنسان ـ فيَتَجَمَّع في النَّفس. ولِذا تَكون النَّفسُ في الحياة الدُّنيا مَوضعَ التَّكليف ـ هي التي تُكَلَّف، وهي التي تَكتَسِب، وهي التي تَحمِل ما اكتَسَبَته.

ومن هذا الفَهم، يُفهَم لِمَ تَكون الحياةُ الدُّنيا مَوضعَ الاختبار. النَّفسُ ـ التي خَرَجَت إلى الوُجود وعاءً ممتَلِئاً بما يَكفي للوَعي الأَوَّلي ـ تَدخُل طَورَ الكَسب الإراديّ: تَختار، تَجتَهِد، تَتَلَقّى، تُلائم، تُهَذّب، أَو تُهمِل. وكلُّ ما تَفعَله يَتَراكَم في وعائها، يَصير جُزءاً من كَينونتها التي تُحاسَب عَليها.

ثالثاً ـ تَجَلّياتُ النَّفس بَين الأَمّارة واللَّوّامة

وقَد تَأَسَّسَ في موضع التَّعريف أَن النَّفسَ في الحياة الدُّنيا تَتَجَلَّى في حالَين رَئيسَين بحَسَب ما يَجري في وعائها من كَسب: الأَمّارة ـ وهي حالُ النَّفس التي يَبقى وعاؤها في فَراغٍ معرفيٍّ ضارّ، تَأمُر بالسُّوء لانكشاف الغَرائز بَلا غِطاء، كَما يَكشف قَولُه تعالى ﴿إنَّ النَّفسَ لأَمّارةٌ بالسُّوء﴾ [يوسف 53]. واللَّوّامة ـ وهي حالُ النَّفس في طَور الصَّقل، تَلوم صاحبَها على ما يَقصُر فيه، تَدفَعه إلى الاستِكمال، كَما يَكشف قَولُه ﴿ولا أُقسِم بالنَّفس اللَّوّامة﴾ [القيامة 2].

والحالان متَدافِعان في النَّفس الواحدة عَبر مَجراها الدُّنيوي. النَّفسُ في طَور تَأَسيسها قَد تَكون أَمّارةً بسَبَب الفَراغ المعرفي، ثُمَّ تَنتَقِل إلى لَوّامةٍ حَين يَبدأ الكَسبُ المعرفيُّ يَدخُل وعاءَها، ثُمَّ قَد تَنتَكِس فتَعود أَمّارةً، ثُمَّ تَتَزَكّى فتَلوم، في تَدافُعٍ مُستَمِرٍّ يُلازِم النَّفسَ ما دامَت في الدُّنيا. ولا يَنفَكّ هذا التَّدافُعُ إلا عند الوَفاة، حَيث يَستَقِرّ مَآلُ النَّفس بحَسَب الغالب من حالَيها.

رابعاً ـ آليةُ الكَسب في النَّفس

ولَعَلَّ مما يَستحقّ التَّأَنّي ـ كَيف يَجري الكَسبُ في النَّفس. وقَد تَأَسَّسَ في القِسم الأَوَّل أَن النَّفسَ وعاءٌ معرفي، وأَن الفُجورَ والتَّقوى يَتَجَلَّيان فيها بحَسَب ما يَمتَلِئ به الوعاء. ويَكشف القرآنُ هذه الآليةَ في غايةٍ من الإحكام في قَوله تعالى ﴿ونَفسٍ وما سَوّاها ۝ فأَلهَمَها فُجورَها وتَقواها ۝ قَد أَفلَحَ مَن زَكّاها ۝ وقَد خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس 7-10].

ولَعَلَّ في تَتَبّع هذه الآيات كَشفاً بنيوياً دَقيقاً. فالنَّفسُ في تَسويتها الأُولى ـ أَي في طَور خُروجها إلى الوُجود ـ تَحمِل قابليتَين: الفُجورَ والتَّقوى. والإلهامُ ـ ﴿فأَلهَمَها﴾ ـ ليس وَضعاً جَبرياً، بَل تَهَيُّؤاً قابلاً لكلَيهما. والنَّفسُ تَختار بكَسبها أَيَّ الجانبَين تُغَلّب.

والتَّزكيةُ ـ ﴿قَد أَفلَحَ مَن زَكّاها﴾ ـ سُمُوٌّ ورَقيٌّ بالمعرفة. الزّكاءُ في اللسان نُمُوّ وطَهارةٌ ورَفعة. والنَّفسُ تَزكو بمَلءِ وعائها بالمعرفة النافعة، فيَنمو فيها ما يَستَر الفُجورَ ويَدفَعه ـ كَما يَستَر الزَّرعُ النامي وَجهَ الأَرض. والتَّدسيةُ ـ في مُقابِلها ـ ﴿وقَد خابَ مَن دَسّاها﴾ ـ إخفاءٌ وإهمالٌ. النَّفسُ المُدَسّاةُ هي التي تُخفى عَن النُّمو، تُهمَل في فَراغها، فيَنكَشِف فيها الفُجورُ بَلا غِطاء.

ومن هنا يَنتَظِم فَهمُ آلية الكَسب: النَّفسُ تَزكو بالكَسب المعرفي، تَنمو بالعِلم والتَّأَمّل والاتّباع للحَقّ. والنَّفسُ تَخيب بالإهمال، تَبقى فارغةً فتَنكَشِف فيها الغَرائزُ بَلا ضَبط، فيَظهَر الفُجور. والتَّقوى ـ كَما تَأَسَّسَ ـ هي مَلءُ النَّفس بالمعرفة فتُغَطّى الغَرائزُ بالوَعي.

خامساً ـ ثِقَلُ الكَسب على النَّفس

ولَعَلَّ من بَدائع ما يَكشفه النَّسَقُ القُرآني أَن الكَسبَ ـ في النَّفس ـ ليس مَحضَ تَراكُمٍ، بَل يَتَحَوَّل إلى ثِقَلٍ تَحمِله النَّفسُ في مَجراها. وقَد لُمّحَ إلى هذا في القِسم السابق عند تَفسير الوَجه الثاني لآية الأَعراف 189 ـ ﴿فلَمّا أَثقَلَت دَعَوا الله رَبَّهما﴾.

والإثقالُ في النَّفس ـ كَما يَكشفه القُرآنُ ـ يَتَجَمَّع من شَقَّين متَتالِيَين:

الشَّقّ الأَوَّل ـ ثِقَلُ الذُّنوب والمَعاصي على النَّفس: كلُّ ذَنبٍ يَنغَرس في وعاء النَّفس وزراً يَحمِله صاحبُه. ويَكشف هذا قَولُه تعالى ﴿ولَيَحمِلُنَّ أَثقالَهم وأَثقالاً مع أَثقالهم﴾ [العنكبوت 13]، وقَولُه ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزرَ أُخرى وإن تَدعُ مُثقَلَةٌ إلى حِملها لا يُحمَل منه شَيءٌ﴾ [فاطر 18]. والأَثقالُ في هاتَين الآيتَين تَدلّ ـ صَريحاً ـ على حُمولِ الذُّنوب التي تَحمِلها النَّفس.

الشَّقّ الثاني ـ ثِقَلُ الهَرَم والمَرَض على الجَسد: الجَسدُ ـ في طَوره الأَوَّل ـ يَنمو وَيَشتَدّ، ثُمَّ يَبلُغ غايتَه، ثُمَّ يَأخُذ في الضَّعف والهَرَم والمَرَض. ويَكشف هذا قَولُه تعالى ﴿ومنكم مَن يُرَدّ إلى أَرذَل العُمُر لكَيلا يَعلَمَ بَعدَ عِلمٍ شَيئاً﴾ [النحل 70]. والجَسدُ في طَور هَرَمه يُثقِل النَّفسَ التي تَحمِله، إذ لا تَجِد فيه الآلةَ التي كانت تَستَخدِمها لتَزكية نَفسها.

ومن اجتماع هذَين الشَّقَّين يَتَأَسَّس فَهمٌ بنيويٌّ جَوهري ـ أَن النَّفسَ في طَور الإثقال تَفتَقِر إلى رَبّها. ولِذا جاء الدُّعاءُ في الأَعراف 189 بصيغة المُثَنّى ﴿دَعَوا الله رَبَّهما﴾ ـ النَّفسُ والجَسدُ يَتَوَجَّهان معاً، طالبَين الصَّلاحَ من الذُّنوب والهُموم والمَرَض.

سادساً ـ النَّفسُ بَين السَّكينة والإثقال

ولَعَلَّ في تَأَمّل ما تَقَدَّمَ كَشفاً جامعاً لرِحلة النَّفس في الحياة الدُّنيا. فالنَّفسُ تَبدأ مَجراها في الجَسد بحَملٍ خَفيف ـ في طَور النَّماء والسَّلامة. ثُمَّ تَنتَقِل تَدريجياً إلى طَور الكَسب والاختيار، حَيث تَتَدافَع فيها الأَمّارةُ واللَّوّامة. ثُمَّ ـ مع تَراكُم الذُّنوب أَو تَراكُم التَّقوى ـ تَنتَقِل إلى طَور الإثقال، حَيث تَجِد نَفسَها مَثقَلةً بما اكتَسَبَت. وفي هذا الطَّور تَفتَقِر إلى رَبّها، تَدعوه طالبةً الصَّلاح والتَّوبة.

والنَّفسُ التي تَتَزَكّى في هذا الطَّور ـ تَستَأنف مَجراها نَحو الفلاح. والنَّفسُ التي تُدَسَّى ـ تَبقى في خَيبتها. وكلتاهما تَنتَقِل في الوَقت المُحَدَّد إلى الطَّور التالي ـ الوَفاة ـ بما اكتَسَبَت من كَسبها.

خاتمةُ القِسم

وبَعد هذا الطَّور من الكَسب والاجتهاد، تَبلُغ النَّفسُ أَجَلَها المُسَمّى. فيتَوَفّاها الله، وتَنفَصِل عن جَسدها الذي رافَقَها في الدُّنيا. وذلك ما يَستحقّ التَّأَنّي في القِسم التالي، عند الحديث عن الوَفاة والبَرزَخ والمُستَودَع.

3.1.1.6الوَفاةُ والبَرزَخ

تَأَسَّسَ في القِسم السابق أَن النَّفسَ تَجري في الحياة الدُّنيا في طَور الكَسب والاجتهاد، وأَنها تَنتَقِل ـ بَعد طَور النَّماء والسَّلامة ـ إلى طَور الإثقال بما تَكتَسِبه من ذُنوبٍ ومَعاصٍ، أَو ما يَكتَسِب جَسدُها من هَرَمٍ ومَرَض. وتَنتَهي هذه الرِّحلةُ الدُّنيوية بأَجَلٍ مُسَمّى يَنقَضي فيه استقرارُ النَّفس في جَسدها الدُّنيوي. ويَستحقّ ـ بَعد تَبَيّن الكَسب ـ أَن يُتَأَنّى في طَور الوَفاة والبَرزَخ، إذ هو الطَّورُ الذي يَنقَطِع فيه الكَسبُ وتَنفَصِل النَّفسُ عن جَسدها، تَنتَقِل من المُستَقَرّ إلى المُستَودَع.

أَوَّلاً ـ التَّوَفّي ـ نِسبتُه إلى الله

ولَعَلَّ من أَوَّل ما يَستوقِف في هذا الطَّور أَن القرآنَ يَنسِب التَّوَفّيَ صَريحاً إلى الله، لا إلى الرَّبّ. يَقول تعالى ﴿الله يَتَوَفّى الأَنفُسَ حِينَ مَوتها والتي لم تَمُت في مَنامها فيُمسِك التي قَضى عَليها المَوتَ ويُرسِل الأُخرى إلى أَجَلٍ مُسَمّى﴾ [الزُّمَر 42].

ولَعَلَّ في تَأَمّل هذه النِّسبة كَشفاً بنيوياً جَوهرياً يَتَّسق مع ما تَأَسَّسَ في القِسم الذي حَرَّرَ نِسبةَ النَّفس. فالنَّفسُ ـ في مَنبَعها النَّوعيّ ـ مَنسوبةٌ إلى الله، خارجَ جَريان الزَّمن. وكَذلك مَآلُها بَعد الوَفاة ـ يَعود إلى الله. ولَو نُسِبَ التَّوَفّي إلى الرَّبّ المُدَبّر للوُجود، لكانت النَّفسُ تَجري عَليها أَزمنةُ الوُجود بَعد الوَفاة ـ وهذه أَزمنةٌ هائلةٌ غَيرُ مُتَصَوَّرة: عُمرُ الوُجود الدُّنيوي إلى قيام الساعة، ثُمَّ فَترةُ تَكوينِ الوُجود ثانيةً على أَنقاض الحالي بتَكوينٍ فيزيائيٍّ مُختَلِف. ومُرورُ النَّفس بكلّ هذه الأَزمنة استهلاكٌ وهلاك لا يُتَصَوَّر.

ولِذا ـ بحِكمة الله ـ نُسِبَ التَّوَفّي إلى الله المُطلَق، الذي هو خارجَ الزَّمن، فتُحفَظ النَّفسُ في مُستَودَعها بَلا أَن يَجري عَليها زَمنٌ، ويَكون بَين وَفاتها وبَعثها يَومَ الحِساب صِفرُ زَمَنٍ في تَجرِبتها، وإن جَرَت في عالَم الرَّبّ مَلايينُ السِّنين.

ويَتَأَكَّد هذا بقَوله تعالى في الآية نَفسها ﴿فيُمسِك التي قَضى عَليها المَوتَ﴾ ـ الإمساكُ لله، إمساكٌ في المُستَودَع المُطلَق. ﴿ويُرسِل الأُخرى إلى أَجَلٍ مُسَمّى﴾ ـ النَّفسُ التي لم تَمُت في النَّوم تَعود إلى الوجود، إلى عالَم الرَّبّ وجَريان زَمنه. والنَّسَقُ كلُّه يَنتَظِم: التَّوَفّي والإمساكُ لله، والإرسالُ إلى الأَجَل في عالَم الرَّبّ.

ثانياً ـ مَلائكةُ التَّوَفّي ـ آلةُ النَّقل

ويَكشف القرآنُ ـ في موضعٍ آخَر ـ أَن التَّوَفّيَ يَجري بآلةٍ منَ المَلائكة. يَقول تعالى ﴿قُل يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوتِ الذي وُكّل بكم ثُمَّ إلى رَبّكم تُرجَعون﴾ [السجدة 11]. ويَقول ﴿الذين تَتَوَفّاهم المَلائكةُ طَيّبين﴾ [النحل 32]. ويَقول ﴿ولَو تَرى إذ يَتَوَفّى الذين كَفَروا المَلائكةُ يَضرِبون وُجوهَهم وأَدبارَهم﴾ [الأنفال 50].

ولَعَلَّ في الجَمع بَين هذه النِّسَب كَشفاً بنيوياً: النِّسبةُ النِّهائيةُ للتَّوَفّي لله المُطلَق، والمَلائكةُ آلةٌ ربوبيةٌ تَنفُذ بالأَمر. الله ـ في مَقامه المُطلَق ـ يَتَوَفّى الأَنفُسَ، والمَلائكةُ ـ في الوُجود ـ آلتُه التي تُخرج النَّفسَ من جَسدها وتَنقُلها إلى المُستَودَع. ولَيس في ذلك تَناقُض، بَل بنيةٌ متماسكةٌ تَكشف عَلاقةَ المُطلَق بالوُجود.

ثالثاً ـ ﴿ذائقةُ المَوت﴾ ـ كَشفٌ متَدَرّج بحَسَب الكَسب

ولَعَلَّ مما يَتَتِم تَأسيسَ آلية التَّوَفّي قَولُه تعالى ﴿كلُّ نَفسٍ ذائقةُ المَوت﴾ [آل عمران 185، الأنبياء 35، العنكبوت 57]. ولَعَلَّ في لَفظ ﴿ذائقةُ﴾ كَشفاً لَطيفاً يَستحقّ التَّأَنّي. فالتَّذَوّقُ في اللسان ـ لَمسةٌ كاشفةٌ مُنقَطِعة، لا حالٌ مُستَمِرّة. المُتَذَوّقُ للطَّعام يَلمَس قَطرةً ليَعرفَ المَذاق، لا أَن يَستهلِكَ التَّناوُلَ كلَّه. والمُشتَري للعَسَل يَتَذَوَّق قَطرةً ليَكشف نَوعه، لا أَن يَستَوعِبَ المَخزون.

ولَعَلَّ في هذا اللَّفظ كَشفاً عن طَبيعة المَوت في حَقّ النَّفس. فللمَوت طَعمٌ، وطَعمُه ليس واحداً ـ بَل يَتَدَرَّج بحَسَب ما اكتَسَبَت النَّفس في الدُّنيا. من الحُلو المَذاق للنَّفس المُؤمِنة التي تُتَوَفّى طَيّبةً، إلى الأَخَفّ للنَّفس بَين بَين، إلى الزُّعاف للنَّفس العاصية التي تُتَوَفّى بضَربٍ على الوُجوه والأَدبار. وكلُّ نَفسٍ تَتَذَوَّق مَوتَها بحَسَب كَسبها.

ولَعَلَّ في كَون التَّذَوّق ـ في طَبعه ـ مُنقَطِعاً ما يَكشف أَن المَوتَ ليس حالاً دائمةً تَستَمِرّ، بَل آليةٌ ذاتُ طَعمٍ تَجري فيها النَّفس ثُمَّ تَنتَقِل إلى ما بَعدها. والتَّذَوّقُ ـ في غاية لَطافته ـ يَكشف للنَّفس مَآلها قَبل أَن تَبلُغ الحِسابَ. فطَعمُ المَوت يُعلِنُ النَّفسَ بما يَنتَظِرها، فتَدخُل مُستَودَعَها وقَد عَلِمَت مَجراها.

رابعاً ـ تَمييزُ آلية التَّوَفّي بَين النَّفس المُؤمِنة والعاصية

ومما يَستحقّ التَّأَنّيَ الدَّقيق ـ أَن آليةَ التَّوَفّي تَختَلِف اختلافاً جَوهرياً بحَسَب حال النَّفس قَبل الوَفاة. ويَكشف هذا قَولُه تعالى ﴿أَم حَسِبَ الذين اجتَرَحوا السَّيّئاتِ أَن نَجعَلَهم كالذين آمَنوا وعَمِلوا الصالحاتِ سَواءً مَحياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحكُمون﴾ [الجاثية 21].

ولَعَلَّ في تَأَمّل هذه الآية كَشفاً بنيوياً ولُغوياً في غاية اللَّطافة. فالنَّصُّ يَنفي قاطعاً التَّسويةَ بَين الفَريقَين في أَمرَين: المَحيا والمَمات. وكِلتا الكَلمتَين على وَزن «مَفعَل» الذي يَحمِل في بِنيته دَلالةَ المَحَلّ والكَيفية، لا مَحضَ الوُجود.

فـ ﴿مَحياهم﴾ ليست مُجَرَّدَ «حَياتهم»، بَل مَحَلّ الحَياة وكَيفيتها. حَياةُ المُؤمنين طَيّبةٌ، مَحفوفةٌ بالسَّكينة والطُّمَأنينة. وحَياةُ العاصين مَنغوصةٌ، ضَنكٌ ـ كَما يَكشف قَولُه ﴿ومَن أَعرَضَ عن ذِكري فإنَّ له معيشةً ضَنكاً﴾ [طه 124].

و ﴿مَماتُهم﴾ ليست مُجَرَّدَ «مَوتهم»، بَل آليةُ المَوت ومَجراه. ولَعَلَّ في تَكرار حَرف الميم في اللَّفظ ـ ﴿مماتُهم﴾ ـ ما يُوحي صَوتياً بـفَترةٍ زَمنيةٍ وآليةٍ تَجري فيها الوَفاة، لا لَحظةً واحدةً مَحضة. ويَتَّسق هذا مع لَفظ ﴿حِينَ مَوتها﴾ في آية الزُّمَر 42 ـ «الحِينُ» يَدلّ على طَورٍ زَمنيٍّ، لا نُقطةٍ مَحضة. فالتَّوَفّي ـ كَما يَكشفه النَّصّ ـ آليةٌ تَجري في طَورٍ وُجوديٍّ، تَختَلِف بحَسَب حال النَّفس المُتَوَفّاة.

ولِذا تَتَجَلَّى هذه الآليةُ في وَجهَين متَقابلَين:

النَّفسُ المُؤمِنة ـ تَتَوَفّاها المَلائكةُ طَيّبةً ﴿الذين تَتَوَفّاهم المَلائكةُ طَيّبين يَقولون سَلامٌ عَليكم ادخُلوا الجَنَّةَ بما كُنتُم تَعمَلون﴾ [النحل 32]. ويُلائم ذلك ما يَجري للنَّفس التي اطمَأَنَّت بكَسبها: تَخرُج بسَلامٍ، تُستَقبَل بسَلام، تَنقَلِب إلى مَآلها بسَلام.

النَّفسُ العاصية ـ تَتَوَفّاها المَلائكةُ بشِدَّةٍ ﴿ولَو تَرى إذ يَتَوَفّى الذين كَفَروا المَلائكةُ يَضرِبون وُجوهَهم وأَدبارَهم وذوقوا عَذابَ الحَريق﴾ [الأنفال 50]. ويَتَكَرَّر المعنى في قَوله ﴿فكَيفَ إذا تَوَفَّتهم المَلائكةُ يَضرِبون وُجوهَهم وأَدبارَهم﴾ [محمد 27].

والتَّمييزُ هنا ليس بحَسَب التَّوَفّي في ذاته، بَل بحَسَب حال النَّفس التي خَتَمَت رِحلتَها الدُّنيوية. النَّفسُ التي تَزَكَّت تَلقى آليةَ التَّوَفّي في سَلامٍ، والنَّفسُ التي تَدَسَّت تَلقاها في عَذاب.

خامساً ـ انفصالُ النَّفس عن الجَسد

وحَين تَتَوَفّى النَّفسُ ـ تَنفَصِل عن جَسدها الدُّنيوي الذي رافَقَها منذ الوِلادة. فتَنتَقِل النَّفسُ إلى المُستَودَع عند الله، ويَنحَلّ الجَسدُ في الأَرض كَأَصله الانتمائي الأَوَّل. ويَكشف هذا قَولُه تعالى ﴿منها خَلَقناكم وفيها نُعيدُكم ومنها نُخرِجُكم تارةً أُخرى﴾ [طه 55] ـ النَّسَقُ يَكشف ثَلاثَ مَراحل للجَسد: الخَلقُ من الأَرض، العَودةُ إليها بَعد الوَفاة، الإخراجُ منها مَرَّةً أُخرى عند البَعث لبس جديد يلائم الابدية.

ولَعَلَّ في هذا الانفصال كَشفاً يَتَّسق مع ما حَرَّرناه في القِسم السابق من ﴿فمَرَّت به﴾ ـ النَّفسُ تَمُرّ بالجَسد الدُّنيوي مَرّاً، لا اتّحاداً نِهائياً. والمُرورُ ـ في طَبعه ـ يَنتَهي بالانفصال. فالنَّفسُ في الوَفاة تَختِم مُرورَها بالجَسد الدُّنيوي، تُسَلّمه إلى الأَرض، وتَنطَلِق إلى مُستَودَعها.

سادساً ـ المُستَودَعُ عند الله ـ خارجَ الزَّمن

ولَعَلَّ من أَجلِّ ما يَكشفه التَّأَمّلُ في هذا الطَّور ـ طَبيعةُ المُستَودَع الذي تَنتَقِل إليه النَّفس. فالقُرآن ـ كَما رَأَينا ـ نَسَبَ التَّوَفّي إلى الله، والإمساكَ إلى الله. وهذا يَكشف أَن المُستَودَعَ ليس مَكاناً في الوُجود، ولا حالاً تَجري عَليها سُنَنُ الزَّمن، بَل حالٌ مُطلَقةٌ خارجَ جَريان الزَّمن.

ولَعَلَّ في تَأَمّل هذا تَفسيراً لحِكمة نِسبة التَّوَفّي إلى الله. فلَو كان المُستَودَعُ في عالَم الرَّبّ ـ لَكان الزَّمنُ يَجري عَلَيه. ومن لَحظة وَفاة أَوَّل نَفسٍ بَشَريةٍ إلى يَوم البَعث، يَجري على النَّفس زَمَنٌ يَصعُب تَصَوّرُه ـ مَلايينُ السِّنين من الانتظار، وما يَتَخَلَّلها من تَكوينٍ وفَناءٍ لعالَم الوجود الحالي ثُمَّ تَكوينٍ جَديد لعالَمٍ آخَر يُلائم الأَبدية. وهذا الانتظارُ ـ لو جَرى على النَّفس ـ لكان عَذاباً لا يُتَصَوَّر، حَتى للنَّفس المُؤمِنة الموعودةِ بالجَنَّة.

ولِذا ـ بحِكمة الله المُطلَق ـ نُسِبَ التَّوَفّي إليه، فيَكون المُستَودَعُ خارجَ الزَّمن، ويَنتَقِل النَّفسُ من لَحظة وَفاتها إلى لَحظة بَعثها بَلا أَن يَجري عَليها زَمنٌ. فيَكون بَين الوَفاة والبَعث ـ في تَجرِبة النَّفس ـ صِفرُ زَمَن، وإن جَرَت في عالَم الوجود الخارجي أَزمنةٌ هائلة.

سابعاً ـ شاهدُ ﴿ما لَبِثوا غَيرَ ساعة﴾

ويَتَعَضَّد هذا الفَهمُ بشاهدٍ نَصّيٍّ في غاية الإحكام. يَقول تعالى ﴿ويَومَ تَقومُ الساعةُ يُقسِمُ المُجرِمونَ ما لَبِثوا غَيرَ ساعةٍ كذلك كانوا يُؤفَكون﴾ [الروم 55]. ويَقول ﴿كأَنَّهم يَومَ يَرَونَها لم يَلبَثوا إلا عَشيَّةً أَو ضُحاها﴾ [النازعات 46]. ويَقول ﴿قال كم لَبِثتُم في الأَرض عَدَدَ سِنين ۝ قالوا لَبِثنا يَوماً أَو بَعضَ يَومٍ﴾ [المؤمنون 112-113].

ولَعَلَّ في هذه الآيات الثَّلاث ـ ولا سيما في تَكرارها بصيَغٍ متَنَوّعةٍ ـ كَشفاً قاطعاً لمَفهوم الزَّمن في حَقّ النَّفس المُتَوَفّاة. المُجرِمون يُقسِمون يَومَ البَعث أَنهم لَبِثوا ساعةً، وقَد لَبِثوا في الحَقيقة آلافَ السِّنين أَو مَلايينَها. وهذا لا يَستَقيم إلا إذا كانت النَّفسُ ـ في مُستَودَعها ـ خارجَ جَريان الزَّمن. فهي تَنتَقِل من الوَفاة إلى البَعث بَلا أَن تَستَشعِر زَمناً، فيَبدو لها كلُّ ما بَينَهما ساعةً أَو بَعضَ يَوم.

ولَعَلَّ في تَوَكيد القرآن لهذا المعنى في ثَلاث آياتٍ ما يَكشف أَهَميتَه. إذ هذا الفَهمُ ـ صِفرُ الزَّمن بَين الوَفاة والبَعث ـ يَحلّ كَثيراً من الإشكالات التي يَقع فيها العَقلُ حَين يَتَخَيَّل الانتظارَ الطَّويلَ بَين الوَفاة والحِساب. والحَقيقةُ ـ كَما يَكشفها النَّصّ ـ أَن النَّفسَ لا تَستَشعِر هذا الانتظارَ، إذ هي في حِفظ الله المُطلَق، خارجَ سُنَن الزَّمن.

ثامناً ـ قيامةُ الإنسان عند مَماته

ومن جَميل ما يَنتَظِم بَعد كلّ هذا التَّأسيس صياغةٌ تَجمَع ما حَرَّرناه في عِبارةٍ تَنطَبِع: «قيامةُ الإنسان عند مَماته». فالنَّفسُ ـ بنِسبة التَّوَفّي إلى الله المُطلَق ـ تَنتَقِل من لَحظة مَماتها إلى لَحظة قيامتها بَلا فاصلٍ زَمنيٍّ تَستَشعِره. الفاصلُ في الوُجود الخارجي قَد يَكون مَلايينَ السِّنين، لكنّه في تَجرِبة النَّفس صِفرُ زَمَن. فكأَن النَّفسَ ـ من مَنظورها هي ـ تَلقى الحِسابَ مُباشَرةً بَعد المَوت، إذ لا زَمنَ يَجري عَليها بَينَهما.

ولَعَلَّ في هذه الصياغة ما يُلامِس الفِطرةَ السَّليمة التي يَعرِفها الناس بإحساسهم العَفوي، وإن لم يَكُن لهم تَأسيسٌ نَظَريٌّ يَكشف بنيتَها. فحِكمةُ التَّوَفّي لله المُطلَق ـ خارجَ جَريان الزَّمن ـ تَجعَل من المَوت بَوّابةَ القيامة، تُفضي بالنَّفس إلى مَآلها بَلا انتظار.

تاسعاً ـ خُلاصةُ الوَفاة والبَرزَخ

ومن مَجموع هذه القَرائن، يَتَأَسَّس فَهمٌ بنيويٌّ مُحَكَمٌ لطَور الوَفاة والبَرزَخ:

النَّفسُ ـ بَعد أَن تُتِمّ كَسبَها في الحياة الدُّنيا ـ يَأتيها مَلَكُ المَوت ومَن معه من المَلائكة، يَتَوَفَّونها بآليةٍ تَختَلِف بحَسَب حالها (طَيّبةً للمُؤمِنة، شَديدةً للعاصية). وتَذوق النَّفسُ ـ في هذه الآلية ـ طَعمَ مَوتها، كَشفاً لمَآلها قَبل أَن تَبلُغ الحِساب. ثُمَّ تَنفَصِل عن جَسدها الدُّنيوي ـ يَنحَلّ الجَسدُ في الأَرض، وتَنطَلِق النَّفسُ إلى مُستَودَعها.

والمُستَودَعُ ـ بنِسبة التَّوَفّي إلى الله ـ خارجَ جَريان الزَّمن. النَّفسُ فيه في حِفظ الله المُطلَق، لا تَستَشعِر زَمناً، لا تَجري عَليها سُنَنُ الوُجود. وتَبقى في هذا المُستَودَع ـ في تَجرِبتها ـ صِفرَ زَمَن، حَتى يَومَ البَعث، حَيث تَعود إلى عالَم الرَّبّ، إلى الحِساب وما يَتلوه من المآل.

وفي هذا الطَّور كلِّه ـ التَّوَفّي، الإمساك، الحِفظ في المُستَودَع ـ يَنتَظِم النَّسَقُ القُرآني بنِسبة المَآل إلى الله، إذ هو مَنبَعُ النَّفس ومُستَودَعُها، مُحاطٌ بالعِلم والقُدرة المُطلَقَين، خارجَ ما يَجري في الوُجود من زَمنٍ ومَكان.

خاتمةُ القِسم

وبَعد هذا الطَّور من الحِفظ في المُستَودَع، تَأتي لَحظةُ البَعث ـ في تَجرِبة النَّفس كأَنها تَلي الوَفاةَ مُباشَرةً. تَعود النَّفسُ إلى عالَم الوُجود، تَلبَس جَسداً جَديداً يُلائم الأَبدية، تَقِف بَين يَدَي رَبّها للحِساب. وذلك ما يَستحقّ التَّأَنّي في القِسم التالي، عند الحديث عن يَوم الحِساب والمآل.

3.1.1.7يَومُ الحِساب والمآل

تَأَسَّسَ في القِسم السابق أَن النَّفسَ ـ بَعد وَفاتها وانفصالها عن جَسدها الدُّنيوي ـ تَنتَقِل إلى مُستَودَعها عند الله، خارجَ جَريان الزَّمن. وأَنها تَنتَظِر فيه ـ بَلا أَن تَستَشعِر زَمناً ـ يَومَ البَعث الذي تَعود فيه إلى عالَم الوُجود. ويَستحقّ ـ بَعد تَبَيّن المُستَودَع ـ أَن يُتَأَنّى في طَور البَعث والحِساب والمآل، إذ هو الطَّورُ الأَخير في رِحلة النَّفس، وغايةُ ما تَجري نَحوه منذ كَسبها الأَوَّل في الدُّنيا.

أَوَّلاً ـ البَعثُ ـ النَّفسُ تَلبَس خَلقاً جَديداً

ولَعَلَّ من أَوَّل ما يَستوقِف في طَور البَعث أَن النَّفسَ لا تَعود وَحدَها، بَل تَلبَس جَسداً جَديداً يُلائم الطَّورَ الجَديد. وقَد تَأَسَّسَ في موضعه أَن الجَسدَ الدُّنيوي ـ بَعد الوَفاة ـ يَنحَلّ في الأَرض، فلا يَكون هو ذاتُه ما يَلبَسه النَّفسُ ثانية. بَل يَكون لَبسُها لـخَلقٍ جَديد يُلائم الأَبدية، كَما يَكشف قَولُه تعالى ﴿أَفعَيينا بالخَلق الأَوَّل بَل هم في لَبسٍ من خَلقٍ جَديد﴾ [ق 15].

والآيةُ ـ كَما حُرّرَ في موضعه ـ تُمَيّز صَريحاً بَين «الخَلق الأَوَّل» (الجَسد الدُّنيوي) و«الخَلق الجَديد» (الجَسد الأُخروي). ويُعَضّد ذلك قَوله تعالى ﴿أَوَلَيس الذي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرضَ بقادرٍ على أَن يَخلُقَ مِثلَهم بَلى وهو الخَلَّاقُ العَليم﴾ [يس 81] ـ ﴿مِثلَهم﴾ تَكشف أَن الخَلقَ الجَديد مُماثلٌ لا مُطابق. جَسدٌ جَديد يُشابه الجَسدَ الأَوَّل في كَونه جَسداً، لكنّه يُلائم عالَماً مُختَلِفاً ـ عالَمَ الأَبدية الذي لا هَرَمَ فيه ولا مَرَض.

ولَعَلَّ في هذا اللَّبس الجَديد كَشفاً يَتَّسق مع ما تَأَسَّسَ من بنيةِ المُرور. النَّفسُ في الدُّنيا مَرَّت بجَسدها الأَوَّل، تَلازَمَت معه فَترةً مَحدودة. ثُمَّ تَركَتْه في الأَرض. ثُمَّ ـ في طَور البَعث ـ تَلبَس جَسداً آخَر تَستَأنف به مَجراها الأَبَدي. والنَّفسُ هي الكَيانُ الثابتُ في كلّ طَور، والأَجسادُ تَتَتالى عَليها بحَسَب طَور الوُجود.

ثانياً ـ الرُّجوعُ إلى الرَّبّ

ولَعَلَّ في تَأَمّل مَرجع النَّفس عند البَعث كَشفاً يَتَّسق مع ما تَأَسَّسَ في القِسم الثالث من تَمييز النِّسبة. فالقُرآنُ يَنسِب التَّوَفّيَ إلى الله المُطلَق، والرُّجوعَ إلى الرَّبّ المُدَبّر. يَقول تعالى ﴿قُل يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوتِ الذي وُكّل بكم ثُمَّ إلى رَبّكم تُرجَعون﴾ [السجدة 11]. ويَقول ﴿إلى رَبّك يَومَئذٍ المَساق﴾ [القيامة 30]. ويَقول ﴿إنَّما يَستَجيبُ الذين يَسمَعون والمَوتى يَبعَثُهم الله ثُمَّ إليه يُرجَعون﴾ [الأنعام 36].

ولَعَلَّ في اللَّفظ القُرآني الدَّقيق ﴿يُرجَعون﴾ ـ لا «يَعودون» ـ كَشفاً بنيوياً في غاية اللَّطافة يَستحقّ التَّأَنّي. فالعَودُ والرُّجوعُ في اللسان مُتَمايزان دَلاليّاً:

العَودُ ـ تَكرارُ شَيءٍ بَلا تَغَيُّرٍ في العائد. المُسافِرُ يَعود إلى بَيته كَما تَرَكَه، النائمُ يَعود من نَومه كَما كان.

الرُّجوعُ ـ عَودةٌ بَعد مُضيّ زَمنٍ أَو نَشأَةِ تَغَيّرٍ في الراجع نَفسه. يَحمِل في طَبعه دَلالةَ التَّحَوّل أَو الاكتساب.

ويُعَضّد هذا التَّمييزَ شاهدٌ قُرآنيٌّ بَديع. يَقول تعالى ﴿صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ فهُم لا يَرجِعون﴾ [البقرة 18]. ولَعَلَّ في اختيار لَفظ «لا يَرجِعون» ـ لا «لا يَعودون» ـ كَشفاً لطيفاً. فالصُّمُّ والبُكمُ والعُمي ـ في تَعطيل أَدواتهم ـ لا يَحمِلون ولا يَمتَلِئ وعاؤهم بشَيء. فناسَبَهم لَفظُ «لا يَرجِعون»، إذ الرُّجوعُ يَستلزِم اكتساباً يَنتَقَلون به ـ وهم لم يَكتَسِبوا. ولَو قيلَ «لا يَعودون» لَكان معنىً مُغايراً ـ مُجَرَّدَ عَدَم الانتقال، بَلا إيحاءٍ بفَقد الكَسب.

ومن هذا التَّمييز، يَنتَظِم فَهمُ النَّسَق القُرآني في رِحلة النَّفس. الله يَتَوَفّى الأَنفُسَ ـ استِيفاءً لما كان له ابتداءً، إذ هو صاحبُ الهِبة. ويَكشف ذلك قَولُه تعالى ﴿وهو القاهِرُ فَوقَ عِباده ويُرسِل عَليكم حَفَظةً حَتى إذا جاءَ أَحَدَكم المَوتُ تَوَفَّته رُسُلُنا وهم لا يُفَرّطون﴾ [الأنعام 61]. النِّسبةُ لله القاهِر فَوقَ عباده، يَجري بآلة المَلائكة (الرُّسُل)، بإحكامٍ تامّ بَلا تَفريط. والتَّوَفّي في ذاته استيفاءُ ما لَه ابتداءً ـ يَنسَجِم تَماماً مع كَون النَّفس مَنسوبةً لله في مَنبَعها.

ثُمَّ تَبقى النَّفسُ في مُستَودَعه وحِفظه ـ خارجَ جَريان الزَّمن، كَما تَأَسَّسَ. ثُمَّ يَأتي يَومُ البَعث، فـتَرجِع النَّفسُ إلى رَبّها ـ إلى مَنطقة الزَّمن بَعد أَن تَبَدَّلَت الأَرضُ والسَّماواتُ إلى تَشكيلٍ فيزيائيٍّ جَديدٍ يَعلَمه الله. وتَستَخدِم النُّصوصُ لَفظَ الرُّجوع ـ لأَن النَّفسَ رَجَعَت مُحَمَّلةً بكَسبها (خَيراً أَو ذُنوباً)، لا عائدةً بَلا تَغَيّر. ولَو استُعمِلَ لَفظُ «العَودة» في حَقّ النَّفس يَومَ البَعث، لَعَنى ذلك أَنها لم تَكتَسِب شَيئاً في حَياتها الدُّنيا ـ وهذا خِلافُ الواقع، إذ النَّفسُ في الدُّنيا مَوضعُ الكَسب والتَّكليف، كَما تَأَسَّسَ في موضعه.

ثالثاً ـ السائقُ والشَّهيد والحَسيب

ومما يَكشفه القرآنُ في طَور البَعث أَن النَّفسَ لا تَأتي وَحدها، بَل ﴿وجاءَت كلُّ نَفسٍ معها سائقٌ وشَهيد﴾ [ق 21]. ويَتَكَرَّر معنى «السَّوق» في قَوله تعالى ﴿والْتَفَّتِ السَّاقُ بالسَّاق ۝ إلى رَبّكَ يَومَئذٍ المَساق﴾ [القيامة 29-30]، وقَوله ﴿وسيقَ الذين اتَّقَوا رَبَّهم إلى الجَنَّة زُمَراً﴾ [الزُّمَر 73].

ولَعَلَّ في تَأَمّل السائق كَشفاً عن طَبيعته. السَّوقُ في اللسان دَفعٌ نَحو غايةٍ مُحَدَّدة، لا مَحضُ مُرافَقة. والسائقُ ـ في هذه الآيات ـ آليةٌ وَظيفيةٌ نَظاميةٌ تَدفَع النَّفسَ إلى ساحة الحِساب، لا مَلَكٌ شَخصيٌّ مَخصوصٌ لكلّ نَفس بصورة مُسَمّاة. هو نَظامٌ ربوبيٌّ يَجري في عالَم البَعث، يَنفُذ بأَمر الله، يَدفَع كلَّ نَفسٍ إلى موضعها بَلا تَخَلّفٍ ولا تَأَخّر.

أَمّا الشَّهيد ـ فيَكشف القرآنُ طَبيعته في قَوله تعالى ﴿هذا كتابُنا يَنطِق عَليكم بالحَقّ إنّا كُنّا نَستَنسِخ ما كُنتُم تَعمَلون﴾ [الجاثية 29].

ولَعَلَّ في تَأَمّل ﴿كتابُنا﴾ كَشفاً بنيوياً جَوهرياً. ليس المُرادُ كتاباً وَرقياً يُتَناوَل باليَد، بَل الوجودُ نَفسه ـ المعنيُّ بحِفظ كلّ ما يَكون فيه وُجوداً ـ وهو ما يَتَأَسَّس تَفصيلُه في فصل الإمام المبين [3.7]. والاستنساخُ ـ ﴿إنّا كُنّا نَستَنسِخ ما كُنتُم تَعمَلون﴾ ـ نُسخةٌ مُسَجَّلةٌ كامِلةٌ من أَعمال النَّفس، تَتَكَوَّن كَونياً في الوجود نَفسه، بَلا أَيّ تَفريطٍ ولا إغفال.

ولَعَلَّ في لَفظ ﴿بالحَقّ﴾ كَشفاً يَتَتِم طَبيعةَ هذه الشَّهادة. فالحَقُّ في القرآن ـ في وَجهٍ جَوهريٍّ منه ـ هو الواقعُ المادي المَلموس، لا مَحضُ الصِّدق الخَبَري. ويُعَضّد ذلك قَولُه تعالى ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأَرضَ بالحَقّ﴾ [الزُّمَر 5] ـ والباءُ هنا للآلية، أَي بالبِنية المادية الواقعية. وقَولُه ﴿وقُل جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطل﴾ [الإسراء 81] ـ الحَقُّ يَجيءُ، يَتَجَلَّى مَلموساً، يَدفَع الباطلَ المُتَوَهَّم. ولِذا حَين يَقول ﴿يَنطِق عَليكم بالحَقّ﴾، فالمَعنى أَن النُّسخةَ المُستَنسَخةَ من أَعمال النَّفس تُعرَض حِسّياً مادياً مَلموساً، لا سَرداً خَبَرياً يُروى. النَّفسُ تَرى أَعمالَها كَما كانت، تَلمَسها، تُشاهِدها، فيَكون النُّطقُ شَهادةً مَوصولةً بالواقع الذي كانت تَجري فيه.

فالشَّهيدُ ـ في هذا الفَهم ـ هو الأَعمالُ المُدَوَّنةُ كَونياً، شَهادةٌ تَأتي من خارج النَّفس، من الوجود الذي حَفِظَ كَسبَها. والنَّفسُ لا تَستَطيع نَفيَ ما اكتَسَبَت، إذ هو مَوجودٌ مُستَنسَخٌ في الوجود نَفسه، مُتَجَلٍّ أَمامها كَما كان.

وفي مُقابل الشَّهيد الخارجي ـ يَكشف القرآنُ بُعداً آخَر للحِساب في قَوله تعالى ﴿اقرَأ كتابَكَ كَفى بنَفسكَ اليَومَ عَليكَ حَسيباً﴾ [الإسراء 14]. والآيةُ تَكشف أَن النَّفسَ نَفسَها تَكون حَسيبَ نَفسها ـ تَعلَم منتهى حِسابها ومَآلها بَلا حاجةٍ إلى حُجَّةٍ خارجيةٍ تُحاسِبها. فالحَسيبُ ـ في ذاته ـ بِنيةٌ داخليةٌ في النَّفس، تَعلَم بها نَتائجَ أَعمالها ومَصيرها.

ولَعَلَّ في الجَمع بَين الشَّهيد والحَسيب إحكاماً للحُجَّة لا يَدَع للنَّفس مَفَرّاً. الشَّهيدُ من الوجود ـ يُسَجّل ما اكتَسَبَت ويَعرِضه مَلموساً، فلا يَستَطيع أَحَدٌ نَفيَ ما عَمِل. والحَسيبُ في ذات النَّفس ـ تَعلَم به مَآلها، فلا يَستَطيع أَحَدٌ التَّعَلّلَ بالجَهل بحاله. والاثنان معاً ـ شَهادةٌ خارجيةٌ من الوجود، وشَهادةٌ داخليةٌ من النَّفس ـ يَجعَلان الحِسابَ مُحَكَماً بنظام الحَقّ الذي لا يَتَخَلَّف.

ومن الجَمع بَين السائق والشَّهيد والحَسيب يَتَأَسَّس بنيةُ الحِساب: آليةٌ تَدفَع النَّفسَ، وشَهادةٌ خارجيةٌ تَعرِض كَسبَها مَلموساً، وحَسيبٌ داخليٌّ تَعلَم به مَآلها. النَّفسُ لا تَجِد مَفَرّاً ـ لا من السَّوق، ولا من شَهادة الوجود، ولا من حِساب الذات.

رابعاً ـ النَّفسُ المُطمَئنَّةُ ـ مَنزلةُ المُؤمِنين العامِلين

ولَعَلَّ من أَجلِّ ما يَكشفه القرآنُ في مآل النَّفس الفائزة قَولُه تعالى ﴿يا أَيَّتُها النَّفسُ المُطمَئنَّةُ ۝ ارجِعي إلى رَبّكِ راضيةً مَرضيَّةً ۝ فادخُلي في عِبادي ۝ وادخُلي جَنَّتي﴾ [الفجر 27-30].

وقَد تَأَسَّسَ في موضع التَّعريف أَن النَّفسَ المُطمَئنَّةَ ليست حالاً ثالثاً في الدُّنيا ـ في عَرض الأَمّارة واللَّوّامة. والأَدَقّ في فَهمها أَنها مَنزلةٌ تَنبَثِق من الإيمان والعَمَل الصالح، تَبدأ في الدُّنيا بذِكر الله، وتَستمِرّ عَبر الأَطوار اللاحقة حتى الرُّجوع إلى الرَّبّ.

ولَعَلَّ مما يَتَتِم تَأسيسَ هذه المَنزلة قَولُه تعالى ﴿الذين آمَنوا وتَطمَئنّ قُلوبُهم بذِكر الله أَلا بذِكر الله تَطمَئنّ القُلوب﴾ [الرعد 28]. والآيةُ تَكشف ـ صَريحاً ـ أَن الاطمئنانَ يَكون في الدُّنيا، يَنبَثِق من ذِكر الله والإيمان به، لا يَنتَظِر النَّتيجةَ يَومَ الحِساب. النَّفسُ المُطمَئنَّةُ ـ في حَقيقتها ـ هي التي آمَنَت في الدُّنيا خَيرَ إيمان، وعَمِلَت خَيرَ عَمَل، وقَدَّمَت لحَياتها الآخرة خَيرَ تَقديم. اطمَأَنَّت بإيمانها وعَمَلها وتَقديمها، فبَلَغَت مَنزلةَ الاطمئنان قَبل أَن تَبلُغَ الحِسابَ.

ولَعَلَّ مما يُثَبّت هذا الاطمئنانَ لَحظةُ الوَفاة. فقَد تَأَسَّسَ في موضعه أَن المَوتَ ذو طَعمٍ يَتَدَرَّج بحَسَب كَسب النَّفس. والنَّفسُ المُطمَئنَّةُ ـ في حِين مَوتها ـ تَذوقُ طَعمَ الاطمئنان، فيَنكَشف لها مَجراها بسَلام. والنَّفسُ المُخطِئةُ التي فَرَّطَت في جَنب الله ـ تَذوقُ في حِين مَوتها طَعمَ ما فَرَّطَت، فيَنكَشف لها مَجراها بقَلَق.

ثُمَّ يَأتي يَومُ البَعث ـ في تَجرِبة النَّفس كأَنه يَلي الوَفاةَ مُباشَرةً، إذ المُستَودَعُ خارجَ الزَّمن كَما تَأَسَّسَ. فتَرجِع النَّفسُ المُطمَئنَّةُ إلى رَبّها وهي حامِلةٌ اطمئنانَها الذي بَلَغَتْه منذ الدُّنيا. ولِذا يُنادى ﴿يا أَيَّتُها النَّفسُ المُطمَئنَّةُ ارجِعي إلى رَبّك راضيةً مَرضيَّة﴾ ـ النِّداءُ يَجري على نَفسٍ مُطمَئنَّةٍ قَبل الرُّجوع، لا تَنتَظِر الاطمئنانَ من النَّتيجة، بَل تَستَقبِل النَّتيجةَ باطمئنانٍ سابقٍ مَوصول.

والصِّفتان ـ ﴿راضيةً مَرضيَّة﴾ ـ تَكشفان حالةَ النَّفس في هذا الرُّجوع. راضيةً ـ بما اكتَسَبَت في الدُّنيا وقَدَّمَت لآخرتها، رِضىً مَوصولٌ منذ بَدء كَسبها الصالح. مَرضيَّةً ـ مَقبولةً عند رَبّها، مُحَقّقةً غايةَ ما خُلِقَت له. ثُمَّ يَأتي الأَمرُ ﴿فادخُلي في عِبادي وادخُلي جَنَّتي﴾ ـ دُخولٌ في الجَماعة المُختارة من العِباد، ودُخولٌ في الجَنَّة التي هي المآلُ الأَبَدي.

خامساً ـ في مُقابِل الفائزة ـ مآلُ النَّفس الخائبة

وفي مُقابِل النَّفس المُطمَئنَّة، يَكشف القرآنُ مآلَ النَّفس الخائبة في صورةٍ مُغايِرةٍ تَماماً. النَّفسُ التي دَسَّت وعاءَها في الدُّنيا، تَلقى يَومَ الحِساب ما يُقابل اطمئنانَ المُطمَئنَّة ـ خَوفاً وحَسرةً وعَجزاً. يَقول تعالى ﴿وأَنذِرهم يَومَ الحَسرَة إذ قُضيَ الأَمرُ وهُم في غَفلَةٍ وهُم لا يُؤمِنون﴾ [مريم 39]. ويَقول ﴿يَومَ تَجِدُ كلُّ نَفسٍ ما عَمِلَت من خَيرٍ مُحضَراً وما عَمِلَت من سوءٍ تَوَدّ لو أَنَّ بَينَها وبَينَه أَمَداً بَعيداً﴾ [آل عمران 30].

وفي هاتَين الآيتَين كَشفان متَكامِلان: الحَسرةُ ـ على ما فَرَّطَت فيه من كَسبٍ نافع، والتَّمَنّي ـ أَن يَكون بَينَها وبَين كَسبها السَّيّئ أَمَدٌ بَعيدٌ يَفصِلها عَنه. لكنّ النَّفسَ لا تَقدِر على فَصلها عن كَسبها، إذ كَسبُها يَحضُر أَمامها كَياناً مُسَجَّلاً مَلموساً ـ كَما تَأَسَّسَ في موضع الشَّهيد.

ولَعَلَّ في لَفظ ﴿مُحضَراً﴾ في آية آل عمران 30 كَشفاً يَتَّتِم ما تَأَسَّسَ في الفقرة السابقة من طَبيعة الشَّهيد. فالأَعمالُ ـ خَيراً أَو سُوءاً ـ تُحضَر أَمام النَّفس كَيانياً مُستَنسَخاً، تُشاهِدها، تُلامِسها، لا تَقدِر على نَفيها ولا على الابتعاد عَنها. والنَّفسُ الخائبةُ ـ حَين تَرى ما عَمِلَت من سوءٍ مُحضَراً أَمامها ـ تَوَدّ لو أَنَّ بَينَها وبَين هذا المُحضَر أَمَداً بَعيداً، لكنَّ المُحضَرَ يَبقى كَما هو، يَشهَد على النَّفس بصورته الكَونية الموَّثَقة.

وهذا التَّقابُلُ ـ بَين الاطمئنان والحَسرة ـ يَكشف بنيةَ الحِساب في حَقّ النَّفس. النَّفسُ تَلقى في يَوم الحِساب ما اكتَسَبَته في الدُّنيا حُضوراً تامّاً ـ كَشفاً بَلا حِجاب. والاطمئنانُ أَو الحَسرةُ تَنبَثِق من ذاتها بَعد تَأَمّل ما يُحضَر لها من كَسبٍ، لا من حُكمٍ خارجيٍّ يُلحَق بها بَلا برهان. النَّفسُ المُطمَئنَّةُ ـ التي قَدَّمَت في الدُّنيا خَيرَ تَقديم ـ تَجِد ما قَدَّمَتْه مُحضَراً، فيَزداد اطمئنانُها بما رَأَتْه مَوصولاً برَجائها. والنَّفسُ الخائبةُ ـ التي دَسَّت وعاءَها ـ تَجِد ما اكتَسَبَتْه من سوءٍ مُحضَراً، فتَحسَر على ما لم تَعُد تَقدِر على رَدِّه.

سادساً ـ خُلاصةُ يَوم الحِساب والمآل

ومن مَجموع هذه القَرائن، يَتَأَسَّس فَهمٌ بنيويٌّ مُحَكَمٌ لطَور البَعث والحِساب والمآل:

النَّفسُ ـ بَعد خُروجها من مُستَودَعها ـ تَلبَس خَلقاً جَديداً يُلائم الأَبدية. وتُساق ـ بسائقٍ نَظاميٍّ ربوبي ـ إلى ساحة الحِساب عند رَبّها (لا عند الله المُطلَق، إذ الحِسابُ شَأنٌ ربوبيٌّ في الإدارة). ويَجتَمِع عَليها في موضع الحِساب شَهيدان: شَهيدٌ خارجيٌّ من الوجود ـ نُسخةُ أَعمالها المُستَنسَخةُ كَونياً، تَنطِق عَليها بالحَقّ المادي المَلموس، تُحضَر أَمامها كَيانياً. وحَسيبٌ داخليٌّ في ذاتها ـ تَعلَم به منتهى حِسابها ومَآلها، لا تَستَطيع نَفيَ ما اكتَسَبَت ولا التَّعَلّلَ بالجَهل بحاله.

وتَلقى النَّفسُ مآلَها بحَسَب ما اكتَسَبَت. النَّفسُ التي زَكَّت وعاءَها بالمعرفة وقَدَّمَت في الدُّنيا خَيرَ تَقديم ـ تَكون قَد بَلَغَت مَنزلةَ الاطمئنان منذ الدُّنيا، فتَرجِع إلى رَبّها حامِلةً اطمئنانَها، تُنادى ﴿يا أَيَّتُها النَّفسُ المُطمَئنَّة ارجِعي إلى رَبّك راضيةً مَرضيَّة﴾، تَدخُل في عِباد الله، تَدخُل الجَنَّة. والنَّفسُ التي دَسَّت وعاءَها ـ تَلقى الحَسرةَ والتَّمَنّي بَين يَدَي ما اكتَسَبَت مُحضَراً أَمامها، تَكون مَآلُها في النار.

وفي هذا الطَّور كلِّه ـ البَعث، السَّوق، الشَّهادة، الحِساب، المآل ـ يَنتَظِم النَّسَقُ القُرآني بنِسبة كلّ شَأنٍ إلى مَقامه: الخَلقُ الجَديد للجَسد تَكوينٌ ربوبيٌّ يُلائم الأَبدية، والسَّوقُ والشَّهادةُ والحِسابُ شُؤونٌ ربوبية، والمآلُ الأَبَدي ـ جَنَّةً أَو ناراً ـ ربوبيُّ التَّدبير، إلهيُّ الإرادة المُطلَقة في النِّهاية.

خاتمةُ القِسم وخاتمةُ فصل النَّفس

وبهذا تَكتَمِل رِحلةُ النَّفس عَبر أَطوارها كلِّها: مَنبَعٌ مَنسوبٌ إلى الله، تَجَلٍّ في ذُرّية آدمَ تَدريجياً عَبر امتلاء الوعاء المعرفي، إنشاءٌ في الجَسد عَبر فَترة الحَمل، كَسبٌ في الحياة الدُّنيا تَتَدافَع فيه الأَمّارةُ واللَّوّامة ـ تَبلُغ به النَّفسُ المُؤمِنةُ العاملةُ مَنزلةَ الاطمئنان، تَوَفٍّ بآليةٍ تَختَلِف بحَسَب الكَسب، حِفظٌ في المُستَودَع عند الله خارجَ الزَّمن، بَعثٌ في خَلقٍ جَديد، رُجوعٌ إلى الرَّبّ للحِساب، ومآلٌ أَبَديٌّ في جَنَّةٍ أَو نار.

والنَّفسُ ـ في هذه الرِّحلة كلِّها ـ هي الكَيانُ الثابتُ الذي يُكَلَّف ويَكتَسِب ويَحمِل ويُحاسَب. الجَسدُ آلةٌ تابعةٌ، يَتَتالى عَليها جَسدان متَتاليان (دُنيوي وأُخروي)، بَين بَدء النَّفس ومآلها. والكَسبُ المعرفيُّ في وعائها هو الذي يُقَرّر مَجراها، إذ ما اكتَسَبَت يَتَسَجَّل كَونياً في الوجود ـ شَهيداً خارجياً ـ ويَنكَشف للنَّفس مَآلُها داخلياً ـ حَسيباً لذاتها. والاثنان معاً يَجعَلان الحِسابَ مُحَكَماً بنظام الحَقّ الذي لا يَتَخَلَّف.

وما يَلي ـ في القِسم التالي من الفصل ـ تَأَنٍّ في الرُّوح، التي تَأَسَّسَ في التَّمهيد أَنها معرفةٌ مُدرَجة في النَّفس، لا كَيانٌ مُستَقِلٌّ. وبَيانُ كَيف تَتَلَقّى النَّفسُ هذه المعرفةَ، وما هي وُجوهُ إدراجها في النَّفس عَبر الأَطوار، يَفتَح بنيةً تُتَتِم ما تَأَسَّسَ في هذا الفصل.

3.1.2الروح

تَمهيد

تَأَسَّسَ في الفصل السابق أَن النَّفسَ كَيانٌ معرفيٌّ واعٍ، خاصٌّ بالإنسان، وعاءٌ يَنفُذ به في أَطوار الوُجود، ويُكَلَّف فيه ويُحاسَب. وتَأَسَّسَ ـ في تَمهيد ذلك الفصل ـ أَن النَّفسَ والرُّوحَ في القرآن ليستا متَرادفتَين، وأَن النَّفسَ مَحَلٌّ، والرُّوحَ مُدرَجٌ في المَحَلّ. ويَستحقّ هذا التَّمييزُ ـ بَعد تَأسيس النَّفس ـ أَن يُتَأَنّى في طَرفه الآخَر، أَي في الرُّوح، إذ بهما معاً تَكتَمِل بنيةُ الإنسان المعرفية.

ولَعَلَّ من أَوَّل ما يَستوقِف ـ مَهما بَلَغَ القارئُ من التَّجَرّد ـ أَن مفهومَ الرُّوح في التَّداوُل الشَّعبي يَلتَبس بمعانٍ متَتَنَوّعة لا يَجمَعها رابطٌ مُحَكَم. فالرُّوحُ في التَّداوُل تُستَعمَل تارةً بمعنى سِرّ الحياة البَيولوجية ـ كَأن يُقال «خَرَجَت رُوحُه» عند المَوت، فيُفهَم منها النَّفَسُ الذي يُفارق الجَسد. وتُستَعمَل تارةً مُرادفةً للنَّفس ـ كَأَن يُقال «نَفسُه» و«رُوحُه» للشَّيء ذاته، في خَلطٍ يَطمس الفَرقَ البنيوي بَينَهما. وتُستَعمَل تارةً بمعنى شَبَحٍ غامض يَبقى بَعد المَوت، يَتَصَرَّف ويُحاكي الأَحياء ـ في تَصَوّراتٍ ثَقافيةٍ متَوارَثةٍ لا أَصلَ لها في النَّصّ. وتُستَعمَل تارةً بمعنى روحٍ معنوية ـ الحَماسة، الإقدام، الانتماء ـ كَأَن يُقال «رُوحٌ عاليةٌ» أَو «رُوحُ الفَريق».

وفي النَّظَر العِلمي المُعاصِر ـ لا يُثبت العِلمُ التَّجريبيُّ للرُّوح وُجوداً قابلاً للقياس، إذ هو يَتَعامَل مع ما يُمكنه رَصدُه بأَدواته. فالرُّوحُ ـ بوَصفها الكيانَ غَيرَ المادي ـ تَنحَلّ في النَّظَر العِلمي إلى ظَواهرَ نَفسيةٍ أَو نَشاطٍ عَصبيّ، أَو تُترَك خارجَ الفَحص بوَصفها مَجالَ المُعتَقَد لا العِلم.

ومن أَشَدّ صُوَر الخَلط في التَّداوُل ما يَجري بَين النَّفس والرُّوح. فقَد رَأَى التَّمهيدُ في الفصل السابق أَن النَّفسَ كَيانٌ له كَينونتُه ووَجودُه الذاتي، يُتَوَفّى ويُحاسَب. وأَن الرُّوحَ ـ في مُقابلها ـ ليست كياناً قائماً بذاته، بَل معنىً معرفيٌّ مُدرَجٌ، يَنزِل من نَبعٍ عِلميٍّ سابق، ينَفُذ في النَّفس فيُحييها بالمعرفة. النَّفسُ تُدرَك بالخُروج إلى عالَم الشَّهادة فارغةً تَكتَسِب باجتهادها، والرُّوحُ تَنزِل عَلَيها مما يُلقى من عالَم الأَمر فيَملَأُ وعاءَها بما يَتَجاوَز إدراكها الذاتي.

ولَعَلَّ في تَأَمّل العَلاقة بَينَهما ما يَتَتِم بنيةَ الإحياء في الإنسان. فالنَّفسُ ـ في تَجَلّيها الدُّنيوي ـ تَنزِل على الجَسد فتُحييه إحياءً مادياً غَريزياً، يَجعَل من كَتلةٍ بَيولوجيةٍ كائناً واعياً ذا حاجاتٍ ورَغَبات. والرُّوحُ ـ في إدراجها في النَّفس ـ تُحييها إحياءً معرفياً معنوياً، يَنقُلها من حالٍ غَريزيٍّ بَحت إلى حالٍ واعٍ بالحَقّ، مُدرِكٍ للمعنى، مُلامِسٍ لما وراءَ الحاجة المُباشَرة. فالنَّفسُ إحياءٌ للمادَّة، والرُّوحُ إحياءٌ للمعنى. وما يَمَيّز الإنسانَ ـ في خاتمة ما يَتَكَشَّف ـ أَنه كَيانٌ مَنفوذٌ بالإحياءَين معاً: نَفسٌ تَحمل غَرائزَه، ورُوحٌ تَفتَح له ما وراءَ الغَرائز.

ولَعَلَّ في تَأَمّل ما تَقَدَّمَ ما يَكشف بنيةً ثُلاثيةَ المَستويات في كَينونة الإنسان. الجَسدُ ـ مادَّةٌ مَحضة، كَتلةٌ بَيولوجيةٌ كَسائر الأَجسام. تُحييه النَّفسُ ـ فتَنقُله من المَحض المادي إلى الكائن الحَيّ الواعي بحاجاته. ثُمَّ تَزيد الرُّوحُ على النَّفس بُعداً ثالثاً ـ تُحييها فتَصير ذاتَ معرفةٍ ومعنىً وإيمان. ولِذا يَكون التَّأَنّي في الرُّوح ـ بَعد تَأَسيس النَّفس ـ خاتمةَ ما يَكشف بنيةَ الإنسان في كَينونته.

ولَعَلَّ مما يَجِب تَثبيتُه قَبل المُضيّ ـ أَن الرُّوحَ في القرآن لها وُجوهٌ متَنَوّعة تَستحقّ التَّأَنّي عند كلّ وَجهٍ منها. فقَد يَكون لَفظ «الرُّوح» مُضافاً إلى الرَّبّ ـ ﴿نَفَختُ فيه من رُوحي﴾ في خَلق آدم وفي نَفخ المَسيح، أَو مُنَكَّراً مُتَبَعَّضاً مَنسوباً إلى الله ـ ﴿ورُوحٌ منه﴾ في وَصف عيسى، أَو مَوصوفاً بالقُدُس ـ ﴿برُوح القُدُس﴾، أَو بالأَمين ـ ﴿نَزَلَ به الرُّوحُ الأَمين﴾، أَو مَنسوباً إلى المَلَكوت الإلهيّ ـ ﴿يُنَزّل المَلائكةَ بالرُّوح من أَمره﴾. وهذه الوُجوهُ ـ على تَنَوّعها ـ ليست متَناقِضةً ولا متَبايِنةً تَبايُناً يُفقد المفهومَ وَحدتَه، بَل مَثاني متَلائمة تَكشف عن بنيةٍ واحدةٍ ذاتِ أَوجُهٍ متَكاملة. وكلَّما تَتَبَّعَ الباحثُ هذه الوُجوهَ بمنهج الاستقراء، كلَّما انكَشَفَت له بنيةُ الرُّوح بصورةٍ أَدَقّ وأَوسَع.

ولَعَلَّ مما يَستحقّ التَّأَنّيَ مَنهجياً ـ أَن مفهومَ الرُّوح يَفتَح بنيةً مَوصولةً بكلّ ما تَأَسَّسَ في الكتاب من تَمييزات: التَّمييزُ بَين الإلهي والربوبي (3.1.1.3)، والتَّمييزُ بَين عالَم الأَمر وعالَم الخَلق، والتَّمييزُ بَين التَّشريع المُجَرَّد والكَونيات الجارية. وفي تَأَمّل آيات الرُّوح ـ يَتَكَشَّف لاحقاً ـ أَن الرُّوحَ من الله تَخصّ ما يَتَعَلَّق بالخِطاب الإيمانيّ المُتَلوّ والتَّشريع المُطلَق، وأَن الرُّوحَ من الرَّبّ تَخصّ ما يَجري في الوُجود من تَدبيرٍ وسُنَنٍ وكَونياتٍ وقَصصٍ وأَحداث آخرة. وهاتان الرُّوحان تَتَكامَلان فتَكَوّنان الرُّوحَ الجامعةَ. أَمّا رُوحُ القُدُس ـ فآليةٌ بنيويةٌ كَونيةٌ مُحَكَمة، يَتِمّ من خِلالها صياغةُ هذه الرُّوح الجامعة بصياغةٍ مُحَرَّرةٍ عن الزَّمن، لا تَتَأَثَّر بتَحَوّر الأَزمنة ولا بتَغَيّر الأَمكنة. فالرُّوحُ الجامعةُ = المحتَوى، ورُوحُ القُدُس = آليةُ الصياغة المُنَزَّهة زَمنياً.

ولَعَلَّ مما يَستحقّ التَّأَنّي ـ قَبل التَّمييز بَين وُجوه الرُّوح ـ تَحريرُ مفهوم «القُدُس» الذي وَردَ في أَحَد هذه الوُجوه. فالقُدُسُ في اللسان ـ في تَأَنٍّ بنيويٍّ دَقيقٍ ـ كَلِمةٌ لا تَنتَمي للوُجود في حَقيقتها. وذلك أَن كلَّ ما في الوُجود يَتَماهى زَمنياً وسُنَنياً ـ يَتَغَيَّر، يَختَلِف، يَنمو، يَذبُل، يَحيا، يَموت ـ بحُكم انتمائه إلى نَسيج الوُجود الذي تَجري فيه سُنَنُ الزَّمن والتَّدافُع. فالمادَّةُ تَتَحَوَّل، والمفاهيمُ تَرقى في زَمنها ثُمَّ تَموت عَبر الزَّمن، والكائناتُ تَحيا وتَفنى. فلا مُقَدَّسَ في الوُجود في حَقيقته.

أَمّا القُدُسُ ـ فهو جَعلُ الشَّيء خارجَ التَّغيير والنَّقص والتَّماهي. خروجٌ من سُنَن الوُجود التي تَفرض التَّحَوّر، إلى مَقامٍ لا يَتَأَثَّر بالزَّمن ولا بالنَّقص ولا بالتَّفَكّك. ولَعَلَّ في تَمثيلٍ للتَّقريب ما يَكشف هذا المعنى ـ كَالماء المُقَدَّس الذي لا يَتَحَوَّر، يَبقى نَقاؤه مُستَمِرّاً، لا يَتَفَكَّك، يَبقى صالحاً نَقياً دائماً. وهذا التَّمثيلُ ـ على لُطفه ـ تَقريبيٌّ، إذ لا ماءَ في الوُجود يَخرُج من سُنَن التَّفَكّك. لكنّه يَفتَح صورةَ ما يَكشفه القُدُس بنيوياً ـ مَقامٌ خارجَ سُنَن الوُجود، لا يَجري عَلَيه ما يَجري على غَيره.

ولِذا حَين يَقول القرآنُ «رُوحُ القُدُس»، فالمَعنى ـ كَما يَتَكَشَّف ـ آليةٌ مَوصولةٌ بهذا المَقام، تَحمِل في صياغتها صِفةَ مَنبَعها. ما يَنزِل بها لا يَتَأَثَّر بالزَّمن، ولا يَموت مع تَغَيّر الأَزمنة، ولا يَنقُص بتَوارد الأَجيال. ولَعَلَّ في هذا التَّأَسيس مِفتاحاً يَخدِم فَهمَ ما يَتَتالى من المَواضع، وآليةَ التَّنزيل القُرآنيّ، وتَأييدَ الرُّسُل، وبنيةَ الإحياء المعرفيّ المُحَرَّر من قُيود الزَّمن.

ومن هنا، يَستحقّ مفهومُ الرُّوح استنطاقاً مُستَأنَفاً ـ نَعرِض فيه آياتِ الرُّوح بَعضَها على بَعض، ونَدَع النَّصَّ يُحَدّد بنيتَها، وآليتَها، ووَجهَ تَلَقّيها، وعَلاقتَها بالنَّفس وبالكَون وبالتَّنزيل. وهذا ما يَتَتَبَّعه هذا الفصلُ ـ استقراءً للنَّصّ، لا إسقاطاً عَلَيه ـ ليُلائم منهج «أَصل الوُجود» القائمَ على القرآن يُفَسّر بَعضُه بَعضاً، بَلا حُكمٍ سابقٍ ولا تَأويلٍ مَوروث.

3.1.2.1الرُّوح تَعريفاً وفَهماً لُغوياً ومعرفياً

تَأَسَّسَ في التَّمهيد أَن الرُّوحَ ليست كياناً قائماً بذاته، بَل معنىً معرفيٌّ مُدرَجٌ يُحيي النَّفس. ولَعَلَّ في فَحص اللَّفظ ـ في اللسان والقرآن ـ ما يَزيد التَّعريفَ تَحريراً ووُضوحاً.

ولَفظُ «الرُّوح» في اللسان العَرَبيّ الحَيّ يَدلّ ـ في موضع استعماله الجَوهري ـ على الخُلاصة، العَصارة، النَّتيجة المُكَثَّفة، الجَوهَر المُسَتَخلَص من شَيءٍ ما. ولَعَلَّ في تَأَمّل ما يَجري على الأَلسنة في اللسان الشَّعبي كَشفاً يَخدِم التَّقريب: حَين نَقول «رُوحُ الخَلّ»، فالمَقصودُ عَصارةُ المُخَمَّر وخُلاصتُه المُكَثَّفة، لا الراحةُ ولا الانفِراج. وحَين نَقول «رُوحُ الزَّيت» أَو «رُوحُ النَّبتة»، فالمَقصودُ النَّتيجةُ المُسَتَخلَصة، الجَوهَرُ الذي بَقيَ بَعد التَّكثيف. فالرُّوحُ في اللسان ـ ما بَقيَ من شَيءٍ بَعد استخلاصه وتَكثيفه.

ولَعَلَّ مما يَستحقّ التَّأَنّي ـ أَن هذا الفَهمَ يَنسَجِم تَماماً مع استعمال القرآن للَفظ «الرُّوح» في سياقاته المُتَنَوّعة. فالرُّوحُ في القرآن ـ كَما يَكشفه استقراءُ الآيات ـ خُلاصةٌ معرفيةٌ مُكَثَّفة، تَنزِل من عالَم الأَمر، عَصارةٌ مُسَتَخلَصة من مَصدرها العِلمي. تَنزِل على النَّفس فتُحييها بالمعرفة، تَفتَح لها بُعداً يَتَجاوَز إدراكها الذاتي، تُلقى إليها بصورةٍ مَضغوطةٍ تَحتَمِل التَّدَبّرَ والاجتهاد.

ولَعَلَّ مما يُعَضّد هذا التَّأَسيسَ ـ التَّوازي البنيويُّ بَين الرُّوح والنَّبأ في القرآن. فالنَّبأ في اللسان ـ كَما تَأَسَّسَ في موضعه ـ خَبَرٌ مُقتَضَب، مَضغوطُ المعنى، يَحمِل عُمقاً وُجودياً لا تَفصيلاً موسوعياً. ويَتَّسق هذا تَماماً مع طَبيعة الرُّوح ـ خُلاصةٌ تُلقى، عَصارةٌ تُنَزَّل، لا إحاطةٌ كامِلةٌ بتَفاصيل ما تُكَشَف عَنه. ولِذا يَتَّسق قَولُه تعالى ﴿ذلك من أَنباء الغَيب نُوحيه إليك﴾ [هود 49] مع قَوله ﴿وكَذلك أَوحَينا إليك رُوحاً من أَمرنا﴾ [الشورى 52] ـ المُوحى في كلَيهما خُلاصةٌ مُكَثَّفة، لا تَفصيلٌ مُحيط.

ويُلامِس هذا الفَهمَ قَولُه تعالى ـ في خاتمة آية السؤال عن الرُّوح ـ ﴿وما أُوتيتُم من العِلم إلا قَليلاً﴾ [الإسراء 85]. فالعِلمُ المُنَزَّل ـ كَونه «قَليلاً» في مَقابل عِلم الله المُطلَق ـ يَكشف طَبيعةَ الرُّوح: ليست إحاطةً موسوعية، بَل خُلاصةٌ كافيةٌ للتَّكليف والتَّدَبّر، تَفتَح بابَ الاجتهاد ولا تَقفله، تَتَكَشَّف عَبر الأَزمنة ولا يَنطَفِئ بَريقُها.

ومن مَجموع هذه القَرائن، يَنتَظِم تَعريفُ الرُّوح في القرآن على بناءٍ متماسك: خُلاصةٌ معرفيةٌ مُكَثَّفة، عَصارةٌ مُسَتَخلَصةٌ من عالَم الأَمر، تَنزِل من مَصدرها العِلمي إلى النَّفس فتُحييها إحياءً مَعرفياً معنوياً، تُلقى مَضغوطةً مَوصولةً بالحَقّ، تَفتَح للنَّفس بابَ التَّدَبّر والاجتهاد، ولا يَنطَفِئ بَريقُها مع تَكَشّف الواقع لأَنها مَصوغةٌ بصياغةٍ مُحَرَّرةٍ زَمنياً ـ كَما سيَتَكَشَّف في موضعه عند الحديث عن رُوح القُدُس.

ومما يَنفُذ من بنية الرُّوح كأَنباء ـ أَنها تَحفَظ تَوازُناً بَديعاً بَين المعرفة المُنَزَّلة والمعرفة المُكتَسَبة. فالرُّوحُ بكَونها خُلاصةً مُكَثَّفةً لا إحاطةً تَفصيلية، تَفتَح بابَ الاجتهاد البَشَري بَلا أَن تَقفله، تَحفَظ الحُدودَ بَين ما يُنزَل من عالَم الأَمر وما يَكتَسبه الإنسانُ باجتهاده، تُبقي الديناميكيةَ حَيَّةً بَين الغَيب والشَّهادة. ولَو كانَت الرُّوحُ إحاطةً موسوعيةً كامِلة، لانتَفى دَورُ الاجتهاد، وانطَفأَت الديناميكيةُ التي بها يَنمو الوَعيُ البَشَريُّ عَبر الأَزمنة. ولكنّها أَنباءٌ ـ نَواةٌ تَفتَح ولا تَقفل، تُلقى ليَتَدَبّرها الإنسانُ، فيَكتَشف معانيها بحَسَب ما يَتَوافَر له من معرفةٍ مَكتَسَبةٍ في زَمَنه.

3.1.2.2مساراتُ الرُّوح ونِسبتها

تَأَسَّسَ في القِسم السابق أَن الرُّوحَ خُلاصةٌ معرفيةٌ مُكَثَّفة، تَنزِل من مَصدرٍ أَمريٍّ سابقٍ على التَّجَلّي، فتُحيي النَّفسَ إحياءً معنوياً. ولَعَلَّ مما يَستحقّ التَّأَنّي ـ بَعد التَّعريف ـ التَّمييزُ بَين مسارات الرُّوح في القرآن بحَسَب نِسبتها، إذ لا يَستَقيم فَهمُ الرُّوح بَلا ضَبط هذا التَّمييز.

ولَعَلَّ في تَتَبّع آيات الرُّوح كَشفاً منهجياً يَستحقّ التَّثبيت: أَن النِّسبةَ في الرُّوح أَمريةٌ، لا مَكانية. فحَين يَقول القرآنُ ﴿قُل الرُّوحُ من أَمر رَبّي﴾ [الإسراء 85]، أَو ﴿يُلقي الرُّوحَ من أَمره﴾ [غافر 15]، أَو ﴿أَوحَينا إليك رُوحاً من أَمرنا﴾ [الشورى 52] ـ ليس المَقصودُ مَكاناً مُحَدَّداً تَنبَع منه الرُّوح، إذ الذاتُ الإلهيةُ لا يَحُدّها مَكان، والرَّبّ تَدبيرُه يَجري في كلّ مَكانٍ بَلا تَخصيص. بَل المَقصودُ مَصدريةٌ أَمريةٌ ـ الرُّوحُ تَنزِل بأَمرٍ، تَحمِل صياغةَ مَنبَعها، يَتَلَقّاها مَن أُذنَ له. ولِذا لا نَجزم في هذا القِسم بمَكانٍ مُحَدَّدٍ تَنبَع منه الرُّوح، بَل نَقتَصر على ما يَجزم به النَّصُّ ـ نِسبتها وطَبيعتها.

ولَعَلَّ في تَدَبّر آيات الرُّوح ما يَكشف ثَلاث مسارات متَلائمة، يَتَمَيَّز كلٌّ منها بنِسبته.

المسارالأَوَّل ـ الرُّوحُ من عند الله. وهي الرُّوحُ ذاتُ النِّسبة الإلهية، الخاصَّةُ بالمُؤمن بمَقام إيمانه برسالات الله. ولَعَلَّ مما يَكشفها قَولُه تعالى في حَقّ المَسيح عيسى ابن مَريم: ﴿إنَّما المَسيحُ عيسى ابنُ مَريم رَسولُ الله وكَلِمَتُه أَلقاها إلى مَريم ورُوحٌ منه﴾ [النساء 171]. ولَعَلَّ في صياغة ﴿رُوحٌ منه﴾ كَشفاً بنيوياً دَقيقاً ـ فلَفظُ «رُوحٌ» مُنَكَّرٌ يَدلّ على جُزءٍ من كُلّ، و«منه» تَبعيضيةٌ تَكشف أَن هذه الرُّوحَ ليست الرُّوحَ الجامعة، بَل بَعضٌ منها يَخصّ جُزئيةً مُحَدَّدة ـ هي ما يَتَعَلَّق بمَقام الإيمان والرِّسالة.

ومما يُعَضّد المسارَ الإلهيَّ ـ بصياغةٍ صَريحةٍ في النِّسبة ومضمونٍ تَشريعيٍّ قيميٍّ مَوصولٍ بالتَّوحيد والإنذار ـ قَولُه تعالى ﴿ينَزّل المَلائكةَ بالرُّوح من أَمره على من يَشاء من عباده أَن أَنذروا أَنه لا إله إلا أَنا فاتَّقون﴾ [النحل 2]، وقَولُه ﴿رَفيعُ الدَّرَجاتِ ذو العَرشِ يُلقي الرُّوحَ من أَمره على من يَشاء من عباده لينَذر يَومَ التَّلاقي﴾ [غافر 15]. والآيتان تَكشفان النِّسبةَ إلى الله بضَمير «من أَمره» العائدِ على الاسم الإلهيّ، ومضمونُهما يُلائم النِّسبةَ ـ التَّوحيدُ والاتقاءُ في الأُولى، والإنذارُ بيَوم التَّلاقي (يَوم القيامة) في الثانية. فما كان موضوعُه تَشريعياً قيمياً أَخلاقياً مَوصولاً بالتَّوحيد أَو الرِّسالة أَو يَوم الفَصل ـ ينَسَب لله بنِسبةٍ مَصدريةٍ أَمرية. وهذا يُعَضّد ما تَأَسَّسَ من مَسارٍ إلهيٍّ خاصٍّ بمَقام الإيمان والتَّشريع.

ومما يَستحقّ التَّأَنّيَ في هذا الموضع ـ تَدَبّرُ قَوله تعالى ﴿ويَسأَلونَك عَن الرُّوح قُل الرُّوحُ من أَمر رَبّي وما أُوتيتُم من العِلم إلا قَليلاً﴾ [الإسراء 85]. والآيةُ ليست تَعريفاً جامعاً للرُّوح بكلّ مَساراتها، بَل إجابةٌ لسائلٍ يَبحَث في الرُّوح مُجَرَّدةً بَلا تَخصيصٍ بكتاب. والسائلُ سَأَلَ عَن الرُّوح في جانبها العامِّ ـ مَدى ومَصدراً وكَيفيةً ـ فجاءَ الجَوابُ في حُدود سُؤاله، يَكشف الآليةَ التَّدبيريةَ الربوبيةَ التي تَنفُذ بها الرُّوحُ في الوُجود. ولا تَنفي الآيةُ المسارَ الإلهيَّ في الكتاب المُنَزَّل، إذ الكتابُ يَحمل رُوحاً جامعةً تَشمل ما هو من رَبّ العالَمين وما هو من الله. وخاتمةُ الآية ﴿وما أُوتيتُم من العِلم إلا قَليلاً﴾ تَكشف نِسبيةَ المعرفة البَشَرية في مُقابل عِلم الله المُطلَق. فالرُّوحُ في متَناول من اجتَهَد واستَحَقّ، تَنزِل بقَدر بَحث الباحث وإنابته، أَكبَر من أَن يَستَخفَّ بها مُستَخِفٌّ، وأَوسَع من أَن يُحيط بها عِلمٌ بَشَريٌّ كاملاً.

ولَعَلَّ مما يَستحقّ التَّأَنّي ـ أَن نِسبةَ هذه الرُّوح لله لا تَختَزِل في التَّشريع المُجَرَّد، بَل تَتَّسع لتَشمَل كلَّ ما يَخصّ المُؤمنَ بمَقام إيمانه ـ التَّشريعَ، والتَّثبيتَ ﴿يُثَبّت الله الذين آمنوا بالقَول الثابت﴾ [إبراهيم 27]، والتَّأييدَ، والسَّكينةَ ﴿هو الذي أَنزَلَ السَّكينةَ في قُلوب المُؤمنين﴾ [الفتح 4]، والنُّورَ، والوِلايةَ ﴿الله وَليُّ الذين آمنوا يُخرجُهم من الظُّلُماتِ إلى النور﴾ [البقرة 257]. والجامعُ بَين هذه ـ خُصوصيةٌ بمَقام الإيمان، وعَلاقةٌ مُباشَرةٌ بالعَبد المُؤمن برِسالات الله.

ويُعَضّد هذا الفَهمَ صياغةُ الخِطاب في القرآن ـ فحَين يَخصّ خِطابُ المُؤمنين، تَأتي النِّسبةُ الإلهية ﴿يا أَيُّها الذين آمنوا اتَّقوا الله﴾ [التوبة 119]، وحَين يَعمّ خِطابُ الناس، تَأتي النِّسبةُ الربوبية ﴿يا أَيُّها الناسُ اتَّقوا رَبَّكم﴾ [النساء 1، الحَجّ 1، البقرة 21]. فالخُصوصيةُ الإلهية ـ للمُؤمنين برسالاته، والعُمومُ الربوبيُّ ـ لكلّ الناس.

المسار الثاني ـ الرُّوحُ من رب العالمين. وهي الرُّوحُ الكَونيةُ القَصصيةُ ذاتُ النِّسبة الربوبية، التي تَعمّ كلَّ الناس بَلا تَخصيص بمَقام إيمان. ولَعَلَّ في قَوله تعالى في خَلق آدم ـ ﴿فإذا سَوَّيتُه ونَفَختُ فيه من رُوحي فَقَعوا له ساجِدين﴾ [الحِجر 29، ص 72] ـ شاهداً جلياً. فالمُتَكَلّمُ في السياق هو رَبّ العالَمين الذي يَتَوَلّى الخَلقَ والتَّسوية، والنَّفخُ فِعلٌ ربوبيٌّ يَجري في الوُجود. ويَتَّسق مع ذلك قَولُه تعالى ﴿تَنَزَّلُ المَلائكةُ والرُّوحُ فيها بإذن رَبّهم﴾ [القَدر 4] ـ النِّسبةُ الربوبيةُ صَريحةٌ في «رَبّهم».

ويَتَّسع مَجالُ هذه الرُّوح ليَشمَل ـ كَما تَأَسَّسَ ـ كلَّ ما يَخصّ التَّدبيرَ الربوبيَّ الجاري: السُّنَنَ الكَونية، وأَنباءَ الأَجيال السابقة، والقَصصَ والعِبَر، وآياتَ الكَون في السَّماوات والأَرض، وما يَجري في الإنسان من فِكرٍ وعَيش ومُجتَمَع، وما يَترَتَّب على ذلك من حِسابٍ ومَصير. والمَنزِلُ ـ في كلّ هذا ـ ربوبيٌّ، يَعمّ المُؤمنَ والكافرَ، يُخاطِب الإنسانَ بصورته الجامعة، يُلامس وَعيَه ومَصيرَه بَلا تَخصيصٍ بطائفة.

المسار الثالث ـ الرُّوحُ الجامعة. وهي الرُّوحُ المُثَنّى وَظيفياً، الجامعةُ بَين النِّسبتَين الإلهية والربوبية معاً. ولَعَلَّ في قَوله تعالى ﴿وكَذلك أَوحَينا إليك رُوحاً من أَمرنا ما كُنتَ تَدري ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولكنْ جَعَلناه نوراً نَهدي به مَن نَشاءُ من عبادنا﴾ [الشورى 52] كَشفاً بنيوياً لهذا النَّوع. فصياغةُ ﴿أَوحَينا﴾ بصيغة الجَمع ـ مُثَنّى وَظيفي يَجمَع نِسبتَي الذاتَ الإلهية والرَّبّ معاً. ويُعَضّد ذلك تَعريفُ هذه الرُّوح بـ﴿الكِتاب﴾ و﴿الإيمان﴾ ـ شِقّان متَلائمان: الكِتابُ ينَسَب لله بكَونه التَّشريعَ وآياتِه الخاصَّةَ بالمُؤمنين، والإيمانُ مَوصولٌ بالرَّبّ بكَونه الإيمانَ بالكَونيات والقَصص. ولِذا يُذَيّل بقَوله ﴿جَعَلناه نوراً﴾ ـ بضَمير المُفرَد العائد على الرُّوح، فالشِّقّان نورٌ واحدٌ مُحَكَم. وهذا النَّوعُ ـ الرُّوحُ الجامعة ـ هو ما يَنزِل به الكِتابُ كاملاً، يَجمَع تَشريعَ الله وآياتِه مع القرآن الربوبيّ في صياغةٍ واحدةٍ مَصوغةٍ بآلية رُوح القُدُس المُنَزَّهة زَمنياً.

ولَعَلَّ في تَأَمّل هذه المسارات الثَّلاثة ـ بَعد التَّمييز ـ ما يَكشف أَن مسارات الرُّوحَ في القرآن ليست مَفهوماً واحداً مُجَرَّداً، بَل بنيةٌ ذاتُ أَوجُهٍ متَكامِلةٍ تَتَنَوَّع بحَسَب نِسبتها وطَبيعة محتَواها. الرُّوحُ من عند الله ـ تَنزِل على المُؤمنين بما يَخصّ مَقامَ إيمانهم برسالاته. والرُّوحُ من عند الرَّبّ ـ تَعمّ كلَّ الناس بما يَخصّ التَّدبيرَ الكَوني والقَصصيَّ والوُجوديَّ الجاري. والرُّوحُ الجامعة ـ تَجمَعهما في صياغةٍ واحدةٍ تُلائم رِسالةَ الكِتاب الخاتمة.

ومما يَستحقّ التَّثبيت منهجياً ـ أَن هذا التَّمييز لا يَنفي وَحدةَ المفهوم الجَوهري للرُّوح كَخُلاصةٍ معرفيةٍ مُكَثَّفة، بَل يَكشف تَنَوّعَ تَجَلّيها بحَسَب نَوع المحتَوى الذي تَحمِله. فالرُّوحُ ـ في كلّ أَنواعها ـ خُلاصةٌ. لكنّ مَضامين الخُلاصة تَتَنَوَّع: قَد تَكون خُصوصيةً إيمانيةً للمُؤمن (إلهية)، أَو سُنَناً كَونيةً وقَصصاً جاريةً لكلّ الناس (ربوبية)، أَو جامعةً للنَّوعَين كَما في الكِتاب نَفسه.

ولا يَستَقيم ـ في هذا القِسم ـ أَن نَخوض في تَفصيل مَكان الرُّوح قَبل تَنَزّلها، إذ لا يَجزم القرآنُ بمَوقعٍ مكانيٍّ مُحَدَّد. ما يَجزم به النَّصُّ هو النِّسبةُ الأَمريةُ والنَّوعية، وما عَدا ذلك يَبقى عند الله، لا يَتَجاوَزه الباحثُ بَلا شاهدٍ صَريح.

3.1.2.3نَفخُ الرُّوح

تَأَسَّسَ في القِسم السابق أَن الرُّوحَ تَسلُك مَساراتٍ متَنَوّعةً بحَسَب نِسبتها، وأَن كلَّ مَسارٍ يَخصّ مَجالاً مُحَدَّداً ـ الإلهيُّ لمَقام الإيمان والفِكر، والربوبيُّ للضَّبط السُّلوكي والتَّدبير الكَوني. ومما يَستحقّ التَّأَنّي ـ بَعد ضَبط المَسارات ـ تَدَبّرُ نَفخ الرُّوح في الإنسان بصورته البنيوية، إذ هو المَوضعُ الذي تَدخُل به الرُّوحُ في كَينونة الإنسان فتُمَيّزه عَن سائر المَخلوقات.

ويَنفَتح للمُتَدَبّر في لَفظ «النَّفخ» نَفسه ـ في اللسان والقرآن ـ بنيةٌ بَديعة. فالنَّفخُ في اللسان الحَيّ ليس مَحضَ إدخالٍ، بَل تَسريعٌ في الإدخال والتَّجَلّي. كَما يُقال نَفخَ في المِزمار ـ فيُسَرّع الهَواءَ فيه ليَصدُر منه ما يَريد من أَصواتٍ ذاتِ مَستوياتٍ مُختَلفة. وكَما يُقال نَفخَ في النار ـ فيُسَرّع اشتعالها. فالنَّفخُ ـ في جَوهره ـ تَسريعٌ في إدراج أَمرٍ ما يَتَجاوَز التَّدَرّجَ الطَّبيعيَّ المُعتاد. ويَتَّسق هذا مع استعمالات القرآن: نَفخُ الصُّور [الزُّمَر 68] ـ تَسريعُ تَجَلّي اليَوم الآخر، ونَفخُ الرُّوح ـ تَسريعُ تَجَلٍّ معرفيٍّ في الإنسان.

ويُكَرّر القرآنُ صياغةَ النَّفخ في مَواضع متَلائمة، لكنّها تَتَمَيَّز بنيوياً بحَسَب موضع النَّفخ ومَن يُنفَخ فيه. ففي خَلق آدم ـ ﴿فإذا سَوَّيتُه ونَفَختُ فيه من رُوحي فَقَعوا له ساجِدين﴾ [الحِجر 29، ص 72] ـ النِّسبةُ ربوبيةٌ صَريحةٌ (المُتَكَلّم رَبّ العالَمين). وفي خَلق الإنسان ـ ﴿ثُمَّ سَوّاه ونَفَخَ فيه من رُوحه﴾ [السجدة 9] ـ النِّسبةُ إلهية. وفي خَلق المَسيح عَبر مَريم ـ ﴿فَنَفَخنا فيها من رُوحنا﴾ [الأنبياء 91، التحريم 12] ـ مُثَنّى وَظيفي. والتَّمييزُ بَين هذه المَواضع جَوهري، لا تَكرارٌ لنَفس الفِعل.

وفي هذا التَّمييز كَشفٌ يَتَتِم ما تَأَسَّسَ في الفصل السابق ـ أَن البَشَر بنيةٌ تَكوينيةٌ ربوبيةٌ تَخصّ الضَّبطَ السُّلوكي والتَّناغُمَ مع الوُجود، والإنسان بنيةٌ معرفيةٌ إلهيةٌ تَخصّ الفِكر والوَعيَ والإيمان. ويُعَضّد ذلك قَولُه تعالى ﴿وإذ أَخَذَ رَبُّك من بَني آدمَ من ظُهورهم ذُرّيَّتَهم وأَشهَدَهم على أَنفُسهم أَلَستُ بربّكم قالوا بَلى﴾ [الأعراف 172] ـ النِّسبةُ الربوبيةُ في موضع الإقرار، إذ الإقرارُ سُلوكيٌّ تَكوينيٌّ، لا فكريٌّ معرفي.

وفي الصياغة ﴿نَفَختُ فيه من رُوحي﴾ ـ في آدم ـ كَشفٌ لطَبيعة المَنفوخ. فـ«مِن» التَّبعيضية ـ كَما تَأَسَّسَ في 3.1.2.2 ـ كَشفٌ عن جُزءٍ من الرُّوح، ليس رُوحاً جامعةً. وهذا الجُزءُ ـ بأَمانة ـ ليس المعرفةَ الربوبيةَ كامِلةً، إذ المعرفةُ الربوبيةُ أَوسَعُ بكَثيرٍ مما نُفِخَ في آدم أَوَّلَ الأَمر. بَل المَنفوخُ في آدم هو المَبادئُ الأَوَّلية للتَّجريد التي بها يَصبح متَوافقاً مع الوُجود، متَناغماً مع واقعه. اللَّبِنةُ الأَوَّلى والأَصلُ الذي انطَلَقَ منه الإنسانُ الأَوَّل نَحوَ التَّرَقّي في الحياة، يَكتَسب بَعدها بحَسَب اجتهاده وتَوارُد المعرفة عَبر الأَجيال.

ومما يَنفَتح للنَّظَر ـ تَتابُعُ الفِعلَين في الآية: ﴿سَوَّيتُه﴾ ثُمَّ ﴿نَفَختُ فيه﴾. فالتَّسويةُ ـ في اللسان وفي بنية الآية ـ هي إكمالُ البنية البَيولوجية وضَبط أَجزائها على نَسَقها التَّكويني. وما إن تَكتَمل التَّسوية، حَتى يَأتي النَّفخُ ـ تَسريعٌ في إدراج المَبادئ الأَوَّلية للتَّجريد. والتَّرتيبُ بنيويٌّ مُحَكَم: التَّسويةُ تُهَيّئ المَحَلَّ، والنَّفخُ يُسَرّع التَّجَلّيَ المَعرفيَّ فيه. ولِذا تَأَسَّسَ في الفصل السابق (3.1.1) أَن النَّفسَ تُحيي الجَسدَ إحياءً مادياً غَريزياً، ثُمَّ إدراجُ الرُّوحُ في النَّفس إحياءً معنوياً.

ومما يَستحقّ التَّأَنّي ـ أَن «آدم» في القرآن ليس فَرداً بَل نَوعاً بَشَرياً، كَما تَأَسَّسَ في فصل النَّفس (3.1.1). والنَّفخُ المُشارُ إليه ـ نَفخٌ في النَّوع كاملاً بصياغته الربوبية المُسَرّعة. أَمّا تَجَلّي النَّفس في الذُّرّية، فيَجري ـ كَما تَأَسَّسَ في 3.1.1 ـ مع إنشاء الجَنين في بَطن أُمّه، حَيث نُموُّ الجَنين المُتَدَرّج يُغَشّي النَّفسَ فتَتَواءَم معه. وتَكون النَّفسُ عند تَجَلّيها فارغةً، تَمتَلئ بالتَّوارُد عَبر الأَجيال، فيَرتَقي محتَواها المَعرفيُّ بارتقاء الأُمَم عَبر الزَّمن. وفي هذا التَّجَلّي ـ تَنزِل الرُّوحُ على النَّفس بحَسَب طَلَب صاحبها واجتهاده، فتُحييها معنوياً بمقدار ما اكتَسَب من معرفة.

وفي تَأَمّل آيات نَفخ المَسيح كَشفٌ يَتَتِم بنيةَ النَّفخ بصورةٍ بَديعة. فقَولُه تعالى في مَريم ﴿فَنَفَخنا فيها من رُوحنا﴾ [الأنبياء 91، التحريم 12] يَستَخدِم نَفسَ بنية النَّفخ، لكنّ صيغةَ ﴿رُوحنا﴾ بضَمير الجَمع تَكشف مُثَنّى وَظيفياً ـ كَما في الشورى 52 ـ يَجمَع بَين رُوحٍ من الله (المعرفة التَّشريعية الإلهية) ورُوحٍ من رَبّ العالَمين (المعرفة التَّكوينية الربوبية). والمَسيحُ ـ في تَكوينه ـ شموليةٌ في الرُّوح، تَشريعٌ وتَكوينٌ مَدمجان معاً في زَمَنٍ واحدٍ منذُ المَهد. ما نُفِخَ فيه ـ تَعليمُ الكِتاب والحِكمة في كَينونته، لا تَنزيلُ كِتابٍ مُستَقِلٍّ عَلَيه.

ومما يَستحقّ التَّأَنّيَ في رِسالة المَسيح ـ أَن الكِتابَ لم ينَزَّل عَلَيه كَما نُزّلَ على موسى أَو على محمد ﷺ. فالكِتابُ نَزَلَ في الرِّسالات مَرَّتَين كِتاباً رِسالياً: الأُولى على موسى كِتاباً رِسالياً لقَومه وهدى للناس، والثانية على محمد ﷺ كِتاباً رِسالياً جامعاً للناس كافَّة. أَمّا المَسيحُ ـ فقَد عُلّمَ الكِتابَ والحِكمةَ، وأُيّدَ برُوح القُدُس، وجُعلَ نَبياً ورَسولاً لبَني إسرائيل. ورِسالتُه ـ كَما تَكشفها صياغةُ القرآن ـ مَوصولةٌ بكِتاب موسى الذي بَين يَدَيه ـ ﴿ومُصَدّقاً لما بَين يَدَيَّ من التَّوراة﴾ [آل عمران 50].

وفي تَأَمّل قَوله تعالى على لِسان المَسيح ﴿أَنّي قَد جئتُكم بآيةٍ من رَبّكم... ولأُحلَّ لَكم بَعضَ الذي حُرّمَ عَلَيكم وجئتُكم بآيةٍ من رَبّكم﴾ [آل عمران 49-50] ـ تَمييزٌ بَين أَمرَين متَكامِلَين. الآيةُ من الرَّبّ ـ هي المُعجزاتُ الباهرةُ التي يُؤَيَّد بها: ﴿أَنّي أَخلُق لَكم من الطين كَهَيئة الطَّير فأَنفُخ فيه فيَكون طَيراً بإذن الله وأُبرئ الأَكمَه والأَبرَص وأُحيي المَوتى بإذن الله وأُنَبّئُكم بما تَأكُلون وما تَدَّخِرون﴾ [آل عمران 49]. والرِّسالةُ الفِعلية ـ تَتَجَلّى في ﴿ولأُحلَّ لَكم بَعضَ الذي حُرّمَ عَلَيكم﴾ ـ يُحلّ لَهم بَعضَ ما حَرَّمَ بَنو إسرائيل على أَنفُسهم، يَعود بهم إلى كِتاب موسى، ينَهاهم عَن الكَذب والعَبَث على ما أَنزَلَ الله بكِتاب موسى. فالآيةُ تَأييدٌ بمُعجزات، والرِّسالةُ تَحريرٌ وتَصحيحٌ ضِمنَ كِتاب موسى، لا كِتابٌ جَديد. أَمّا الإنجيلُ فهو سيرةُ عيسى الرِّسالية كَتَبَها الحَواريون بأَمر من الله ﴿وإذ أَوحَيتُ إلى الحَواريين أَن آمنوا بي وبرَسولي قالوا آمنّا واشهَد بأَنّنا مُسلمون﴾.

ولِذا يُذَيَّل ذلك بقَوله في النساء 171 ﴿ورُوحٌ منه﴾ ـ بنِسبةٍ إلهيةٍ تَبعيضيةٍ تَكشف الجُزءَ الإلهيَّ من الرُّوح الجامعة المَنفوخة فيه. ويُضافُ إلى ذلك تَأييدُه ﴿برُوح القُدُس﴾ ـ خاصّيةٌ مَخصوصةٌ به، تُحَرّر ما نُفِخَ فيه من معرفةٍ كَونيةٍ متَغَيّرةٍ زَمنياً، فتَبقى نافذةً عَبر الأَزمنة بَلا تَعضِيَةٍ زَمنية. وسيُفَصَّل هذا في القِسم التالي (3.1.2.4) عند الحديث عن رُوح القُدُس وآلية الصياغة المُنَزَّهة زَمنياً.

ومما يَستحقّ التَّأَنّي ـ التَّمييزُ بَين نَفخ آدم ونَفخ المَسيح في طَبيعة المُسَرَّع. ففي آدم تَسريعُ إدراج المَبادئ الأَوَّلية للتَّجريد، تُتيح له التَّناغُمَ مع الوُجود وتَكون اللَّبِنةَ التي ينَطَلِق منها نَحوَ التَّرَقّي. أَمّا في المَسيح فتَسريعُ إدراج رُوحٍ جامعةٍ كامِلة ـ تَشريعيةً وتَكوينيةً معاً ـ في كَينونته منذُ المَهد، مُؤَيَّداً برُوح القُدُس لتَحريرها من تَعضِيَة الزَّمن، يُجَلّيها في تَطبيق رِسالته المَخصوصة لبَني إسرائيل.

ومما يَستحقّ التَّثبيت ـ أَن النَّفخَ يَكشف بنيةً جَوهريةً للإنسان: أَنه كائنٌ لا يَكتَفي بالبنية البَيولوجية المُسَوّاة، بَل يَستوجِب إدراجاً معنوياً مُسَرَّعاً يَتَجاوَزها. الجَسدُ بَلا نَفخٍ ـ بنيةٌ مادية حَيَّة بَلا معنى. والإنسانُ ـ بتَسريع إدراج الرُّوح فيه ـ يَحمِل خُلاصةً معرفيةً تَفتَح له الفِكرَ والوَعيَ والإدراكَ بما يَتَجاوَز الحاجةَ الغَريزية.

وفي تَأَمّل سُجود المَلائكة لآدم بَعد النَّفخ كَشفٌ يَتَتِم البنية. ﴿فقَعوا له ساجدين﴾ ـ السُّجودُ هنا معنويٌّ، قَبولٌ ورُضوخٌ وخُضوع. والمَلائكةُ ـ كَما تَأَسَّسَ ـ النُّظُمُ الكَونية. فسُجودُها لآدم ـ في حَقيقته ـ تَسخيرُ الوُجود للإنسان. ويُعَضّد ذلك قَولُه تعالى ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماوات وما في الأَرض جميعاً منه﴾ [الجاثية 13] ـ التَّسخيرُ شُموليٌّ يَشمل ما في السَّماوات وما في الأَرض كلَّه. ولِذا، بَعد نَفخ المَبادئ الأَوَّلية للتَّجريد في آدم ـ بَعد تَسريع إدراج الأَصل الذي ينَطَلِق منه ـ تَمَكَّنَ الإنسانُ تَدريجاً عَبر الأَجيال من تَطويع الوُجود لنَفسه بأَمر رَبّه. رَكبَ البَحرَ، حَلَّقَ في الجَوّ، استَخدَمَ الطاقةَ، طَوَّعَ القُوى الطَّبيعيةَ لخِدمته. ويَتَّسق سُجودُ المَلائكة مع نَفخ الرُّوح ـ إذ النُّظُمُ الكَونيةُ صارَت مُطواعةً للإنسان بَعد أَن أُسرعَ إدراجُ المَبادئ الأَوَّلية فيه، تَخضَع له بأَمر رَبّه بحَسَب ما يَكتَسب من معرفةٍ عَبر تَرَقّيه في الحَياة

3.1.2.4رُوحُ القُدُس

تَأَسَّسَ في القِسم السابق أَن المَسيحَ ـ في تَكوينه ـ نُفخَت فيه رُوحٌ جامعةٌ، تَشريعٌ وتَكوينٌ مَدمجان معاً منذُ المَهد، وأُيّدَ برُوح القُدُس لتَحرير ما نُفخَ فيه من تَعضِيَة الزَّمن. ولَعَلَّ مما يَستحقّ التَّأَنّي ـ بَعد ضَبط نَفخ الرُّوح ـ تَدَبّرُ رُوح القُدُس بصورتها البنيوية، إذ هي الآليةُ المَفصَليةُ التي بها يَتَجَلّى ما نُفخَ في المَسيح وما نَزَلَ على محمد ﷺ بصياغةٍ نافذةٍ عَبر الأَزمنة بَلا تَحَوّر.

ولَعَلَّ مما تَأَسَّسَ في تَمهيد الفصل ـ أَن القُدُس كَلِمةٌ لا تَنتَمي للوُجود في حَقيقتها. إذ كلُّ ما في الوُجود يَتَماهى زَمنياً وسُنَنياً، يَتَغَيَّر ويَنمو ويَذبُل ويَحيا ويَموت. والقُدُسُ ـ في مُقابل ذلك ـ جَعلُ الشَّيء خارجَ التَّغيير والنَّقص والتَّماهي، خارجَ سُنَن الوُجود. فلا مُقَدَّسَ في الوُجود في حَقيقته، وكلُّ ما يُوصَف بالقُدُس ـ فهو مَوصولٌ بمَقامٍ يَتَجاوَز سُنَنَ الزَّمن والمَكان.

ومن هنا، حَين يَقول القرآنُ «رُوحُ القُدُس»، فالمَعنى المُحَكَم ـ كَما تَأَسَّسَ ـ آليةٌ مَوصولةٌ بهذا المَقام المُتَنَزَّه زَمنياً، تَحمِل في صياغتها صِفةَ مَنبَعها. ما يَنزِل بها لا يَتَأَثَّر بالزَّمن، ولا يَموت مع تَغَيّر الأَزمنة، ولا يَنقُص بتَوارُد الأَجيال. ورُوحُ القُدُس ـ في هذا التَّأَسيس ـ ليست رُوحاً ثالثةً مُستَقِلَّةً تُضاف إلى المَسارات السابقة، بَل آليةٌ تَصوغ ما تَحمِله الرُّوحُ الجامعة (الإلهية والربوبية) بصياغةٍ مُحَرَّرةٍ عَن سُنَن الزَّمن. فالرُّوحُ الجامعةُ = المحتَوى، ورُوحُ القُدُس = آليةُ الصياغة المُنَزَّهة زَمنياً.

وتَتَجَلّى رُوحُ القُدُس في القرآن في وَجهَين متَلائمَين يَستحقّان التَّأَنّي.

الوَجهُ الأَوَّل ـ تَأييدُ المَسيح برُوح القُدُس. ويَرِد في القرآن في ثَلاثة مَواضعَ مُحَكَمةٍ: ﴿وآتَينا عيسى ابنَ مَريم البَيّناتِ وأَيَّدناه برُوح القُدُس﴾ [البقرة 87، 253]، ﴿إذ قال الله يا عيسى ابنَ مَريمَ اذكُر نعمَتي عَلَيك وعلى والدتك إذ أَيَّدتُك برُوح القُدُس تُكَلّم الناسَ في المَهد وكَهلاً﴾ [المائدة 110]. ولَعَلَّ في تَكرار الصياغة بنفس البنية ـ ﴿أَيَّدناه/أَيَّدتُك﴾ + ﴿برُوح القُدُس﴾ ـ كَشفاً عَن آليةٍ موَحَّدةٍ مَخصوصةٍ بالمَسيح.

ولَعَلَّ في تَأَمّل المائدة 110 كَشفاً بنيوياً يَتَتِم الفَهمَ. التَّمييزُ المُحَكَم بَين التَّعليم والتَّأييد:

﴿وإذ عَلَّمتُك الكِتابَ والحِكمةَ والتَّوراةَ والإنجيل﴾ ـ التَّعليمُ بالمحتَوى (الكِتاب، الحِكمة، التَّوراة، الإنجيل)

﴿أَيَّدتُك برُوح القُدُس﴾ ـ التَّأييدُ بالآلية التي بها يَقرأ هذا المحتَوى قِراءةً حَيَّةً مُحَرَّرةً من الزَّمن

فالمحتَوى نُفخَ فيه كَما تَأَسَّسَ في 3.1.2.3، والآليةُ التي تَصوغه بصورةٍ مُحَرَّرةٍ زَمنياً ـ هي رُوحُ القُدُس. ولَعَلَّ في هذه الآليةِ ما يُمَكّن المَسيحَ من قِراءة الواقع المَعاش بزَمَنه هو، بَلا تَأَثّرٍ بتَأويلات الماضي التي رَسَخَت في أَذهان بَني إسرائيل. ومن هنا ـ كَما تَكشف صياغةُ آل عمران 50 ـ يَأتي ﴿ولأُحلَّ لَكم بَعضَ الذي حُرّمَ عَلَيكم﴾ ـ تَحريرٌ مما رَسَخَ من تَحريماتٍ زائدةٍ يُحَمّلها بَنو إسرائيل أَنفُسَهم على كِتاب موسى. والمَسيحُ ـ مُؤَيَّداً برُوح القُدُس ـ يَتَجاوَز تَأويلاتِ السَّلَف، يَقرأ التَّوراةَ قِراءةً حَيَّةً مُحَرَّرةً، يَكشف الجَوهَرَ تَحتَ الرُّسوم المُتَرَسّبة.

الوَجهُ الثاني ـ تَنزيلُ القرآن برُوح القُدُس. ويَرِد ذلك صَريحاً في قَوله تعالى ﴿قُل نَزَّلَه رُوحُ القُدُس من رَبّك بالحَقّ ليُثَبّت الذين آمنوا وهدىً وبُشرى للمُسلمين﴾ [النحل 102]. ولَعَلَّ في صياغة الآية كَشفاً بنيوياً للتَّنزيل: نَزَّلَه رُوحُ القُدُس ـ الآليةُ الصائغةُ المُحَرَّرةُ زَمنياً، من رَبّك ـ المَصدرُ في الأَمر الربوبي، بالحَقّ ـ مَوصولاً بالواقع المادي المَلموس، ليُثَبّت ـ يَنفُذ عَبر الأَزمنة بَلا تَحَوّر.

ولِذا، ما يَنزِل به القرآنُ ـ بآلية رُوح القُدُس ـ يَحمِل خَصيصةَ التَّنَزّه الزَّمني. لا تَموت معانيه مع تَغَيّر الأَزمنة، ولا تَنقُص بتَوارُد الأَجيال، ولا تَنطَفئ بتَكَشّف الواقع. بَل تَتَجَدَّد بنيتُها في كلّ زَمَن، تَفتَح بابَ التَّدَبّر بَلا انغلاقٍ على فَهمٍ زَمنيٍّ مَحدود.

ولَعَلَّ مما يَتَتِم الكَشفَ ـ صياغةُ قَوله تعالى ﴿نَزَلَ به الرُّوحُ الأَمين ۝ على قَلبك لتَكون من المُنذِرين ۝ بلِسانٍ عَرَبيٍّ مُبين﴾ [الشُّعراء 193-195]. والرُّوحُ الأَمين ـ في وَجهٍ يَستحقّ التَّأَمّل ـ هو ذاتُه رُوحُ القُدُس بصِفةٍ أُخرى، إذ الأَمانةُ في الحَمل والتَّبليغ مَوصولةٌ بالتَّنَزّه عَن التَّحَوّر. يَحمِل المُنَزَّلَ بأَمانةٍ تامَّةٍ في صياغته الزَّمنية المُحَرَّرة، يَنزِل به على قَلب النَّبي بَلا تَعدّيٍ ولا تَقصير.

ومما يَستحقّ التَّأَنّي ـ التَّمييزُ بَين تَأييد المَسيح برُوح القُدُس وتَنزيل القرآن برُوح القُدُس. فالآليةُ موَحَّدةٌ، لكنّ موضعَ تَجَلّيها يَختَلِف.

في المَسيح ـ رُوحُ القُدُس في كَينونته الشَّخصية، تُؤَيّده فيَقرأ الواقعَ بزَمَنه، يُتيح له مَهَمَّتَه التَّحريرية ضِدّ تَأويلات الماضي. آيةٌ متَمَثّلةٌ شَخصياً، يَحمِل البَرنامجَ في كَينونته منذُ المَهد.

في محمد ﷺ ـ رُوحُ القُدُس في النَّصّ المُتَلوّ، تَصوغ القرآنَ بصياغةٍ نافذةٍ عَبر الأَزمنة. رَسولٌ يَتلو ما يُوحى إليه، يَكون الأَمينَ على التَّبليغ بَلا تَدَخّلٍ في الصياغة. والقرآنُ نَفسه يَحمِل خَصيصةَ القُدُس في بنيته، يَنفُذ عَبر الأَزمنة بَلا تَحَوّر.

ولَعَلَّ مما يَكشف هذا التَّمييزَ ـ صياغةُ القرآن نَفسه. فحَين تُوُفّيَ المَسيحُ ورُفعَ، رُفعَت معه آياتُه التي حَمَلَها بآلية رُوح القُدُس فيه. والإنجيلُ الذي بَقيَ ـ كَما تَأَسَّسَ ـ سيرةٌ رِساليةٌ كَتَبَها الحَواريون بأَمر من الله، لا رُوحُ القُدُس مُباشَرةً. أَمّا محمد ﷺ ـ فقَد تُوُفّيَ، وبَقيَ القرآنُ مَحفوظاً بصياغته القُدُسيةِ، ينَفُذ عَبر الأَزمنة بَلا تَحَوّر.

ومما يَستحقّ التَّثبيت ـ أَن رُوحَ القُدُس ـ في كلّ تَجَلّياتها ـ تَكشف بنيةً جَوهريةً في التَّنزيل: أَن المُنَزَّلَ على البَشَر يَستوجِب آليةً تَجعَله نافذاً عَبر الأَزمنة، إذ الإنسانُ في زَمَنه قاصرٌ بسُنَن التَّحَوّر، لكنّ المُنَزَّلَ ـ بآلية القُدُس ـ يَتَجاوَز هذا القُصور. ولِذا يَفتَح القرآنُ بابَ التَّدَبّر في كلّ زَمَن، ﴿أَفلا يَتَدَبَّرون القرآنَ﴾ [النساء 82، محمد 24]، إذ صياغتُه القُدُسيةُ تَحتَمل وُجوهاً متَتاليةً من المعنى تَتَكَشَّف بتَوارُد الأَزمنة، بَلا أَن يَنطَفئ بَريقُها أَو يَموت محتَواها.

ومما يَتَتِم آليةَ القُدُس في صياغتها المُحَرَّرة زَمنياً ـ سُنَّةُ تَكَشّف الآيات عَبر الزَّمن. فالقرآنُ ـ مَصوغاً قُدُسياً ـ يَفتَح بابَ التَّدَبّر في كلّ زَمَن، وتَتَكَشَّف معانيه بتَوارُد الأَزمنة، بَلا أَن يَنطَفئَ بَريقُه. ويَكشف هذا قَولُه تعالى ﴿سَأُريكُم آياتي فلا تَستَعجلون﴾ [الأنبياء 37]، وقَولُه ﴿سَنُريهم آياتنا في الآفاق وفي أَنفُسهم حَتى يَتَبَيَّن لَهم أَنه الحَقّ﴾ [فُصّلَت 53]. والآياتُ في فُصّلَت 53 ـ بقَرينة خاتمة الآية ﴿أَوَلَم يَكفِ برَبّك أَنه على كلّ شَيءٍ شَهيد﴾ ـ آياتٌ كَونيةٌ دُنيوية، تَتَكَشَّف للإنسان في الآفاق (الكَون) وفي أَنفُسهم (الإنسان)، تُؤَكّد بتَوارُد الزَّمن صدقَ ما حَملَه القرآنُ من خُلاصاتٍ معرفية. ولَولا الصياغةُ القُدُسيةُ المُحَرَّرةُ زَمنياً ـ لانطَفأَت معاني القرآن مع تَكَشّف الواقع، لكنّها تَتَجَدَّد بنيتُها وتَتَكَشَّف طَبَقاتُها كلَّما تَقَدَّمَ الزَّمن.

3.1.2.5الرُّوحُ في المَلَك بَين الأَصل والجَعل

تَأَسَّسَ في الأَقسام السابقة أَن الرُّوحَ خُلاصةٌ معرفيةٌ مُكَثَّفةٌ من عالَم الأَمر، تَنزِل على النَّفس فتُحييها معنوياً، تُلقى مَضغوطةً مَوصولةً بالحَقّ، يَجتَهد الإنسانُ في تَدَبّرها. ومما يَستحقّ التَّأَنّي ـ بَعد ضَبط التَّعريف والمَسارات والصياغة القُدُسية ـ تَدَبّرُ وَجهٍ آخَرَ من وُجوه الرُّوح في الوُجود، يَتَكَشَّف في اقترانها بالمَلائكة في النَّسيج الكَونيّ. والقرآنُ يَكشف هذا الاقترانَ في صياغةٍ مُحَكَمةٍ ﴿تَنَزَّلُ المَلائكةُ والرُّوحُ فيها بإذن رَبّهم من كلّ أَمر﴾ [القَدر 4]، تَستحقّ الاستنطاقَ بَلا حُكمٍ سابق.

وفي تَأَمّل الصياغة كَشفٌ بنيويٌّ يَستحقّ التَّأَنّي. فالضَّميرُ في «فيها» يَعود على «لَيلة القَدر» المَذكورة في صَدر السورة، لا على المَلائكة. ويُعَضّد ذلك خاتمةُ السورة ﴿سَلامٌ هي حَتى مَطلَع الفَجر﴾ ـ «هي» تَعود على اللَّيلة بَلا تَكَلّف. والصياغةُ تَكشف بنيةً بَديعةً ـ المَلائكةُ والرُّوحُ تَتَنَزَّلان في تلك اللَّيلة بإذن رَبّهما، كلٌّ بشَأنه، يَحمل ما هو مَوكَّلٌ بحَمله من كلّ أَمر.

والرُّوحُ في هذا الموضع ـ بحَسَب ما يَكشفه الاستقراءُ ـ معطوفةٌ على المَلائكة بصياغةٍ تَكشف اقتراناً وَظيفياً في النُّزول. فالمَلائكةُ تَتَنَزَّل، والرُّوحُ تَتَنَزَّل معها في اللَّيلة، يَجريان معاً بإذنٍ ربوبيٍّ مَوَثَّقٍ في سُنَن التَّدبير. والمَلَكُ ـ كَما يَكشفه الاستقراءُ ـ نظامٌ كَونيٌّ حَيٌّ يَحمل في كَينونته معرفةَ شَأنه التَّدبيريّ، تُلائم سُنَّتَه التي خُلقَ لها، تَنفُذ بَلا فُتورٍ ولا تَأَخّر. ويُعَضّد ذلك قَولُه تعالى ﴿لا يَعصونَ الله ما أَمَرَهم ويَفعَلون ما يُؤمَرون﴾ [التحريم 6]، ﴿لا يَسبقونَه بالقَول وهم بأَمره يَعمَلون﴾ [الأنبياء 27] ـ نَفَاذٌ يَكشف اندماجَ المعرفة بالكَينونة.

وفي تَوازي ﴿فالمُدَبّراتِ أَمراً﴾ [النازعات 5] و﴿فالمُقَسّماتِ أَمراً﴾ [الذاريات 4] ما يَكشف بنيةً مُحَكَمة. التَّدبيرُ والتَّقسيمُ فِعلٌ يَستوجِب معرفةً بما يُدَبَّر ويُقَسَّم. ولا تَدبيرَ بَلا معرفةٍ بالشَّأن، ولا معرفةَ تَنفُذ بَلا حاملٍ يُشَغّلها. فالمَلَكُ ليس النِّظامَ مُجَرَّداً ولا الحاملَ مَحضاً، بَل بنيةٌ تَجمَع بَينَهما ـ نظامٌ كَونيٌّ حَيٌّ يَحمِل معرفةَ تَدبيره في كَينونته، ينَفُذ شَأنَه بَلا انفصالٍ بَين المعرفة والكائن.

ومما يَتَتِم البنيةَ صياغةُ ﴿بإذن رَبّهم﴾ في الآية. والإذنُ في القرآن ليس أَمراً لَفظياً يَتَجَدَّد لَحظةً بَعد لَحظة، بَل سُنَّةٌ وُجوديةٌ مَوَثَّقةٌ تَجري بإحكام. ويُعَضّد ذلك قَولُه تعالى ﴿وما كان لنَفسٍ أَن تَموتَ إلا بإذن الله كتاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران 145] ـ الإذنُ هنا سُنَّةٌ مَوَثَّقةٌ في كتابٍ مُؤَجَّل، لا إجازةٌ لَفظيةٌ تَنتَظر في كلّ حالة. فالنُّزولُ في القَدر 4 ﴿بإذن رَبّهم﴾ ـ تَجَلٍّ دائمٌ على الأَصل التَّشغيلي، لا أَمرٌ متَجَدّدٌ في كلّ لَحظة. ينَسَجم مع ربوبيةِ النِّسبة، إذ التَّدبيرُ شَأنٌ ربوبيٌّ يَجري داخلَ نَسيج الوُجود، يَلتَزم سُنَنَه التي خُلقَ بها.

ومما يَستحقّ التَّأَنّيَ في الآية ـ صياغةُ ﴿من كلّ أَمر﴾ في خاتمتها. فالنُّزولُ ليس عاماً مَفتوحاً، بَل مَوصولٌ بكلّ أَمرٍ من شُؤون التَّدبير. والمَلائكةُ والرُّوحُ يَتَنَزَّلان بمَهَمّاتٍ تَدبيريةٍ متَدَفّقةٍ من المَصدر الجامع، كلٌّ بحَسَب ما يُكَلَّف بحَمله. ومنه ـ النُّزولُ يَجمَع ما هو في كَينونة المَلَك من معرفةٍ مَدمَجةٍ بشَأنه التَّشغيلي، وما يَتَدَفَّق عَلَيه من مَهَمّاتٍ تَبليغيةٍ تَنضاف إلى أَصله بحَسَب الجَعل.

ويُعَضّد هذا الفَهمَ ـ بمُقابَلةٍ بنيويةٍ قاطعةٍ ـ قَولُه تعالى ﴿يُنَزّل المَلائكةَ بالرُّوح من أَمره على من يَشاء من عباده﴾ [النحل 2]. فالصياغةُ هنا تَستَخدم «بالرُّوح» ـ بباء المُصاحَبة ـ لا «والرُّوحُ» بصيغة العَطف كَما في القَدر. والتَّمييزُ بَين حَرفَي العَطف والجَرّ كَشفٌ في غاية الدِّقَّة. في القَدر 4 ـ المَلائكةُ والرُّوحُ يَتَنَزَّلان معاً، كلٌّ بشَأنه، يَجريان مَوصولَين في النُّزول. وفي النحل 2 ـ المَلائكةُ تَحمل الرُّوحَ مَوصولةً بمَهَمَّتها التَّبليغيةِ، تُلقيها على من يَتَلَقّاها من العباد بحَسَب طَلَبه وإنابته. والرُّوحُ في النحل 2 ـ تَبليغيةٌ مَحمولةٌ بأَمرٍ مَخصوص، تَختَلِف عَن الرُّوح في القَدر 4 المَوصولةِ بنُزول المَلائكة في اللَّيلة.

ومما يَستحقّ التَّأَنّيَ في هذا الموضع ـ التَّمييزُ بَين الرُّوح في المَلَك والرُّوح في النَّفس البَشَرية. فالرُّوحُ في المَلَك ـ سَواءٌ المَدمَجةُ في كَينونته أَو المَحمولةُ في مَهَمَّةٍ مَخصوصة ـ تَجري بَلا اختيار، نَفَاذٌ تامٌّ مَوصولٌ بأَصل الخَلق أَو بالجَعل بَلا تَدَخّلٍ ذاتيٍّ من المَلَك. أَمّا الرُّوحُ التي تُلقى على النَّفس البَشَرية ـ فتَستوجِب اجتهاداً وتَدَبّراً واكتساباً. النَّفسُ وعاءٌ يَمتَلِئ باختيار صاحبه، تَتَلَقّى الرُّوحَ فتَجتَهد في فَهمها، تُلقى عَلَيها فتُشَغّلها بحَسَب ما تَكتَسب من تَوفيقٍ ومعرفة. ويُعَضّد ذلك صياغةُ النحل 2 ﴿على من يَشاءُ من عباده﴾ ـ كَما تَأَسَّسَ في الجَلسات السابقة أَن فاعل «يَشاء» هو العَبد بطَلَبه واجتهاده، يَنيب فيُهدى، يَطلُب فيُلقى عَلَيه. فالمَلَكُ في كَينونته نَفَاذٌ تامّ، والإنسانُ في كَينونته اختيارٌ ومسؤولية.

وفي تَأَمّل هذا التَّمييزِ كَشفٌ يَتَتِم البنيةَ التي تَأَسَّسَت في فصل النَّفس. فالنَّفسُ ـ كَما تَأَسَّسَ في 3.1.1 ـ مَحَلُّ الكَسب والتَّكليف والمَسؤولية، وعاءٌ معرفيٌّ يَمتَلِئ باكتسابها. والرُّوحُ تُلقى عَلَيها فتُحييها معنوياً، لكنّ تَلَقّيَها واجتهادَها فيها يَبقى من شَأنها. أَمّا المَلَكُ ـ فبنيةٌ مَوصولةٌ بشَأنها التَّدبيريِّ الكَوني، لا تَخلق ولا تَنتَقي، بَل تَنفُذ ما هي مَوكَّلةٌ به بنَفَاذٍ تامّ. والاثنان معاً ـ المَلَكُ والإنسانُ ـ يَكشفان وَجهَين لتَجَلّي الرُّوح في الوُجود، يَخدمان منظومةَ التَّدبير الكَوني الجامع: مَلَكٌ يَجري بسُنَّته بَلا فُتور، وإنسانٌ يَجتَهد بنَفسه بَلا قَهر.

وفي ضَمّ هذا الاستقراءِ إلى ما تَأَسَّسَ في الأَقسام السابقة كَشفٌ جامعٌ لبنية الرُّوح في الوُجود. فهي ـ في مَنبَعها ـ خُلاصةٌ معرفيةٌ من عالَم الأَمر. وفي مَساراتها ـ إلهيةٌ، ربوبيةٌ، جامعةٌ بحَسَب طَبيعة المضمون. وفي إدراجها في النَّفس البَشَرية ـ نَفخٌ يُسَرّع التَّجَلّي المعرفيَّ في كَينونة الإنسان. وفي صياغتها ـ آليةٌ قُدُسيةٌ مُحَرَّرةٌ زَمنياً. وفي تَجَلّيها في المَلائكة ـ مَوصولةٌ بشَأنها التَّدبيريِّ في النُّزول، تَحمل المَهَمّاتِ من المَصدر الجامع. وفي تَلَقّي العَبد لها ـ اجتهادٌ واختيارٌ ومَسؤولية. ولكلّ وَجهٍ بنيتُه التي تُلائمه، يَجمَعها أَنّ الرُّوحَ خُلاصةُ معرفةٍ تَحيا بها النُّفوسُ وتَنفُذ بها النُّظُم، تَنزِل من عالَم الأَمر إلى عالَم الشَّهادة بسُنَنٍ وُجوديةٍ مَوَثَّقةٍ يَجري بها التَّدبيرُ بإحكام.

3.1.2.6تَنزيلُ القرآن على قَلب النَّبي

تَأَسَّسَ في الأَقسام السابقة أَن الرُّوحَ خُلاصةٌ معرفيةٌ مُكَثَّفةٌ من عالَم الأَمر، تَسلُك مَساراتٍ متَنَوّعةً بحَسَب نِسبتها، تَنزِل بآلية رُوح القُدُس مَصوغةً صياغةً مُحَرَّرةً زَمنياً، وتَتَجَلّى في المَلائكة مَدمَجةً ومتَدَفّقةً بحَسَب الأَصل والجَعل. ومما يَستحقّ التَّأَنّي ـ بَعد ضَبط هذه الوُجوه ـ تَدَبّرُ الموضع الأَخَصّ من مَواضع تَجَلّي الرُّوح في الوُجود: تَنزيلُ القرآن على قَلب النَّبي محمد ﷺ. إذ في هذا المَوضع تَلتَئم البُنى التي تَأَسَّسَت في الأَقسام السابقة في تَجَلٍّ واحدٍ مُحَكَمٍ، يَكشف كَيف تَدخل الرُّوحُ الجامعةُ في الوُجود الإنساني بصورتها الكامِلة.

ومما يَنفَتح للمُتَدَبّر في تَنزيل القرآن ـ أَنه ليس على نَسَقٍ واحد، بَل على مَرحلَتَين متَمَيّزتَين في طَبيعتهما. الأُولى ـ إنزالٌ كُلّيٌّ في الوُجود، يَجري في لَيلةٍ مُبارَكة، يَشمل الكتابَ كاملاً، بمَلائكةٍ تَتَنَزَّل بإذن رَبّها من كلّ أَمر. والثانية ـ تَنزيلٌ متَدَرّجٌ على قَلب النَّبي، يَجري على فَترة الرِّسالة، يَحمله رُوحُ القُدُس بصياغةٍ نَصّيةٍ مَخصوصة. والمَرحلتان متَكامِلتان، يَستحقّ التَّمييزُ بَينَهما لِما يَدفَعه هذا التَّمييزُ من التباساتٍ بنيوية.

ومما يَكشف المَرحلةَ الأُولى قَولُه تعالى ﴿إنّا أَنزَلناه في لَيلةٍ مُبارَكةٍ إنّا كُنّا مُنذرين﴾ [الدُّخان 3]، وقَولُه ﴿شَهرُ رَمَضانَ الذي أُنزلَ فيه القرآنُ هُدى للناس﴾ [البقرة 185]. والصياغةُ ﴿أَنزَلناه﴾ بصيغة الإنزال الكُلّيّ ـ كَما تَأَسَّسَ في 1.5 ـ تُلائم إدراجاً جامعاً في الوُجود، لا تَدَرّجاً على فَترةٍ زَمنية. ويُعَضّد ذلك صياغةُ ﴿في لَيلةٍ مُبارَكة﴾ ـ ظَرفيةٌ تَكشف لَحظةً مَخصوصةً وقَع فيها الإنزالُ كاملاً. وهذا الإنزالُ يَجري بمَلائكةٍ ﴿تَنَزَّلُ المَلائكةُ والرُّوحُ فيها بإذن رَبّهم من كلّ أَمر﴾ [القَدر 4] ـ نُظُمٌ كَونيةٌ ربوبيةٌ تَحمل رُوحَ شَأنها المَدمَجة، يَتَدَفَّق عَلَيها من كلّ أَمر بحَسَب الجَعل.

ومما يَكشف المَرحلةَ الثانية قَولُه تعالى ﴿وقُرآناً فَرَقناه لتَقرَأَه على الناس على مُكث ونَزَّلناه تَنزيلاً﴾ [الإسراء 106]. والصياغةُ ﴿فَرَقناه﴾ تَكشف تَفريقاً وتَجزيئاً في التَّنزيل، و﴿على مُكث﴾ تَكشف تَدَرّجاً زَمنياً في القِراءة على الناس، و﴿نَزَّلناه تَنزيلاً﴾ ـ بصيغة التَّفعيل ـ تُلائم نُزولاً متَكَرّراً متَدَرّجاً على قَلب النَّبي، خلافاً لـ«أَنزَلناه» التي تُلائم الإنزالَ الكُلّيَّ في الوُجود.

ومما يَستحقّ التَّأَنّيَ الدَّقيق ـ أَن التَّدَرّجَ في التَّنزيل لا يَعني أَن صياغةَ القرآن كانَت بحَسَب الأَحداث المُحدَثة في زَمَن الرِّسالة. فالقُدُسيةُ ـ كَما يَكشفها الاستقراءُ القُرآنيُّ ـ نَوعان متَلائمان في الوُجود.

النَّوعُ الأَوَّل ـ التَّقديسُ الوُجوديُّ التَّشغيليّ، الذي تَجري به المَلائكةُ في تَدبيرها. كلُّ مَلَكٍ ينَفُذ بسُنَّته بَلا تَماهٍ زَمنيٍّ، يَبقى محوَراً تَشغيلياً ثابتاً، يُسَبّح بحَمد رَبّه ويُقَدّس له. ويُعَضّد ذلك قَولُه تعالى ﴿ونَحنُ نُسَبّح بحَمدك ونُقَدّس لك﴾ [البقرة 30] ـ التَّسبيحُ فِعلُ المَخلوق لما خُلقَ لغايته، والتَّقديسُ بقاءُ السُّنَّة مُنَزَّهةً عَن التَّحَوّر. والاثنان متَكامِلان في كَينونة المَلَك. وهذا التَّقديسُ هو ما يَجري في الإنزال الكُلّي ـ تَنَزُّلٌ ربوبيٌّ بمَلائكةٍ تُقَدّس ما فيها وُجوداً، يُسَبّحن بفِعلهنّ ويُقَدّسن بثَبات سُنَنهنّ التَّشغيلية.

النَّوعُ الثاني ـ التَّقديسُ التَّنزيليُّ المعنويُّ اللَّفظيّ، الذي يَجري في صياغة النَّصّ على قَلب النَّبي. وهذا التَّقديسُ هو صنعةُ رُوح القُدُس ـ صياغةٌ مَخصوصةٌ في المعنى والمَفهوم واللَّفظ والترتيب، تَجعَل النَّصَّ قابلاً للتَّعَدّد المُتَلائم في التَّأويل عَبر الأَزمنة بَلا تَناقُض. ويُعَضّد ذلك قَولُه تعالى ﴿الله نَزَّلَ أَحسَنَ الحَديث كتاباً متَشابهاً مَثانيَ﴾ [الزُّمَر 23] ـ المُتَشابهُ المَثاني بنيةٌ نَصّيةٌ قُدُسيةٌ تَحمل وُجوهَ معانٍ تَتَكَشَّف بتَوارُد الأَزمنة بَلا تَحَوّرٍ في النَّصّ نَفسه.

والتَّمييزُ بَين النَّوعَين قاطعٌ بنيوياً. فالقُدُسيةُ الوُجوديةُ التَّشغيليةُ تَخصّ المَلائكةَ ونُظُمَها في عالَم التَّدبير، والقُدُسيةُ النَّصّيةُ المعنويةُ تَخصّ بنيةَ القرآن في صياغته المُنَزَّلةِ على قَلب النَّبي. والاثنان مَقامان متَلائمان للقُدُس في الوُجود ـ كلاهما تَنَزّهٌ عَن التَّحَوّر الزَّمني، لكنّ موضعَه يَختَلِف. ومنه يَتَّضح أَن الإنزالَ الكُلّيَّ في لَيلةٍ مُبارَكةٍ يَخصّ التَّقديسَ الوُجوديَّ التَّشغيليَّ في المَلائكة الناقلة، أَمّا التَّقديسُ النَّصّيُّ المعنويُّ ـ فيَجري في موضع التَّنزيل على قَلب النَّبي برُوح القُدُس.

ولَو كانَت الصياغةُ النَّصّيةُ تَنشأ بحَسَب الأَحداث المُحدَثة في زَمَن الرِّسالة، لَكانَت مَوقوفةً على الزَّمَن لا مُحَرَّرةً عنه، ولانتَفَت بنيةُ القُدُس النَّصّية، ولاضطُرَّ المرءُ إلى القَول بأَن الإنسانَ مَجبورٌ في أَفعاله ليُلائم ما سَيُصاغ، وهذا تَناقُضٌ بنيويٌّ صارخ. والفَهمُ الأَدَقّ أَن الصياغةَ النَّصّيةَ القُدُسيةَ تَتَكَوَّن في موضع التَّنزيل برُوح القُدُس بصياغةٍ مُحَرَّرةٍ زَمنياً، تَحمل سُنَناً وُجوديةً جامعةً تَنطَبق على كلّ زَمَنٍ بَلا أَن يَكون الزَّمَنُ صائغاً لها. الإنسانُ يَفعَل باختياره، والقرآنُ ـ بصياغته القُدُسية ـ يَحمل سُنَناً جامعةً تَنطَبق على كلّ فاعلٍ بحَسَب فِعله، بَلا قَهرٍ ولا جَبر.

والتَّدَرّجُ في التَّنزيل يَخدم وَظائفَ تَخصّ المُتَلَقّي، لا صياغةَ النَّصّ. وَظائفُ ثَلاثٌ متَكامِلة. الأُولى ـ التَّمكينُ والاستيعابُ في قَلب النَّبي، إذ التَّلَقّي الدَّفعيُّ لكَمٍّ هائلٍ من المعارف لا يَخدم التَّمَكّنَ منها. والثانية ـ التَّثبيتُ، ويَكشفها قَولُه تعالى ﴿وقال الذين كَفَروا لَولا نُزّلَ عَلَيه القرآنُ جُملةً واحدةً كَذلك لنُثَبّتَ به فُؤادَك ورَتَّلناه تَرتيلاً﴾ [الفُرقان 32]، فالتَّدَرّجُ تَثبيتٌ للنَّبي في حَمله للرِّسالة، تَرسيخٌ بَعد تَرسيخٍ في فُؤاده. والثالثة ـ التَّرتيلُ والقَبول، إذ الترتيلُ ترتيبٌ متَأَنٍّ في النُّزول يُلائم قَبولَ النَّفس البَشَرية للمعارف، يُتيح للمُتَلَقّين من الناس استيعابَ المعارف بصورةٍ تَلتَئم مع طاقتهم.

ومنه يَتَّضح فَهمُ قَوله تعالى ﴿ولا تَعجَل بالقرآن من قَبل أَن يُقضى إليك وَحيُه﴾ [طه 114] ـ النَّهيُ عَن العَجَلة يَخصّ النَّبيَّ في تَلَقّيه، يَدفَعه إلى التَّأَنّي في القَبول والاستيعاب، لا يَكشف أَن النَّصَّ يُصاغ بحَسَب الأَحداث. فالقَضاءُ المُشارُ إليه في «يُقضى إليك» قَضاءُ التَّبليغ وإتمامِ التَّلَقّي بالصياغة القُدُسية التي ينَزِل بها رُوحُ القُدُس على قَلب النَّبي.

ومما يَكشف آليةَ التَّنزيل المُتَدَرّج قَولُه تعالى ﴿نَزَلَ به الرُّوحُ الأَمين ۝ على قَلبك لتَكون من المُنذرين ۝ بلسانٍ عَرَبيٍّ مُبين﴾ [الشُّعَراء 193-195]. والصياغةُ تَكشف بنيةً متَكامِلةً للتَّنزيل: الفاعلُ ـ الرُّوحُ الأَمين، المَفعولُ ـ ما نَزَلَ به (القرآن)، المَوضعُ ـ قَلب النَّبي، الوَظيفةُ ـ الإنذار، اللِّسانُ ـ عَرَبيٌّ مُبين.

والرُّوحُ الأَمينُ ـ في وَجهٍ يَستحقّ التَّأَنّي ـ هو مَلَكٌ مَوكَّلٌ بمَهَمَّة التَّبليغ، يُسَمّى أَيضاً رُوحَ القُدُس ﴿قُل نَزَّلَه رُوحُ القُدُس من رَبّك بالحَقّ﴾ [النحل 102]، ويُسَمّى جبريلَ ﴿مَن كان عَدوّاً لجبريل فإنه نَزَّلَه على قَلبك بإذن الله﴾ [البقرة 97]. والأَسماءُ الثَّلاثةُ ـ الرُّوحُ الأَمين، رُوحُ القُدُس، جبريل ـ تَكشف ثَلاثَ صفاتٍ لمَلَكٍ واحدٍ يَحمل المَهَمَّة. فالأَمانةُ تَكشف الحَملَ بَلا تَحَوّرٍ ولا تَقصير، والقُدُسُ يَكشف الصياغةَ المُحَرَّرةَ زَمنياً، وجبريل اسمُه المَخصوصُ بَين المَلائكة.

ومما يَستحقّ التَّأَنّيَ في صياغة «نَزَلَ به الرُّوحُ الأَمين» ـ التَّمييزُ بَين «نَزَلَ به» و«نَزَّلَه». فالأَوَّلى ـ بباء المُصاحَبة ـ تَكشف أَن الرُّوحَ الأَمينَ يَنزِل حاملاً للقرآن، مَوصولاً به في حال الحَمل. والثانية ـ بصيغة التَّفعيل ـ تَكشف فِعلَ التَّنزيل نَفسه، أَي إيصال القرآن إلى موضعه. والاثنان متَكامِلان: المَلَكُ يَنزِل حاملاً، ويُنَزّل ما يَحمل بصياغته القُدُسية المُحَرَّرة زَمنياً.

ومما يَكشف موضعَ التَّنزيل قَولُه ﴿على قَلبك﴾. والقَلبُ في القرآن ـ كَما يَكشفه الاستقراءُ ـ موضعُ التَّلَقّي والوَعي والإيمان، لا العُضوُ البَيولوجي مَحضاً. ينَزِل القرآنُ على قَلب النَّبي ـ موضعِ وَعيه ـ فيَستَوعبه ويَحفَظه ويُبَلّغه. ويُعَضّد ذلك قَولُه تعالى ﴿لا تُحَرّك به لسانَكَ لتَعجَلَ به ۝ إنَّ عَلَينا جَمعَه وقُرآنَه ۝ فإذا قَرَأناه فاتَّبع قُرآنَه ۝ ثُمَّ إنَّ عَلَينا بَيانَه﴾ [القيامة 16-19]. والآياتُ تَكشف بنيةَ التَّلَقّي عند النَّبي ـ جَمعٌ في القَلب، ثُمَّ قِراءةٌ بلسانه، ثُمَّ بَيانٌ يَأتي بَعدها.

ومما يَتَتِم البنيةَ صياغةُ ﴿بلسانٍ عَرَبيٍّ مُبين﴾. واللسانُ في القرآن ليس مَحضَ أَلفاظٍ، بَل بنيةٌ معرفيةٌ كامِلةٌ يَتَكَلَّم بها قَومٌ. والعَرَبيُّ ـ من اللسان الذي يُعَرّب عمّا في النَّفس ـ بنيةٌ لُغويةٌ مَخصوصةٌ تَخدم وَظيفةَ القرآن في الإبانة. والمُبينُ ـ من «أَبانَ» ـ يَكشف ويُظهر. فاللسانُ الذي نَزَلَ به القرآنُ ليس مَحضَ لُغةٍ من اللُّغات، بَل بنيةٌ معرفيةٌ كاشفةٌ مُهَيَّأَةٌ لإظهار ما تَحمله من خُلاصاتٍ مُكَثَّفةٍ من عالَم الأَمر.

وفي تَأَمّل قَوله تعالى ﴿وكَذلك أَوحَينا إليك رُوحاً من أَمرنا ما كُنتَ تَدري ما الكتابُ ولا الإيمانُ ولكنْ جَعَلناه نوراً نَهدي به مَن نَشاءُ من عبادنا﴾ [الشورى 52] كَشفٌ جامعٌ لطَبيعة المُنَزَّل. فالرُّوحُ التي أُوحيَت ـ كَما تَأَسَّسَ في 3.1.2.2 ـ رُوحٌ جامعةٌ، مُثَنّى وَظيفيٌّ يَجمع نِسبتَي الذات الإلهية والرَّبّ معاً. وما يَجمعه القرآنُ ﴿ما الكتابُ ولا الإيمان﴾ ـ شِقّان متَلائمان. الكتابُ ينَسَب لله بكَونه التَّشريعَ وآياتِه الخاصَّةَ بالمُؤمنين، والإيمانُ مَوصولٌ بالرَّبّ بكَونه الإيمانَ بالكَونيات والقَصص والآخرة. والشِّقّان نورٌ واحدٌ مُحَكَمٌ ـ ﴿جَعَلناه نوراً﴾ بضَمير المُفرَد ـ يَهدي به الله من يَستحقّ بحَسَب اجتهاده وطَلَبه.

ومما يَنفَتح للنَّظَر في خاتمة الآية ﴿نَهدي به مَن نَشاءُ من عبادنا﴾ ـ كَما تَأَسَّسَ في الجَلسات السابقة أَن فاعل «يَشاء» في موضع الإلقاء على العَبد هو العَبد بطَلَبه واجتهاده، يَنيب فيُهدى. ينَسَجم مع قَوله تعالى في موضعٍ آخَر ﴿الله يَجتَبي إليه من يَشاء ويَهدي إليه من ينيب﴾ [الشورى 13] ـ التَّوازي البَلاغيُّ بَين «يَشاء» و«ينيب» يَكشف أَن الفاعلَ في كلَيهما العَبد. فالقرآنُ ـ بكَونه نوراً مَنزَلاً ـ يُهتَدى به بحَسَب اجتهاد العَبد في طَلَبه وإنابته إلى رَبّه.

ومما يَستحقّ التَّأَنّيَ في طَبيعة التَّنزيل على قَلب النَّبي ـ أَنه ليس إلهاماً مُبهَماً ولا رُؤيا مَحضة، بَل تَنزيلٌ بلسانٍ مُحَدَّدٍ يَحمل ما يَتلوه النَّبيُّ على الناس. ويُعَضّد ذلك ما تَأَسَّسَ من بنية التَّلَقّي في القيامة 16-19 ـ الجَمعُ في القَلب، ثُمَّ القِراءةُ، ثُمَّ البَيان. فالنَّبيُّ يَتَلَقّى ما يُنَزَّل، يَحفَظه في قَلبه، يُبَلّغه بلسانه، يُبَيّنه للناس. ولا يَتَدَخّل في الصياغة، إذ الصياغةُ قُدُسيةٌ مُحَرَّرةٌ زَمنياً، تَنزِل بأَمانة الرُّوح الأَمين بَلا تَعَدٍّ ولا تَقصير.

ومما يَكشف الفَرقَ بَين النَّبي وبَين سائر مَن تَلَقَّى الرُّوحَ من العباد ـ أَن النَّبيَّ يَتَلَقّى الرُّوحَ بصياغتها الكامِلة، يُبَلّغها للناس، يَكون أَميناً على نَقلها بَلا تَدَخّلٍ ذاتيٍّ في الصياغة. أَمّا سائرُ مَن يَتَلَقّى الرُّوحَ من العباد ـ فيَتَلَقّى منها بحَسَب طَلَبه واجتهاده، يَستَخلص منها معانيَ تُحييه معنوياً، يَجتَهد في تَدَبّرها، لكنّه لا يَنقُلها للناس بصورة وَحيٍ مُتَلوّ. والفَرقُ بنيويٌّ ـ النَّبيُّ مُبَلّغٌ، وسائرُ العباد مُجتَهدون.

وفي تَأَمّل قَوله تعالى ﴿وما يَنطِق عَن الهَوى ۝ إن هو إلا وَحيٌ يُوحى﴾ [النَّجم 3-4] كَشفٌ يَتَتِم بنيةَ التَّبليغ. فالنَّبيُّ لا يَنطِق بما يَأتي من هَواه أَو اجتهاده الذاتيّ في موضع التَّبليغ، بَل ما يَنطِق به هو وَحيٌ يُوحى. والتَّمييزُ بَين النُّطق الرِّسالي (ما هو وَحي) والنُّطق الإنساني (ما هو من اجتهاد البَشَر العادي) يَستحقّ الضَّبطَ. فالنَّبيُّ في موضع التَّبليغ ـ مَوكَّلٌ بنَقل ما يُنَزَّل عَلَيه بصياغته القُدُسية. وأَمّا في موضع حَياته اليَومية واجتهاده البَشَريّ ـ فإنسانٌ كَسائر الناس، يَجتَهد فيُصيب ويُخطئ، يَطلُب فيُلقى عَلَيه، ينَيب فيُهدى.

ومما يَستحقّ التَّثبيت في خاتمة هذا التَّأسيس ـ أَن تَنزيلَ القرآن على قَلب النَّبي تَجَلٍّ مُحَكَمٌ لكلّ ما تَأَسَّسَ في الأَقسام السابقة. فالرُّوحُ المُنَزَّلةُ ـ خُلاصةٌ معرفيةٌ من عالَم الأَمر (التَّعريف في 3.1.2.1). وهي رُوحٌ جامعةٌ تَشريعاً وكَونيات (المَسارات في 3.1.2.2). ينَزِل بها على قَلب النَّبي بَلا تَسريع، بَل بتَدَرّجٍ يَخدم تَمكينه واستيعابَه (لا تَسريع كنَفخ في 3.1.2.3، بَل تَدَرّج). صياغتُها قُدُسيةٌ مُحَرَّرةٌ زَمنياً في النَّصّ نَفسه (الآلية في 3.1.2.4). يَحملها مَلَكٌ مَوكَّلٌ بالمَهَمَّة، يَتَلَقّى الرُّوحَ من مَنبَعها ويُنَزّلها على قَلب النَّبي (الجَعل في 3.1.2.5).

وفي اكتمال هذا التَّجَلّي تَلتَئم البنيةُ التي تَأَسَّسَت في الفصل كلِّه ـ من تَعريف الرُّوح كخُلاصةٍ من عالَم الأَمر، إلى مَساراتها الثَّلاثة، إلى نَفخها في الإنسان، إلى صياغتها القُدُسية، إلى تَجَلّيها في المَلائكة، إلى تَنزيلها على قَلب الرَّسول الخاتم. وكلُّ هذه الوُجوه تَدور حَول جَوهرٍ واحد: الرُّوحُ خُلاصةٌ معرفيةٌ تَحيا بها النُّفوسُ وتَنفُذ بها النُّظُم، تَنزِل من عالَم الأَمر إلى عالَم الشَّهادة في صياغاتٍ مُحَرَّرةٍ يَجري بها التَّدبيرُ بإحكام.

3.1.2.7التَّمَثّلُ المعرفيُّ في قصة مريم

تَأَسَّسَ في الأَقسام السابقة أَن الرُّوحَ خُلاصةٌ معرفيةٌ مُكَثَّفةٌ من عالَم الأَمر، تَسلُك مَساراتٍ متَنَوّعةً بحَسَب نِسبتها، تُنفَخ في الإنسان تَسريعاً لإدراج المعرفة، تُصاغ بآلية رُوح القُدُس مُحَرَّرةً زَمنياً، تَتَجَلّى في المَلائكة مَوصولةً بشَأنها التَّدبيريّ، تُنَزَّل على قَلب النَّبي بصياغةٍ نَصّيةٍ يُبَلّغها للناس. ومما يَستحقّ التَّأَنّي ـ بَعد ضَبط هذه الوُجوه ـ تَدَبّرُ وَجهٍ مَخصوصٍ من وُجوه تَجَلّي الرُّوح في الوُجود، يَتَكَشَّف في قصة مَريم. والقرآنُ يَكشف هذا الموضعَ في صياغةٍ بَديعةٍ ﴿فأَرسَلنا إليها رُوحَنا فتَمَثَّلَ لها بَشَراً سَوياً﴾ [مريم 17]، تَستحقّ الاستنطاقَ بَلا حُكمٍ سابقٍ متَوارَث.

ومما يَستحقّ التَّأَنّيَ القاطعَ في صياغة الآية ـ التَّمييزُ القُرآنيُّ الصَّريحُ بَين «الرُّسُل» و«الرُّوح». فالمُرسَلُ إلى مَريم «رُوحَنا»، لا «رُسُلُنا». والتَّمييزُ بنيويٌّ يَستحقّ التَّأَنّيَ ولا يُتَجاوَز. فالقرآنُ في موضع رُسل إبراهيم استَخدَم ﴿ولقَد جاءَت رُسُلُنا إبراهيمَ بالبُشرى﴾ [هود 69]، وفي موضع رُسل لوط ﴿ولَمّا جاءَت رُسُلُنا لوطاً﴾ [هود 77] ـ صياغاتٌ صَريحةٌ في «الرُّسُل» (المَلائكة) الذين تَمَثَّلوا بهَيئةٍ بَشَريةٍ مَرئيةٍ ظاهرةٍ بَين الناس. أَمّا في مَريم ـ فالمُرسَلُ «رُوحَنا» وَحدها، تَمَثَّلَت بخَصائصها التَّكوينيةِ في كَينونتها، لا في صورةٍ بَشَريةٍ مَرئيةٍ ولا في حِوارٍ مَنطوقٍ ظاهر. والتَّمييزُ القُرآنيُّ بَين «الرُّسُل» (المَلائكة) و«الرُّوح» في موضع مَريم يَكشف اختلافَ طَبيعة المَهَمَّة، لا تَكراراً آلياً لنَفس الآلية.

والتَّمَثّلُ في اللسان ـ من «مَثَلَ» ـ يَكشف ظُهورَ المَثَل في خَصائصه المُكَثَّفة، لا تَحَوّلاً مادّياً في الذات الكَونية ولا حُضوراً شَكلياً مَرئياً. والمَثَلُ في القرآن بنيةٌ معرفيةٌ مُكَثَّفةٌ تَكشف الحَقيقة في خَصائصها ـ كَما في قَوله تعالى ﴿ولله المَثَلُ الأَعلى﴾ [النحل 60]، وقَوله ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً﴾ [النحل 75]. فالتَّمَثّلُ ينَفُذ بالخَصائص، لا بمَحض الصُّورة المَرئية.

ومما يَستحقّ التَّمييزَ البَلاغيَّ القاطعَ ـ التَّفريقُ بَين «البَشَر» و«الصُّورة» في القرآن. فالبَشَريةُ تَكشف الخَصائصَ الماديةَ والبنيةَ التَّكوينية ـ كَما في قَوله تعالى ﴿وهو الذي خَلَقَ من الماء بَشَراً﴾ [الفُرقان 54]، وقَوله ﴿إنّي خالقٌ بَشَراً من طين﴾ [ص 71]، وقَوله ﴿ومن آياته أَن خَلَقَكم من تُرابٍ ثُمَّ إذا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشرون﴾ [الروم 20]. كلُّها صياغاتٌ تَكشف الخَصائصَ الماديةَ في التَّكوين قَبل التَّصوّر الشَّكلي. أَمّا «الصُّورة» في القرآن ـ فتَكشف الشَّكلَ المَرئيَّ الظاهرَ بَعد البنية، كَما في قَوله ﴿وصَوَّرَكم فأَحسَنَ صُوَرَكم﴾ [غافر 64، التغابن 3]، وقَوله ﴿هو الذي يُصَوّرُكم في الأَرحام﴾ [آل عمران 6]، وقَوله ﴿في أَيّ صورةٍ ما شاءَ رَكَّبَك﴾ [الانفطار 8]. والتَّمييزُ قاطعٌ ـ البَشَريةُ خَصائصُ ماديةٌ تَكوينية، والصُّورةُ شَكلٌ مَرئيٌّ ظاهر. والصُّورةُ ـ في بنية الخَلق ـ تَأتي بَعد البَشَرية، تَجاوُزاً عَن البنية المادية إلى الهَيئة الشَّكلية.

ومنه يَنفَتح للمُتَدَبّر أَن التَّمَثّلَ في مريم 17 ﴿بَشَراً سَوياً﴾ تَمَثُّلٌ بـخَصائص البَشَرية الماديةِ في بنيتها التَّكوينية، لا بصورةٍ شَكليةٍ ظاهرةٍ مَرئية. ولَو كان شَكلاً ظاهراً لقالت الآيةُ «صورةَ بَشَر» ـ لكنّ القُدُسيةَ النَّصّيةَ اختارَت ما يُلائم البنيةَ الحَقيقيةَ للحَدَث. الرُّوحُ تَمَثَّلَت بخَصائصَ بَشَريةٍ ماديةٍ مُكتَملةٍ سَوية، مُهَيَّأَةٍ للتَّجَلّي التَّكوينيّ في الجَنين، لا بصورةٍ ظاهرةٍ مَرئيةٍ أَمام مَريم. والسَّويُّ يَكشف اكتمالَ هذه الخَصائص بَلا نَقصٍ ولا اضطرابٍ في البنية، مُهَيَّأَةً للتَّكوين البَشَريّ التامّ.

ولَعَلَّ في تَأَمّل سياق مَريم قَبل التَّمَثّل ما يَتَتِم البنيةَ. فقَولُه تعالى ﴿واذكُر في الكتاب مَريمَ إذ انتَبَذَت من أَهلها مكاناً شَرقياً ۝ فاتَّخَذَت من دونهم حِجاباً﴾ [مريم 16-17] يَكشف أَنها انتَبَذَت من أَهلها ـ ابتَعَدَت لتَتَفَرَّغ لرَبّها ـ واتَّخَذَت من دونهم حِجاباً ـ تَوَجُّهٌ كاملٌ لله. فهي قَد وَهَبَت نَفسَها لله في عُزلتها قَبل التَّمَثّل، تَعَبَّدَت بَلا انتظار. ولِذا لم تَكُن مُفاجَأَتُها بالمُطلَق ـ إذ هي في حال تَوَجُّهٍ كاملٍ ـ بَل بالحَقيقة التَّكوينيةِ التي تَجَلَّت في كَينونتها بَعد توَجُّهها لرَبّها. تَعَبَّدَت، فجاءَ الفِعلُ الكَونيُّ التَّكوينيُّ ـ تَمَثُّلُ الرُّوح بخَصائصها التَّكوينيةِ في أَحشائها ـ فأَدرَكَت الفاعليةَ بصَدَدها.

ومما يَستحقّ التَّأَنّيَ القاطعَ ـ صياغةُ الاستعاذة ﴿قالت إنّي أَعوذ بالرحمن منك إن كُنتَ تَقياً﴾ [مريم 18]. والاستعاذةُ بـالرحمن ـ لا بالله ـ كَشفٌ بنيويٌّ في غاية الإحكام يَفصل في طَبيعة ما يَجري لمَريم. فالرحمن ـ كَما تَأَسَّسَ في موضعه (2.1) ـ مَقامُ الفاعلية الكَونيةِ السُّنَنيةِ في الوُجود، يَعمَل بالفِعل والسُّنَن لا بالقَول المُجَرَّد. أَمّا الله ـ فالذاتُ المُتَجاوزةُ، تَخصّ الأَمرَ المُطلَقَ والتَّخاطُبَ المُجَرَّد. واختيارُ مَريم لـالرحمن في الاستعاذة كَشفٌ قاطعٌ أَن ما تَجري فيه فاعليةٌ كَونيةٌ تَكوينيةٌ في وُجودها، لا تَخاطُبٌ لَفظيٌّ ولا حِوارٌ مَنطوق. ولَو كان حِواراً تَخاطُبياً لاستَعاذَت بالله بَلاغياً ـ لكنّ القُدُسيةَ النَّصّيةَ في اختيار الأَسماء كَشفَت طَبيعةَ الفِعل من داخل النَّصّ نَفسه. والاستعاذةُ تُلائم الفاعلَ المُؤَثّر ـ مَريمُ شَعَرَت في كَينونتها فاعليةً سُنَنيةً تَجري، فاستَعاذَت بمَقام الفاعلية الكَونيةِ نَفسه. وصياغةُ ﴿إن كُنتَ تَقياً﴾ تَكشف دُعاءَها أَن تَكون هذه الفاعليةُ خَيراً، إذ نظامُ الرحمن يَنفُذ بالعَدل السُّنَنيِّ بَلا مُحاباة.

ومما يَتَتِم البنيةَ صياغةُ ﴿قال إنَّما أَنا رَسولُ رَبّك لأَهَبَ لكِ غُلاماً زَكياً﴾ [مريم 19] ـ هذا «القَولُ» ليس نُطقاً بصَوتٍ مَسموعٍ تَتَلَقّاه مَريمُ بأُذنها، بَل إفهامٌ كَونيٌّ في كَينونتها ـ تَكَشَّفَ لها أَن الفاعليةَ التي تَجري في وُجودها رَسوليةٌ ربوبيةٌ لهِبة غُلامٍ زَكيٍّ. ومما يُعَضّد هذا الفَهمَ ـ صياغةُ ﴿قالت أَنّى يَكون لي وَلَدٌ ولم يَمسَسني بَشَرٌ ولم أَك بَغياً﴾ [مريم 20]. فالاستفكارُ في «أَنّى يَكون لي وَلَدٌ» يَكشف أَنها استَفكَرَت متَعَظّمةً للأَمر بَعد إدراك الحَقيقة التَّكوينية ـ كَيف يَحصل ذلك بَلا لقاءٍ بَشَريٍّ؟ ونَفيُ مَسّ البَشَر في ﴿ولم يَمسَسني بَشَرٌ﴾ قاطعٌ في كَون التَّمَثّل لم يَكُن صورةً ظاهرةً مَحَلَّ تَلاقٍ تَكوينيٍّ مَحضٍ بَين رَجُلٍ وامرأَة. ولَو كانَت في حِوارٍ مَنطوقٍ مع كائنٍ ظاهرٍ أَمامها لكان السُّؤالُ في صياغةٍ تَخاطُبيةٍ مُختَلفة. لكنّها كانت في صَدَد الموضوع ـ في كَينونتها، تَجَلَّت لها الحَقيقةُ تَدريجياً، فاستفكَرَت في كَيفيةٍ تَفوق العَقلَ المَألوف.

ومما يَتَتِم الحُجَّةَ على هذا الفَهم البنيويّ ـ ما يَكشفه التَّدبيرُ الكَونيُّ في تَبليغ الرِّسالات. فالنَّبيُّ محمد ﷺ ـ خاتمُ الأَنبياء وحامِلُ الرِّسالة الجامعة على مَدى ثَلاثٍ وعِشرين سَنة ـ بَلَّغَ كتابَ الله كامِلاً بآلية الرُّوح الأَمين على قَلبه، بَلا تَمَثّل بصورةٍ بَشَريةٍ ظاهرةٍ أَمامه. ويَكشف ذلك قَولُه تعالى ﴿نَزَلَ به الرُّوحُ الأَمين ۝ على قَلبك﴾ [الشُّعَراء 193-194]، وقَوله ﴿قُل نَزَّلَه رُوحُ القُدُس من رَبّك بالحَقّ﴾ [النحل 102]، وقَوله ﴿فأَوحى إلى عَبده ما أَوحى ۝ ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأَى﴾ [النَّجم 10-11]. والتَّبليغُ يَجري بآلية الرُّوح على القَلب، لا بآلية الصُّورة الظاهرة. ولَو كان التَّمَثّلُ بصورةٍ بَشَريةٍ ظاهرةٍ ضَرورياً للمُخاطَبة والتَّبليغ ـ لَكان النَّبيُّ محمد ﷺ أَوْلى به، إذ رِسالتُه الجامعةُ الخاتمةُ تَستوجِب أَوسَعَ تَبليغ، وأَكثَفَ تَلَقٍّ، وأَطوَلَ مَجرى زَمنيّ. لكنّ آليةَ التَّدبير الكَونيِّ نَفَذَت في حَقّه على قَلبه بَلا تَمَثّلٍ ظاهر. ومنه يَنفَتح للمُتَدَبّر أَن ما يَدَّعيه التَّفسيرُ المَوروثُ من تَمَثّل المَلَك بصورةٍ بَشَريةٍ ظاهرةٍ لمَريم بحُجَّة المُخاطَبة والتَّبليغ ـ تَفسيرٌ يَنقُض نَفسَه بنَفسه، إذ يَفتَرض في حَقّ مَريم آليةً ثَقيلةً لم تَجرِ مع خاتم الأَنبياء في أَوسَع رِسالة. والتَّدبيرُ الكَونيُّ ينَفُذ بآلياته المُحَكَمةِ بَلا حاجةٍ إلى تَجَسّدٍ مَرئيٍّ، إذ الإفهامُ الكَونيُّ يَجري في الكَينونة بَلا حاجةٍ إلى أَدواتٍ حِسّيةٍ ظاهرة.

ولَعَلَّ في تَأَمّل الفَرق بَين مَوقف مَريم ومَواقف ضيوف إبراهيم ولوط كَشفاً يَتَتِم البنيةَ. فضيوفُ إبراهيم ولوط ـ كانَت مَهَمَّتُهم ذاتَ شَأنٍ خارجيٍّ مَرئيٍّ (البِشارةُ بإسحاق على وَجهها الاجتماعي، إنذارُ قَوم لوط، حِمايةُ لوط من قَومه) ـ يَستوجِب حُضوراً ظاهراً يَلتَئم مع الفِعل الخارجي بَين الناس. أَمّا في مَريم ـ فالمَوضوعُ فِعلٌ كَونيٌّ تَكوينيٌّ في كَينونتها وحدها، لا فِعلٌ خارجيٌّ يَتَطَلَّب حُضوراً ظاهراً. ولِذا اختَلَفَت الصياغةُ القُرآنيةُ بَين «رُسُلُنا» (المَلائكة في إبراهيم/لوط) و«رُوحَنا» (في مَريم) ـ التَّمييزُ بنيويٌّ يَكشف اختلافَ طَبيعة المَهَمَّة.

ومما يَستحقّ التَّأَنّيَ القاطعَ في تَحرير المَفهوم ـ شاهدُ النساء 171 في حَقّ المَسيح ﴿إنَّما المَسيحُ عيسى ابنُ مَريم رَسولُ الله وكَلِمَتُه أَلقاها إلى مَريم ورُوحٌ منه﴾. والصياغةُ تَكشف بنيةً جَوهريةً ـ عيسى مَوصوفٌ بأَنه كَلِمةٌ + رُوحٌ منه. والكَلِمةُ هي الإذنُ التَّكوينيُّ، أُلقيَت إلى مَريم. والرُّوحُ هي الخُلاصةُ المعرفيةُ الإلهيةُ التي تَجَلَّت في الجَنين. ومنه يَنفَتح للمُتَدَبّر أَن «الرُّوحَ» المُرسَلةَ في مريم 17 ـ هي ذاتُها التي تَجَلَّت في الجَنين، تَمَثَّلَت بخَصائص البَشَرية الماديةِ في بنيتها التَّكوينيةِ، حَمَلَت في كَينونتها خُلاصةً معرفيةً إلهيةً ستَنفُذ في المَسيح منذُ المَهد. ومَريمُ ـ بَعد علمها بما جَرى ـ أَدرَكَت أَن ما تَكَوَّنَ في أَحشائها كَلِمةُ الله ورُوحٌ منه، لا نَتاجَ لقاءٍ بَشَريٍّ عادي.

ومما يُعَضّد هذه البنيةَ ـ قَولُ المَسيح في المَهد ﴿قال إنّي عَبدُ الله آتانيَ الكتابَ وجَعَلَني نَبياً﴾ [مريم 30]. والقَولُ في الصياغة القُرآنية ـ بدِقَّة اللسان ـ يَستوجِب صَوتاً ومعنىً يَصوغهما القائلُ بنَفسه، لا مَحضَ نُطقٍ ولا تَرديدٍ ولا نَقلٍ صَوتي. فالنُّطقُ يَستوجِب الصَّوتَ بَلا اشتراطٍ في صياغة المعنى ذاتياً، أَمّا القَولُ ـ فيَستوجِب الصَّوتَ والمعنى معاً، صياغةً ذاتيةً من القائل بنَفسه. والمَسيحُ في المَهد قال ـ صاغَ بنَفسه بصَوته ومعناه ـ يَكشف اكتمالَ التَّجَلّي المعرفيِّ في كَينونته منذُ تَكوينه، بَلا تَدَرّجٍ كَسائر الأَنبياء. والرُّوحُ التي تَجَلَّت في جَنينه ـ حَمَلَت إليه خُلاصةَ المعرفة الجامعة (تَشريعاً وكَونيات)، تَجَلَّت في كَينونته فصاغَ بها بَلا حاجةٍ إلى تَلَقٍّ خارجيٍّ في موضع المَهد.

ومما يَستحقّ التَّأَنّيَ في خاتمة الفِقرة ـ أَن قصة مَريم تَكشف وَجهاً مَخصوصاً من تَجَلّي الرُّوح في الوُجود، يَتَمَيَّز عَن سائر مَواضع تَنزيل الرُّوح. فالرُّوحُ في تَنزيلها على قَلب النَّبي (3.1.2.6) تَنزِل بصياغةٍ نَصّيةٍ يَتَلَقّاها في قَلبه ويُبَلّغها للناس. والرُّوحُ في إلقائها على من يَشاء من العباد تُلقى خُلاصةً معرفيةً يَجتَهد العَبدُ في تَدَبّرها. أَمّا الرُّوحُ في موضع مَريم ـ فتَتَجَلّى تَكوينياً في كَينونتها بخَصائص بَشَريةٍ ماديةٍ سَوية، تَفعَل فِعلَها الكَونيَّ في وُجودها بَلا حُضورٍ ظاهرٍ ولا حِوارٍ مَنطوقٍ، تَتَكَشَّف الحَقيقةُ لمَريم بَعد إدراك الفاعليةِ ـ فتَستَعيذ بالرحمن، تَستَفكر في الكَيفية، تَتَلَقّى الإفهامَ في كَينونتها بأَن ما يَجري ربوبيٌّ لهِبة غُلامٍ زَكي. وفي تَجَلّي الجَنين تَنفُذ خُلاصةُ المعرفة الإلهيةِ في كَينونته، تَجَلَّت بها كَلِمةُ الله ورُوحٌ منه فصاغَ أَقوالَه في المَهد بصَوتٍ ومعنىً، تَكَلَّم بآلية الرُّوح المُتَجَلّيةِ فيه تَكوينياً.

3.1.2.8خاتمةُ فصل الرُّوح

تَأَسَّسَ في هذا الفصل ـ عَبر أَقسامه المُتَتاليةِ ـ بنيةٌ متَكامِلةٌ للرُّوح، تَستحقّ أَن تُجمَع في خاتمةٍ تَكشف وَحدةَ المَفهوم في وُجوهه المُتَنَوّعة.

فالرُّوحُ في مَنبَعها ـ خُلاصةٌ معرفيةٌ مُكَثَّفةٌ من عالَم الأَمر، عَصارةٌ مُسَتَخلَصةٌ تُلقى مَضغوطةً مَوصولةً بالحَقّ، تَفتَح بابَ التَّدَبّر والاجتهاد بَلا أَن تُغلقه (3.1.2.1). وفي مَساراتها ـ ثَلاثةٌ متَلائمة بحَسَب طَبيعة المضمون: إلهيةٌ في مَوضع التَّشريع والقيم والتَّوحيد والإنذار بيَوم الفَصل، ربوبيةٌ في مَوضع الكَونيات والقَصص والتَّدبير الجاري، جامعةٌ في الكتاب المُنَزَّل تَجمَع المسارَين في صياغةٍ واحدة (3.1.2.2). وفي إدراجها في الإنسان ـ نَفخٌ يُسَرّع التَّجَلّيَ المعرفيَّ في كَينونته، يَتَدَرَّج بَين نَفخ آدمَ بمَبادئ التَّجريد الأَوَّليةِ التي تَنفَتح بها ذُرّيتُه على التَّرَقّي، ونَفخ المَسيح برُوحٍ جامعةٍ كامِلةٍ تَتَجَلّى فيه منذُ المَهد (3.1.2.3). وفي صياغتها ـ آليةٌ قُدُسيةٌ مُحَرَّرةٌ زَمنياً، تَحمل ما يَنزِل بها بَلا أَن يَتَأَثَّر بتَحَوّر الأَزمنة، تَفتَح للمُتَدَبّر وُجوهَ معانٍ تَتَكَشَّف بتَوارُد الزَّمن بَلا انطفاءٍ في النَّصّ نَفسه (3.1.2.4). وفي تَجَلّيها في المَلائكة ـ مَوصولةٌ بشَأنها التَّدبيريِّ الكَوني، يَحمل المَلَكُ في كَينونته معرفةَ شَأنه يَنفُذ بها بَلا فُتورٍ ولا تَأَخّر (3.1.2.5). وفي تَنزيلها على قَلب النَّبي ـ إنزالٌ كُلّيٌّ في الوُجود في لَيلةٍ مُبارَكة، وتَنزيلٌ متَدَرّجٌ بصياغةٍ نَصّيةٍ قُدُسيةٍ يَتَلَقّاها على قَلبه ويُبَلّغها للناس (3.1.2.6). وفي تَجَلّيها في موضع مَريم ـ تَمَثُّلٌ بخَصائص البَشَرية الماديةِ التَّكوينيةِ في كَينونتها، يَتَجَلّى تَكوينياً في الجَنين بَلا حُضورٍ ظاهرٍ ولا حِوارٍ مَنطوق (3.1.2.7).

وفي ضَمّ هذه الوُجوه ـ تَنكَشف بنيةٌ جامعةٌ للرُّوح في الوُجود. فهي خُلاصةُ معرفةٍ تَحيا بها النُّفوس وتَنفُذ بها النُّظُم، تَنزِل من عالَم الأَمر إلى عالَم الشَّهادة في صياغاتٍ مُحَكَمةٍ يَجري بها التَّدبيرُ بإحكام. تَتَنَوَّع مَساراتُها بحَسَب مضمونها، وتَتَجَلّى تَجَلّياتُها بحَسَب مَوضعها، يَجمَعها أَنها فاعليةٌ معرفيةٌ تُحيي ما تُلقى عَلَيه إحياءً معنوياً، تَفتَح أَبوابَ الفَهم بَلا قَهرٍ، تَنفُذ بأَدواتها الكَونيةِ المُحَرَّرةِ زَمنياً. والإنسانُ في كَينونته كائنٌ مَنفوذٌ بإحياءَين متَكامِلَين ـ نَفسٌ تَحمل غَرائزَه فتُحييه إحياءً مادياً غَريزياً، ورُوحٌ تُلقى عَلَيها فتُحييها إحياءً معنوياً يَفتَح ما وراءَ الغَرائز، ومنه تَكتَمل بنيةُ الإنسان في الجَسد والنَّفس والرُّوح.

ومما يَتَتِم هذه الخاتمةَ ـ التَّمييزُ بَين تَجَلّي الرُّوح في النَّفس البَشَرية وتَجَلّيها في النُّظُم الكَونية. فالرُّوحُ في النَّفس البَشَرية تُلقى فتُحييها معنوياً، تَستوجِب اجتهاداً وتَدَبّراً واكتساباً، تَنزِل على من يَشاء بقَدر طَلَبه وإنابته. والرُّوحُ في المَلَك مَدمَجةٌ في كَينونته بَلا اختيار، تَنفُذ بنَفَاذٍ تامٍّ مَوصولٍ بأَصل الخَلق أَو الجَعل. والفَرقُ بنيويٌّ ـ المَلَكُ في كَينونته نَفَاذٌ تامّ، والإنسانُ في كَينونته اختيارٌ ومَسؤولية. والاثنان معاً ـ المَلائكةُ والإنسانُ ـ يَخدمان منظومةَ التَّدبير الكَوني الجامع: نُظُمٌ تَجري بسُنَنها بَلا فُتور، وإنسانٌ يَجتَهد بنَفسه بَلا قَهر.

ومما يَستحقّ التَّأَنّيَ ـ أَن الرُّوحَ في القرآن ليست كياناً مادياً يُحَدّ بمَكان، ولا شَبَحاً غامضاً يَبقى بَعد المَوت، ولا سرَّ حياةٍ بَيولوجياً يُفارق الجَسد. بَل هي معنىً معرفيٌّ مُدرَجٌ يُحيي النَّفسَ، خُلاصةٌ من عالَم الأَمر تَنزِل بصياغةٍ مُحَكَمةٍ تُلائم المَهَمَّة والمُتَلَقّي. وهذا الفَهمُ يُحَرّر مفهومَ الرُّوح من التباساتِ التَّداوُل الشَّعبي ومن قُصور النَّظَر العِلميِّ المُجَرَّد، يَفتَحه على بنيةٍ قُرآنيةٍ متَكامِلةٍ تَنفُذ في كلّ مَواضعه بَلا تَناقُض.

وما تَأَسَّسَ من بنية الإنسان في الجَسد والنَّفس والرُّوح ـ في فُصول 3.1 كاملاً ـ ينَفَتح على بُعدٍ أَوسَع يَخصّ تَفاعلَ هذا الكائن مع الوُجود الذي خُلقَ فيه. فالإنسانُ ـ بكَينونته المُحَكَمةِ المُرَكَّبةِ من جَسدٍ ينَفُذ به في عالَم الشَّهادة، ونَفسٍ تَكتَسِب بها وتُحاسَب، ورُوحٍ تَنزِل عَلَيها فتُحييها معنوياً ـ ليس كائناً مَعزولاً عَن نَسيج الوُجود، بَل طَرَفٌ فاعلٌ في منظومةٍ كَونيةٍ أَوسَع، يَتَلَقّى منها ويُؤَثّر فيها، يَنفُذ في سُنَنها ويَكتَسِب من تَفاعله معها.

ومنه يَنفَتح ما يَلي ـ في 3.2 وما يَتلوه ـ للتَّأَنّي في الوُجود الذي يَجري فيه الإنسان، بنيتُه وسُنَنُه وتَدبيرُه. فبَعد ضَبط الإنسان في كَينونته الذاتية (3.1)، يَنتَقل الكتابُ إلى ضَبط الوُجود الذي خُلقَ فيه، يَكشف بنيةَ ما يُحيط به ـ من عالَم الأَمر الذي تَنبَع منه الرُّوحُ، إلى عالَم الخَلق الذي يَجري فيه التَّدبيرُ، إلى البنى الكَونيةِ التي تَلتَئم بها سُنَنُ الوُجود. وفي كلّ موضعٍ من هذه المَواضع، يَستَند الكتابُ على ما تَأَسَّسَ في 3.1 من بنية الإنسان، إذ الإنسانُ هو المُخاطَبُ بكلّ هذه المَفاهيم، والقارئُ الذي خُلقَ ليَتَلاءَم مع النِّظام لا ليَخضعَ النِّظامُ له. ومما يُلامس بَصيرةَ المُتَدَبّر ـ أَن البنيةَ التي تَأَسَّسَت في 3.1 تَفتَح بابَ التَّأَنّي في وُجوهٍ ما زالَت تَنتَظر استقراءها في فُصولٍ لاحقة، يُمَهّد لها هذا الفصلُ بَلا أَن يَستنفذها، يَلتَئم بَعضُها ببَعض مع تَوارُد الفُصول، تَكشف بنيةَ المنظومةِ الجامعةِ التي يَخدمها الكتابُ في غايته الكُبرى.

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «النفس والروح»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث