- أصل الوجود
- الإنسان وموضعه من الوجود
- بين يدي الباب الثالث
بين يدي الباب الثالث
لمّا استَقَرَّ في البابَين السابقَين أَصلُ الوجود وبنيتُه ـ الذاتُ المطلقةُ خارجَ الوجود، ومقامُ تدبيرها في نسيجه، ومنظومةُ الرحمن وقد انتظَمَ بها الخلقُ والأمر ـ بَقيَ أَن يُسأَل: أَين موضعُ الإنسان من هذا كلِّه؟ فالإنسانُ ليس عَرَضاً في الوجود يُذكَر مع ما يُذكَر، بَل هو الكائنُ الذي خُوطِبَ بالأمر، وحُمِّلَ الأمانة، وأُهِّلَ للاستخلاف. ولأَجله نَزَلَ الكتاب، وعَليه جَرى ميزانُ العَدل، وإليه تَوَجَّهَت الهدايةُ النصية الثابتة. فمَن لم يَستَبِن كَينونةَ الإنسان لم يَستَبِن مَوقعَه في منظومة الوجود، ولا غايةَ خِطابه فيها.
وهذا البابُ ينزِل بالنظر من المُطلَق إلى المُتَعَلَّق به، يَستَنطِق الإنسانَ كياناً ووعياً ومعرفةً ومآلاً، لا إسقاطاً لتصوُّرٍ سابق، بَل استقراءً يَدَع النصَّ يُحَدّد بنيتَه. فيَفتَتِح بالنَّفس بوَصفها وعاءَ الوعي ومَحَلَّ الكَسب، يُمَيّزها من الرُّوح المُدرَجةِ فيها، ويَتَتَبَّع رحلتَها من فَراغها الأَوَّل إلى تَجَلّيها في الدنيا فتَوَفّيها فمآلها. ثُمَّ يَتَّسِع النظرُ ليَفصِل الإنسانَ من سائر النَّوعيات التي يُلابِسها التباسٌ في التداوُل ـ الإنسِ والجِنّ والجانّ ـ على بنيةٍ لُغويةٍ صارمة.
ومن الكيان يَنتَقِل النظرُ إلى ما يَتَلَقّاه هذا الكيانُ من نُظُمِ المعرفة: القرآنُ نظاماً معرفياً جامعاً، والكتابُ رسالةً تشريعية، والفُرقانُ فصلاً بَين الحَقّ والباطل، تَجري كلُّها على قاعدة «صفة الآية صفة مصدرها». ثُمَّ يُستَقرأ نظامُ الوعي في الإنسان ـ من المعرفة الخام إلى ذُروة اليَقين في الفؤاد ـ بوَصفه منظومةً مترابطةً لا أَلفاظاً مترادفة. ويَتَوَقَّف النظرُ عند سؤال الخَلق البَشَري والاصطفاء الآدمي والاستخلاف، حَيث يُمَيَّز البَشَرُ امتداداً أَحيائياً من الإنسان المُستَخلَف بنفخة الوعي الفاصلة.
ويَختِم البابُ بما يَضبِط حركةَ الإنسان في الوجود: الإذنُ والمشيئة بوَصفهما مَدارَ الفِعل بَين التَّسيير والتَّخيير، والتسبيحُ بوَصفه قانوناً وجودياً شاملاً، والمستقرُّ والمستودَعُ بوَصفهما طَورَي الكَينونة بَين الإقامة في الحَيّز والإيداع عند الله خارجَه. فيَكتَمِل بذلك تصوُّرُ الإنسان كياناً يَنفُذ في أَطوار الوجود، واعياً يَكتَسِب ويُحاسَب، مَوكولاً إلى مآلٍ يَتَجاوَز حَيّزَ الزمان الذي خَرَجَ منه. وما يُؤَسَّس هنا من بنيةٍ للإنسان والوعي والمعرفة يُمَهّد لما يَلي من أَبوابٍ تَتَناوَل الفِعلَ والقِيمةَ والمصيرَ الوجوديَّ على هذا الأَساس.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «بين يدي الباب الثالث»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث