2.5

الكرسي والعرش والاستواء ـ هيكلية الفهم وتَدبير المنظومة

8 دقائق قراءة~1372 كلمة4 مبحثاً في هذا الفصل

2.5.1الكرسي ـ هيكلية الفهم لا حدّ العلم

القرآن لا يَقول «وَسِعَ عِلْمُهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» رغم أن ذلك حقّ لا مرية فيه، لكنه يَقول:

﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾

﴿البقرة: 255

والتَّعمّد في هذا التَّعبير ليس لُغوياً فحسب، بل وجودي مَعرفي. فالكرسي هنا لا يَرمز إلى ذات العلم الإلهي المطلق ـ فهو أَسمى من أن يُوصف بمساحة أو حدّ ـ بل يُشير إلى الهيكل المعرفي المُعدّ لفهم نظام السماوات والأرض، ذلك النظام الذي يُمكن للإنسان أن يَسلك فيه طُرق الفهم ويَرتقي عَبر درجات المعرفة.

ومن هنا فإن الارتباط بين «الكرسي» وجذر «كَرَسَ» الذي يَدلّ على التَّكديس والتراتبية، كما في «الكُرّاس» و«الكَراريس»، ليس مجرد اشتقاق لُغوي، بل إرشاد إلى طبيعة هذه المعرفة. فهي مَعرفة طبقاتية لا تُفهم دفعة واحدة، كل طبقة منها مشفرة لا يُفكّ شفرتها إلا بعد فهم الطبقة التي دونها، وهي نظام مُترابط لا يُمكن فَصل جزء عنه دون اختلال فهم الكلّ. وهذا تَماماً كقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ ، وقوله ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: 3]، فطباقاً تَعني طبقة فوق طبقة، كلٌّ منها يُبنى على التي قَبلها، وكلٌّ منها يَحمل وظيفة لا تُدرك إلا في سياق البنية الكاملة.

﴿النبأ: 12

ولذلك فإن الكرسي في الآية ليس وصفاً للعلم الإلهي المطلق ـ فذاك لا يُحاط به ولا يُوصف بسَعة مكانية أو وظيفية ـ بل هو الجانب الوظيفي من العلم الإلهي الذي يُهيَّأ لفهم هذا الكون المخلوق، ويُقدَّم للعقل البشري كمنهاج تَراتبي يَسلكه المتأمّل، لا كمخزن مَعرفي يُفرغ دفعة واحدة.

ومن هنا يَتبيّن أن الكرسي يُشير إلى مَرحلة ما بعد الخلق، فالكون قد خُلق بعلم سابق، ثم وُضعت له بنية مَعرفية قابلة للاكتشاف، وهذا هو الكرسي. أي ليس الكرسي سَبب الخلق، بل وَسيلة فَهمه. فإذا كان العَبد يَتأمّل السماء الثانية فلا يُدرك سرَّها إلا بَعد أن يُلمّ بقوانين السماء الدنيا، وإذا أَراد فهم الحياة في الكوكب الثالث فلا يَنجح إلا بَعد أن يُتقن لُغة الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، وهي طبقات مَعرفية تُشبه الكَراريس المُكدَّسة.

وهكذا يُصبح الكرسي رَمزاً للمنهج الوجودي المعرفي الذي يُتيح للإنسان أن يَسلك طريق الفهم دون أن يَدّعي اختراق الغيب. فهو لا يَمنحه كل علم الله، بل يَمنحه من العلم ما يَكفي لفهم ما أُنيط به من وَظيفة في هذا الكون. وهذا بالضبط ما يَحفظ لله مكانته المطلقة، ويَمنح الإنسان مَسؤوليته الممكنة.

2.5.2العرش ـ تَدبير المنظومة المكتملة لا جلوس على مَقعد

إذا كان الكرسي يُشير إلى الهيكل المعرفي الذي يُهيّئ الفهم، فإن العرش يُشير إلى النظام الكامل الذي يُهيّئ التَّدبير. والفرق جوهري، الكرسي كيف نَفهم، والعرش كيف يُدار. ولهذا لا يُقال في القرآن «استوى على الكرسي» بل:

﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾

﴿طه: 5

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾

﴿الأعراف: 54

فالاستواء على العرش ليس جلوساً حسياً، بل إحكاماً للتَّدبير، بَعد أن تَكتمل البنية وتُهيّأ للتَّشغيل.

والعرش ليس كياناً منفصلاً، بل وَظيفة نظام مكتمل. فلا معنى لعرش الملك إذا لم يَكن هَناك شعب يُدار، وجيش يُدافع، وقضاة يَحكمون، ووزراء يُدبّرون، واقتصاد يُنتج، وقوانين تُنظّم، ومعرفة تُبتكر. فالعرش هنا ليس الخشبة المزينة التي يَجلس عليها الملك، بل مَحلّ القرار والرعاية والتَّحكم في المنظومة الحية كلها. ومن هنا فإن «الجلوس على العرش» تَعبير مجازي عن استلام زمام التَّدبير الكامل لمنظومة متكاملة الأركان.

ولتقريب المعنى مثال من واقع البشر، حين تَقول الأمم «تَربّع فلان على عَرش الشِّعر» أو «تَربّعت تلك المدرسة على عَرش الفلسفة» أو «تَربّع ذاك الفريق على عَرش كرة القدم»، فالكلّ يَفهم أن المقصود ليس عَرشاً خَشبياً يُجلس عليه، بل الهيمنة التَّنظيمية الكاملة في مجال ما، بعد أن تَكتمل الأَركان وتَتمكّن الأدوات. فمن تَربّع على عَرش مَجال ما، فمعناه أنه أَحكم منظومته فيه، وسَيطر على مَفاصل القَرار في ذلك المجال، وصار لا يُنازعه فيه مُنازع. أي أن «العرش» في كل هذه الاستعمالات نظام هَيمنة متكامل، لا مَقعد ماديّ.

وعندما يَقول القرآن ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾، فإن المقصود أن الكون قد أُكملت بنيته في ستة أيام، وبَدأ تَشغيله كنظام حيّ مترابط موزون، وكل جزء فيه ـ من ذرّة إلى مجرّة ـ يَخضع لتَدبير لا يَغفل ولا يَنام، كما يَدلّ ختام آية الكرسي ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.

فالعرش في السياق الإلهي رَمز لسيادة التَّدبير على النظام الكوني المتكامل، نظامٍ يَشمل القوانين الفيزيائية، ودَورات الحياة والموت، والتَّوازنات البيئية، والذاكرة الوراثية، ونَواميس العدل والجزاء، كلها متَّسقة تَحت تَدبير واحد. وليس في هذا التَّشبيه تَجسيم، بل تَجريد وَظيفي يُقرّب للفهم أن العرش ليس مكاناً، بل مَقام تَدبير مطلق، لا يُمكن أن يَتحقق إلا حين تَكون المنظومة مكتملة الأَركان، سليمة الروابط، محكمة التَّشغيل. ولهذا لا يُعقل أن يَكون عرش دون نظام، ولا أن يُستوى على عرش قبل أن يُبنى الكون.

2.5.3الاستواء ـ حالة النظام لا جلوس على مَقعد

إن ذكر الاستواء على العرش في قوله تعالى:

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾

﴿الأعراف: 54

لا يَعكس تَسلسلاً زمنياً بَسيطاً بَين فعل يَنتهي وفعل يَبدأ، بل يَعكس تَحوّلاً وجودياً من مَرحلة التَّشكيل (الخلق) إلى مَرحلة الاستعداد للتَّدبير (الاستواء). فالـ«ثم» هنا ليست فاصلاً جامداً، بل علامة على اكتمال مَرحلة وولوج أُخرى، مَرحلة لا تَبدأ فجأة، بل تَتدرّج منذ اللحظة الأولى من الخلق.

فالكون لم يُخلق فارغاً ثم «يُجلس» الله عليه، بل إن عملية الاستواء بَدأت من أوّل يوم من أيّام السِتَّة، كتَهيئة تَراكمية لمنظومة سَتُصبح لاحقاً قابلة للتَّدبير. ويُؤكّد هذا أن الاستواء ليس صعوداً ولا جلوساً مادياً، بل حالة كونية يَبلغها النظام حين يَصير متماسك البنية، مترابط العَناصر، موزون الحَركات، مُستعدّاً للحياة والتَّفاعل والصيرورة. حينئذ يُقال «استوى على العرش»، أي صار الكون جاهزاً للتَّدبير، فبَدأ التَّدبير يَجري فيه.

وهذا التَّدبير لا يُشبه تَدخّلاً خارجياً، بل هو انسياب داخلي لنظام أُحكمت قوانينه، كأنّما العرش هو ذات هذا النظام في حالة اكتماله، والاستواء هو دخوله في مَرحلة التَّشغيل الذاتي المُوجَّه. وليس أَدلّ على ذلك من أن الاستواء في لُغة العرب ـ كما في «استوى القمر» أو «استوى البناء» ـ يُشير إلى الاستواء البنيوي، أي اكتمال الهيكل، وتَحقيق التَّوازن، وبلوغ حالة الصلاحية للوظيفة.

فاستوى على العرش إذن، يَعني أَحكم تَدبير هذا الوجود حين صار مهيَّأً له، لا جَلس على مقعد بعد أن فَرغ من العمل.

2.5.4وكان عَرشه على الماء ـ تَدبير الحياة في مَهدها الأوّل

لا تَقول الآية «استوى على العرش الذي على الماء»، بل تَقول:

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾

﴿هود: 7

بصيغة الماضي التأسيسي، أي في المرحلة التي بَدأ فيها التَّدبير الكوني يَأخذ شكلاً قابلاً للحياة، كان العَرش ـ أي نظام التَّدبير المنظَّم ـ مَرتبطاً بالماء ارتباطاً وَظيفياً. وذلك لأن الماء ليس عنصراً كيميائياً فحسب، بل الوسط الحيوي الأوّل الذي لا تَنشأ فيه الحياة إلا ضمن تَوازنات دقيقة من الحرارة والضغط والتَّركيب الكيميائي والطاقة.

وقد أَشار القرآن إلى هذا الأَساس حين قال:

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾

﴿الأنبياء: 30

فليس المقصود أن «كل شيء حيّ» مَصنوع من الماء فحَسب ـ فكلّ الكائنات كذلك ـ بل أن نُشوء الحياة ذاتها كظاهرة كيميائية بيولوجية وَظيفية، مَرتبط بالبيئة المائية كشَرط وجودي أَوّلي. ومن هنا فإن «العرش على الماء» لا يَعني أن الله كان «يَجلس على ماء»، بل أن نظام التَّدبير الكوني ـ في بداياته التَّشغيلية ـ كان منصبّاً على بيئة مائية كمَهد وحيد للحياة. أي أن القوانين والتَّوازنات والنواميس التي تَضبط نُشوء الخلية الأولى وتَكاثرها وتَحوّلها وانتقالها إلى أَشكال أَكثر تعقيداً، كلها كانت تَعمل ضمن إطار مائي، ومن ثَمّ ضمن عَرش يُهَيمن على هذا الإطار.

وبمرور الزمن وحين انتَقلت الحياة من الماء إلى اليابسة، لم يَعد العَرش مَقصوراً على الماء، بل اتَّسع ليَشمل اليابسة والجو والفضاء، فصار عَرشه ـ أي تَدبيره ـ يَشمل كل الوجود القابل للحياة. ولهذا جاء التَّعبير بصيغة الماضي «وكان عرشه على الماء»، لأنه يُشير إلى مَرحلة تَأسيسية مَعينة من مَراحل التَّدبير، ليست نهائية، بل أُولى محطّاته الحيوية. وهذا تَماماً كما نَقول اليوم «بَدأت الثَّورة الصِّناعية في بريطانيا»، دون أن نَعني أن الصِّناعة اختَفت منها، بل أن النظام الذي سيُعمَّم لاحقاً قد وُضع فيه أَساسه الأوّل.

وكما تَكشف البحوث العلمية ـ التي لا تُضيف على القرآن، بل تُقرّ بصدق توصيفه ـ أن أَوّل خَلية حية نَشأت في بيئة مائية مُحكمة الشروط، فإن الآية ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ لا تَتعارض مع هذا، بل تُشير إليه بأَدقّ تَعبير وَظيفي، فالعرش تَدبير محكم، والماء بيئة نُشوء الحياة، والعرش على الماء تَدبير الحياة في مَهدها الأوّل.

الخلاصة النهائية:

الكرسي والعرش والاستواء ثَلاثة مَفاهيم مُتمايزة لا مترادفة. الكرسي هَيكل الفهم الذي يُتيح للإنسان أن يَتدرّج في المعرفة طبقة فوق طبقة، فيَدرك من الكون بقَدر ما يُلمّ به من قوانينه. والعرش نظام التَّدبير الكامل الذي تَنتظم فيه المنظومة الكونية بأَسرها بَعد اكتمال بنيتها. والاستواء حالة دخول هذا النظام في مَرحلة التَّشغيل بَعد أن تَهيّأت أَركانه. وأمّا قوله «وكان عَرشه على الماء» فيُشير إلى المَرحلة التَّأسيسية الأولى، حين كان التَّدبير منصبّاً على بيئة الماء التي نَشأت فيها الحياة قبل أن تَتسع لتَشمل الوجود كله. وفي هذه المفاهيم الأَربعة لا تَجسيم ولا جلوس ولا مكان، بل تَجريد وَظيفي يَكشف كيف يَنتظم الكون بعلم الله، ويُدار بتَدبيره، ويَتدرّج في الفهم الإنساني عَبر منهاج تَراتبي تَكشفه الآيات.

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «الكرسي والعرش والاستواء ـ هيكلية الفهم وتَدبير المنظومة»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث