- أصل الوجود
- نظام الوجود ومقامات التدبير
- الغيب وعلم الساعة
الغيب وعلم الساعة
2.6.1تَمهيد
يُعدّ مفهوم «الغيب» من أَكثر المفاهيم القرآنية تَعرّضاً للالتباس، حتى صار في الوعي السائد مرادفاً لكل ما هو مجهول أو مستقبلي أو غامض. غير أن القرآن لا يَستعمل لفظ «الغيب» بهذا الإطلاق العائم أَبداً، بل يُحدّده تَحديداً وجودياً دقيقاً.
والآية المفصلية في تَأسيس هذا التَّحديد قوله تعالى:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾
فالله جَمع بَين «الغيب» و«الشَّهادة» في صيغة واحدة، وكل لفظ منهما يَفتح مَجالاً علمياً متَمايزاً عن الآخر، يَتقابلان تَقابلاً بَنيوياً تَستلزمه الواو العاطفة بَينهما.
أمّا «الغيب»، فهو علم الله بالموجود الواقع، أي بكل ما تَحقّق في الوجود من ماضيه إلى حاضره، وغاب عن إدراك البشر. فالغيب إذن نَقيض الشَّهادة الإنسانية، لا نَقيض الوجود. وهو ما وُجد فعلاً ـ في الكون أو التاريخ أو الحاضر ـ ثم غاب عن مدارك الناس.
وأمّا «الشَّهادة» في الآية، فهي مَصدر مَأخوذ من جذر «شَهِدَ»، يَستوعب معنَيَين متَكاملَين تَكشفهما المشتقَّات الأُخرى من الجذر نَفسه.
المعنى الأَوّل يَكشفه لفظ «الشَّهيد»، وهو الحاضر على الواقع حضوراً عَينياً مباشراً، يُعاين الحَدَث في وقوعه. ومنه قوله تعالى ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ ، أي حاضراً معهم تَراهم وتُعاينهم.
والمعنى الثاني يَكشفه لفظ «الشَّاهد»، وهو الخبير المحيط بالأَمر إحاطة معرفية فكرية، حضوره عَقلي لا حسّي. ومنه قوله تعالى ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ ، فالضَّمير في «أَهلها» يَعود على الشَّهادة نَفسها لا على امرأة العزيز، أي شاهد من أَهل الشَّهادة، أي من أَهل الخبرة والمعرفة بالقَرائن. فهو يَفصل في المعضلة بإحاطته العقلية لا برؤية الواقعة، إذ لم يَكن حاضراً حين وَقع الحَدث، بل جاء بَعد وقوعه فاستَنبط من قَرينة قميص يوسف ما حَسم الموقف. ولو كان قَريباً لها من أَهل بَيتها لكانت شَهادته مَطعوناً فيها بالقَرابة، فلا تُفيد في حَسم النِّزاع. ومن هنا تَتأَكَّد القراءة بأن الشَّاهد كان من أَهل الخبرة بالشَّهادة، لا من أَهل المرأة.
والشَّهادة بوصفها مَصدراً تَجمع المعنَيَين معاً، لأنها فعل الشَّهد كله، يَدخل فيه ما يَفعله الشَّهيد وما يَفعله الشَّاهد. وحين يَكون الفاعل هو الله، تَبلغ الشَّهادة مَبلغها الأَكمل، فالله شَهيد بحضور كامل لا يَغيب، وشاهد بإحاطة معرفية مطلقة لا تَجهل قَرينة ولا تَفوتها سُنَّة.
ومن هنا يَتجلَّى الميزان الدقيق. الشَّهادة في الآية تُقابل الغَيب تَقابلاً بَنيوياً محكماً. فالغَيب ما تَحَقَّق في الوجود وغاب عن الإدراك البَشري، والشَّهادة ما تَحَقَّق وحَضر، إمّا حضوراً عَينياً يُعاينه الحاضر، وإمّا حضوراً فكرياً يَستنبطه الخبير. والله عالم بهما معاً، لا يَعزب عنه ما حَضر الناس ورَأوه، ولا ما حَضر الواقع وغاب عن مَداركهم، ولا ما يَتَطلَّب إحاطة خبيرة بقَرائنه وسننه.
أمّا علم الله بالمستقبل فلا يَدخل في الشَّهادة بحَدّ ذاتها، لأن المستقبل لم يَتحقَّق بَعد. وإنّما يَنبثق علمه بالمستقبل من شُمولية علمه المطلق التي تُحيط بكل المعطيات والسنن إحاطة كاملة، فيَعلم ما سيَكون نَتيجة لما هو كائن. والقرآن لا يَستعمل لفظ «الشَّهادة» للدلالة على علم الله بالمستقبل، بل يَستعمل ألفاظاً أُخرى تَدلّ على شُمولية علمه، كقوله ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
ولذلك يَربط القرآن الغيب دائماً بثلاثة عَناصر لا تَنفصم، الوجود الفعلي والغياب الإدراكي والمَقام الإلهي. وهذا ما تُثبته الآيات المحكمات:
﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾
فكل موجود غائب عن الإدراك الإنساني وهو متحقّق واقعاً، فهو مُدرَج في الكتاب المبين، أي في البنية الوجودية المنظَّمة للكون.
وقال تعالى:
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾
والكتاب المبين الذي تَذكره هاتان الآيتان مَفهوم بنيوي محوري في منظومة التَّوثيق الإلهية، يُذكر هنا في سياق الغيب بوصفه السجلّ الوجودي الذي يَحوي كل ما تَحَقَّق في الكون من ذرّة وورقة وحبَّة. وسيُفَصَّل بنيته الكاملة وعلاقته بالإمام المبين وعالم الأَمر في الباب الثالث، فصل 3.7.
فالورقة الساقطة، والحبّة في ظلمات الأرض، وحركة الذرّة، وأَحداث الأمم الماضية ـ كلها حقائق واقعية متحقّقة، لكنها غائبة عن إدراك الإنسان. ومن هنا يَتبيّن أن الغيب ليس مجالاً للتَّخمين ولا للتَّكهّن، بل مجال للتَّفكر فيما وُجد ولم يُدرَك.
ولكن أيضاً يُميّز التَّنزيل الحكيم بين علم الله المطلق فيما هو خارج الوجود وفيما هو داخله، وغيب الربوبية ما تَحقّق وجوداً وما تَستشرفه السنن، كما سيُبيّن البحث ذلك.
2.6.2غيب الله ـ العلم الإلهي المطلق
غيب الله ـ أو ما يُعبَّر عنه بعلم الله المطلق ـ يَشمل كل تحقّق في الوجود الكوني وما خارجه، ويَشمل كذلك الإمكانات غير المفعَّلة التي لم تُنزَّل بَعد إلى حيّز التحقّق الوجودي، واختصّ به الله وحده. ويَدخل في هذا المَقام الكيفية النهائية لقيام الساعة، وطبيعة الوجود الآخر، وقوانين الحياة الجديدة بَعد تَبدّل النظام الكوني (أَخبار الساعة وحيثياتها من جنة ونار وحساب)، ويوم تُبدَّل الأرض غير الأرض والسماوات.
وهذا الغيب خارج عالم الشَّيء، غير مُدرَج في الزمكان، ولا يَخضع لسنن كونية قابلة للاستقراء، إلا بقَدر ما نَزل منه خَبراً في النَّص. وهو محفوظ في عالم الأمر (عالم التَّصورات الإلهية الكاملة)، لا في عالم التَّفاعل. ولهذا قال تعالى ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ولم يَقل «إلى ربك»، لأن هذا العلم يَعود إلى ذات الله المطلقة، لا يُمكن الإحاطة به وجودياً ضمن سنن الكون ونظامه.
فغيب الله الخالص هو ما خَرج عن الزمكان ولم يُدرَج في السنن، أي الغيب الذي اختصّ به الله وحده، لا لأن البشر قَصّروا عن إدراكه، بل لأنه خارج أَصلاً عن حيّز الإدراك والسنن في الزمكان. يقول تعالى:
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
وهذه الآية تُعدّ آية فاصلة في ضَبط مفهوم غيب الله، لأنها لم تَنفِ العلم عن البشر فحسب، بل نَفت الشعور ذاته. فقوله ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ليس جهلاً عارضاً، بل انعدام قابلية الإدراك أصلاً، لأن الحديث ليس عن حدث مدرج في السنن يُمكن استشرافه أو قراءته، بل عن حال خَرج من عالم الشَّيء إلى مستودع الله. فالأنفس التي يَتوفاها الله ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ تَخرج بخروجها من الجسد عن الحيّز الزمكاني، فلا تَعود موضوعاً للسنن، ولا قابلة للرصد، ولا داخلة في شبكة الأَسباب والمسبَّبات. وبذلك تُصبح هذه الأنفس غيباً إلهياً خالصاً، لا لأن الله أَخفاه، بل لأنها لم تَعد جزءاً من الوجود الذي تُدار قوانينه بالربوبية. ولهذا جاء التَّعبير ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، فالاستثناء هنا للحَصر، ولم يَقل «إلا الرب».
ويَتعزّز هذا المعنى في السياق نَفسه بقوله تعالى ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ . فبَدء الخلق ليس عملية سنَنية يُمكن تتبّعها، بل فعل إلهي سابق على النظام نَفسه. والسنن لا تَعمل إلا بَعد أن يَكون هَناك خَلق قائم. أمّا البَدء الأوّل فهو خارج كل سنَنية، ولذلك لا يُدرَك ولا يُستقرأ ولا يُقاس. وكذلك الإعادة في قوله ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ليست استمراراً لنظام سابق، بل إيجاداً جديداً بقوانين جديدة، ولهذا لا يُمكن إخضاعها لمنطق الزمكان ولا لعالم الشَّيء.
ثم يَقول تعالى ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ . فلم يَقل «جَهلوها» بل قال «ادّارَك علمهم»، أي تَوقّف وانغَلق وانتَهى، لا يُمكن الوصول إليها. ولم تُنسب الساعة هنا إلى الغيب بل إلى العلم، لأن الآخرة ليست امتداداً للكون الحالي، ولا واقعة داخل الزمكان، ولا خاضعة للسنن المعهودة. وإنّما هي تحقّق جديد لم يُنشأ بَعد، محفوظ في علم الله، موجود في عالم الأمر لا في عالم الشَّيء. ولهذا لم يُسمِّ القرآن الآخرة غيباً بالمعنى السنَني، بل جَعل علمها لله، كما في قوله ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: 47] وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: 34]. فالعلم هنا علم إلهي محض، لا لأنه خَفي، بل لأنه لم يَدخل بَعد حيّز التحقّق الوجودي.
ويَبلغ النَّص ذروة الدقة في قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ . فالآية لا تَتحدث عن تَوقيت الساعة، بل عن أَمر الساعة. والأمر هنا ليس حَدثاً يُمكن تَتبّعه، ولا مَساراً يُمكن قراءته، ولا قانوناً سنَنياً، بل فعل إلهي مباشر، يَقع خارج الزمن، ويَقلب بنية الوجود دفعة واحدة. ولهذا أُضيف علمها هنا إلى الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
والخلاصة المحكمة لغيب الله الخاصّ به وحده، أنه كل ما خَرج عن حيّز الزمكان ولم يُدرَج في السنن، ولا يُمكن إدراكه بالعقل أو التَّجربة، ولا يُستقرأ بالعلم. ولا يُطلب من الإنسان الإيمان به على أَساس الكشف، إلا ما أُنزل به نصّاً في القرآن. ويَدخل فيه الأنفس المتوفاة عند الله، وكيفية البعث، وطبيعة بَدء الخليقة وإعادتها، وأَمر الساعة، وقوانين الوجود الآخر. وهو علم مطلق لله لا يُبحث ولا يُستكشف ولا يُجادَل فيه، بل يُسلَّم لله، لأنه ليس من مجال الربوبية، إلا ما أَتى في التَّنزيل الحكيم تَذكيراً للناس لعلهم يَتقون. أمّا ما عدا ذلك مما وُجد واقعاً وغاب عن إدراكنا، فهو علم ربوبي، داخل الكتاب المبين، مَأذون للإنسان أن يَتفكّر فيه ويَكشفه ويَقرأ سننه ما استَطاع، ولا يُكلّف الله نَفساً إلا وُسعها.
2.6.3غيب الربوبية ـ الغيب الوجودي السنَني
أمّا غيب الربوبية، فهو الغيب المُدرَج داخل عالم الشَّيء، أي داخل الزمكان والنظام الكوني الجاري. وهو كل ما وُجد فعلاً ـ في الماضي أو الحاضر ـ لكنه غاب عن إدراك الإنسان. ومن ذلك سقوط الورقة، وحركة الذرّة، وأَحداث الأمم الماضية، وآثار الأَعمال الإنسانية ومآلاتها. وهذا الغيب مَرتبط بالسنن، قابل للاستكشاف والاستقراء بالعقل والبَحث، مُدرَج في الكتاب المبين باعتباره جزءاً من البنية الوجودية المنظَّمة.
ومن الغيب قَصص الأمم السابقة التي تُفيد الوقوع كحَدث تاريخي، وتَأتي في النَّص بحالة الإنباء، كقوله تعالى ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ . ومن شواهد الغيب الوجودي كحَدث مسجَّل قوله تعالى ﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: 52]. ومنها قوله تعالى ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: 22].
ويُعدّ قوله تعالى ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ شاهداً دَقيقاً على أن العَدد، من حيث هو مقدار زمني، يَدخل في حيّز الوجود الزمكاني، ومن ثَمّ يُدرَج في مجال الربوبية، أي مجال التَّدبير والسنن. أمّا فيما يَتبع بقوله ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ، فهنا الكيفية التي جَرى بها هذا اللبث قد أُغلق بابها تَماماً، لأنها تَعلّقت باستيفاء الأنفس وخروجها من نطاق الزمان، ودخولها مستودع الحفظ الإلهي، وهو مَقام لا يَخضع للسنن ولا للبَحث، بل يَختصّ به علم الله وحده. وهكذا يُفرّق النَّص بَين غيب يُرجى إدراكه أو بَيانه لارتباطه بالوجود، وغيب يُسلَّم به لكَونه خارجاً عن الزمكان أَصلاً.
وفي قوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ ، تَتبيّن قاعدة دقيقة، أن علامات إتيان الساعة في أَمر وقوعها لا في حيثياتها مُدرَجة في السنن، ويُمكن تَتبّعها وإدراكها، لأنها قُرنت بمَقام الربوبية.
ومن أَهم الشَّواهد على اقتران تَوقيت الساعة وعلاماتها بالربوبية قوله تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
وهنا تَنبيه منهجي مُهمّ. التَّنزيل الحكيم لم يَصف الساعة وعلاماتها بالغيب لعَدم تحقّقها في الوجود، لأن تَعريف الغيب كما أَسلفنا هو كل متحقّق في الوجود وغاب عن إدراك البشر فقط. ومن هنا فإن كل ما يَتعلّق بالساعة فيما لم يَتحقّق يُنسب لعلم الرب في التَّوقيت، ولعلم الله في حيثياتها. حيث قُرن علم تَوقيت الساعة بقوله «قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي»، أي أن تَوقيتها مُدرَج في الوجود، وقوله «لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ»، أي لا يُمكن التَّكهّن بها أو اصطفاء أَحد بها كتَوقيت ولو كان رسولاً، بل أُرجئ إدراكها للسنن، أي في البَحث والتَّقصي. لكن قوله «ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» يَعني أنه يَصعب إدراكها لدقة تَقفّيها علمياً، ولذلك نَفهم قوله تعالى ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ .
أمّا في حيثياتها وأَحوالها، فأُخرجت من الربوبية ونُسبت إلى الله بقوله «قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ»، لأن حيثياتها وأَحوالها لم تُدرَج وجودياً، إذ إنها لم تَتحقّق وجوداً بَعد، بل ما زالت في أَمر الله. ويُمكن فهم هذا المفهوم فهماً سليماً بَعد التَّمييز بين مَقام الألوهية ومَقام الربوبية، وبين ما هو مُنزَّل في عالم الشَّيء وما هو محفوظ في عالم الأمر.
ومما تَقدّم يَتضح أن غيب الله من جهة الذات واحد شامل، لكن من جهة العلاقة مع المخلوق، نُميّز بين غيب يُؤذَن باستكشافه (الربوبي) وغيب يُسلَّم به (الإلهي) مثل الأنفس المتوفاة عند الله، وكيفية البعث، وطبيعة بدء الخليقة والإعادة، وأمر الساعة. فغيب الرب واقع متحقّق داخل الوجود غاب عن الإدراك لا عن الوجود، أمّا تَوقيت الساعة فليس غيباً لعَدم تحقّقها وجوداً، بل هو علم ربوبي مُدرَج في بنية الوجود وغير مكتمل وجودياً لأنه يَتشكّل زمنياً، وهو «ثقيل» أي يَتطلّب فهماً دقيقاً للسنن وقراءة عميقة للعلامات. ولأنه ثقيل، فإن أَكثر الناس لا يُدركه، فيَأتيهم «بغتة». أمّا أَحوال الساعة وكيفية الانهيار وطبيعة الوجود الجديد، فهي من «علم الله» في عالم الأمر، غير مفعَّلة وجودياً، ولا تَدخل في دائرة الاستشراف أَصلاً.
2.6.4المستقبل ـ ليس غيباً بل مجال استشراف عَقلي
المستقبل إذن ليس من الغيب. إنّما هو ما سيُوجد لاحقاً، بناءً على السنن الكونية التي وَضعها الله، والاختيارات الحرة التي يُمارسها المكلَّفون، والتَّفاعلات الديناميكية بَينهما. والله يَعلم ما سيَكون، لا لأنه «شاهَده» كصورة مسجَّلة في لوح، بل لأنه يَعلم تَماماً كيف ستَتفاعل السنن مع المعطيات الحالية، ويُحيط بجميع الاحتمالات الناتجة بدقّة لا تُدانيها دقة.
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾
و«لواقع» لا تَعني «متابَع سَلفاً»، بل تَعني حتمي الوقوع، لأن السنن التي تُؤدّي إليه موجودة الآن، وإذا لم يَتغيّر مَسارها، فلا بدّ أن تُنتج ما وُعد به. وهذا يُعيد للعقل البَشري دوره التَّكليفي، ليس كاشفاً عن غيب، بل مستَشرفاً للنَّتائج من خلال علم الأَسباب والسنن.
2.6.5علم الله بالمستقبل ـ معرفة تَفاعلية لا صورة ساكنة
القرآن لا يَقول أَبداً «يَعلم ما سيَكون»، بل يُكرّر في مواضع متَعددة:
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾
ف«ما بين أيديهم» الحاضر، و«ما خَلفهم» الماضي. أمّا المستقبل فلا يُذكر، لأنه ليس واقعاً وجودياً بل احتمال قائم على التَّفاعل. وهذا الصمت ليس لمعاينة علم الله أو التَّقليل منه ـ حاشاه ـ فعلمه مطلق بلا حدود، ولكنه صَمت متَعمّد ليُرشدنا، ويَمنحنا حرية كاملة في رَسم مستقبلنا. لو كان المستقبل «موجوداً» كغيب، لقال «يَعلم ما سيَكون»، ولم نَجد آية تَذكر قوله إنه يَعلم ما سيَكون، ليَحفظ لنا ديناميكية الوجود وحرية الإرادة ودور العقل في التَّدبر.
وعلم الله بالمستقبل إذن، ليس كمن شاهَد فيلماً مسبقاً ـ كما قد يُوهَم ـ لأن رؤية مَشهد مسبق ليس علماً بل مُعاينة. إنّما بعلمه المطلق يَعرف كلّ معادلة فيزيائية، فيَعلم كيف ستَتحرّك كل ذرّة في كل لحظة. وليس ذلك علماً ساكناً، بل علم حيّ ديناميكي يَتجدّد مع كل تَفاعل.
والمستقبل هو ما سيُوجد، فهو مجال للعقل أن يُعدّ له، ويَتوقّعه، ويُصلحه. والقرآن لا يَمنع التَّنبؤ العلمي بل يَمنع ادّعاء معرفة المستقبل كأنه مَشهود. لأن ما لم يُوجد بَعد ليس غيباً، بل مُهمّة للعقل أن يُهيّئ لها. والله يُريدنا أن نَعي أن المستقبل ليس مَسطوراً كمَشهد مسبق، بل مَسار نَكتبه اليوم، وَفق السنن التي وَضعها، والخيارات التي نَتخذها.
2.6.6تَنويه ـ التَّمييز بين الإيمان بالغيب والخشية بالغيب
ثَمّة مسألة مهمّة تَستوجب التَّوضيح، وهي التَّفريق الوجودي بين قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
وقوله:
﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾
ومن أَخطر مَواضع الخَلط في الوعي الديني المعاصر وَضعُ الإيمان والخشية في مَرتبة واحدة، أو اعتبار الخشية درجة أَعلى من الإيمان، بَينما النَّص القرآني يُقدّم تَرتيباً مغايراً تَماماً، يَقوم على مَراتب وجودية واضحة، نَجاة ثم إيمان ثم قُرب. ولا يُمكن فهم هذا التَّمييز إلا بربطه مباشرة بمشهد الآخرة كما رَسمته سورة الواقعة، وبمفهوم الحساب والكتاب واليمين والشمال.
أوّلاً، أَصحاب اليمين ـ مَقام النَّجاة لا مَقام القُرب. يَقول تعالى في وَصف مَشهد القيامة ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ، ويَقول ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: 25]. وهذا التَّقسيم يُثبت حقيقة لا تَحتمل التَّأويل، أن كل من أُعطي كتاباً فهو واقف في مَقام الحساب. فاليمين والشمال ليسا رَمزَين إيمانيَّين، بل نَتيجتَين بَعد المحاسبة. وعليه فإن أَصحاب الشمال هم الذين هَلكوا بَعد الحساب، وأَصحاب اليمين هم الذين فازوا بَعد الحساب. لكن النَّجاة لا تَعني القُرب ولا تَعني الإيمان الكامل، بل تَعني تَجاوز الهلاك فقط. وهنا يَأتي الوَصف القرآني الدقيق لهؤلاء الناجين ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾. فالآية تَصف حالاً نَفسياً ووجودياً يَجمع الخشية والإشفاق والخوف من الحساب وتَرقّب الساعة.
وهؤلاء هم أَصحاب اليمين، أَطاعوا الرب في حدود الحلال والحرام، والتَزموا الأَوامر والنَّواهي، وخافوا الانزلاق، فتَوقّفوا عند حدّ النَّجاة. ولذلك كانت خشيتهم خشية ربوبية، لأن الرب هو مَقام كل ما يَخصّ السلوك القيمي في المجتمعات، أي ما يُعنى بالصراط المستقيم، وهو كذلك مَقام التَّدبير، ومَقام الجزاء، ومَقام الحساب، ومَقام الجنة والنار. فالذي يَخشى ربّه هو الذي يَسير في سلوك الضوابط الاجتماعية دون أن يَتعداها إلى الوعي والاجتهاد في المعرفة والاطلاع بما يُرضي الله، إنّما يَقتصر في حياته على خشية فعل الرب القادم الذي سيَقع عليه حساباً وجزاء. ولهذا فإن الذين يَخشون ربهم بالغيب هم الذين لم يَتجاوزوا مَقام الحساب، لكن خشيتهم أَنقذتهم من السُّقوط في مَقام الشمال.
ثانياً، السابقون ـ مَقام القُرب بلا حساب. ثم تَنتقل سورة الواقعة نَقلة حاسمة ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ . وهنا يَقع الفَرق الجَذري. فلا ذكر لكتاب ولا ليمين ولا شمال ولا لحساب ولا لميزان ولا لخشية ولا لإشفاق، بل ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ بفاء التَّعقيب التي تُفيد الدخول المباشر دون تَوقّف. وهذا يَدلّ دلالة قَطعية على أن المقرَّبين لا يَقفون مَوقف المحاسبة أَصلاً. لأن من يُحاسَب يُوزَن ويُنتظَر ويَخشى ويُشفَق. أمّا من يُقرَّب فقد تَجاوز الحساب قبل وقوعه، وخَرج من منطق المُوازنة، وصار في مَقام الطمأنينة لا الخشية.
ثالثاً، من هم الذين يُؤمنون بالغيب. هنا يَعود بنا القرآن إلى بداية المنهج ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ . فالإيمان هنا ليس تَصديقاً لَفظياً ولا خوفاً ولا تَرقّباً، بل الإيمان هنا من الأَمن، أي زوال الريب وزوال الخوف وزوال القلق من المصير. لأن هؤلاء بَحثوا وتَفكّروا وقَرأوا السنن، وفَهموا الكتاب والوجود، وقَدّموا لحياتهم، كما قال تعالى ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 24]. فالتَّقديم عَمل وعلم وجهاد وتَزكية ووصل وأَمر بالمعروف ونَهي عن المنكر، وتَجاوز للاكتفاء بالحدّ الأَدنى. وهؤلاء لا يَخشون الحساب ولا يُشفقون من الساعة، بل يَطمعون في الزيادة من فضل الله، كما قال ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 35]. وهذا هو الفَرق بين من يَخشى الرسوب ومن يَطمح إلى المرتبة الأولى. فالطالب الذي اجتَهد ووَعى لا يَخشى الامتحان، بل يَنتظره بثقة وربما بطَمع في التَّميّز.
الخلاصة النهائية
الغيب في القرآن ليس ما لم يوجد بَعد، بل ما وُجد واقعاً وغاب عن إدراك الإنسان.
فهو نَقيض الشَّهادة لا نَقيض الوجود وهو على مستويين، غيب الله المطلق الذي اختصّ به وحده فيما هو خارج الوجود ـ كأمر الساعة وحيثياتها وطبيعة الوجود الآخر ـ وغيب الربوبية فيما تَحقّق وجوداً وفيما تَستشرفه السنن.
أمّا المستقبل فليس غيباً لأنه لم يوجد بَعد، إنّما هو مَسار نَكتبه بسلوكنا اليوم وَفق السنن. والإيمان بالغيب أَرفع من الخشية بالغيب، فالخشية مَقام الناجين بَعد الحساب، والإيمان مَقام السابقين المقرَّبين الذين تَجاوزوا الحساب أَصلاً. فمن آمن بالغيب أَمِن، ومن خَشي ربه بالغيب نَجا، ومن تَفكّر في الشَّهادة عاش، والكلّ في عَدل الله لا في ظلمه.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «الغيب وعلم الساعة»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث