2.4

أصل الوجود ـ من نَفي العبث إلى نور على نور

15 دقائق قراءة~2703 كلمة12 مبحثاً في هذا الفصل

2.4.1تَمهيد منهجي ـ لماذا يَضلّ سؤال «الغاية» حين يُسأل في غير موضعه

من أَكثر الأَسئلة شيوعاً في التَّفكير الديني والفلسفي سؤال: ما غاية الخلق؟

غير أن شيوع السؤال لا يَعني بالضرورة صلاحيته في كل مستوى من مستويات النَّظر. فالغاية في أصل معناها مفهوم دنيوي خالص، فهي لا تُتصوَّر إلا حيث يوجد فاعل ناقص، يَنتقل من حال إلى حال، ويَعمل ليَبلغ مَقصداً لم يكن متحقّقاً من قبل. ولذلك فإن الغاية تَفترض ضمناً نَقصاً سابقاً وزماناً وانتظاراً واكتمالاً لاحقاً.

وحين يُسقط هذا المفهوم مباشرة على أصل الوجود دون تمييز بين مستويات الخطاب، يَقع الخطأ المنهجي الأول، إذ يُعامَل المُطلق معاملة المحدود، ويُقاس الكامل بمقاييس النَّاقص. ومن هنا فإن هذا الفصل لا يَسعى إلى الإجابة عن سؤال الغاية بالمعنى الشائع، بل يَسعى أوّلاً إلى تَفكيك صلاحية السؤال ذاته حين يُوجَّه إلى أصل الوجود.

2.4.2الوجود ليس لعباً ولا لهواً ـ نَفي العبث لا يَعني إثبات مَقصد نهائي

يُؤكّد القرآن في أكثر من موضع أن الوجود ليس عبثاً ولا لهواً، فيقول الله تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ۝ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾

﴿الأنبياء: 16-17

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾

﴿المؤمنون: 115

تَأتي هذه الآيات في سياق نَفي توصيف الخلق بالعبث واللعب واللهو، لا في سياق تَعريف أصل الوجود أو بَيان غايته النهائية. فالعبث واللعب واللهو ألفاظ تَدلّ على انعدام المعنى وانتفاء الحكمة والنَّسق، ونَفيها لا يُحدّد طبيعة المعنى، بل يَرفع توصيفاً خاطئاً عن الأمر الإلهي.

وقوله تعالى ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ يَفصل بوضوح بين فعل لا معنى له ولا امتداد، وبين فعل الخلق الذي يَستلزم نظاماً واتساقاً وبنية كونية ممتدة. فاللهو لو كان مُراداً لا يَقتضي إيجاد سماوات وأرض ولا إقامة سنن، مما يَدلّ على أن الخلق من حيث هو خلق لا يَنتمي إلى مجال العبث أصلاً.

أمّا قوله تعالى ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ فهو استفهام إنكاري موجَّه للإنسان داخل العالم، يَنفي أن يَكون وجوده داخل هذا النظام الكوني بلا دلالة، دون أن يُقرّر ما هي هذه الدلالة ولا كيفيتها. فالآية لا تُجيب عن سؤال «ما الغاية» بل تُسقط افتراضاً سابقاً هو أن الوجود بلا معنى أو بلا حكمة.

ومن هنا فإن نَفي العبث لا يُساوي منطقياً إثبات غاية مَقصدية مغلقة، ولا يَفرض بالضرورة تَصوّراً نهائياً للمقصد. فالقرآن يَنفي أن يَكون الوجود فعلاً اعتباطياً، لكنه لا يَقول إن الوجود مشروع موجَّه نحو هدف يُنجَز ثم يُغلق عنده المسار. وهذا التَّفريق بالغ الأَهمية، لأن كثيراً من القراءات انتَقلت مباشرة من نَفي العبث إلى إثبات غايات أخلاقية أو نفعية أو جزائية، دون أن تَتوقّف عند السؤال الأَعمق، هل مفهوم الغاية أصلاً صالح حين يُسقط على أصل الوجود.

وعليه فإن هذه الآيات لا تُعرّف أصل الوجود ولا تُقرّر غايته، بل تَنفي عنه أوصاف العبث واللهو، تَمهيداً للانتقال من سؤال «هل للوجود معنى» إلى سؤال أَدقّ وأَعمق، ما طبيعة هذا المعنى.

2.4.3خلق السماوات والأرض أَكبر من خلق الناس ـ ضَبط معنى العِظَم لا نَفي الغاية

يقول الله تعالى:

﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

﴿غافر: 57

لا تَأتي هذه الآية في سياق نَفي مكانة الإنسان، ولا في سياق إبعاده عن مَركز الاهتمام الإلهي، بل في سياق ضَبط معنى العِظَم وعَدم الخَلط بين العَظمة التَّكوينية والعَظمة الغائية. فالعِظَم هنا عِظَم بنيوي كوني، لا عِظَم مَقصد أو شَرف.

والإنسان من حيث الوظيفة الكونية هو موضع التَّجلي النهائي للوعي داخل النظام، وخلقه هو المقصود من انتظام هذا البناء الكوني الهائل. غير أن كَون الإنسان غاية لا يَعني أن خلقه أَعظم من حيث البنية، ولا أن حجمه الوجودي أَكبر من السماوات والأرض. فالعَظمة هنا عَظمة الإطار، لا عَظمة الغاية.

وعليه فإن السماوات والأرض أَعظم من حيث الامتداد والتَّعقيد والبنية والاحتواء، لكنّها ليست أَعظم من حيث المقصود. فهي الوعاء الكوني الذي أُعدّ ليَظهر فيه الإنسان بوصفه كائناً واعياً، لا مجرّد جرم ضمن الأَجرام. ومن هنا لا يَنفي القرآن مَركزية الإنسان بل يَضبطها، مَركزية من حيث الغاية الكونية، لا من حيث أصل الوجود ولا من حيث العَظمة البنيوية.

وبذلك يَكون الوجود الكوني كله موجَّهاً نحو الإنسان، لا بوصفه أصل الوجود، بل بوصفه موضع الوعي داخل الوجود.

2.4.4تَسخير السماوات والأرض ـ دلالة الغاية الكونية لا الغاية الوجودية

يقول الله تعالى:

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

﴿الجاثية: 13

يُساء فهم التَّسخير أحياناً حين يُنفى عنه كل بُعد غائي، أو حين يُفهم على أنه مجرّد توصيف عَرضي لعلاقة الإنسان بالكون. غير أن التَّسخير في السياق القرآني ليس تَعليلاً لأصل الوجود، لكنه في الوقت نفسه ليس وَصفاً مُحايداً بلا دلالة.

فالتَّسخير لا يُجيب عن سؤال «لماذا وُجد الوجود»، لكنه يُجيب بوضوح عن سؤال «لأَجل من انتَظم هذا الوجود الكوني». فكَون السماوات والأرض مسخَّرة للإنسان يَدلّ دلالة صريحة على أن الإنسان هو الغاية الكونية الوظيفية لهذا النظام، أي الغاية داخل إطار الخلق، لا الغاية المطلقة لأصل الوجود. فالكون لم يُخلق عَبثاً، ولم يُترك بلا جهة، بل وُجِّه توجيهاً واضحاً نحو تَمكين الوعي الإنساني من العمل والفهم والتَّدبر.

وعليه فإن التَّسخير ليس نَفياً للغائية، بل إثبات لغائية منضبطة، غائية لا تَتجاوز الكون إلى أصل الوجود، ولا تُسقط على العلم المطلق، لكنّها تُثبت أن هذا البناء الكوني بأَسره قد أُعدّ ليَكون مجال ظهور الإنسان بوصفه كائناً مدركاً، لا مجرّد مستهلك للنعمة. فالتَّسخير تَهيئة لغاية كونية مَحددة، لا تَعليل لأصل الوجود، ولا تَفسير لفيض العلم المطلق.

2.4.5من هو المخاطَب في هذا الوجود ـ الإنسان بوصفه وعياً لا مادة فقط

عند هذه النقطة يُصبح السؤال مشروعاً، من هو المخاطَب في هذا الوجود؟ هل هو الإنسان بوصفه كياناً مادياً فحسب، أم بوصفه عقلاً ووعياً وقدرة على الإدراك؟

والقرآن حين يُخاطب الإنسان لا يُخاطب جسده بل وَعيه، ولا يُخاطب وجوده الفيزيائي بل قدرته على الفهم والتَّدبر. فإن الآيات حين تَستدعيه لتَنظر في خلق السماوات والأرض، أو لتَستدلّ من اختلاف اللَّيل والنهار، أو لتَتفكّر في خَلقه هو نَفسه، إنّما تَستدعي ملكة التَّجريد والإدراك فيه، لا مجرّد جهازه الحسي. وحتى حين تُذكر الجوارح في القرآن، فإنها تُذكر بوصفها أدوات للوعي، لا بوصفها مَقصد الخطاب. فالسَّمع والبصر والفؤاد ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ أَدوات الإدراك التي يَتشكّل بها الوعي ويَتفاعل بها مع الوجود، لا أَجزاء مادية مَسؤولة بذاتها.

﴿الإسراء: 36

ومن هنا فالإنسان ليس غاية الخلق بمعنى أنه نهاية المَسار الوجودي، بل هو موضع إدراك داخل الوجود، نقطة وعي ظَهرت داخل نظام أَوسع. وحين يَنتظم الوجود الكوني الهائل ـ بسماواته وأرضه وسننه ـ ليَظهر فيه هذا الوعي الإنساني، فإن مَركزية الإنسان تَتحدّد بهذا المعنى الدقيق، لا بمعنى أنه أصل الوجود، ولا بمعنى أنه أَعظم ما في الوجود بنيةً، بل بمعنى أنه الموضع الذي يَتحقّق فيه الإدراك للوجود نفسه.

وبهذا المعنى لا يَكون الإنسان غاية أصل الوجود، لكنّه يَظلّ غاية داخل الإطار الكوني الوظيفي، بوصفه موضع الإدراك الذي من أَجله انتَظم هذا النظام.

2.4.6العبادة ـ وظيفة توجيه لا غاية وجود

في هذا السياق يُفهم قوله تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

﴿الذاريات: 56

والآية تَبدأ بواو الابتداء والعطف، ثم «ما» النافية، ثم خَلقتُ بصيغة المتكلم المفرد، ثم الجن والإنس (وهما الأَصل الإنساني بحاليه الإنسي والجني)، ثم «إلا» للحَصر والاستثناء، ثم «ليعبدون» مَكسورة النون. وكل لفظ منها يَحمل دلالة محدّدة لا تَستقيم القراءة دونها.

فالنَّفي مع الاستثناء «ما خلقت ... إلا» لا يَعني أن العبادة هي الغاية النهائية لخلق الإنس والجن، بل يَعني أن في طبيعتهم خصلة الاتباع والانقياد. فهم مَجبولون على أن يَكونوا متَّبعين لشيء مَا، مُنقادين لجهة ما، لا يَستقيم وجودهم بلا اتجاه ولا انتماء. لكنّ القرآن في الوقت نَفسه يَترك لهم حرية الرَّأي في أي طريق يَسيرون وأيّ فكر يَعتقدون، فيَكون الانقياد طبيعة، والوجهة اختياراً.

ثم تَأتي الكسرة على النون «ليعبدونِ» دلالة على الأَرجح في المَسار، أن يَكون الانقياد لله، لأن هذا هو الأَنجع والأَسلم، وهو الوحيد المنجي. فالكسرة لا تَنفي الحرية بل تُرشد إلى وَجه الانقياد الذي يَستقيم به الإنسان.

والعبادة ههنا أَشمل من حَصرها في التَّشريع فقط. فهي تَشمل التَّتويج المعرفي ـ أي ارتقاء الوعي بالعلم والفهم ـ وتَشمل الارتقاء في اخبار الوجود ـ أي قراءة آيات الله الكونية والتَّفاعل معها ـ مشمولاً ذلك كله بالانضباط المجتمعي والتَّشريعي. فهي عبادة المعبود الذي عَبَّد لنا الطريق، أي مَهَّده وذَلَّله، الطريق الذي يَشمل كل المحاور الفكرية والنَّفسية والمجتمعية والتَّشريعية.

وعلى هذا فإن «ليعبدون» لا تُفهم بوصفها تَعليلاً لخلق الكون، بل بَياناً لما يَقتضيه الوجود الإنساني من اتجاه وانتماء واصطفاف نَحو الوجه. فهي عبادة الانتماء قبل عبادة الفعل، وعبادة الاتجاه قبل عبادة الطقس. ومن ثم لا تُنكر هذه الآية العبادة الربوبية اللاحقة في إطار التَّكليف، لكنّها تَضع لها أَساسها الأَعمق، أن العبادة في أَصلها مَقام وجودي يَنتظم به وَعي الإنسان مع أَصل الوجود.

2.4.7الجنة والنار ـ دار وظيفية لا نهاية المطاف

وعلى هذا الأَساس لا تَكون الجنة والنار غاية الخلق، بل مَرحلتين وظيفيتين داخل مَسار أَوسع. فهما ليستا نهاية المطاف بل جزء من نظام تَأهيلي ممتد، حيث يَنتقل الوعي من حال إلى حال بحَسب درجة انسجامه مع أصل الوجود.

ولتَقريب المعنى، يُمكن النَّظر إلى جهة إدارية تَطلب عدداً من الأَشخاص لمُهمّة كبرى. فالاختبار والقَبول ليسا غاية بحدّ ذاتهما، بل مَرحلة تَمهيدية لمَا بَعدهما، حيث يَبدأ العمل الحقيقي بعد العبور من الاختبار. وكذلك الجنة والنار ليستا نهاية المطاف بل مَرحلة من مَراحل الوجود، يَتحدّد بهما موقع الوعي ضمن المَسار، لا انتهاء الوعي ذاته.

وهذا الفهم يُعيد قراءة الجنة والنار من زاويتين، الأولى أنّهما دار وظيفية لا غاية مَقصدية، والثانية أنّهما مَوضع ضمن مَدار أَوسع لا نهاية مَدار. ومن هنا فإن سؤال «ما بعد الجنة والنار» ليس سؤالاً مُلحداً ولا مُتعدّياً، بل سؤال مَشروع يَطرحه القرآن نفسه حين يَربط خلودهما ببقاء السماوات والأرض، كما سيَأتي في القسم الخاص بقوله تعالى ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.

والفرق بين الفهم التَّقليدي وبين هذا الفهم لا يَكمن في إنكار الجنة والنار ـ فهما ثابتتان في القرآن قَطعاً ـ بل في تَحرير معناهما من الجمود الذي حَوّلهما إلى مَقصد أوّل وأَخير، إلى مَوضع وظيفي ضمن مَدار وجودي أَكبر.

2.4.8الخطأ والانغلاق ـ ليسا مخرجات العلم المطلق بل إمكاناته

وهنا يَبرز الاعتراض الأَخطر، إذا كان الوجود صادراً عن علم مطلق، فكيف يَظهر الخطأ والانغلاق والنار؟

الجواب أن العلم المطلق لا يُنتج الخطأ، بل يَفتح مجال الإمكان، إمكاناً للاختبار الإدراكي داخل المجال الحرّ. فالعلم في إطلاقه يَحتوي كل الإمكانات لا الإمكان الواحد، يَحتوي إمكان الاتصال وإمكان الانفصال، إمكان الانسجام وإمكان الانغلاق، إمكان الانفتاح على الوجود وإمكان الانكفاء عن الوجود. وهذا الاحتواء ليس إنتاجاً للخطأ، بل فَتح للمجال الذي يُمكن أن يَظهر فيه الخطأ كاحتمال من ضمن الاحتمالات.

ولتَقريب ذلك، النظام الرياضي علم يَقيني لا يُخطئ، لكنه يَسمح بإمكان الخطأ لمن يَستخدمه. فالخطأ ليس صادراً عن العلم بل عن تَفعيل محدود داخل مجاله، وعن استعمال جزئي لقواعده. والقانون الرياضي حين يُطبَّق تطبيقاً ناقصاً يُنتج نَتيجة خاطئة، لكن الخطأ في التَّطبيق لا في القانون. والقانون نفسه يَبقى صحيحاً، يُتيح الصحة والخطأ معاً، لا لأنه ناقص، بل لأن مَن يَستعمله مَحدود.

وبالمثل فإن الانغلاق والنار ليسا خَللاً في أصل الوجود، بل نَتيجة اختيار إدراكي داخل مجال حرّ. إنّهما ليسا ضدّ العلم بل نَتيجة عَدم الانسجام معه. فالنار في القرآن لا تَأتي على الإنسان من خارج، بل تَنبثق من نَتائج اختياره، حين يَنفصل وَعيه عن النَّسق ويَنغلق على نَفسه. وهذا الانغلاق هو ذاته الذي يُسمّيه القرآن ظُلماً، لأن صاحبه يُظلم نَفسه قبل أن يُظلم غيره، يُظلمها بحجبها عن النور الذي به تَنتظم. ومن هنا فإن النار ليست عقوبة آتية من خارج بل ثَمرة وجودية لانفصال الوعي عن أَصله، وثَمرة الانغلاق هي الانغلاق نَفسه.

2.4.9في رَوضة يُحبرون ـ ما بعد النَّجاة

يقول الله تعالى:

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾

﴿الروم: 15

الرَّوضة في أصل اللُّغة ليست مجرّد مكان نعيم سَكوني، بل حيّز خصب يَنمو فيه ما يَنمو، تَتجدّد فيه الحياة وتَزدهر، ولا يَستقرّ على حال واحد. والتَّحبير ليس فَرحاً جامداً ولا سُروراً ساكناً، بل زيادة في العلم والفهم، وامتداد في الوعي. وحين يَجمع القرآن بين هاتين اللفظتين ـ الرَّوضة والتَّحبير ـ فإنه يَكشف عن طبيعة ما بعد النَّجاة، أنه ليس حالة سكون نهائي، بل طور من أَطوار الاتساع المعرفي.

وهذا يَفتح الجنة على فهم مختلف عمّا اعتاده التَّصور الشَّائع. فالجنة ليست محطّة نهائية يَستقرّ فيها صاحبها على حال واحد لا يَتغيّر، بل حيّز يَتواصل فيه نُموّ الوعي وزيادة الفهم. وكلّ ما يَطرحه القرآن من نِعَم في الجنة ـ الأَزواج، والثَّمار، والظلال، والأَنهار ـ يَنبغي أن يُقرأ في ضوء هذه الطبيعة الديناميكية، لا في ضوء التَّصور الجامد الذي يَجعل الجنة مكافأة سَكونية لمن نَجا.

ومن هنا فإن «يُحبرون» تَكشف أن النَّجاة ليست نهاية المطاف بل بدايته الحقيقية، وأن الجنة طور من أَطوار الوجود يَستمرّ فيه الوعي في الانفتاح على ما لا يَنتهي من العلم والفهم.

2.4.10«ما دامت السماوات والأرض» ـ زوال الدار وبَقاء المدار

يقول الله تعالى في بَيان حال أَهل النار وأَهل الجنة:

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ۝ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ۝ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾

﴿هود: 106-108

اختيار التَّعبير القرآني «ما دامت» ليس وصفاً بلاغياً عابراً، بل تَقرير دلالي دقيق يَدلّ على دَوام مَشروط، لا على بَقاء مطلق سَرمدي. فالدَّوام هنا مَرتبط ببَقاء السماوات والأرض، أي بالإطار الذي تَقوم عليه ثُنائية الجزاء والدار والمَقام.

وعلى هذا فإن السماوات والأرض ـ لا بوصفهما أَجراماً مادية فحسب، بل بوصفهما امتداداً لبنية الوجود الوظيفي الذي تَنتظم فيه الجنة والنار ـ ليستا أَزليّتين في ذاتهما، بل لهما نهاية مهما طال أَمد هذا الدَّوام ووُصف بالخلود داخل إطاره.

ومن هنا فإن خلود الجنة والنار خلود داخل الدار، لا خلود للدار ذاتها. فإذا انتهى هذا الإطار يَبقى حينئذ المَدار، مَدار الانسجام مع أصل الوجود، لا مَقام الجزاء.

وبذلك يُفرّق النص القرآني بين دَوام وظيفي له أَمده، وبَقاء حقيقي لا يَتعلّق بزمن ولا بإطار. فالدار مَرحلة مهما طالت، أمّا المَدار فباقٍ ببَقاء الوجه، لا بزمن السماوات والأرض.

2.4.11أصل الوجود ـ نور على نور

هنا نَصل إلى لبّ الفصل، لا بوصفه بداية بل بوصفه نَتيجة طبيعية لكل ما سَبق:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾

﴿النور: 35

هذه الآية لا تَصف فعلاً مَقصدياً، بل طبيعة وجودية. فالعلم المطلق بطبيعته نور، والنور من شَأنه الإشعاع والانفتاح والانتشار، تَوسّع دائم في أَصله بوصفه سمة للعلم المطلق، دون حاجة إلى تَفعيل أو باعث خارجي. فالنور لا يُسأل لماذا يُشرق، فإشراقه هو ذاته طبيعته، لا فعل يَصدر عنه ولا مَقصد يَسعى إليه.

ومن هنا فإن أصل الوجود ليس مشروعاً ولا خطّة ولا غاية، بل ظهور أَثر علم مطلق. والوجود كلّه ـ بما فيه الإنسان ـ أَثارة من هذا الظهور. ليس الوجود فعلاً مُرسلاً نحو هَدف، بل تَجلٍّ طبيعي لطبيعة العلم المطلق حين يَكون نوراً. وهذا يَنقلنا من سُؤال «لماذا وُجد الوجود» إلى فهم أَعمق، أن الوجود ظَهر لأنّ النور من طبيعته أن يُشرق، والعلم المطلق من طبيعته أن يَتجلى.

وحين يَكون الأصل نوراً فإنّ ما يَنبثق عنه نور أيضاً، ليس شيئاً مغايراً، بل امتداد لطبيعة الأصل. ومن هنا التَّعبير القرآني الدقيق ﴿نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾، حيث النور لا يَكون نوراً مرة واحدة بل يَتراكب على نَفسه، يُضاعف حضوره دون أن يَنفصل عن أَصله. فالعلم المطلق نور، وما تَجلّى منه في الوجود نور، وما يَهتدي إليه الإنسان من هذا التَّجلي نور، وكلّها امتدادات في طبيعة واحدة لا تَفصل بينها فواصل وجودية.

وبهذا يَكتمل الفهم، أن أَصل الوجود ليس قَصداً إلى هَدف، بل ظهور طبيعي لما يَستحيل عليه الانكتام، علم مطلق هو نور بطبيعته، يُضيء فيَكون الوجود.

2.4.12«كل شيء هالك إلا وجهه» ـ الخاتمة الوجودية

يقول الله تعالى:

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

﴿القصص: 88

الآية صَريحة في حَصر الهلاك بالشَّيء. «كل شيء هالك»، أي كل ما انضَوى تحت وَصف الشَّيئية يَهلك. والشَّيء في القرآن هو ما تَحقّق وجوده الصُّوري، أي ما له صورة وامتداد وحدّ. فالهلاك مَحصور إذن في عالم الأَشياء، لا في غيره.

ثم تَأتي الاستثناء «إلا وجهه». ووجه الله ليس شَيئاً، لأنه لا صورة له ولا حدّ. هو رَمز النور التَّام بما يَتضمّنه النور من وَعي وعِلم ومَعرفة، وكلها مجرّدات تَخرج عن نسبتها للشَّيء. فالوعي ليس شَيئاً، والعلم ليس شَيئاً، والمعرفة ليست شَيئاً. وكلها لا تَدخل في حَيّز الشَّيئية، فلا يَلحقها وَصف الهلاك.

ومن هنا يَستقيم البَيان. فمَن دار بمَدار النور متَجرّداً من صورية الوجود بَقي. ومَن أَبى التَّجرّد فَني. لأن الآية تَحصر الفَناء أو الهلاك بالشَّيء فقط، فمَن بَقي ارتباطه وجودياً ولم يَخرق التَّصوّر الصُّوري فيه ولم يَتجرّد، يَهلك مع كل شَيء، ومَن خَرق التَّصور الصُّوري وتَجرّد إلى مَدار النور، يَبقى ببَقاء الوجه.

والفَرق بين البَقاء والفَناء هنا ليس فَرقاً في القُربى من الله أَو البُعد عنه، بل فَرق في طبيعة الوجود ذاته. فمَن ظَلّ شَيئاً يَهلك بحُكم كَونه شَيئاً، ومَن تَحوّل إلى مَدار نوري متَجرّد بَقي بحُكم خروجه عن الشَّيئية. فالبَقاء بَقاء بطبيعة المَدار لا بشَفاعة من خارج، والهلاك هلاك بطبيعة الشَّيء لا بعقوبة من خارج.

ولهذا جاء التَّعبير بـ«وجهه» تَحديداً ولم يَأت بـ«إلا الله» ولا بـ«إلا ذاته». فالذات الإلهية مُنزَّهة عن أن يَطرأ عليها فَناء أو زوال، ولا يَدخلها وَصف الهلاك بحال. أمّا «الوجه» فهو الهوية والدلالة والتَّوجه. الهوية أي ما به تُعرف الذَّات وتَتميَّز، والدلالة أي ما به يُستدَلّ على المَدلول، والتَّوجه أي الاتجاه الذي يَنحو إليه الموجود. فالوجه إذن دلالة على المَدار النوري الذي إن دار فيه الموجود تَجرَّد عن شَيئيته وبَقي.

وبذلك تَختم الآية المسار الوجودي كله بخلاصة واحدة، أن البَقاء ليس للأَشياء بما هي أَشياء، بل للاتجاه المتجرّد من الشَّيئية. فالهلاك مَحو كلّ ما ظَلّ شيئاً، والبَقاء حفظ لما تَجرّد إلى النور. وبهذا يُفهم أن نهاية الدار ليست عَدماً، بل انكشاف المَدار، حيث تَزول الأَشياء وتَبقى الأَنوار.

الخلاصة النهائية

ليس للوجود غاية بالمعنى الدنيوي المَقصدي، لأن الغاية مفهوم لا يَتعدّى عالم الفعل المحدود. أمّا أَصل الوجود فهو ظهور متَّسق لأَثر علم مطلق من طبيعته أن يَكون نوراً مشعّاً. والدار تَزول بزوال الإطار، أمّا المَدار ـ مَدار النور ـ فباقٍ ببَقاء وجهه العليم. نور على نور.

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «أصل الوجود ـ من نَفي العبث إلى نور على نور»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث