2.3

الخلق والجعل: مراتب التجلي الوجودي للإنسان

12 دقائق قراءة~2165 كلمة3 مبحثاً في هذا الفصل

2.3.1الإنسان كيانٌ مزدوج: النفس بوصفها الوعي، والجسد بوصفه الأداة

لا يمكن فهم خلق الإنسان في القرآن دون التمييز الجوهري بين النفس والجسد، فهما كينونتان مختلفتان في الأصل، متكاملتان في الوظيفة. فالنفس هي الكينونة الواعية، صاحبة الإدراك والاختيار والمسؤولية، والجسد هو الأداة الزمنية التي تُمكّن النفس من التفاعل مع بيئة الأرض.

أولاً: النفس، الكينونة الواعية غير الجنسية

النفس ليست مخلوقةً في لحظة الخلق المادي، بل موجودةٌ سابقًا في عالم التصوّر، أي عالم الأمر، في حالةٍ سمّاها القرآن موتًا، لا بمعنى العدم، بل بمعنى الحبس عن التفاعل والفعل، وهذا ما تشير إليه الآيتان المحوريتان:

قال تعالى في سورة البقرة، الآية 28: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

وقال في سورة غافر، الآية 11: رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ.

والموتان متماثلتان كيفيًّا في جوهرهما، فليستا عدمًا، بل حالتا حبسٍ عن التفاعل، الأولى قبل الحياة الدنيا، والثانية بعدها. فالموت ليس فناءً، بل استيفاءٌ، أي رجوع النفس إلى أصلها بعد انتهاء دورتها التفاعلية. ومن هنا، فإن النفس جنسٌ واحد، لا ذكرًا ولا أنثى، كما يؤكّد قوله تعالى في سورة الأعراف، الآية 189: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا. فالتفريق بين الذكر والأنثى ليس في النفس، بل في الجسد الذي يُلبَس.

ثانياً: الهبة والجنس ـ تخصيصٌ لموجود لا إنشاءٌ لماهية

يقول تعالى في سورة الشورى، الآيتين 49 و50: «لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ».

وأوّل ما يُلحَظ في الآية أنّها بَنَت المسألة على أفعالٍ متمايزة لا فعلٍ واحد: «يَخلُق»، ثمّ «يَهَب»، ثمّ «يَجعَل». والتمييز بينها دالٌّ لا عبث فيه. فالخلق إيجادٌ للماهية من أصلها، والهبة إيتاءٌ وتخصيصٌ لموجود، والجعل تصييرٌ وتحويلٌ لاحقٌ على الخلق ـ من مرتّبات الوجود لا من أصله. فليس الجعل خلقاً مبتدأً، بل تحويلٌ في الصيرورة يطرأ على ما قد خُلق.

ويتأكّد هذا باستقراء لفظ «الهبة» في مواضعه؛ فحيثما ورد كان الموهوب ذريةً أو ولياً أو نبياً قائم النوع: «وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق» في إبراهيم 39، و«وهبنا له إسحاق ويعقوب» في الأنبياء 72، و«وهبنا لداود سليمان» في ص 30. فالهبة في القرآن إيتاءٌ لموجودٍ مقدورٍ في نظام الخلق، لا إنشاءٌ لجوهرٍ جديد.

فإذا تقرّر هذا، ظهر أنّ التذكير والتأنيث ليسا خلقاً في النفس، بل تخصيصٌ جسديّ يقع في نظام الخلق البيولوجيّ. فالنفس في أصلها واحدةٌ لا جنس لها، كما تقرّر في الأعراف 189: «خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ»؛ والتذكير والتأنيث صفةُ الجسد الذي تُخصَّص له النفس. وقد كشف العلم أنّ هذا التخصيص يقع في بنية الخلية التناسلية نفسها، إذ يحمل الحيوان المنويّ ما يتعيّن به الجنس ذكراً أو أنثى ـ ويُستأنس بهذا الكشف تصديقاً لكون الأمر جسدياً لا نفسياً، دون أن يُبنى عليه الحكم، إذ مدار البيان النصّ لا المعمل.

ثمّ تأتي تتمّة الآية فتُحكِم المنظومة إحكاماً رباعياً: إناثاً فقط، أو ذكوراً فقط، أو الصنفين مزدوجين «ذُكراناً وإناثاً»، أو انتفاء النسل «عقيماً». والعقم ـ في هذا النسق ـ حالٌ طارئةٌ في الجسد لا أصلٌ في الخلقة، بدليل مجيئه بلفظ «يجعل» (التصيير اللاحق) لا «يخلق» (الإيجاد الأصليّ). فالعقيم لم يُخلَق على العقم ابتداءً بوصفه ماهيةً، بل صُيِّر إليه في مسار الوجود ـ وهذا يؤكّد أنّ مدار الآية كلّه على الجسد ومقدوراته وأطواره، لا على ماهية النفس.

فتبقى النفس ـ في أصلها ـ واحدةً لا ذكرَ فيها ولا أنثى، ويكون التذكير والتأنيث والعقم كلّها أحوالاً جسديةً تجري في نظام الخلق البيولوجيّ ـ خلقاً في الأصل، وتخصيصاً في الهبة، وتصييراً في الجعل ـ بينما تظلّ النفس بمعزلٍ عن ذلك، من أمرٍ أعلى. وذلك تمام البيان الذي أرادته الآية.

ثالثًا: الجسد، اللباس العضوي المؤقّت

الجسد ليس ذات الإنسان، بل أداة وجوده الزمني، مخلوقٌ من عناصر الأرض من طينٍ وماءٍ وعناصر، ويُحلَّل بعد الوفاة إلى ترابه، كما قال تعالى في سورة طه، الآية 55: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ. وهو يُشبَّه ببدلة الغوّاص أو بذلة رائد الفضاء، أداةٌ تُمكّن من العيش في بيئةٍ لا تتناسب مع طبيعة الكينونة الأساسية. ويدلّ على ذلك قوله تعالى في سورة الزمر، الآية 42: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا.

وهنا تجب الإشارة إلى نقطةٍ مهمة، فلفظة حين، لا عند، تعني أن النفس تُتوفّى في لحظة فقدان الوعي، حتى لو بقي الجسد يُظهر علامات الحياة من تنفّسٍ أو نبض. أي أن الموت هو لحظة انفصال النفس عن الجسد، وليست مجرد توقّف الأعضاء. فربما نرى أحيانًا إنسانًا في حالة احتضار الموت وكأن النفس فيه موجودة، بينما يكون الله قد استوفاها، وهذا من رحمة الله في عدم تعذيب النفوس.

رابعًا: مراحل الخلق، من التصور إلى التجلي

تدعم هذه الرؤية آيتان محوريتان. قال تعالى في سورة الأعراف، الآية 11: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ. فالخلق سابقٌ على التصوير، أي أن الكينونة الواعية، وهي النفس، أُوجدت أولًا، ثم صُوّرَ لها جسدٌ يُعبّر عنها في عالم الحواس.

وقال في سورة المؤمنون، الآية 14: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. فبعد اكتمال البناء الجسدي من نطفةٍ وعلقةٍ ومضغةٍ وعظامٍ ولحم، جاءت نتيجة خلقٍ آخر، وهو ذرء النفس في الجسد، أي إدخال الوعي، فصار الجسد حيًّا.

خامسًا: الزوجية الوجودية، النفس والجسد

ويبرز التمييز القرآني البليغ بين قوله تعالى في سورة الأعراف، الآية 189: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا، وقوله في سورة الزمر، الآية 6: خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا. فالزوج هنا ليس كينونةً منفصلة، بل الجسد المكوَّن من عناصر الأرض، الذي يُكمل وظيفة النفس، ويجسّد اختيارها. وهذا يتوافق مع قوله تعالى في سورة الذاريات، الآية 49: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فالمخاطَب هنا ليس الرجال والنساء، بل كل إنسانٍ بوصفه زوجًا مكوَّنًا من نفسٍ وجسد.

فالإنسان، ذكرًا كان أو أنثى، هو زوجٌ واحدٌ مكوَّن من كينونتين: النفس وهي الكينونة الواعية، غير الجنسية، المسؤولة، والجسد وهو الأداة الحسّية، الجنسية، الفانية.

2.3.2الخلق والجعل ـ من التكوين إلى التمكين

قبل الدخول في تفصيل الخلق والجعل، يحسن التنبيه إلى أنّ هذه الثنائيّة من ظلال الأصل الأضاديّ التفاعليّ المؤسَّس في مبحث الرحمن (2.1.2)، إذ الخلق والجعل وجهان متفاعلان لا يُفهم أحدهما إلا بمقابله، ومن تفاعلهما تنبثق مرتبة التجلّي الوجوديّ للإنسان. فليست هذه ثنائيّةً طارئةً في هذا الموضع، بل تطبيقٌ للأصل الذي عليه قام الوجود كلّه.

فالخلق والجعل فعلان إلهيّان متمايزان في القرآن، وقد ظنّهما كثيرون مترادفين فالتَبس عليهم فهم آياتٍ كثيرةٍ وردا فيها معاً. والقاعدة المنهجيّة في هذا الكتاب ألا ترادف في القرآن، فإذا اجتَمع لفظان في سياقٍ واحدٍ فلا بدّ أن لكلٍّ منهما وظيفته الخاصّة التي لا يؤدّيها الآخر.

والخلق في القرآن فِعل إيجادٍ بتَحويلٍ جذريٍّ من مادّةِ أصلٍ إلى تَشكيلٍ مُراد، والقَصد فيه هو المخلوق ذاته بصورته النهائيّة، لا المادّة الأولى التي خُلق منها. فحين يَخلق الله الإنسان من طينٍ، فإنّ المراد هو الإنسان لا الطين، والطين مادّةٌ عابرةٌ في الطريق إلى المخلوق المراد، تَتحوّل وتَتركّب وتَتشكّل حتى تَنتهي إنساناً كامل البِنية والوظيفة. والخلق إذن نَقلةٌ جذريّةٌ في الطبيعة، يَخرج بها الشيء من حالٍ إلى حالٍ جديدةٍ لا تُشبه الأولى في شيء، مع بقاء أنّ المادّة استَمرّت في التَّحوّل دون أن تَأتي من عدم. وهو بهذا يفارق الأمر التكوينيّ الذي يجيء به الشيء من عالم الأمر إلى الوجود بلا سابقٍ ماديّ، إذ ذاك إدراجٌ بـ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾، فالأمر إيجادٌ للمتصوَّر من عالم الأمر لا خلقٌ من مادّةٍ، والخلق تكوينٌ من مادّةٍ سابقةٍ لا إيجادٌ من عالم الأمر.

أمّا الجعل ففِعل إيجادٍ بتَغييرٍ جزئيٍّ في مخلوقٍ قائم، والقَصد فيه هو التَّغيير الذي يَطرأ على المخلوق، لا إنشاء كيانٍ جديدٍ من أساسه. فالمخلوق موجودٌ ابتداءً، ثمّ يَجري عليه تَغييرٌ في صيرورته يَكسبه وظيفةً جديدةً أو وضعاً جديداً أو علاقةً جديدة. والجعل لا يُحوّل المخلوق إلى مخلوقٍ آخر، بل يُضيف إلى وجوده القائم بُعداً لم يَكن فيه قبلاً.

وينحصر الفرق بينهما في ثلاث نقاطٍ محوريّة، أُولاها أنّ الخلق يَتعلّق بإنشاء المخلوق ابتداءً من مادّةِ أصلٍ، والجعل يَتعلّق بتَغييرٍ في مخلوقٍ قائم، وثانيتها أنّ القَصد في الخلق هو المخلوق النهائيّ بصورته الجديدة، والقَصد في الجعل هو التَّغيير الذي يَطرأ على المخلوق في صيرورته، وثالثتها أنّ الخلق نَقلةٌ جذريّةٌ في الطبيعة، والجعل تَعديلٌ جزئيٌّ يَترك أصل المخلوق على حاله ويُضيف إليه أو يُعدّل فيه.

ومن هذا التَّمييز يَتّضح لماذا يَأتي الفعلان معاً في آياتٍ كثيرةٍ دون أن يَكون أحدهما مُكرّراً للآخر. فالله قد يَخلق ثمّ يَجعل، أي يُنشئ المخلوق ابتداءً ثمّ يُضفي عليه وظيفةً أو وضعاً معيّناً، فيَكون الخلق هو الإنشاء، والجعل هو الإضافة الوظيفيّة، وكلٌّ منهما له موضعه الذي لا يؤدّيه الآخر.

وإذا كان الخلق تَكوُّناً من موجودٍ لا إيجاداً من عدمٍ، فإنّ خلق الإنسان لا يَخرج عن هذا الأصل. ويَكفي للتَّأمّل في آلية الخلق ضمن الوجود قوله تعالى على لسان عيسى عليه السلام ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، فالمسيح شَكّل من مادّةٍ موجودةٍ هي الطين هيئةً متصوّرةً هي الطير، ثمّ نَفخ فيها بإذن الله فصارت طيراً حياً. ثلاث مراحلٍ لا واحدة، مادّةٌ سابقة، ثمّ تَشكيلٌ لها على هيئةٍ جديدة، ثمّ نفخٌ يُحوّلها من مجرّد شكلٍ إلى كائنٍ حيّ، والقَصد من الفعل كلّه هو الطير لا الطين.

﴿آل عمران: 49

ومن أَدقّ ما يَكشفه القرآن في هذا الباب أنّ النفس الإنسانيّة في أصلها واحدة، لا تَعدّد فيها ولا تَمايز جوهريّ، يقول الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ، ويقول ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1]. والآيتان تَستعملان «منها» في الزوج، أي أنّ الجسم، زوجَ النفس، صَدر منها بوجهٍ ما. ولا يَعني هذا أنّ النفس فاعلةٌ في تَكوين جسمها، فالفاعل الحقيقيّ في الخلق والجعل هو الله، وإنّما يَعني أنّ الله خَلق الجسم بإحكامٍ يَأخذ بطبيعة النفس في الاعتبار، فجاء الجسم منسجماً معها بقَصدٍ إلهيٍّ لا بفعلٍ منها. والصياغة القرآنيّة «منها» تَكشف هذا الإحكام، فكأنّ النفس هي التي تُكوّن جسمها بحسب ما يُلائمها، والفاعل في الواقع هو الخالق الذي قَدّر لها زوجاً يَتناغم معها.

﴿الأعراف: 189

والاختلاف بين الآيتين كاشف، ففي آية الأعراف ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، وفي آية النساء ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، واختلاف الفعل بين الجعل والخلق ليس تَكراراً ولا اختلاف صياغة، بل يَكشف بُعدين متمايزين للزوجيّة بين النفس والجسم. ففي «خَلق منها زوجها» يَكون الخلق تَأسيساً جوهرياً للجسم، بحيث يَكون منذ أصله متفاعلاً مع النفس مُجسّداً لها أداةً لها لا معطّلاً ولا معارضاً. فالنفس بذاتها فكريّةٌ غير صوريّة، لا تَملك أداة الإظهار، فإذا غَضبت لم يَظهر غضبها إلا بالجسم الذي يُصوّر هذا الغضب فيُترجمه تَقطيباً للوجه واحمراراً للعينين وارتفاعاً للصوت، وإذا فَرحت لم يَظهر فرحها إلا بجسمٍ يُصوّره ابتساماً وانفراج وجهٍ وحركةٍ منطلقة. والجسم في أصل خلقه مُهيّأٌ لهذه الوظيفة، يَتفاعل مع كلّ ما تَنتجه النفس من إراداتٍ ومشاعرَ وأفكار، وهذا التَّأسيس قائمٌ في الخلق ذاته، لا تَكيّفٌ لاحقٌ عليه.

أمّا في «جَعل منها زوجها» فالجعل تَكيّفٌ صَيروريٌّ لاحق، فالنفس في حياتها تَكتسب طِباعاً واتّجاهاتٍ وإراداتٍ، فيَتكيّف الجسم مع ما اكتَسبت تَدريجياً. فالنفس التي تَعتاد الغضب تَستقرّ في جسمها ملامح الشدّة حتى في حال الهدوء، والنفس التي تَعتاد الطمأنينة تَستقرّ في جسمها ملامح السكينة حتى في حال التوتّر، والنفس التي تَلتزم الخير ينعكس ذلك على بِنية جسمها وحركته، والنفس التي تَنحرف عن الخير ينعكس انحرافها على هيئتها. والجعل هنا تَكيّفٌ يَجري في صَيرورة الإنسان لا تَأسيساً ابتدائياً.

ومن هنا يَتّضح أنّ الإنسان زوجٌ واحدٌ مكوَّنٌ من نفسٍ وجسم، وأنّ الجسم في أصل خلقه مُؤَسَّسٌ ليَكون أداةً للنفس مُجسّداً لها، ثمّ يَتكيّف في صَيرورته معها بحسب ما تَكتسبه. فالخلق تَأسيس، والجعل تَكيّف، وكلاهما من فعل الله بإحكامٍ يَأخذ بطبيعة النفس في الاعتبار، والنفس هي الأصل في كلا الفعلين، لا فاعلةً ولكنّها مَرجع الإحكام الذي يَجري عليه التَّقدير.

ولا يَقتصر الجعل على تَكيّف الجسم مع النفس، بل يَمتدّ إلى تَرقية الإنسان من حالٍ إلى حالٍ أَسمى. ومن هنا قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ، ولم يَقل خالقٌ في الأرض خليفة، لأنّ البشر كانوا موجودين منتشرين على الأرض ككائناتٍ حيويّة، مثل آدم وغيره من البشر، وهذا ما تُؤكّده الدراسات في المستحاثات المكتشفة، والفرق بين أعمار البشر أمثالنا من آدم وغير آدم ممّن سَبقه. لكنّ آدم لم يَكن بعدُ في مقام الخلافة، إلى أن استَقرّ وبَرهن على مدى تَطوّره بيولوجياً، فبَلغ درجةً من النضج البيولوجيّ والعقليّ أَهّلته لحَمل الأمانة، فاستَحقّ التعليم والنفخ.

﴿البقرة: 30

فجُعل في آدم وذريّته العقل والبيان، أي رُفعوا من مرتبةٍ حاليّةٍ إلى مرتبةٍ متقدّمة، وذلك حين عُلِّم آدم الأسماء كلّها، ونُفخ فيه من روح الله. وخصائص الجعل تَكمن في أنّه لا يُوهَب بل يُكتَسب، ويَرفع من حالٍ إلى حالٍ أَسمى، ويُحسِّن الوظيفة ويُعلي المقام، وهو لا يُوجد شيئاً من عدمٍ، بل يُفعّل كامناً، شرط أن يَكون ذلك الكائن قد أَبدى استعداداً للتَّحوّل، وانسجاماً مع الغاية. والنفوس، رغم اشتراكها في أصلٍ واحدٍ بفعل الخلق، ليست متماثلةً في خصائصها الوجوديّة بفعل الجعل، لأنّ الخلق أصلٌ ثابت، والجعل مُكتسَبٌ متجدّد، والتَّمايز ليس في الذات بل فيما اكتَسبته الذات.

2.3.3من الخلق إلى الخلق الجديد: مسار الخلود

وفي الآخرة، بعد الحساب، لا تعود النفس إلى الجسد الفاني، بل تُلبَس خلقًا جديدًا، جسدًا خالدًا، متناغمًا مع طبيعة الخلود، كما قال تعالى في سورة قّ، الآية 15: أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ. وحيث يكون الجسد الجديد متحوّرًا لا يفنى، متناغمًا مع الخلود الأبدي، كما قال تعالى في سورة الدخان، الآية 54: كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ.

وهذا اللبس الجديد هو الجسد الأبدي الذي يتناسب مع مصير النفس، جنةً إن كانت مهيأةً للنور، ونارًا إن كانت مهيأةً للظلام.

خاتمة القسم: الإنسان رسالة وجودية لا كائن عابر

الإنسان إذن ليس كائنًا عابرًا بين الجنة والنار، بل رسالة وجودية تبدأ بنفسٍ متصوّرة، وتتجسّد في جسدٍ مكوَّن، وتُرفع إلى مقامٍ مَجعول، ثم تُكلَّل في خلودٍ مُعلَّم. والغاية ليست النجاة فحسب، بل الارتقاء إلى مقامٍ لا يعلمه إلا الله، لمن استطاع أن يكون خليفةً في الأرض بالعقل والاختيار، وحبرًا في الروضة بالمعرفة والفهم، وشاكرًا في الوجود بالوعي والتسليم.

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «الخلق والجعل: مراتب التجلي الوجودي للإنسان»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث