- أصل الوجود
- الله وأصل الوجود
- نسخة حفص عن عاصم — الامتداد الطبيعيّ للتنزيل
نسخة حفص عن عاصم — الامتداد الطبيعيّ للتنزيل
تبيّن في الفصل السابق أنّ النصّ القرآنيّ نزل مخطوطاً في صحفٍ مطهرة، نسخةً أمينةً من أصلٍ إلهيٍّ محفوظ، وأنّ الرسم العثمانيّ بدقائقه التي تعجز عنها الأيدي البشرية شاهدٌ على هذا الأصل. ولمّا كان الإنسان قد أدرك في فصل الحدود المعرفية أنّ ما أُوتي من العلم قليل، وأنّ مرجعه فيما وراء حدوده هو ما أنزله الله، برز سؤالٌ لا بدّ منه قبل أن يُستدلّ بآيةٍ واحدةٍ في أيّ فصلٍ من فصول هذا الكتاب: أيّ نصٍّ بالضبط نعتمد؟ وعلى أيّ روايةٍ يُبنى الاستدلال؟ فالنصّ الذي نزل مخطوطاً تناقلته الأمة قراءاتٍ متعدّدة، فأيّها الامتداد الحيّ لذلك الأصل المدوّن؟ هذا ما يتناوله هذا الفصل.
1.9.1مسألة القراءات وإشكالها
من أكثر ما أُثير حول القرآن مسألة الأحرف السبعة والقراءات العشر، وقد صوّرها الفهم السائد على أنّها وحيٌ نزل بتعدّدٍ لغويٍّ وصوتيّ، وأنّ هذه القراءات كلّها وحيٌ متواتر. لكنّ التدبّر والبحث الداخليّ في النصّ يكشف أنّ الأمر يبدو مختلفاً، وأنّ هذا الفهم لم يقم على بيّنةٍ من النصّ ذاته، بل على التباسٍ تاريخيٍّ ولغويّ. وقد أفضى ذلك إلى إبقاء فهم النصّ معتمداً على وسائط من رواةٍ وأسانيد وعلماء متخصّصين، أكثر من اعتماده على النصّ ذاته مرجعاً، حتى أُضفيت قداسةٌ على اجتهاداتٍ بشريةٍ ينبغي أن تُميَّز عن الوحي المنزَّل.
وما يُعرَض في هذا الفصل بيانٌ نستمدّه من كتاب الله، لا مواجهةٌ مع أحدٍ ولا خصامٌ مع التراث. فغايتنا تمييز ما حفظ النسق القرآنيّ كاملاً، استقراءً من داخل النصّ، لا التشكيك في نوايا أحدٍ ولا الطعن في أشخاص. والنظام البنيويّ للنصّ أقوى دليلٍ على أصالته من السند الفرديّ أو الشهرة التاريخية، فالقرآن يُفسَّر بعضه ببعض، ويُحكَم عليه من داخله لا من خارجه.
1.9.2رواية تعدّد القراءات — البيان والوهن
تدور رواية تعدّد القراءات على ما يُروى من أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، وأنّ هذا التعدّد رحمةٌ وإعجازٌ وتيسير. وحين يُتأمّل هذا الفهم تأمّلاً هادئاً، يبرز سؤال: رحمةٌ بماذا، وإعجازٌ بماذا؟ فالرحمة المزعومة ليست رحمةً بالقارئ الذي يقرأ قراءةً واحدةً طيلة حياته لا يعلم غيرها. والذي يتبيّن أنّ هذا الفهم صار آليةً تحوّل ما قد يبدو اختلافاً أو تعارضاً إلى وجهٍ لا يُناقَش، فكلّما أُشير إلى خطأٍ نحويٍّ بين الروايات، أو اختلافٍ في النصّ بين روايةٍ وأخرى، قيل إنّه وجهٌ صحيحٌ من أوجه الأحرف السبعة. فصار الإعجاز المزعوم مناعةً من النظر، لا إعجازاً في بناء النصّ.
ومّما يكشف أنّ المسألة في أصلها اختلافُ حفظٍ ونقلٍ لا تعدّدُ وحيٍ منزَّل، ما يُروى نفسه من أنّ الأمة خُشي عليها أن تختلف في الكتاب اختلافاً يُمزّقها، فجُمعت على نسخةٍ واحدةٍ في عهد عثمان، عُرفت بمصحف الإمام، نُسخت منه نسخٌ ووُزّعت على الأمصار الكبرى. فالاختلاف الذي خُشي منه لم يكن اختلاف لهجاتٍ ولا تنوّع رحمة، بل اختلافاً في النصّ ذاته، في الكلمات والترتيب والحروف، يُخشى أن يُمزّق الأمة كما مزّق الاختلاف من قبلها أمم الكتاب. وهذا يكشف أنّ ما سُمّي تعدّد قراءاتٍ لم يكن في أصله إلا اختلاف حفظٍ ونقل. وفي التوحيد على نسخةٍ واحدةٍ ما يدلّ على أنّ التعدّد كان أمراً يُدرأ لا رحمةً تُطلب، وأنّ النصّ الواحد هو الأصل. ولا يتبيّن من النظر أنّ التوحيد العثمانيّ أقرّ أكثر من وجهٍ واحد، بل جمع الناس على نصٍّ واحدٍ درءاً للاختلاف.
ومع هذا التوحيد، بقيت اختلافاتٌ بين الروايات المتداولة، بعضها يتجاوز التنقيط والإعراب إلى ما هو أعمق، من زيادة حرفٍ أو نقصانه، أو دمج آيتين في واحدة أو انقسام آيةٍ إلى آيتين، أو اختلاف الكلمة الذي يمسّ المعنى. وهذا النوع لا يبدو وجهاً من أوجه قراءةٍ مقصودة، بل أثر اجتهادٍ بشريٍّ في ضبط نصٍّ لم تكن قواعد ضبطه قد اكتملت بعد.
ويبقى سؤالٌ قد يَعرِض للمتأمّل: إذا كان الله قد تعهّد بحفظ كلامه، فكيف نجد نسخاً متعدّدةً فيها اختلاف؟ وجوابه يكشف جوهر الحفظ نفسه:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
فالحفظ في الآية متعلّقه ضمان صيانة النصّ من الضياع، وهو لله وحده لا يشاركه فيه أحد، لا البشر ولا غيرهم. ولا ينافي هذا ما تأسّس في فصل الله والرب من مجيء الآية بالمثنى الوظيفيّ، فإنّ المثنى هناك يجمع مقام الذات بمقام تدبيرها الربوبيّ في إجراء التنزيل عبر السنن والملائكة، وأمّا ضمان الحفظ وصيانة النصّ فللذات المطلقة وحدها؛ فالتدبير يجري في الوجود بأدواته، والضمان من خارجه، ولا تعارض.
ومن هنا يتبيّن أنّ تعدّد الروايات واختلافها ليس نقضاً للحفظ الإلهيّ، بل شاهدٌ عليه من وجهين متلازمين. الأول أنّ اختلاف الروايات يكشف عجز النقل البشريّ عمّا اؤتُمن عليه، إذ لو كان حفظ النصّ موكولاً إلى الصدور لاختلف كما اختلفت تلك الروايات، فبان أنّ الصدر البشريّ لا يحفظ وحده. والثاني أنّ الله، في مقابل هذا العجز، حفظ نسخةً واحدةً تامّةً سالمةً من النقص والتحريف، فبقيت محفوظةً وسط الاختلاف، وجعلها الأكثر انتشاراً في الأرض بأمره لا بسعي البشر. فبقاء نسخةٍ واحدةٍ تامّةٍ وسط تعدّدٍ مختلفٍ هو بعينه أثر الحفظ الإلهيّ البحت.
ومن نسب إلى نفسه حفظ النصّ ونقله بصدره، فكأنّما جعل لله شريكاً في حفظ كلامه، والله وحده الحافظ، تكفّل بإيصاله وصيانته دون وساطةٍ بشريةٍ يُنسب إليها الحفظ. ولم تُمنَع تلك الروايات المتعدّدة إلا لحكمةٍ تتبيّن: أن يتبيّن الله الذين يؤمنون بكتابه حقّاً ممّن ورثوه دون علمٍ ولا دراية. فالمؤمن المتدبّر يجد الفارق بين الروايات، ويقتفي أثر التمام من النقص إذا قارن بينها بميزان النصّ الداخليّ، فيتبيّن له الأصيل المحكم؛ ومن اكتفى بالنقل والوراثة دون تدبّرٍ بقي محجوباً عن هذا التمييز. فجعل الله النصَّ المحكم نفسه ميزاناً يتبيّن به ما وافق الأصل ممّا فارقه، إذ أحكم آياته وحصّن نسقها، فكلّ وجهٍ يخالف هذه البنية يتبيّن بمخالفته من داخل النصّ لا من خارجه.
وفي هذا يتجلّى معنى الإيمان بالكتاب الذي يجعل التدبّر ميزاناً للحكم على الأصيل والدخيل:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾
فإحكام النصّ وانسجامه الداخليّ برهانٌ على مصدره، وأيّ اختلالٍ أو تناقضٍ يكشف عن دخولٍ بشريٍّ أو اجتهاديّ. ومن هنا يتبيّن معنى تلاوة الكتاب حقّ تلاوته:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾
فحقّ التلاوة ليس جودة الصوت ولا كثرة الختمات ولا تلاوةً عمياء، بل الاشتباك الحقيقيّ مع النصّ تدبّراً وبحثاً واستيعاباً لبنيته ونسقه، حتى يكون منهاجاً للحياة. والإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل، لا ما جرى على اللسان وانتهى عند حدود الحروف. ومن تلا الكتاب حقّ تلاوته تبيّن له أين الأصيل المحكم وأين الدخيل المضطرب، ومن اكتفى بالتلاوة والنقل بقي محجوباً عن هذا الإدراك.
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾
فوصّلنا، لا أرسلنا بواسطة، فالله لم يكل حفظ النصّ إلى الرواة والأسانيد، بل تكفّل بإيصاله. وما ظهر من روايات مخالفة فهو من سعي البشر لنسب نقل النصّ إلى أنفسهم، سعيٌ أذن الله بظهوره ليتبيّن به من تمسّك بالنصّ الأصيل ممّن تمسّك بالنقل والرواية وحدها.
وفي إشهار هذه النسخة وجعلها الغالبة المنتشرة في بقاع الأرض رحمةٌ من الله بعباده، إذ لم يَكلهم إلى اختلافٍ يحيّرهم في كتابهم، بل حفظ لهم نسخةً تامّةً قيّمةً مهيمنةً على ما سواها، يرجع إليها المؤمن فيجد النصّ كما نزل. فهي اليوم القائمة الغالبة بين النسخ، تقرؤها عامّة الناس، وما خالفها أضيق انتشاراً. وليس هذا الانتشار بسعي البشر وحده، بل هو أثر رحمةٍ وحفظٍ من الله، إذ وصف كتابه بأنّه رحمة ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، فكان من تمام هذه الرحمة أن يحفظ للناس صورته التامّة ويجعلها الغالبة، رحمةً بهم أن يضلّوا في كتابهم كما ضلّت أمم الكتاب قبلهم.
1.9.3معنى الأحرف السبعة — أبواب المعاني لا قراءات لغوية
الحرف في اللسان مأخوذٌ من الجذر «حرف» الذي يدلّ على الطرف والميل. يقول الله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾
أي على طرفٍ غير ثابتٍ في ضعفٍ وتذبذب. ومن هنا سُمّي الحرف الأبجديّ حرفاً، لأنّه ضعيفٌ بمفرده لا يعطي معنىً مستقلّاً حتى ينضمّ إلى غيره. فالحرف رمز الضعف إذا انفرد، والقوّة لا تتحقّق إلا باجتماعه مع حروفٍ أخرى في نسقٍ لغويٍّ متكامل.
وهذا المعنى يمكن أن يُسقَط على السلوك الإنسانيّ، فالذي يضعف عن ضبط نفسه يميل إلى الخبائث أو يتجاوز الاعتدال في الشهوات فيُوصَف بالانحراف، أي الميل عن الجادّة. كما أنّ التشدّد المفرط عن حدّ الاعتدال انحرافٌ آخر، إذ الانحراف ليس في التفلّت وحده بل في المغالاة أيضاً. فكلا الطرفين ميلٌ عن التوازن الذي أراده الله لعباده، وضعفٌ عن الثبات على الصراط المستقيم.
وعليه، يبعد أن يكون معنى الأحرف السبعة سبعَ قراءات، لأنّ القراءة الواحدة تصير حينئذٍ حرفاً، أي ضعيفةً منفردة، وهذا معنىً لا يليق بكلام الله. والذي يتبيّن أنّ الفهم الشائع وقع في انزلاقٍ دلاليّ، إذ حُملت كلمة «حرف» على الحرف الأبجديّ أو القراءة باللهجة، بينما أصلها اللغويّ الطرف والميل والضعف عند الانفراد.
وعلى تفسير الأحرف بالقراءات بُنيت نظرية القراءات. والثابت المتواتر الصحيح أنّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف، رواه الشيخان وأحمد وغيرهم من حديث عمر وأبيّ وأبي هريرة وابن عباس، حتى عُدّ متواتراً. لكنّ هذا الثابت يقرّر العدد، ولا يفسّر ما الأحرف السبعة، فبقي تفسيرها مجالاً للنظر.
ومّما رُوي في تفسيرها حديث ابن مسعودٍ عن النبيّ ﷺ: «كان الكتابُ الأوّلُ ينزلُ من بابٍ واحدٍ على حرفٍ واحد، ونزل القرآنُ من سبعةِ أبوابٍ على سبعةِ أحرف: زاجرٍ وآمرٍ وحلالٍ وحرامٍ ومحكمٍ ومتشابهٍ وأمثال؛ فأحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، وافعلوا ما أُمرتم به، وانتهوا عمّا نُهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنّا به كلٌّ من عند ربّنا». أخرجه الحاكم والبيهقيّ والطبريّ.
فهذه الرواية تجعل الأحرف السبعة سبعةَ أبوابٍ من المعاني والتشريع لا سبعَ قراءات، وخاتمتها صريحةٌ في ذلك، إذ أمرت بالعمل بكلّ بابٍ بحسبه. وقد اعتُرض عليها باعتراضين، يكشف النظر فيهما أنّهما لا ينهضان.
أمّا الأول فاعتراض ابن عطية، إذ ضعّفها بأنّ التوسعة لم تقع في تحليل حرامٍ ولا تحريم حلال. والنظر يكشف أنّ هذا استبعادٌ للمتن لا إعلالٌ له، فإنّ الحديث لا يُردّ متنه بمجرّد الاستبعاد العقليّ أو لمخالفته رأياً مسبقاً، وإنّما يُعَلّ بعلّةٍ في سنده أو بمخالفته ما هو أصحّ منه. وابن عطية لم يطعن في سند الرواية، ولم يأتِ بنصٍّ أصحّ يخالفها، بل استبعد متنها لأنّه أراد أن يُميل الأحرف السبعة إلى سياق القراءات، فاستبعد أن تكون أبواباً بناءً على هذا. فاعتراضه يدور على المدّعى نفسه: افترض أنّها قراءاتٌ موسَّعٌ بها، ثمّ ردّ كونها أبواباً لأنّها لا توافق هذا الافتراض. ولو سُلّم أنّها أبوابٌ لما ورد اعتراضه أصلاً، إذ لا توسعة في الأبواب بل تنويعٌ في أبواب البيان والتشريع.
وأمّا الثاني فترجيح وقفها على ابن مسعود، إذ رُويت مرفوعةً عن النبيّ ورُويت من كلام ابن مسعود، فرجّح قومٌ الوقف، وقالوا تقسيمُ الأبواب أشبه أن يكون من تصرّف ابن مسعود. والنظر يكشف أنّ هذا الترجيح استحسانٌ لا علّةٌ إسنادية، إذ بنوه على استبعاد أن يكون النبيّ قسّم هذا التقسيم، لا على قادحٍ في رواته. ثمّ إنّ أصل نزول القرآن على سبعة أحرف ثابتٌ مرفوعٌ متواترٌ عن النبيّ في الصحيحين، فما فسّر به ابن مسعودٌ هذه الأحرف موافقٌ لأصلٍ ثابتٍ عن النبيّ، لا قولٌ ابتدأه من عنده. وابن مسعودٍ إمامٌ من أعلم الصحابة بالقرآن وأقدمهم عهداً بالتنزيل، فقوله في تفسير ما سمعه صدقٌ معتبَر. فالتفسير، مرفوعاً كان أو موقوفاً، يبقى كاشفاً لمعنى الأحرف السبعة، وأخطأ من ردّه استبعاداً.
ونحن، مع هذا، لا نتّخذ الرواية مصدراً للتأسيس، بل نوردها بياناً أنّ ما رُوي في الباب لا يُسعف الفهم الشائع، بل يوافق ما استقرأناه من الأصل اللغويّ للحرف. فمرجعنا في إثبات المعنى اللغةُ والنصّ، والرواية شاهدٌ يعضد لا أصلٌ يُبنى عليه.
1.9.4كيف نشأت أوجه القراءات
والكتاب نزل تامّاً مطهّراً من عند الله، نصّاً ورسماً ونطقاً وضبطاً، في صحفٍ منزّهةٍ عن أيدي البشر، وصفها الله بأوصافٍ تقطع أن تكون يدٌ بشريةٌ قد امتزجت بصياغتها. فقال سبحانه ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾ ، والتطهير يقتضي ألّا تمسّها يد بشرٍ في صياغةٍ ولا ضبط. وقال ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: 13-16]، فهي مكرّمةٌ رفيعةُ القدر، مرفوعةٌ محفوظةٌ عن العبث، مطهّرةٌ لم تمسّها يدٌ غير مأذونة، بأيدي سفرةٍ من الملائكة لا بأيدي البشر. وقال ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21-22]، فأصله محفوظٌ لا يطاله تحريف.
فإذا كانت الصحف بهذه الأوصاف، مطهّرةً مرفوعةً محفوظةً عن أيدي البشر، لم يستقم أن يكون رسمها منزّلاً مطهّراً وضبطها ونطقها من صنع البشر، إذ التطهير يستوعب النصّ كلّه، رسمه وضبطه ونطقه، لا رسمه وحده. والضبط هو الذي يستقيم به النطق والمعنى، فلو نزل النصّ مطهّر الرسم دون ضبطٍ، ثمّ ضبطته أيدي البشر باجتهادها، لدخلت أيديهم في صياغة المعنى، وهو ما تنفيه أوصاف الصحف. فدلّ ذلك على أنّ النصّ نزل تامّاً بضبطه ونقطه وحركاته، مطهّراً كاملاً، لا ينقصه شيءٌ يُكمله البشر من بعد. ولا يستقيم على هذا ما يُدّعى من أنّ ضبط النصّ ونقطه أُحدثا بعد التنزيل، إذ يلزم منه أن ينزل النصّ ناقصاً يُتمّه البشر، وأن تمتزج أيديهم بصياغته، وكلاهما يناقض كونه مطهّراً نزل من لدن حكيمٍ تامّاً لا يعتريه نقص.
ويتمّم هذا التطهيرَ قولُه تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . فالحفظ في الآية متعلِّقه «الذكر» الذي نزل، أي النصّ المكتمل المطهّر كما تنزّل، لا أيّ نسخةٍ أو قراءةٍ طرأت عليه باجتهادٍ بشريّ. فالله تعهّد بحفظ ما نزّله تامّاً، لا بحفظ ما أحدثه الناس في نقله. ولمّا كانت نسخة حفصٍ هي الامتداد التوقيفيّ للتنزيل الحكيم، الحافظة للنصّ كما نزل ضبطاً ونطقاً ورسماً، تبيّن أنّها هي المشمولة بهذا الوعد، إذ هي صورة المنزَّل المكتمل الذي تعهّد الله بحفظه. وما عداها ممّا ثبت فيه خطأ الاجتهاد البشريّ، إذا قِيس بنسيج النصّ ذاته وبنسخة حفص، فليس داخلاً في هذا الحفظ، لأنّ الحفظ للمنزَّل لا للطارئ عليه؛ فما خالف النسق المحكم ليس من «الذكر» الذي تعهّد الله بحفظه، بل ممّا أحدثته أيدي البشر في نقله، يكشفه النصّ المحفوظ نفسه حين يُقاس إليه.
وهذا الذي تبيّن إنّما هو ما يقوده إليه الاستقراء والنظر متضافرَين، لا دعوى قطعٍ من نصٍّ صريحٍ واحد. فإنّ أوصاف الصحف بالتطهير والرفعة، ووعد الحفظ للذكر المنزَّل، ولزومَ أنّ التطهير يستوعب الضبط كما يستوعب الرسم، ثمّ المواضع التي خالف فيها الضبطُ القياسَ السليقيّ ممّا سنعرضه تباعاً، كلّها قرائن تتضافر فيتبيّن منها أنّ النصّ نزل تامّاً بضبطه. فنحن نعرض ما ترجّح بالبحث والاستقراء، لا ما نقطع به قطعاً مطلقاً، ونسوق عليه من القرائن ما يأتي تباعاً ليتبيّن وجهه، إذ المنهج المعرفيّ يقتضي أن يُقال فيما هذا سبيله: هذا ما تبيّن وترجّح، والله أعلم بحقيقة ما كان.
ويعضد كونَ الضبط منزّلاً توقيفياً أنّ في القرآن مواضع يخالف فيها ضبطُه القياسَ النحويّ الذي تجري عليه السليقة، فلو كان الضبط من السليقة لاطّرد على القياس، لكنّه حُفظ على خلافه، فدلّ على أنّه موقوفٌ نزل مع النصّ. من ذلك قوله تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ، بنصب «أرجلكم» مع أنّ ظاهر السليقة عطفُها على «رؤوسكم» المجرورة المجاورة لها. ومنه لفظ «الصابئين» في تراكيب متماثلة، جاء بالياء في ﴿وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: 62] و﴿وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ﴾ [الحج: 17]، وجاء بالواو في ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ﴾ [المائدة: 69]، رفعاً على خلاف نظيريه في التركيب نفسه. ومنه «المقيمين» في ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النساء: 162]، بالياء بين معطوفاتٍ مرفوعة. ومنه «الصابرين» في ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة: 177]، بالياء بين مرفوعات. ومنه ﴿إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: 63]، بالألف مع أنّ اسم «إنّ» حقّه النصب.
وقد زعم زاعمون أنّ هذه من خطأ الكاتب أو لحنٍ في الرسم، وهذا مردودٌ من وجوه. أوّلها أنّ الرواية بذلك لا تصحّ عمّن نُسبت إليه، إذ كان من نُسبت إليهم عرباً فصحاء لا يخفى عليهم وجه الإعراب. وثانيها أنّ الصحابة كانوا أحرص الناس على كتاب الله، فلو رأوا فيه خطأً لأصلحوه، ولم يتركوه لمن بعدهم، وهم الذين جمعوا المصحف ليرفعوا الاختلاف، فكيف يتركون فيه خطأً عمداً؟ وثالثها، وهو الأبين، أنّ الخطأ لا يطّرد، والسهو لا ينتظم؛ فلو كانت هذه المواضع سهواً لجاءت فُرادى مبعثرة، لكنّها جاءت ظاهرةً مطّردةً في مواضع متعدّدة، محفوظةً عبر القرون دون تغيير. واطّراد المخالفة وانتظامها وحفظها دليلُ القصد لا الخطأ، إذ المقصود وحده هو الذي يطّرد وينتظم ويُحفظ. ويعضد ذلك قوله تعالى ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ، فما حُفظ في النصّ مطّرداً مقصودٌ من تنزيل الحكيم، لا باطلٌ طرأ عليه. فدلّ هذا على أنّ ضبط النطق نزل توقيفياً، حُفظ كما نزل، لحكمةٍ فيه وإن دقّت، كما حُفظ الرسم العثمانيّ بدقائقه التي تبيّنت في فصل المخطوط.
فلمّا كان النصّ قد نزل مكتملاً مطهّراً بضبطه ونطقه، كان النطق المنزَّل محفوظاً في التلاوة المتوارَثة عن النبيّ، يقرؤه العرب على وجهه الذي نزل. ثمّ تتابعت اجتهادات القرّاء من بعدُ في قراءة الرسم، فظهرت وجوهٌ مختلفةٌ في النطق حين تدخّلت أيديهم في قراءة النصّ المطهّر على غير وجهه المنزَّل. وفي القرن الرابع الهجريّ جُمعت سبع قراءاتٍ من بين الوجوه المنتشرة، وفق معايير ثلاثة: موافقة الرسم العثمانيّ، وصحّة وجهٍ في العربية، والشهرة بين القرّاء. وهذا الانتقاء، على ما فيه من عناية، يبقى اجتهاداً بشرياً يحتمل النظر، ويدلّ بذاته على أنّه لا قداسة مطلقةً لوجهٍ لم يُختبر في ضوء النسق البنيويّ للقرآن كلّه. ثمّ أُضيفت ثلاث قراءاتٍ أخرى لتصير عشراً. وهذه الوجوه في حقيقتها نُقلت بأسانيد محدودةٍ لا ترقى إلى التواتر الكمّيّ الذي حظي به النصّ في جملته؛ فالنصّ نفسه متواترٌ قطعيّ، أمّا تفاصيل أوجه الأداء فنُقلت نقلاً أخصّ.
وقد كان التوحيد العثمانيّ على مصحفٍ واحدٍ هو الأصل الذي تفرّعت عنه هذه الوجوه. فعثمان لم يوزّع مصاحف متعدّدة القراءات، بل وحّد الأمة على مصحفٍ واحدٍ هو النصّ الذي كُتب في عهد النبوّة، درءاً للاختلاف. ولا يتبيّن من النظر أنّه أقرّ أكثر من وجهٍ واحد، بل جمع الناس على نصٍّ واحد. فالوجوه التي ظهرت بعد ذلك إنّما هي قراءاتٌ اجتهد فيها القرّاء في النطق، لا نصوصٌ متعدّدةٌ نزل بها التنزيل.
ولمّا كان التنزيل الحكيم لا يكون ذا وجهين متعارضين في المعنى، فإنّ ما في النسخ الأخرى من اختلافاتٍ تمسّ المعنى أو النسق ليست أوجهاً منزّلةً متعدّدة، بل أخطاء نقلٍ بشريةٍ دخلت حين اجتهد القرّاء في قراءة الرسم، تكشفها بنية النصّ المحكمة. ونسخة حفصٍ هي الامتداد التوقيفيّ للتنزيل الحكيم، الحافظة للنصّ كما نزل. ولسنا نخطّئ الرسم العثمانيّ ولا ما تواتر من وجوه الأداء التي لا تمسّ معنىً ولا نسقاً، فالرسم واحدٌ محفوظٌ نزل به التنزيل؛ وإنّما يتبيّن أنّ ما خالف النسق المحكم من ضبطٍ بشريٍّ للنطق خطأُ نقلٍ، لا وجهٌ منزَّل.
وممّا يؤكّد هذا تأكيداً صريحاً ما نراه اليوم، إذ انتشر على المواقع الالكترونية نسخٌ للقرآن اعتمدها جمهورٌ من الناس، لا تحاكي المخطوط الأصليّ للتنزيل الحكيم، بل كُتبت بالخطّ الحديث المعتاد، فأُسقطت منها دقائق الرسم العثمانيّ التي نزل بها النصّ، وغُيّرت مواضع الهمزات والألفات، وأُزيلت الفروق التي حفظها الرسم المنزَّل. وهذا يحيلنا إلى النتيجة نفسها: أنّ الاجتهاد البشريّ لا ضابط له إذا اجتهد دون أصلٍ منزَّلٍ يحفظ التنزيل من العبث؛ فكما أخطأ القرّاء قديماً حين اجتهدوا في قراءة الرسم دون التزام الوجه المنزَّل، يخطئ الناسخون اليوم حين يصوغون النصّ بالخطّ المعتاد دون التزام الرسم المنزَّل. والعاصم من هذا التزامُ النسخة التي حفظت التنزيل كما نزل، رسماً وضبطاً ونطقاً، وهي نسخة حفصٍ عن عاصمٍ بالرسم العثمانيّ.
ولا يكفي القول النظريّ بأنّ هذه الوجوه اجتهادٌ بشريّ، بل لا بدّ من وقوفٍ أمام النصّ ذاته، لنرى بعين الاستقراء الداخليّ كيف تحفظ رواية حفصٍ الانسجام البنيويّ في مواضع، وكيف يتبيّن في غيرها خروجٌ عن هذا الانسجام في المعنى أو السياق أو التوحيد. والأمثلة التالية ليست طعناً في أحدٍ ولا تشكيكاً في نقلة القرآن، بل اختبارٌ للنصّ من داخله، وفق المبدأ الذي يقوم عليه هذا الكتاب: القرآن يفسّر بعضه ويُحكَم عليه من داخله؛ نتبيّن بها أنّ ما خالف رواية حفصٍ في هذه المواضع المستقرأة خطأٌ في النقل تكشفه بنية النصّ، لا أنّه وجهٌ آخر للتنزيل.
1.9.5الأدلّة الدلالية — مواضع يتبيّن فيها خطأ النقل في غير رواية حفص
فيما يلي مواضع استقرأناها، يتبيّن فيها أنّ رواية حفصٍ حافظةٌ للنسق المنزَّل، وأنّ ما خالفها فيها خرج عن هذا النسق خروجاً يكشف أنّه خطأ نقلٍ بشريّ، لا وجهٌ آخر للتنزيل. ونؤكّد أنّ هذا حكمٌ على هذه المواضع بعينها، ممّا تبيّن بالاستقراء خروجه عن البنية، لا حكماً مرسلاً على كلّ اختلاف.
أولاً — مالك يوم الدين — نسبة المِلك المطلق لله
في فاتحة الكتاب جاءت في رواية حفص ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، بالألف، وجاءت في رواية ورش ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، بحذفها. فموضع الخلاف لفظٌ واحد: «مالك» في حفص، و«مَلِك» في ورش. ويتبيّن بالاستقراء أنّ «مالك» هي الموافقة لنسق النصّ في هذا الموضع.
فإنّ الفاتحة تتكلّم عن علاقة الله، الذات المطلقة، بيوم الدين، إذ افتُتحت بذكر الله بذاته ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ولمّا كانت النسبة فيه نسبةَ الذات، تعيّنت قراءة «مالك»، لأنّ المالك يملك الشيء من خارجه ولا يكون جزءاً منه؛ فالله مالكُ يوم الدين، يملكه مِلكاً مطلقاً وهو خارج التكوين الأخرويّ لا جزءٌ منه.
ويعضد هذا أنّ القرآن ينسب مِلك يوم الدين إلى الله بذاته، كما في قوله تعالى ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ . فالسياق كلّه نسبةٌ لله بذاته، إذ لا يخفى عليه منهم شيء، ثمّ نسب المُلك يوم الدين له صراحةً ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. والمُلك هنا بمعنى المِلك المطلق المنسوب للذات، لا السلطانُ المدبَّر داخل الوجود. فتعاضدت الآيتان في نسبة مِلك يوم الدين إلى الله بذاته، فناسب أن يوصف في الفاتحة بـ«مالك».
ولا يستقيم في هذا الموضع لفظ «مَلِك» الذي جاءت به رواية ورش، لأنّ المَلِك مقامُ تدبيرٍ وحكمٍ داخل الوجود، ووصفُ الذات به يُدخلها في التكوين الأخرويّ جزءاً منه مدبّراً فيه، والذات المطلقة تملك الوجود ولا تكون فيه. فلو كان السياق عن مقام رب العالمين، مقام التدبير داخل الوجود الأخرويّ، لناسبه «مَلِك»؛ لكنّ سياق الفاتحة نسبةُ الذات، فتعيّنت «مالك». وليس هذا تخطئةً للفظ «مَلِك» في ذاته، فهو صحيحٌ في وصف مقام التدبير في موضعه، لكنّه في هذا الموضع لا يستقيم، لأنّ سياقه نسبةُ الذات لا مقام التدبير. فقراءة حفص «مالك» هي المتّسقة مع التمييز التوحيديّ بين الذات ومقامها، كما تأسّس في فصل الله والرب: الله اسم الذات المطلقة، ورب العالمين وصف مقام تدبيرها في الوجود.
ثانياً — طعام مسكين — معادلة اليوم بالمسكين
في آية الصيام جاءت في رواية حفص ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، بإفراد «مسكين»، وجاءت في رواية ورش ﴿فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ﴾، بجمعه. فموضع الخلاف لفظٌ واحد: «مسكين» مفرداً في حفص، و«مساكين» جمعاً في ورش. ويتبيّن بالاستقراء أنّ الإفراد هو الموافق لنسق النصّ.
فإنّ الإفراد يضبط معادلةً دقيقة في الفدية: أنّ ما يُفدى به مقدَّرٌ بمسكينٍ واحدٍ عن اليوم الواحد. فإذا جاء بعده ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ كان التطوّع زيادةً بيّنةً على حدٍّ معياريٍّ صريح، مسكينٍ واحدٍ يُتجاوز إلى أكثر.
ويعضد هذه المعادلةَ نسقٌ قرآنيٌّ صريح. ففي كفّارة الظهار يقول الله تعالى ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ . فجعل بدل صيام الشهرين، وهما ستّون يوماً، إطعامَ ستّين مسكيناً، فقابل كلّ يومٍ بمسكينٍ واحد. فاستقرّت المعادلة الداخلية: ما يُقابل صيام اليوم الواحد إطعامُ مسكينٍ واحد.
فقراءة حفص «طعام مسكين» متّسقةٌ مع هذه المعادلة، إذ المقدار عن الوحدة الواحدة مسكينٌ واحد، كما أنّ المقدار عن ستّين يوماً ستّون مسكيناً. ولو جاءت بالجمع المطلق «مساكين»، كما في رواية ورش، لخرجت عن المعادلة التي أرساها النصّ في الظهار، إذ يصير المقدار عدداً غير محدّدٍ من المساكين، فتنكسر النسبة الدقيقة التي حفظها النصّ بين الوحدة والمسكين، ويغيب الحدّ الذي يكون التطوّع زيادةً عليه.
ثالثاً — سحران تظاهرا — تجلّيا الكتاب لا الأشخاص
في قوله تعالى عن المكذّبين، جاءت في رواية حفص ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾، وجاءت في رواية ورش ﴿سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا﴾. فموضع الخلاف لفظٌ واحد: «سِحْران» في حفص، وصفٌ لما أُوتيَه موسى وما جاء به محمد بأنّهما سحرٌ في زعمهم؛ و«ساحِران» في ورش، وصفٌ لشخصين بأنّهما يسحران. ويتبيّن بالاستقراء أنّ «سِحْران» هي الصواب، تحسمه الآية التي تليها.
يقول الله تعالى ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ ، ثمّ يقول في الآية التالية مباشرةً ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: 49].
فالضمير في ﴿أَهْدَىٰ مِنْهُمَا﴾ يعود على ما سبق، وهو ما أُوتيَه موسى وما جاء به النبي محمد. والمفاضلة في الهداية، أن يُطلَب كتابٌ أهدى منهما، لا تكون إلا بين كتب هدى، إذ يقال كتابٌ أهدى من كتابٍ، ولا يقال كتابٌ أهدى من شخص. فدلّ ﴿أَهْدَىٰ مِنْهُمَا﴾ على أنّ الموصوفين بـ«سحران» في الآية قبلها هما ما أُوتيَه موسى وما نزل على النبي محمد، لا شخصان يسحران.
وقد جاء التحدّي بالكتاب مفرداً ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ﴾، لأنّ الكتاب من حيث نسبتُه إلى الله واحد، إذ الله خارج الزمن مطلق، فلا يُقال إنّه أنزل كتابين، بل كتاباً واحداً لما يحوي من التشريع الثابت الكلّيّ الذي يستوعب ما أُوتيَه موسى وما نزل على النبي محمد، كما تأسّس في فصل الكتاب. وإنّما تعدّد بحسب التنزيل في الزمن، فما أُوتيَه موسى تجلٍّ، وما نزل على محمد تجلٍّ، والأصل واحد. فجاء ﴿مِنْهُمَا﴾ بالتثنية باعتبار التجلّيَين في الزمن، و﴿بِكِتَابٍ﴾ بالإفراد باعتبار الأصل الواحد المنسوب لله.
فتعيّن أنّ قراءة حفص «سِحْران» هي الصواب، إذ التثنية فيها واقعةٌ على المُنزَل في الزمن، تجلّيَي الكتاب، لا على شخصين. ويعضد هذا ختام الآية الأولى ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾، فالكفر بكلّ ما في التجلّيَين من هدى، لا بشخصين. ولو كانت «ساحِران» بمعنى شخصين، لما استقام ﴿أَهْدَىٰ مِنْهُمَا﴾ إشارة الى الكتاب، إذ لا يُفاضَل كتابٌ بشخصٍ في الهداية، بل بكتاب، ولا استقام ﴿بِكُلٍّ﴾ مع إرادة ذاتين. فالقراءتان وإن اختلفتا بألفٍ واحدة، فإنّ النصّ المتّصل يكشف أنّ المراد تجلّيا الكتاب، فما خالف حفصاً هنا خطأٌ في النقل تكشفه الآية التالية.
رابعاً — أم تقولون — وحدة الخطاب
في قوله تعالى مخاطباً أهل الكتاب، جاءت في رواية حفص ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾، بتاء الخطاب، وجاءت في رواية ورش ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾، بياء الغيبة. فموضع الخلاف حرفٌ واحد: التاء في حفص خطاباً للحاضرين، والياء في ورش غيبةً عن غائبين. ويتبيّن بالاستقراء أنّ الخطاب هو الموافق لنسق السياق.
يقول الله تعالى ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ * أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ . فالخطاب موحَّدٌ في السياق كلّه على صيغة المخاطَب الحاضر: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾، ﴿رَبُّكُمْ﴾، ﴿لَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، ثمّ ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾، ثمّ ﴿أَأَنتُمْ أَعْلَمُ﴾. فجاءت «تقولون» على هذا النسق الموحَّد، خطاباً للحاضرين كسائر الجمل المتتابعة قبلها وبعدها.
فقراءة حفص «تقولون» هي الموافقة لاطّراد الخطاب في السياق، إذ يبقى المخاطَب واحداً من أوّل الكلام إلى آخره. أمّا قراءة ورش «يقولون» بالغيبة، فتُحدث التفاتاً مفاجئاً من الخطاب إلى الغيبة في موضعٍ واحد، محصورٍ بين ﴿لَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ قبله و﴿أَأَنتُمْ أَعْلَمُ﴾ بعده، وكلاهما خطاب. فينقطع نسق المخاطَبة الواحدة بغيبةٍ طارئةٍ ثمّ تعود فوراً، وهذا الكسر في خطٍّ موحَّدٍ لا يستقيم في النسق الواحد. فيتبيّن أنّ ما خالف حفصاً هنا خطأٌ في النقل تكشفه وحدة الخطاب في السياق.
خامساً — إثبات «هو» — حصر أصل الصفة في الله
في خاتمة قوله تعالى، جاءت في رواية حفص ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، بإثبات ضمير الفصل «هو»، وجاءت في رواية ورش ﴿فَإِنَّ اللَّهَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، بحذفه. فموضع الخلاف لفظٌ واحد: إثبات «هو» في حفص، وحذفها في ورش. ويتبيّن بالاستقراء أنّ الإثبات هو الموافق لنسق النصّ ومعناه التوحيديّ.
يقول الله تعالى ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ . وضمير الفصل «هو» يفيد حصر أصل الصفة في الله، أنّه منبعها ومنشؤها، المنفرد بها انفراد المصدر، لا مجرّد متّصفٍ بها. فالله هو الغنيّ، أي أصل الغنى ومنبعه، الغنيّ بذاته غنىً مطلقاً؛ وغيره قد يوصف بالغنى، لكن وصفاً عارضاً مستعاراً، لا أصالةً ولا إطلاقاً، إذ غناه مستمدٌّ زائل. فـ«هو» تميّز الغنى الأصليّ المطلق الذي لله عن الغنى العارض الذي لغيره، وكذلك الحمد. ولو حُذفت «هو» لسوّى ذلك بينه وبين غيره في مطلق الاتّصاف، فأُجهضت الحقيقة التي تميّزه، أنّه الأصل والمنبع لا واحداً من المتّصفين.
ويعضد هذا المعنى نسقٌ قرآنيٌّ مطّرد: أنّ صفتي الله المعرّفتين بـ«الـ»، إذا جاءتا جملةً مستقلّةً تختم الآية، لزمها ضمير الفصل المثبِت للحصر، نافياً المشاركة في أصل الصفة. ويطّرد هذا في نظائره: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. فلا تتخلّف «هو» في الجملة المستقلّة الخاتمة بصفتين معرّفتين، لأنّها موضع حصر أصل الصفة في الله.
وهذا اللزوم مشروطٌ بأن تكون جملة الصفتين مستقلّةً خاتمة؛ فإن جاءت الصفتان متّصلتين بسياقٍ قبلهما، من جارٍّ ومجرورٍ أو فعل، لم يلزم الإثبات، لأنّ السياق المتّصل يغني عن ضمير الفصل. فالضابط دقيقٌ لا مرسل.
وآية الحديد من هذا النوع بعينه، جملةٌ مستقلّةٌ تختم الآية بصفتين معرّفتين، فلزمها الإثبات على النسق المطّرد ولمعناه التوحيديّ. فقراءة حفص «هو الغنيّ الحميد» هي الموافقة للنسق وللحصر معاً. أمّا حذف «هو» في رواية ورش فيخرج عن النسق المطّرد، ويُضعف حصر أصل الصفة في الله، فيُسوّي في ظاهر اللفظ بين غناه المطلق وغنى غيره العارض. فيتبيّن أنّ ما خالف حفصاً هنا خطأٌ في النقل تكشفه نظائر التركيب ومعناه التوحيديّ.
سادساً — يرونهم مثليهم — العبرة بمنطق النصر
في قوله تعالى عن واقعة الفئتين، جاءت في رواية حفص ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ﴾، بياء الغيبة، وجاءت في رواية ورش ﴿تَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ﴾، بتاء الخطاب. فموضع الخلاف حرفٌ واحد: الياء في حفص، فالكافرون هم الرائون؛ والتاء في ورش، فالمؤمنون المخاطَبون هم الرائون. ويتبيّن بالاستقراء أنّ الغيبة هي الموافقة لبنية الآية.
يقول الله تعالى ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ .
والآية تُفتتح بخطاب المؤمنين ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾، فهم المخاطَبون بالعبرة، تُعرَض عليهم عن واقعةٍ جرت بين فئتين. فالمؤمنون متلقّون للعبرة من خارج المشهد، لا فاعلون فيه. ولمّا كان الأمر كذلك، ناسب أن يكون فاعل الرؤية داخل المشهد هو الفئة الكافرة، فجاءت الغيبة «يرونهم»، أي أنّ الفئة الكافرة ترى الفئة المؤمنة مثليها في رأي العين.
ويعضد هذا منطقُ النصر الذي يقرّره السياق. فالفئة المؤمنة ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ومن أدوات نصر الله المعهودة أن يكثّر الفئة المنصورة في أعين عدوّها فيُرعبهم. فقوله «يرونهم مثليهم» يكشف هذه الأداة: أن يرى الكافرون الفئة المؤمنة ضعفي عددهم رأيَ العين، فيُلقى الرعب في قلوبهم، فيأتي ختام الآية مؤكّداً ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ﴾، فاتّصل سبب النصر بنتيجته.
ويحسم الوجهةَ ختامُ الآية ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. فالآية صرّحت بأنّها عبرةٌ لأولي الأبصار، والعبرة تُؤخَذ من مشهدٍ يُعرَض على المعتبِر، لا من فعلٍ يفعله هو. أمّا قراءة ورش «ترونهم» بالخطاب، فتجعل المؤمنين المخاطَبين هم الرائين، فينقلبون من متلقّين للعبرة إلى فاعلين داخل المشهد المعروض عليهم، ولا يَعتبر المرء بفعلٍ هو فاعله. فتعيّن أن يكون المشهد معروضاً عليهم عبرةً، الكافرون فيه يرون المؤمنين مثليهم، والمؤمنون يعتبرون به من خارجه. فيتبيّن أنّ قراءة حفص «يرونهم» هي الموافقة لبنية الآية من مفتتحها إلى ختامها، عبرةً تُعرَض وتأييداً بالنصر يُقرَّر، وأنّ قراءة ورش تكسر هذه البنية، فتكشف أنّها خطأٌ في النقل.
سابعاً — قاتل معه ربّيون — منطق الثبات في الحياة
في قوله تعالى عن النبيّين ومن معهم، جاءت في رواية حفص ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾، بصيغة المفاعلة على البناء للمعلوم، فالنبيّ ومن معه قاتلوا؛ وجاءت في رواية ورش ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾، بالبناء للمجهول، أي قُتل من معه. فموضع الخلاف لفظٌ واحد: «قاتَل» في حفص فهم مقاتلون أحياء، و«قُتِل» في ورش فهم مقتولون. ويتبيّن بالاستقراء أنّ «قاتَل» هي الموافقة لاتّساق الوصف بعدها.
يقول الله تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ . ففي قراءة حفص «قاتَل» قاتل النبيّ ومعه ربّيون كثير، فثبتوا ولم يهنوا ولم يضعفوا. والوصف بعده ﴿فَمَا وَهَنُوا وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ ينسجم مع حالٍ من الثبات في الحياة، إذ الوهن والضعف والاستكانة أوصافُ أحياءٍ يثبتون في موقف القتال. فالآية تمدح ثباتهم وصبرهم على ما أصابهم، وهم أحياءٌ يقاتلون.
أمّا قراءة ورش «قُتِل»، أي قُتل من معه، فيخرج بها الوصف عن اتّساقه مع موصوفه، إذ كيف يوصف المقتولون بأنّهم ﴿مَا وَهَنُوا وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾، والوهن والضعف والاستكانة أوصاف أحياءٍ في موقف القتال، لا وصف من فارق الحياة؟ فمن قُتل لا يوصف بأنّه ما وهن وما ضعف وما استكان، إذ هذه أحوال من يثبت حيّاً في الشدّة. فيتبيّن أنّ قراءة حفص «قاتَل» هي الموافقة لاتّساق الوصف مع موصوفه، إذ يبقى الكلام على أحياءٍ ثبتوا فناسبهم نفيُ الوهن والضعف والاستكانة، وأنّ قراءة ورش تكسر هذا الاتّساق، فتكشف أنّها خطأٌ في النقل.
ويعضد هذا ختامُ الآية نفسها ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾، فمدحهم بالصبر، وهو صفة أحياءٍ يثبتون في الشدّة، لا صفة من قُتل ففارق. ويعضده أبلغَ منه ما حكاه الله من دعائهم في الآية التالية ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ، فهذا دعاء أحياءٍ في موقف القتال، يطلبون تثبيت الأقدام والنصر على العدوّ. ومن قُتل لا يطلب تثبيت قدمه ولا النصر على عدوّه، إذ انقضى أمره. فدلّ السياق المتّصل، من نفي الوهن والضعف والاستكانة، إلى مدح الصبر، إلى دعاء التثبيت والنصر، على أنّ الموصوفين أحياءٌ يقاتلون ويثبتون، فتعيّنت قراءة حفص «قاتَل»، وانكشف أنّ قراءة ورش «قُتِل» تخالف السياق كلّه، فتكشف أنّها خطأٌ في النقل.
1.9.6الأدلّة التوحيدية — إفراد الجزاء في مقام التشريع
في قوله تعالى في جزاء الطاعة والتولّي، جاءت في رواية حفص ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ، بإفراد الضمير في ﴿يُدْخِلْهُ﴾ و﴿يُعَذِّبْهُ﴾؛ وجاءت في رواية ورش ﴿نُدْخِلْهُ﴾ و﴿نُعَذِّبْهُ﴾ بنون الجمع. فموضع الخلاف صيغة الضمير: الإفراد في حفص، والجمع في ورش. ويترجّح بالاستقراء أنّ الإفراد هو الموافق لنسق النصّ، لأنّ المضمون تشريعيٌّ خالصٌ لله.
فإنّ نسبة الفعل في القرآن تجري على مضمون السياق لا على اللفظ المجرّد، وتنضبط على ثلاث مراتب استقرأناها في فصولٍ سابقة. فإذا كان المضمون تشريعياً خالصاً منسوباً لله، من طاعةٍ ومعصيةٍ وحلالٍ وحرامٍ وجزاءٍ على ذلك، جاء الضمير مفرداً، لأنّ التشريع صادرٌ عن الله مباشرةً لا وساطة فيه. وإذا كان المضمون مشتركاً بين أمر الله ومقام تدبيره في الوجود، جاء بالمثنى الوظيفيّ، تعبيراً عن اجتماع المطلق وتجلّيه في التدبير. وإذا كان المضمون متعلّقاً بمقام التدبير وحده، أو بجزاء الآخرة لمن كفر بالله وقطع صلته به، نُسب إلى مقام رب العالمين.
ويتبيّن المثنى الوظيفيّ في مضمونٍ مشترك، كقوله تعالى في عذاب الدنيا ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ . فعذاب الدنيا ﴿سَنُعَذِّبُهُم﴾ جاء بالمثنى الوظيفيّ، لأنّه عذابٌ دنيويٌّ يشترك فيه أمر الله ومقام التدبير الكونيّ، ثمّ عذاب الآخرة ﴿يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ لم يُنسب بالمثنى، بل صُرف إلى مقامٍ آخر بالبناء للمجهول.
ويتبيّن التمييز بين المرتبتين في آيةٍ واحدة، كقوله تعالى على لسان ذي القرنين ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا﴾ . فعذاب الدنيا جاء بالمثنى الوظيفيّ ﴿نُعَذِّبُهُ﴾، لأنّه أمر الله وفعل التدبير الدنيويّ مجتمعَين، ثمّ عذاب الآخرة نُسب إلى مقام رب العالمين ﴿يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا﴾. فإنّ من كفر بالله انقطعت صلته به، فخرج من منظومة الحساب ـ أي من وقفة الميزان وتوفية الكسب التي تخصّ من بقيت صلته بالله ـ لا من التدبير الربوبيّ المحيط الذي لا يخرج عنه شيءٌ في الوجود؛ إذ الحساب فرعٌ عن الصلة بالله، فمن قطعها لم يبقَ له حسابٌ يقف له، وبقي مع ذلك تحت تدبير الرب الذي يصرف إليه جزاءه في النسيج. ولذلك جاءت فاء التعقيب في ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، تفيد الردّ والتعذيب مباشرةً دون حساب، إذ لا حساب لمن قطع صلته بالله. بخلاف المؤمن الذي يعصي فيخرج عن الطاعة ولا تنقطع صلته بالله، فيبقى في منظومة الحساب يجازيه الله إيجاباً أو سلباً.
ويتبيّن من استقراء نسبة العذاب أنّ في الآية مستويين لا يُخلَط بينهما: مناطُ العذاب، وهو سببه وموضع المخالفة؛ وآليتُه، وهي وقوعه ومركزه. فأمّا المناط فيُنسب بحسب متعلَّقه؛ فإن كان مخالفةً في حقّ التشريع نُسب إلى الله، لأنّ التشريع مطلقٌ من خارج الوجود، كما في ختام ﴿وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ بعد عدوان أكل المال والقتل، وكما في ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية: 24] لمن تولّى عن الرسالة وكفر بها؛ وإن كان معارضةً لسنن الرب في الوجود نُسب إلى رب العالمين، كما في ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: 102] في هلاك الأمم، إذ مناط هلاكها معارضةُ سنن العمران المدبَّرة في الوجود.
وأمّا آلية العذاب ومركزه فمنسوبةٌ إلى التدبير في الوجود، بالمثنى الوظيفيّ أو بمقام الربوبية، لأنّ موقعها النسيج الكونيّ. ويتجلّى ذلك في ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ ، فالإصلاء في النار فعلٌ واقعٌ في نسيجٍ كونيّ، فجاء بالمثنى الوظيفيّ بعد أن نُسب مناطه إلى الله ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. ويتجلّى أبينَ منه في ختام الغاشية ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ [الغاشية: 25-26]؛ فإنّ الآيتين تعرضان العذاب بترتيبه وكيفيّته، إياباً ثمّ حساباً، مرحلةً تتلو مرحلةً في النسيج الوجوديّ، فجاءتا بالمثنى الوظيفيّ لأنّ متعلَّقهما هذا الجريان المرتَّب في الوجود، بعد أن نُسب نوع العذاب ومناطه إلى الله ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية: 24] لتعلّقه بمعصية الرسالة. وهذه النسبة بيانٌ لواقعية العذاب المادّيّ في النار، إذ هو حقٌّ فعليٌّ واقعٌ في نسيجٍ كونيٍّ لا عذابٌ نفسيٌّ مجرّد. فالله يجازي من آمن به، ومن كفر وقطع صلته فآلية جزائه الأخرويّ منسوبةٌ لمقام رب العالمين لوقوعها في الوجود.
فإذا تبيّنت هذه المراتب، ظهر أنّ آية الفتح من المرتبة الأولى، التشريع الخالص لله. فإنّ سياقها طاعة الله ورسوله ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وهو تشريعٌ منسوبٌ لله مباشرةً، والجزاء عليه إدخالاً وتعذيباً صادرٌ عن المشرّع نفسه بمناطه التشريعيّ، فناسب الإفراد ﴿يُدْخِلْهُ﴾ ﴿يُعَذِّبْهُ﴾، توكيداً أنّ مصدر التشريع والجزاء عليه واحدٌ لا يُشارَك في مناطه. وليس عذاب من تولّى هنا كعذاب من ظلم بالكفر في آية الكهف، إذ ذاك جزاءٌ أخرويٌّ لمن قطع صلته بالله فنُسب للرب، وهذا جزاءٌ في سياق التشريع نفسه على من تولّى عن الطاعة، فنُسب للمشرّع بالإفراد.
ويعضد هذا أنّ النسق في رواية حفص مطّرد، فحيثما ورد ﴿الله ورسوله﴾ في مقام الطاعة أو المعصية، أُسند الجزاء إلى الله وحده بالإفراد، كقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ ، فجاء ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ و﴿أَعَدَّ﴾ بالإفراد. ولا يأتي في هذا المقام جمعٌ في رواية حفص، فدلّ اطّراد الإفراد على أنّه نسقٌ بنيويٌّ يحفظ أنّ التشريع وجزاءه من خصائص الألوهية المباشرة في مناطه.
ولا يستقيم أن يُقال إنّ الجمع في رواية ورش للتعظيم، من وجهين. أوّلهما أنّ التعظيم بالجمع لا يُشرَك فيه غير الله، والسياق قرن ﴿ورسوله﴾ بالطاعة، فلو كان الجمع تعظيماً فلِمَن التعظيم، ولا يُعظَّم الرسول مع الله بصيغةٍ واحدة. وثانيهما أنّ صيغة الجمع لا تطّرد في كلّ موضعٍ يُذكر فيه الله، بل تنضبط بمجال الإنزال والخلق والتدبير الكونيّ، وتغيب في مجال التشريع الخالص في مناطه، فلو كانت للتعظيم المطلق لاطّردت في كلّ ذكرٍ لله. فانضباطها بمجالٍ دون مجالٍ يكشف أنّها دلالةٌ بنيوية على التجلّي الربوبيّ المشترك، لا تعظيمٌ مطلق.
فيترجّح أنّ قراءة حفص بالإفراد هي الموافقة للنسق، الحافظة للتمييز بين مناط التشريع الخالص لله ومجال التدبير الكونيّ المشترك. أمّا قراءة ورش بالجمع في هذا المقام، فتُدخل صيغة المشترك الوظيفيّ في مناطٍ تشريعيٍّ خالصٍ لا اشتراك فيه، فتخلط بين مجالين فصل النصُّ بينهما في المناط. فيترجّح أنّ ما خالف حفصاً هنا أقربُ إلى خطأ النقل، تكشفه الهندسة البنيوية لنسبة الأفعال في القرآن.
1.9.7خلاصة الفصل
تبيّن في هذا الفصل أنّ مسألة تعدّد القراءات لم تقم على بيّنةٍ من النصّ ذاته، بل على التباسٍ تاريخيٍّ ولغويّ، وأنّ الأحرف السبعة في أصلها أبواب معانٍ لا وجوه قراءةٍ للّفظ الواحد، يكشف ذلك معنى «الحرف» في اللسان، وهو الطرف والميل والضعف عند الانفراد، وتعضده الرواية التي بُنيت عليها نظرية القراءات نفسها، إذ هي على وجهها تجعلها أبواباً من البيان والتشريع.
وتبيّن أنّ النصّ نزل تامّاً مطهّراً من عند الله، نصّاً ورسماً ونطقاً وضبطاً، في صحفٍ منزّهةٍ عن أيدي البشر، فلم يكن ضبطه ونقطه ممّا أحدثه الناس بعد التنزيل، بل نزل به النصّ كما نزل برسمه، يشهد لذلك تطهير الصحف ووعد الحفظ، وما في النصّ من مواضع خالف فيها ضبطُه القياسَ السليقيّ، ممّا لا يكون من اجتهاد قارئٍ يجري على القياس، بل من ضبطٍ موقوفٍ نزل مع النصّ. وأنّ اختلاف القراءات إنّما نشأ من اجتهاد القرّاء في قراءة الرسم بعد عصر التنزيل، لا من تعدّدٍ منزَّل، إذ لا يكون التنزيل الحكيم ذا وجهين متعارضين في المعنى.
وتبيّن، بالاستقراء الداخليّ في مواضع بعينها، أنّ رواية حفصٍ هي الحافظة للنسق المنزَّل، تتّسق مع بنية النصّ في نسبة المِلك لله في الفاتحة، وفي معادلة الفدية، وفي وحدة الكتاب في قصّة السحرين، وفي اطّراد الخطاب، وفي حصر أصل الصفة لله، وفي بنية العبرة بالنصر، وفي منطق الثبات في الحياة، وفي إفراد الجزاء في مقام التشريع الخالص لله. وأنّ ما خالفها في هذه المواضع خرج عن النسق خروجاً يترجّح معه أنّه أقربُ إلى خطأ النقل البشريّ، تبيّنه بنية النصّ المحكمة، منه إلى وجهٍ آخر للتنزيل. ونؤكّد أنّ هذا ترجيحٌ فيما استقرأناه من المواضع بعينه، لا حكمٌ مرسلٌ على كلّ اختلاف، فإنّ الرسم العثمانيّ الواحد محفوظٌ نزل به التنزيل، وما تواتر من وجوه الأداء التي لا تمسّ معنىً ولا نسقاً لا يُخطَّأ.
فالأقرب أنّ نسخة حفصٍ عن عاصمٍ بالرسم العثمانيّ هي الامتداد التوقيفيّ للتنزيل الحكيم، الحافظة للنصّ كما نزل، المشمولة بوعد الله بحفظ الذكر، إذ يترجّح أنّها صورة المنزَّل المكتمل الذي تعهّد الله بحفظه. وفي جعلها الأوسع انتشاراً والأغلب بين الأمة رحمةٌ من الله بعباده، إذ لم يَكلهم إلى اختلافٍ يحيّرهم في كتابهم، بل حفظ لهم نسخةً تامّةً يرجعون إليها فيجدون النصّ كما نزل.
وعلى الباحث في كتاب الله أن يعتمد هذه النسخة بالرسم العثمانيّ أصلاً يبني عليه استدلاله، لا النسخ المكتوبة بالخطّ الحديث التي أُسقطت منها دقائق الرسم المنزَّل، فإنّ تلك النسخ من اجتهاد الناسخين الذي لا ضابط له إذا فارق الأصل المنزَّل. فبهذا يستقيم الأساس الذي يُبنى عليه فهم النصّ في سائر فصول هذا الكتاب: نصٌّ واحدٌ محفوظٌ كما نزل، يُفسَّر بعضه ببعض، ويُحكَم عليه من داخله.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «نسخة حفص عن عاصم — الامتداد الطبيعيّ للتنزيل»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث