- أصل الوجود
- الله وأصل الوجود
- المخطوط القرآنيّ — الإعجاز النصّيّ وآلية الخطّ
المخطوط القرآنيّ — الإعجاز النصّيّ وآلية الخطّ
1.8.1السؤال الذي لم يُطرح
تبيّن في الفصل السابق أنّ القرآن استقرّ نصاً مخطوطاً يُتلى ويُتّبع، وهو ثالث المراتب المتلازمة في نزوله. وقد شغل الباحثين والمفسّرين عبر القرون سؤالٌ واحد: من أين جاء هذا القرآن وكيف وصل إلينا؟ فانصبّ جهدهم على إثبات صدق النبيّ أو نفيه، وعلى إعجاز البلاغة والأسلوب، وعلى تاريخ جمع المصحف وكتابته. لكنّ سؤالاً أعمق من ذلك يبدو أنّه لم يُطرح بالجدّيّة التي يستحقّها: من خطّه كتابةً؟ وكيف وصل إلينا بهذا التناسق الداخليّ الذي يتجاوز الطاقة البشرية؟
والإجابة المألوفة أنّ النبيّ أملاه على كتبة الوحي فخطّوه. لكنّ هذه الإجابة تضعف أمام سؤالٍ بسيط: هل يقدر بشرٌ أن يخطّ من إملاءٍ لفظيٍّ نصاً بهذا التعقيد؟ وهل تبلغ أدوات الكتابة البدائية في تلك الحقبة أن تُنجز مخطوطاً بهذا الحجم والدقّة؟ وهذا الفصل يطرح هذا السؤال المغفول، ويبحث عن إجابته من داخل النصّ القرآنيّ ذاته لا من خارجه.
1.8.2النصّ القرآنيّ وتعقيداته
لِيتبيّن بُعد الإملاء البشريّ عن هذا النصّ، يحسن الوقوف أمام النصّ ذاته وتأمّل ما فيه من تعقيدٍ يتجاوز الطاقة البشرية. فالرسم العثمانيّ الذي بين أيدينا في مصحف حفصٍ عن عاصم ليس رسماً إملائياً عادياً يخضع لقواعد يضعها بشرٌ أو يتّبعها بالإملاء الشفهيّ. وفي تأمّل النصّ نفسه ما يكشف ذلك، من غير حاجةٍ إلى مرجعٍ خارجيّ، إذ يكفي استقراء المصحف ذاته.
فأوّلاً، ظاهرة الأخوات؛ إذ تُكتب الكلمة الواحدة بطريقتين مختلفتين في موضعين، مع أنّ لفظها واحدٌ لا يتغيّر. فكلمة «رأى» تُكتب في معظم مواضعها بالرسم المعتاد، وتُكتب في مواضع «رءا» بالهمزة على السطر. وكلمة «الآن» تُكتب في مواضعها المعتادة بصورتها المعروفة، وتُكتب في موضعٍ «الئن» بصورةٍ مختلفةٍ في الرسم. وكلمة «امرأة» تُكتب بالتاء المربوطة في مواضع، و«امرأت» بالتاء المفتوحة في أخرى، مع اتّحاد النطق. وكلمة «كتاب» تُكتب بالألف بعد التاء في مواضع، و«كتٰب» بحذف الألف في أخرى، مع اتّحاد المعنى والنطق. ولو كان النبيّ يُملي على الكاتب، لأملى الكلمة بطريقةٍ واحدةٍ ثابتة، فمن أين جاء هذا الاختلاف المتعمَّد الذي ثبت في المصحف ولم يُصحَّح؟
وثانياً، كلماتٌ رُسمت بخلاف القياس الإملائيّ، ثابتةً في مواضعها؛ فـ«الصلاة» تُكتب «الصلوة» بالواو، و«الزكاة» تُكتب «الزكوة»، و«الحياة» تُكتب «الحيوة»، و«الربا» تُكتب «الربوا» بواوٍ زائدة، وكلّها مرسومةٌ بالواو خلافاً للقياس. ويبرهن على اطّراد هذه الخاصّية أنّها تجري حتى في الكلمات التي قد يظنّها القارئ على القياس؛ فكلمة «الغداة» تُرسم في قوله تعالى ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوٰةِ وَالْعَشِيِّ﴾ بحذف الألف وإبدالها واواً وألفاً خنجرية، فجاءت «الغدوٰة». وكلمة «النجاة» تُرسم في قوله تعالى ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوٰةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: 41] على القياس نفسه، «النجوٰة». فهذه خاصّيةٌ مطّردةٌ في المصحف، تُستقرأ من النصّ ذاته. ولو كان الكاتب يكتب ما يسمع، لما أضاف حرفاً لا يُسمع، فيتبيّن أنّه كان ينسخ من نصٍّ مكتوبٍ لا يكتب من إملاءٍ مسموع.
ومن أدقّ ما يكشف أنّ هذه المتغيّرات ليست عبثاً ولا تزييناً، كلمة «مائة»؛ فإنّا نكتبها في القياس الطبيعيّ «مئة»، لكنّها في المصحف تُرسم «مائة» بألفٍ زائدةٍ لا تُنطق، كما في قوله تعالى ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ . وليس هذا خطأً كتابياً ولا زينةً، بل دلالةٌ واجبة الاستقراء وإن لم تُستقرأ بعد، والتنويه بها مقصودٌ في ذاته؛ فإنّ بقاء هذا الحرف الزائد محفوظاً عبر القرون لا يُصحَّح هو نفسه ممّا يكشف أنّ النصّ موقوفٌ مرفوعٌ إلى الوحي، إذ لو كان عبثاً بشرياً لصُحّح على القياس، ولو لم يكن وراءه دلالةٌ لما حُفظ. فالإشارة إلى هذه الدقائق وأهمّيتها من مقاصد هذا الفصل، فهي من أسباب توقيف النصّ ورفعه.
وثالثاً، العكس موجودٌ أيضاً، إذ تُنطق حروفٌ ولا تُكتب؛ فكلمة «الرحمن» تُنطق فيها الألف مدّاً واضحاً ولا تُكتب، وكذلك «ملك» تُنطق فيها الألف ولا تُكتب. ومن يُملي شفهياً يُملي ما ينطق، فكيف يُملي حرفاً ويقول للكاتب لا تكتبه؟ وكيف يحفظ الكاتب لآلاف الكلمات أيّها يُكتب وأيّها لا يُكتب؟
رابعاً، أنّ هذه المتغيّرات تبلغ آلاف الحالات التي يخالف فيها الرسم القياس الإملائيّ المعتاد. ولو كان النبيّ يُملي، لكان الإملاء واحداً ثابتاً قياسياً؛ ولو كان الكاتب يجتهد، لاختلف الرسم من كاتبٍ لآخر. لكنّ الرسم واحدٌ في المخطوطات القديمة رغم تباعد أماكنها، وهذا الاتّفاق على نظامٍ مخالفٍ للقياس في آلاف المواضع لا يتبيّن له تفسيرٌ إلا مصدرٌ واحدٌ محفوظ. وقد وصف الله هذا النصّ بما يُختصر به ما سبق:
﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾
فالتحدّي بالمثل الكامل، لفظاً ومعنىً ورسماً، فعجزوا عن اللفظ والرسم معاً.
1.8.3بدائية التدوين في فترة نزول الوحي
ولا يكفي وصف تعقيد النصّ، بل يحسن استحضار الواقع المادّيّ الذي كانت تُكتب فيه الكلمات في مطلع القرن السابع الميلاديّ، لِيُرى بعين الواقع بُعدُ أن يكون هذا النصّ من إملاءٍ بشريّ. فقد كانت الكتابة العربية يومئذٍ في مراحلها الأولى البدائية؛ الحرف العربيّ لم تكن له نقاطٌ تميّزه عن أخيه، فالباء والتاء والثاء والياء والنون شكلٌ واحدٌ لا يميّزه إلا السياق، والعين والغين كذلك، والدال والذال، والراء والزاي. ولم تكن ثمّة علامات إعرابٍ ولا حركات تشكيلٍ ولا همزاتٌ على قواعد، وكان القارئ يعتمد على حفظه ومعرفته بالسياق لا على النصّ وحده. وكانت أدوات الكتابة ما يتيسّر من موادّ البيئة، عظاماً عريضةً وجريد نخلٍ وقطع جلدٍ وحجارةً رقيقة، لا ورقاً منتظماً ولا قلماً ذا حبرٍ منضبط.
وفي مثل هذه الأدوات وهذا النظام الكتابيّ البدائيّ، يُراد أن نتصوّر كاتباً يخطّ على عظمةٍ أو رقعةٍ نصاً يحوي ألفاتٍ مقلوبةً وحروفاً صامتةً وكلماتٍ تُكتب بطريقتين في موضعين، بحسب تعليماتٍ إملائيةٍ شفهيةٍ من النبيّ. وحتى لو تجاوزنا بدائية الأدوات، فإنّ المصحف يحوي في نسخة حفص ستّة آلافٍ ومئتين وستاً وثلاثين آيةً في مئةٍ وأربع عشرة سورة، وليس هذا الرقم عدّاً بشرياً اجتهادياً، بل ترقيمٌ تابعٌ لتقطيع الآيات عند فواصلها، والفاصلة وقفٌ من الله لا اختيارٌ من قارئ، فالرقم تابعٌ للتقطيع التوقيفيّ لا حاكمٌ عليه. وهو نصٌّ ضخمٌ بأيّ مقياس، يبعد جداً أن يُملي بشرٌ متغيّراته الكثيرة بدقّةٍ متّسقةٍ عبر ثلاثٍ وعشرين سنةً من التنزيل المتفرّق. فالمُملي البشريّ قلّما يسلم من أن يناقض نفسه، أو يخطئ في التتابع، أو ينسى ما قاله قبل سنوات. لكنّ النصّ القرآنيّ لا يناقض نفسه ولا يتضارب في رسمه ولا يختلف من مخطوطةٍ إلى أخرى.
1.8.4وهن الروايات التراثية في تدوين النصّ
والرواية المشهورة في كتب التراث تقول إنّ النبيّ كان يُملي على كتبة الوحي فيكتبون على ما يتيسّر، وإنّ الآيات كانت تُوضع في سورها بتوجيهٍ منه، وإنّ الصحابة جمعوا القرآن بعد وفاته في عهد أبي بكرٍ ثم عثمان. وهذه الرواية يصعب أن تصمد أمام أسئلةٍ بسيطةٍ يطرحها النظر.
فإن كان كاتب الوحي يكتب الآية على عظمةٍ أو رقعة، فأين يضعها؟ فالروايات تصف موادّ متفرّقةً غير منظّمة، لا وعاءٌ لكلّ سورةٍ ولا ترتيبٌ مادّيٌّ قائم، فكيف يكون لكلّ آيةٍ موضعٌ محدّدٌ في سورتها في غياب وعاءٍ منظّم؟ وكيف كان الكاتب يعرف أنّ الآية النازلة اليوم تنتمي إلى سورة البقرة في الموضع السادس والعشرين بعد المئة، والسورة لم تكتمل بعد؟ فمن أين علم بموضعها النهائيّ؟ ولو قيل إنّ النبيّ أخبره، فكيف علم النبيّ بالترتيب النهائيّ لسورةٍ لم تكتمل؟
والروايات نفسها تُقرّ بأنّ ترتيب الآيات توقيفيٌّ بالإجماع، أي بوحيٍ من الله لا باجتهادٍ بشريّ، وتُقرّ في الوقت ذاته بأنّ الجمع المنظّم حدث بعد وفاة النبيّ. فإن كان الترتيب توقيفياً إلهياً، فأين كان النصّ المرتَّب في حياة النبيّ؟ وإن كان الجمع المنظّم بشرياً في عهد الخلفاء، فكيف يكون توقيفياً؟ ويقول الله تعالى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ، فالجمع على الله لا على البشر، فكيف يكون على الله وتصفه الروايات عملاً بشرياً في عهد أبي بكر؟ وأبلغ ما يُوهن هذه الروايات أنّها لا تملك جواباً عن هذه الأسئلة المتشابكة، وأنّ الصورة التي ترسمها لتدوين أعظم نصٍّ في تاريخ البشرية تبدو دون ما يستحقّه هذا النصّ بكثير.
1.8.5القرآن لم يأمر النبيّ بالكتابة
ومن أدقّ ما يكشفه الاستقراء الداخليّ أنّ القرآن لم يأمر النبيّ بالكتابة ولا بالتدوين في موضعٍ واحد، فكلّ أوامر الله له المتعلّقة بالقرآن كانت تلاوةً واتّباعاً وتبليغاً:
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾
﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾
ولم يرد أمرٌ واحدٌ للنبيّ بصيغة «اكتب» أو «دوّن» أو «سطّر». وهذا الغياب لا يبدو مصادفةً، فالله لا يأمر بما يستحيل تنفيذه، وكتابة هذا النصّ بالإملاء الشفهيّ بعيدةٌ عن الطاقة البشرية كما تبيّن من تعقيداته؛ فلم يأمر الله النبيّ بما لا يطيق، لأنّ النصّ كان موجوداً مكتوباً قبل أن يتلوه.
1.8.6النبيّ تالٍ لا مؤلّف
يقول الله تعالى:
﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾
فالنصّ صريحٌ في أنّ الرسول يتلو صحفاً، لا يؤلّفها ولا يُملي منها ولا يرتّبها؛ فالصحف موجودةٌ قبل التلاوة، وهو يتلو منها، والتلاوة لفظٌ متتابعٌ لنصٍّ موجود، لا صياغةٌ وتأليف. ويقول سبحانه:
﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾
فالصحف مكرّمةٌ ذات قدرٍ رفيعٍ لا تُمسّ إلا بما يليق بها، ومرفوعةٌ محفوظةٌ عن التحريف والعبث لا يطالها باطل، ومطهّرةٌ لم تمسّها يد بشرٍ ولم يشترك في صياغتها أحدٌ غير مأذون، وبأيدي سفرةٍ هم الملائكة الناقلون بأنفسهم لا بواسطةٍ يحملونها ويوصلونها، وكرامٍ بررةٍ فما في أيديهم ليس حكراً على طائفةٍ، سخيٌّ لمن قصده بطهرٍ وتقى، فالكرم في العطاء والبِرّ في الأمانة. ويقول سبحانه:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾
فثلاثة أمورٍ على الله لا على النبيّ، الجمع والقرآن والقراءة، والنبيّ مأمورٌ بالاتّباع، وهو فعل المتلقّي لا المؤلّف. والجمع على الله يعني أنّ ترتيب الآيات في سورها وربطها بعضها ببعضٍ عملٌ إلهيٌّ لا بشريّ. ويقول سبحانه ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي﴾ ، فالنبيّ تابعٌ لا مبتدئ، يتبع ما يوحى إليه، ولا يصدر منه شيءٌ من تلقاء نفسه.
1.8.7الصحف المطهرة — النصّ المكتوب الإلهيّ
وقد وصف القرآن هذه الصحف بأربعة أوصافٍ تكشف ماهيتها من زاويةٍ أخرى. فالمطهرة تعني أنّها لم تمسّها يد بشرٍ ولم يشترك في صياغتها أو كتابتها أحدٌ غير مأذون. والسفرة هم الملائكة الناقلون، والاسم من الكشف، أي الذين يكشفون ويُظهرون ويوصلون، وبأيديهم هذه الصحف لا بأيدي بشر. ويقول سبحانه:
﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾
واللوح في أصله من «لاح»، أي ظهر وأشار وبان، ومنه يقال لاح في الأفق أي ظهر لمن يتطلّع إليه، وسُمّي اللوح الخشبيّ لوحاً لأنّه يُظهر ما كُتب عليه. فاللوح المحفوظ لا يبدو دفتراً أو صفحةً مادّيةً في مكانٍ ما، بل الفضاء المكشوف الموضِح الظاهر لمن يبحث ويتتبّع، المستودعُ الكونيُّ الذي يُظهر كلّ شيءٍ لمن أعمل النظر وأحسن التتبّع، محفوظٌ غير قابلٍ للتحريف لأنّه في حفظ الله. وشاهده الجامع قوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾
فهذا الحدث الكونيّ، بداية الوجود من رتقٍ واحدٍ ففتق، يبدو مسجّلاً في اللوح المحفوظ منذ الأزل، ولم يُدركه الإنسان إلا حين سار في الأرض ونظر في الآفاق بمناظيره الكاشفة، فرأى ما يسمّيه اليوم الانفجار العظيم، فكأنّه قرأ في اللوح المحفوظ ما لاح وبرز لمن بحث وتتبّع. ويقول سبحانه ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ، وأمّ الكتاب أصول التشريع الثابتة عند الله، الأحكام الكلّية التي لا تتغيّر لأنّها صادرةٌ عن الذات المطلقة خارج الزمان، على ما تأسّس في فصل الكتاب، ومنها يتفرّع التشريع في الوجود ليُحاكي كلّ أمّةٍ بحسب زمنها دون أن يخرج عن أصله الثابت. فأصل هذا النصّ محفوظٌ عند الله في لوحٍ محفوظٍ وأمّ الكتاب، والتنزيل انعكاسٌ منه إلى الصحف المطهرة إلى الوجود.
1.8.8الرسم العثمانيّ دليلٌ على المصدر
وأقوى ما يجمع الأدلّة السابقة أنّ الرسم العثمانيّ، بكلّ تعقيداته التي عرضها هذا الفصل، يخدم وظيفةً يبعد أن يخطّط لها عقلٌ بشريٌّ من تلقاء نفسه. فهو رسمٌ واحدٌ يحتمل أوجهاً متعدّدةً في الفهم، يبدو مصوغاً ليخدم مستقبلاً لا يعلمه بشرٌ وقت صياغته، ويحفظ دقائق يبعد أن يُنتجها عقلٌ بشريٌّ أو يُعيدها. وقد ظلّ هذا الرسم واحداً في المخطوطات القديمة رغم تباعد أماكنها وأزمانها، وهذا الاتّفاق على نظامٍ مخالفٍ للقياس في آلاف المواضع عبر أربعة عشر قرناً يبعد أن يُفسَّر إلا بمصدرٍ واحدٍ محفوظٍ لا تمسّه يد بشر.
فيتبيّن من هذا البحث أنّ الرسم العثمانيّ في مصحف حفص، بتعقيده وانتظامه واتّساقه عبر أربعة عشر قرناً، يقرب أن يكون نسخاً عن أصلٍ مكتوبٍ موجود، إذ يبعد أن يُنتج عقلٌ بشريٌّ هذا النظام من فراغ، أو يُملي هذه التعقيدات شفهياً على مدى سنوات نزوله، أو يحفظ آلاف متغيّراته بلا تناقض. وهو ما تُثبته الآيات، الصحفُ المطهرة بأيدي سفرةٍ كرامٍ بررة، نسخٌ أمينٌ من أصلٍ إلهيٍّ محفوظ.
1.8.9المعادلة الكاملة
يقول الله تعالى:
﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾
فتتبيّن المعادلة التي تُثبتها الآيات: أمّ الكتاب عند الله، فاللوح المحفوظ، فالصحف المطهرة بأيدي السفرة، فيوصّلها الله للنبيّ متتابعةً، فيتلو النبيّ من الصحف، والوحي على قلبه يُمكّنه من الفهم والإنذار وبيان ذكره، فينسخ الصحابة من الصحف، فالمصحف نسخةٌ أمينةٌ من الأصل الإلهيّ. ودور كلّ طرفٍ في هذه المعادلة بيّنٌ؛ فالله المصدر والجامع والحافظ، والملائكة السفرة الناقلون بأيديهم الصحف المطهرة، والنبيّ التالي المبلّغ المبيّن لا المؤلّف ولا المُملي، والصحابة النُّسّاخ الأمناء لا الكتّاب المؤلّفون.
فما وصلنا اليوم لا يبدو نتاج إملاءٍ بشريٍّ ولا جمعٍ بشريٍّ ولا اجتهادٍ بشريّ، بل نصٌّ إلهيٌّ نزل مخطوطاً في صحفٍ مطهرةٍ وحفظه الله كما وعد:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
فالحفظ الإلهيّ لم يكن في الصدور وحدها، بل حفظاً للنصّ في صحفه المطهرة التي لا يأتيها باطلٌ من بين يديها ولا من خلفها، وحفظاً للرسم في دقائقه التي تعجز عنها الأيدي البشرية.
ويتبيّن وجهٌ في اختيار لفظ «الذكر» في هذه الآية دون غيره. فالذكر في أصل اللغة نقيض النِّسيان، وله وجهان، وجهٌ منطوقٌ يُتلى يُنسى عند مَن لم يدّكره، ووجهٌ مدوَّنٌ ثابتٌ يُحفَظ. ولمّا نَسب الله الحفظ إلى نفسه ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، لا إلى البشر، دلّ ذلك على أنّ المحفوظ هو الوجه المدوَّن الثابت، لا المنطوق المتلقَّى في الصدور؛ إذ المنطوق وحده يُنسى، كما نَسي الأوّلون ذكرهم فباروا، ولو كان حفظ هذا الذكر موكولاً إلى الصدور لطاله ما طال غيره من النِّسيان. فاختيار «الذكر» مقروناً بوعد الحفظ يكشف أنّ آلية حفظه تتجاوز الصدر الناسي، وهي التثبيت المدوَّن في الصحف المطهرة، فجاء النصّ مكتوباً محفوظاً لا متروكاً لذاكرةٍ تنسى. ولو أراد اللفظ العابر وحده، لكان أقرب أن يقول البلاغ أو التلاوة، لكنّه خصّ «الذكر»، وهو ما يُثبَت ويُستحضَر، لأنّ المثبَّت المدوَّن هو الذي يقبل الحفظ الذي لا يضيع.
ولذلك كان التحدّي بهذا النصّ تحدّياً بمثله كاملاً، لفظاً ومعنىً ورسماً، فعجزت عنه الأمم جيلاً بعد جيل:
﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
فالتحدّي مفتوحٌ لكلّ زمانٍ ومكان، بسورةٍ واحدةٍ أو بعشرٍ، وقد مضت القرون وعجز الإنس والجنّ عن الإتيان بمثله، لا في لفظه ولا معناه ولا رسمه الذي يبعد أن يُنتجه عقلٌ بشريٌّ أو يُعيده.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «المخطوط القرآنيّ — الإعجاز النصّيّ وآلية الخطّ»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث