1.z

خاتمة الباب الأول

2 دقائق قراءة~329 كلمة0 مبحثاً في هذا الفصل

بلغ الباب الأول نهايته، وقد استقرّت في يد القارئ الأدوات التأسيسية التي يدخل بها سائر الكتاب. وأوّل ما تأسّس أنّ الله ذاتٌ مطلقةٌ خارج الوجود، ليست شيئاً من الأشياء ولا تُقاس بما خلق، قولها عين فعلها بلا آليةٍ ولا زمان؛ وأنّ التمييز بين الله والرب ليس تعدّداً في الجوهر بل تمييزٌ وظيفيٌّ بين الذات المطلقة ومقام تدبيرها في الوجود، تكشفه دقّة النصّ في إضافة الرب دائماً وامتناع إضافة لفظ الجلالة أبداً، وفي صيغتي المفرد للتشريع المطلق والمثنى الوظيفيّ للفعل الجاري عبر السنن.

ثمّ تبيّن أنّ الوجود يصدر عن الله في مرتبتين، عالمِ الأمر حيث التصوّر الكامل قبل التجلّي، وعالمِ الخلق حيث يتجلّى التصوّر شيئاً عبر ﴿كُن﴾ ثمّ يتواصل الخلق داخل الوجود من مادّةٍ سابقةٍ بتقديرٍ محكم؛ فلكلّ شيءٍ أصلٌ تصوريٌّ سبق وجوده المادّيّ، وهو مفتاح فهم الكلمة والمسمّى لا من ظاهرهما بل من أصلهما.

ثمّ تمايزت آليات وصول النصّ والمعرفة، فالإنزال إضافةٌ فوريةٌ تُدرَك حين تصل، والتنزيل إضافةٌ متدرّجةٌ تتكشّف بارتقاء الإنسان، والوحي إسقاطٌ في وعي المتلقّي بعينه؛ والنسبة في ذلك كلّه تتبع طبيعة المضمون، فالتشريعيّ الكلّيّ لله والوجوديّ الكونيّ لرب العالمين، وما اجتمع فيه البعدان جاء بالمثنى الوظيفيّ. ثمّ تبيّنت حدود المعرفة، فللإنسان أن يدرك الظاهر الربوبيّ من داخل الوجود بالتقليم والسنن، ويقف دون الباطن المطلق الذي أبطنه الله رحمةً لا قسوة، فما أوتي من العلم إلا قليلاً يتّسع لمعرفة ربّه وإعمار أرضه.

ثمّ خُتم الباب بالنصّ القرآنيّ نفسه، كيف نزل مخطوطاً في صحفٍ مطهرةٍ نسخةً أمينةً من أصلٍ إلهيٍّ محفوظ، لا إملاءً بشرياً، يشهد لذلك رسمه الذي تعجز عنه الأيدي؛ وأنّ نسخة حفصٍ عن عاصمٍ بالرسم العثمانيّ هي الامتداد التوقيفيّ لهذا التنزيل، الحافظة للنصّ كما نزل، المشمولة بوعد الحفظ، والأحرف السبعة أبواب معانٍ لا وجوه قراءةٍ للّفظ الواحد.

وبهذه المفاتيح مجتمعةً، معرفةِ الله وذاته ومقامه، وعالمِ الأمر والخلق، وآلياتِ الوصول، وحدودِ المعرفة، والنصِّ المعتمد، يدخل القارئ الباب الثاني وقد ملك أدوات النظر؛ فينتقل من السؤال عن المصدر وكيفية وصوله إلى السؤال عن المنظومة التي تجلّى بها هذا المصدر في الوجود، منظومةِ الرحمن وأسمائها ومقاماتها، لا متلقّياً يُسلّم، بل قارئاً يزن ويستقرئ.

الباب الثاني

نظام الوجود ومقامات التدبير

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «خاتمة الباب الأول»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث