- أصل الوجود
- الله وأصل الوجود
- الحدود المعرفية — من البصر إلى البصيرة وما وراءها
الحدود المعرفية — من البصر إلى البصيرة وما وراءها
1.7.1تمهيد — الإنسان لم يكن شيئاً مذكوراً
قبل الكلام في حدود المعرفة الإنسانية، يحسن أن يتبيّن من أين جاءت هذه المعرفة أصلاً، لأنّ من لا يعرف أصل نعمته لا يُقدّر حدودها ولا يحترم مداها. يقول الله تعالى:
﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾
ولا تبدو هذه الآية توقيتاً تاريخياً ماضياً منتهياً، بل استحضاراً لحقيقةٍ وجوديةٍ متجدّدةٍ في كلّ إنسانٍ وكلّ جيل. فالإنسان في أصله لم يكن له شأنٌ ولا حيلةٌ ولا إدراك، كان مخلوقاً بين مخلوقات، يتعرّف على الأشياء بحواسّه المادية كسائر الحيوان، يرى ويسمع ويشمّ ويذوق ويلمس، ويستجيب لما تُملي عليه حواسّه مباشرةً، دون تجريدٍ ولا توصيفٍ ولا تمييزٍ وظيفيّ.
وقد تكشّف من المستحاثات أنّ الأرض حملت أنواعاً بشريةً متعدّدة، منها ما هو أقدم من الإنسان العاقل ومنها ما عاصره، وأنّ هذه الأنواع بقيت في طور البصر الحسّيّ المادّيّ، تعيش بغرائزها وحواسّها دون أن ترتقي إلى التجريد والمعرفة، فاندثرت ولم يبقَ منها أثرٌ إلا في طبقات الأرض.
1.7.2الاستخلاف — اختيار جنسٍ مؤهَّل
ويظهر من بين هذه الأنواع جنسٌ أبدى استعداداً فطرياً لم يُبدِه غيره، استعدادَ الارتقاء من البصر الحسّيّ إلى البصيرة الفكرية، فأعلن الله استخلافه في الأرض. يقول الله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
وآدم هنا لا يبدو شخصاً واحداً بعينه في نقطةٍ زمنيةٍ محدّدة، بل اسمَ جنسٍ بشريٍّ اختاره الله من بين الأنواع الموجودة على الأرض. فالاستخلاف وصفٌ لانتقالٍ وجوديٍّ حقيقيٍّ جرى في تاريخ البشرية، حين اختار الله هذا الجنس دون سواه ومنحه ما لم يمنحه لغيره. وقد تساءلت الملائكة، وهي تعلم ما كانت تفعله الأنواع السابقة:
﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾
فكان الجواب:
﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
أي أنّ في هذا الجنس استعداداً لا تراه الملائكة، استعدادَ التجريد والمعرفة والارتقاء الذي يجعله أهلاً لحمل الأمانة وإعمار الأرض.
1.7.3تعليم الأسماء ونفخ الروح — حدثٌ واحدٌ من زاويتين
ويتبيّن أنّ التأهيل لم يكن بمنح الإنسان أسماءً يحفظها، فهذا فهمٌ سطحيٌّ يجعل التعليم مجرّد حفظٍ لغويّ، بل بمنحه آلية الإدراك ذاتها. وقد وصف القرآن هذا الحدث الواحد من زاويتين متكاملتين. يقول الله تعالى:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾
ويقول سبحانه:
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾
فالآيتان تصفان الحقيقة ذاتها من زاويتين؛ تعليم الأسماء يصف النتيجة المعرفية، أي ما أُعطي الإنسان من قدرةٍ على التمييز والتوصيف الوظيفيّ، ونفخ الروح يصف الآلية الوجودية، أي كيف أُودعت فيه تلك القدرة. فالروح في هذا الموضع هي المعرفة الوجودية، والأسماء ثمرتها، وكلتاهما تصفان اللحظة التي انتقل فيها الإنسان من البصر الحسّيّ إلى البصيرة الفكرية التجريدية.
فبدل أن يرى الشجرة ويأكل ثمرها بالغريزة الصورية، صار يرى الشجرة ويُدرك وظيفتها ويُسمّيها ويُصنّفها، منتقلاً من شكلها الصوريّ إلى تصوّرها المعرفيّ. وهذا الانتقال أوّل درجةٍ في سلّم الارتقاء الإنسانيّ، من المادية إلى التجريد، ومنه انفتحت سلسلة الارتقاء كلّها. فالتجريد أوجد عنده ما يقوله، إذ صار يُدرك مفاهيم تتجاوز الحاجة اللحظية، فاحتاج إلى آليةٍ للتعبير عنها، فاستثمر آلية النطق التي كانت فيه بيولوجياً ولم تتجاوز الأصوات الغريزية، فحوّلها إلى كلامٍ يحمل المفاهيم. ولهذا جاء قوله تعالى ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ بعد ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [الرحمن: 3]، لأنّ البيان، وهو القدرة على التعبير اللغويّ، لم يأتِ مع الخلق البيولوجيّ، بل جاء ثمرةً للتجريد المعرفيّ. فالتسلسل الذي يتبيّن: تجريدٌ، فحاجةٌ إلى التعبير عن المجرّد، فاستثمارٌ لآلية النطق، فكلامٌ، فلغةٌ، فتراكم معرفةٍ تتناقلها الأجيال.
ويتبيّن أنّ النصّ نسب هذه الروح إلى أمر الرب:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
فنفخة الروح في آدم نسبتها ربوبية، لأنّها جعلته على توافقٍ سننيٍّ مع واقعه، آليةَ إدراكٍ تُمكّنه من المعرفة داخل الحيز الزمكانيّ، وليس فيها تشريعٌ ولا قيم؛ فلمّا كان مضمونها توافقاً مع السنن لا تشريعاً يتجاوزها، جاء النصّ بصيغة الرب، مقامِ التدبير في الوجود. ولا يعني هذا أنّ الروح كلّها ربوبية، فإنّ روح القيم والتشريع تُنسب إلى الله لتجاوزها السنن، وما اجتمع فيه البُعدان جاء بالمثنى الوظيفيّ جمعاً بين النسبتين، على ما يتبيّن في موضعه من فصل الروح. وما أُوتيتم من العلم إلا قليلاً، وليس ذلك تحقيراً للعلم بل تحديداً لمداه؛ فالقليل الذي أُوتيه الإنسان يتّسع لمعرفة ربه وإعمار أرضه، ويبقى محدوداً بحدّ الوجود المخلوق.
1.7.4بهيمة الأنعام — الرزق الذي هيّأ الجهاز البيولوجيّ للتجريد
ويتبيّن أنّ تأهيل الإنسان للتجريد لم يكن أمراً معرفياً منفصلاً عن الواقع المادّيّ، بل أودع الله في الوجود المادّيّ ذاته أداةً غذائيةً هيّأت جهازه البيولوجيّ لهذا التجريد، هي بهيمة الأنعام. ويظهر أوّل ما يدلّ على هذا الارتباط في آيةٍ جمعت خلق الإنسان ونسله وإنزال الأنعام في سياقٍ واحدٍ متّصل. يقول الله تعالى:
﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾
وفي الآية دلالتان متكاملتان. الأولى أنّها جاءت بصيغة الإنزال لا الخلق، فلم يقل «وخلق لكم من الأنعام» بل «وأنزل لكم»، وهو تمييزٌ جوهريٌّ على ما تأسّس في فصل الإنزال والتنزيل؛ فالإنزال إدراجُ وعيٍ بشيءٍ موجودٍ في زمنٍ مبكّرٍ عن وقته الطبيعيّ، والأنعام كانت موجودةً في الوجود، لكنّ الوعي باستئناسها واستثمارها غذائياً أُدرج في الإنسان قبل أن يبلغه بمساره الطبيعيّ البطيء. والثانية أنّ هذا الإنزال جاء في سياق الخلق والنسل والتكاثر لا في سياق الطعام اليوميّ وحده، ممّا يُشير إلى أنّ الغاية متّصلةٌ بتطوّر النسل الإنسانيّ منذ فجر وجوده.
ويتبيّن أنّ بهيمة الأنعام نُسبت إلى الله صراحةً لا إلى الرب، كما في قوله تعالى ﴿عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ ؛ ولمّا تأسّس أنّ الرزق الإلهيّ المباشر يتجاوز السنن الربوبية المعتادة، ناسبت نسبته إلى الله، الذات المطلقة، لخروجه عن مألوف السنن، لا لأنّه اختصاصُ ذاتٍ دون مقام، فالله اسم الذات ورب العالمين وصف مقامها. وقُرنت الغاية بذكر اسم الله، أي بالوصول إلى المعرفة الإلهية، فيظهر اتّصال هذا الرزق بمسارٍ يتبيّن وجهه فيما يلي.
وبهيمة الأنعام في القرآن تخصّ الأربعة، الضأن والماعز والإبل والبقر، دون سواها، وهي جميعاً مجترّة، وهذه الخاصية مصدر تميّزها فيما يخصّ تغذية الدماغ وارتقاءه. فالدماغ يحتاج في نموّه ثلاثةً متكاملةً لا يكفي أحدها: دهوناً تبني خلاياه وأغشيتها، ومغذياتٍ دقيقةً تُنشّط شبكته العصبية، وبروتيناً كاملاً يبني أنسجته. وتجمع بهيمة الأنعام هذه الثلاثة معاً بكثافةٍ وجودةٍ يندر أن يجمعها مصدرٌ غذائيٌّ واحد.
فأمّا الدهون الأساسية، فالدماغ في جوهره دهنيّ التكوين، وأهمّ دهونه أحماضٌ من جنس أوميغا 3 تتركّز في مواضع الذاكرة والتعلّم، ولحوم المجترّات المرعيّة، خاصّةً البقر والإبل، أعلى في هذه الأحماض من اللحوم البيضاء بسبب جهازها الهضميّ المتخصّص. ولحم الإبل يتميّز بانخفاض دهونه المشبعة وارتفاع أحماضه غير المشبعة، فيكون من أعلى لحوم المجترّات قيمةً للدماغ.
وأمّا المغذيات الدقيقة التي تبني الشبكة العصبية، فيتميّز فيها الضأن والماعز، وأبرزها فيتامين B12 الضروريّ لغلاف الأعصاب وتسريع نقل إشاراتها، إذ يندر أن يوازي تركيزَه في الضأن، لحماً وحليباً، مصدرٌ آخر في المملكة الحيوانية إلا الكبد؛ ومنها الزنك والحديد، وقد تبيّن في دراساتٍ على نموّ الأطفال أنّ هذه الثلاثة مجتمعةً أوثق ما يرتبط بالتطوّر المعرفيّ، مستقلّةً عن كمّ السعرات. وقد أشار النصّ إلى هذه الخصوصية من زاويةٍ أخرى، إذ كانت عقوبة بني إسرائيل بتحريم الشحوم تحديداً:
﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾
وشحوم البقر والغنم من أغنى ما في المجترّات بالأحماض الدهنية والمغذيات الدقيقة للدماغ، فالحرمان منها عقوبةٌ قد تطال القدرة المعرفية، وفي هذا ما يعضد أنّ لهذه الشحوم دوراً يتجاوز مجرّد الغذاء المادّيّ.
وأمّا البروتين الكامل، فبهيمة الأنعام كلّها مصادرُ بروتينٍ كاملٍ يحوي الأحماض الأمينية الأساسية التي لا يُصنّعها الجسم، ومنها ما يدخل في تصنيع نواقل المزاج والتعلّم، وهو كمالٌ لا يتوفّر في البروتين النباتيّ الذي يفتقر دائماً إلى حمضٍ أو أكثر.
ويتبيّن من اقتران هذه الخصائص أنّ الفائدة الأعظم لبهيمة الأنعام في الارتقاء المعرفيّ لا تظهر في الفرد المكتمل، بل في مرحلتين هما الأحسم في تشكيل القدرات، مرحلةِ الحمل والرضاعة حيث يُبنى الدماغ بنيةً أساسيةً لا تتكرّر، والسنواتِ الأولى من حياة الطفل حيث تتشكّل شبكته العصبية وتتحدّد سقوف قدراته. وما يأكله الوالدان في هاتين المرحلتين يظهر أثره في قدرات أبنائهما، وفي هذا ما يجعل الربط القرآنيّ بين إنزال الأنعام وخلق النسل في آية الزمر ربطاً دقيقاً لا عشوائياً. ومن هنا يتبيّن وجهٌ في قوله تعالى:
﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾
إذ يظهر أنّها تشير إلى ما خصّه الله بذكر اسمه صراحةً، وهو بهيمة الأنعام التي جعلها رزقاً مباشراً، أداةً هيّأ بها الجهاز البيولوجيّ للإنسان منذ فجر وجوده ليقدر على التجريد الذي يُقرّبه من معرفة الله. فيتبيّن مسارٌ متّصل: رزقُ بهيمة الأنعام، فتغذيةُ الدماغ بالدهون والمغذيات الدقيقة والبروتين الكامل، فبناءُ الشبكة العصبية، فاتّساعُ القدرة التجريدية عبر الأجيال، فإدراكُ ما وراء الصورة الحسّية، فالاقترابُ من معرفة أصل الوجود وذكرِ اسم الله.
وفي هذا يظهر وجهٌ من جوهر اسم الكتاب، أصل الوجود، إذ أصل الوجود من عالم الأمر الذي لا يُدرك بالصورة الحسّية بل بالتجريد الفكريّ، وقد هيّأ الله للإنسان أدواته في مسارين متكاملين، معرفيٍّ بتعليم الأسماء ونفخ الروح، وبيولوجيٍّ برزق بهيمة الأنعام. ومن لطيف ما يُتأمّل أنّ المسارين معاً نُسبا إليه، لخروج كليهما عن برنامج السنن المعتادة، إضافةً مباشرةً إلى الوجود لتأهيل الإنسان لمهمّته.
ومّما يُتأمّل في هذا السياق أنّ ترتيب الأنعام في النصّ، ضأناً فماعزاً فإبلاً فبقراً، ينسجم انسجاماً لافتاً مع تدرّجٍ فسيولوجيٍّ في قدرة الجسم على معالجة الدهون بحسب مرحلة العمر. فالضأن أعلاها دهناً وطاقةً، يناسب فتوّةَ الشباب حيث يبلغ الأيض ذروته؛ والماعز من أقلّها دهناً مع غنىً بالبروتين والحديد، يناسب منتصف العمر حيث يتراجع الأيض؛ والإبل متوسّطة الدهن منخفضة الكوليسترول، تناسب الكهولة وما يرافقها من مخاطر؛ والبقر، باختيار قليل دهنه، غذاءٌ كثيفٌ بالمغذيات يصون الكتلة والوظائف المعرفية في السنّ المتقدّمة. ولا يُدّعى أنّ النصّ قصد هذا التدرّج قصداً صريحاً، فإثبات ذلك يحتاج دليلاً نصياً داخلياً لا مجرّد انسجامٍ منطقيّ، لكنّ التوافق بين الترتيب النصّيّ والتدرّج الفسيولوجيّ يبقى من اللطائف التي تدعو إلى التأمّل، ولعلّه ممّا يتكشّف معناه مع تقدّم المعرفة، على ما تأسّس في مفهوم التنزيل المستمرّ.
1.7.5تعليم ما لم يُعلم — استمرار المعرفة عبر الأجيال
ويتبيّن أنّ التعليم الإلهيّ لم يكن حدثاً انتهى بآدم، بل منظومةٌ متجدّدةٌ تستمرّ في كلّ جيلٍ وكلّ إنسان. يقول الله تعالى:
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾
وما لم يعلم هو ما لا يقدر الإنسان على العلم به من تلقاء نفسه، فلولا تدخّل الله في أنسنته وتعليمه لم يكن ليُدرك ويعقل ويتفكّر ويتطوّر. والقلم في أصله من «قَلَمَ»، أي قطع وميّز وفصل، وهو الوسيلة التي شاءها الله لإدراك علوم الوجود؛ فالمعرفة لا تُدرك بالإجمال والخلط، بل بالتقليم، أي بدراسة كلّ علمٍ على حدةٍ وحدةً متناغمةً مستقلّة. والشاهد الحيّ ما بلغه الطبّ، إذ لو حاول طبيبٌ واحدٌ أن يُحيط بكلّ علوم الجسد دفعةً واحدةً لما أتقن شيئاً، فلمّا قُلّم العلم إلى تخصّصاتٍ متمايزةٍ صار الإنسان قادراً على إتقان كلّ وحدةٍ على حدة، وكذلك سائر العلوم، كلّ فرعٍ وحدةٌ متناغمةٌ مستقلّة.
1.7.6حدّ المعرفة — ما يُدرك وما لا يُدرك
وهذه المعرفة، على اتّساعها وعمقها، لها حدٌّ لا تتجاوزه. يقول الله تعالى:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾
فلفظ «شيء» يدلّ على الوجود المخلوق المادّيّ، فالمعرفة المتاحة محصورةٌ في علوم الوجود الشيئيّ. و«إلا بما شاء» ليست حداً للمعرفة بل الوسيلة التي شاءها الله لإدراكها، وهي التقليم المعرفيّ بالقلم. أمّا ما لا يُدرك فهو الذات المطلقة خارج الوجود:
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾
1.7.7الظاهر والباطن — حدّ الوجود
وقد جمع القرآن هذا التمييز في وصفٍ جامع. يقول الله تعالى:
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
فالظاهر ما يُدرك من خلال الوجود، المقامُ الربوبيّ المتجلّي في السنن والآيات والتشريع، كلُّ ما أُذن بمعرفته من داخل الحيز الزمكانيّ. والباطن ما أبطنه الله عنّا لأنّه خارج الوجود المخلوق، الذاتُ المطلقة التي لا تُحاط ولا تُدرك، أبطنها رحمةً بنا وعظمةً لجلالها الذي يتجاوز كلّ إدراك. فالإنسان يُدرك الظاهر من داخل الوجود بالتقليم والسنن والآيات، ولا يُدرك الباطن خارجه، لأنّ الله جعل لنا حداً لا نتجاوزه، هو حدّ الوجود المخلوق ذاته.
1.7.8ذروة المعرفة ونهايتها
ولا يترك القرآن مسار المعرفة معلّقاً دون نهاية، بل يكشف عنها في آيةٍ جامعة. يقول الله تعالى:
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
وتصف الآية مسار المعرفة في ثلاث مراحل. الأولى الاختلاط والنموّ ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾، إذ يجمع الإنسان ويتعلّم وتنمو معارفه بالتقليم والتمييز. والثانية بلوغ الذروة ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾، إذ يبلغ بعلمه ذروةَ تمكّنٍ يظنّ معها أنّه قادرٌ على الوجود سيدٌ له، وقوله «ظنّ» لا يقين يُثبت أنّ هذا التمكّن وهمٌ، لأنّه مهما بلغ يبقى داخل الوجود المحدود لا يتجاوزه. والثالثة أمر الله ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾، إذ يأتي أمر الله فيُحصد ذلك كلّه، وليس الحصاد عقوبةً بل حداً وجودياً، فالوجود المخلوق بكلّ علومه ومدنيّاته له نهايةٌ لأنّه محدودٌ هالك. وختم الله الآية بقوله ﴿كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فهي آيةٌ تفصيليةٌ لمن يتفكّر في مآلات العلم الإنسانيّ ونهايته.
1.7.9خلاصة الفصل
يتبيّن أنّ مسار المعرفة الإنسانية يبدأ وينتهي بإذن الله: لم يكن شيئاً مذكوراً، فاستخلافُ جنسٍ مؤهَّل، فتعليمُ الأسماء ونفخُ الروح آليةً للتجريد، فرزقُ بهيمة الأنعام تهيئةً للجهاز البيولوجيّ، فتعليمُ ما لم يُعلم بالتقليم المعرفيّ عبر الأجيال، فبلوغُ ذروة التمكّن، فأمرُ الله بالحصاد. وفي هذا المسار كلّه حدّان لا يتجاوزهما الإنسان: حدٌّ داخل الوجود، وهو ما يُدرك بالظاهر الربوبيّ عبر التقليم والسنن والآيات، يتّسع لمعرفة الرب وإعمار الأرض؛ وحدٌّ خارج الوجود، وهو الباطن المطلق، الذات التي لا تُحاط، أبطنها الله رحمةً لا قسوة. يقول الله تعالى:
﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
فالقليل الذي أُوتيه الإنسان يتّسع لمعرفة ربه والسير في وجوده، والكثير الذي لم يُؤتَه محجوبٌ لحكمةٍ تتجاوز إدراكه، وفي هذا الحجب رحمةٌ وعظمةٌ وجلال.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «الحدود المعرفية — من البصر إلى البصيرة وما وراءها»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث