- أصل الوجود
- الله وأصل الوجود
- الوحي — آلية الإيصال إلى الوعي
الوحي — آلية الإيصال إلى الوعي
1.6.1تمهيد — الوحي بابٌ غير الإنزال والتنزيل
تبيّن في الفصل السابق أنّ الإنزال والتنزيل آليتا إضافةٍ إلى ساحة الوجود العامّة، يتاح بهما الشيء للناس عامّةً، فوريّاً أو متدرّجاً. ويأتي الوحي بابٌ آخر تالٍ لهما، فهو آلية إيصال المضمون إلى وعي المتلقّي بعينه إدراكاً مباشراً، لا إضافةً إلى الوجود العامّ. وقد كشفت آية الأنعام، التي مهّدت للفصل السابق، أنّ الوحي مصطلحٌ مستقلٌّ عن الإنزال، إذ فرّقت بين من ادّعى الوحي كذباً ومن ادّعى الإنزال كذباً جريمتين لا جريمةً واحدة؛ فدلّ ذلك على أنهما بابان لا بابٌ واحد.
والجامع بين الوحي وبين الإنزال والتنزيل أنّ الثلاثة تُوصل ما لا تنتجه السنن المعتادة وحدها؛ والفارق أنّ الإنزال والتنزيل إضافةٌ إلى الوجود العامّ، والوحي إسقاطٌ في وعي المتلقّي بعينه. ولذلك يأتي الوحي غالباً تالياً للإنزال أو التنزيل، فهو آلية إيصال ما أُضيف إلى الوجود إلى الوعي الفرديّ الذي يتلقّاه.
1.6.2تعريف الوحي — فاعلية ربوبية داخل النسيج
الوحي في أصله اللغويّ إشارةٌ خفيةٌ سريعةٌ تنتقل من مصدرها إلى متلقّيها، وهو في القرآن آلية إيصال المجرّدات الفكرية والأخلاقية والتشريعية والقيمية إلى وعي المتلقّي، ممّا لا تستطيع السنن الكونية المعتادة وحدها إنتاجه أو إيصاله. وهو في مجمله فاعليةٌ ربوبيةٌ تجري داخل نسيج الوجود، تسقط في وعي المتلقّي مضموناً لم يكن فيه؛ فهو إيداعٌ لا يُرصد بالحواسّ، لا لأنه يفارق نسيج الوجود، بل لأنه ممّا خفي من فاعلية الرب فيه، ممّا لا تبلغه السنن المعتادة المرصودة.
وهذا التعريف يضبط أمرين دقيقين. الأول أنّ الوحي ليس تكليماً مباشراً من الذات المطلقة خارج الوجود، بل فاعليةٌ ربوبيةٌ داخل النسيج، يجري بإذن الرب وتدبيره؛ فالله ليس من جنس ما خلق، فلا يكلّم مخلوقه بالصيغة المباشرة، وإنما يجري الإيصال عبر التدبير الربوبيّ في الوجود. والثاني أنّ الوحي إدراكٌ مباشرٌ يقع في وعي المتلقّي، أي أنّ المضمون الموحى يُدرَك في الوعي حين يصل، لا يُضاف إلى ساحةٍ خارجه؛ وبهذا يفارق الإنزال والتنزيل اللذين يضيفان إلى الوجود العامّ.
1.6.3نسبة الوحي الثلاثية
يكشف الاستقراء أنّ الوحي في القرآن لا يُنسب نسبةً واحدةً، بل ثلاثاً، تتبع كلٌّ منها طبيعة المضمون لا الفاعل اللفظيّ.
فالنسبة الأولى، وهي الغالبة، نسبته إلى الرب، صراحةً أو بإذنه، لأنّ آليته فاعليةٌ ربوبيةٌ تجري في الوجود، ومضمونه في الغالب كونيٌّ سننيّ. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: 68]. فالوحي هنا منسوبٌ للرب، آليةً ومضموناً، إذ هو تدبيرٌ ربوبيٌّ في الوجود.
والنسبة الثانية، نسبته إلى المثنى الوظيفيّ، حين تبقى الآلية ربوبيةً داخل الوجود، ويكون المضمون أو الغاية متّصلاً بما هو إلهيٌّ يتجاوز السنن المعتادة، فيجتمع البُعدان في موضعٍ واحد. يقول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ . فآلية الوحي هنا ربوبيةٌ داخلية، إسقاطٌ في وعي أمّ موسى، لكنّ مضمونه تدخّلٌ يتجاوز السنن، إذ إلقاء الرضيع في اليمّ ليس من سنن الحفظ المعتادة، بل هو من باب المخرج من حيث لا يُحتسب، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]؛ فاجتمعت ربوبية الآلية وإلهية الغاية، فجاء المثنى الوظيفيّ. ومثله قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: 73]، إذ الآلية ربوبيةٌ زمنية، والمضمون تشريعٌ من الله (الخيرات)، والحديث عن المرسلين، فجاء المثنى الوظيفيّ لاجتماع البُعدين. فالمثنى الوظيفيّ لا يُخرج الوحي من النسيج، بل يكشف أنّ آليته ربوبيةٌ ومضمونه أو غايته إلهيّ.
والنسبة الثالثة، نسبته إلى الله مفرداً، ولا تكون إلا في موضعٍ واحدٍ تعلّق بخصوصٍ تشريعيٍّ رساليٍّ مباشر. يقول الله تعالى: ﴿إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ ، فنُسب الوحي هنا لله مفرداً لأنّ متعلّقه رساليٌّ تشريعيٌّ مباشر، وهو من خصائص الله لتعلّقه بالتشريع الكلّيّ. وهذا الاستثناء المفرد يعضد القاعدة، إذ يكشف أنّ النسبة لله مفرداً مقصورةٌ على المضمون التشريعيّ الخالص، وما عداه للرب أو للمثنى الوظيفيّ بحسب اجتماع البُعدين أو انفرادهما.
1.6.4صيغ التكليم الثلاث ونوع الموحى إلى النبي
كشفت آيتا الشورى القانون العامّ لكيفية تكليم الله للبشر، ونوع ما أوحي إلى النبيّ منه. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ * وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .
ففي ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ نفيٌ للتكليم المباشر بين الذات المطلقة وجنس البشر، لا عجزاً ولا قصوراً بل اختلافاً جوهرياً في الطبيعة، إذ الله ليس من جنس ما خلق فلا يكلّم مخلوقه بالصيغة المباشرة المعهودة. والخطاب عن جنس البشر عامّةً، لا عن النبيّ وحده، فهو يقرّر القانون الكلّيّ لكيفية التكليم، ثم تتوزّع مصاديقه على الأنبياء والمتلقّين. فجاءت الصيغ الثلاث بدائل عن التكليم المباشر المستحيل، لا صوراً له.
فالصيغة الأولى ﴿وَحْيًا﴾، وهي الإيداع المباشر في الوعي، ومن مصاديقها وحي الحواريين وبعض الرسل. والصيغة الثانية ﴿مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، أي من وراء الفاصل الوجوديّ بين داخل الوجود وخارجه، يكلّم الله من خلفه دون أن يتجلّى مباشرةً، ومصداقها تكليم موسى. يقول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ ، فجاءت ﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدراً مؤكّداً يفيد دلالتين: إثباتُ وقوع الكلام حقاً لا مجازاً، وأنّ الكلام الإلهيّ أُوصل إلى موسى بصيغةٍ تناسب استيعابه الكونيّ. والسياق يكشف الآلية، فقد بدأ الخطاب بـ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾، أي أنّ التكليم وصل عبر المقام الربوبيّ الذي يعمل في الوجود، ثم حمل في مضمونه الحقيقة الإلهية المطلقة ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾؛ فكان التكليم ربوبياً في آليته، إلهياً في مضمونه. والصيغة الثالثة ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ﴾، أي إرسال وسيطٍ يوصل الموحى، ومصداقها الوحي إلى النبيّ محمد بوساطة المَلَك؛ وقيد ﴿بِإِذْنِهِ﴾ دليلٌ نصيٌّ على أنّ الوحي فاعليةٌ تجري بإذن الرب وتدبيره، لا اتصالاً مباشراً بالذات. وفي ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ أنه عليٌّ لأنه فوق خلقه، حكيمٌ لأنّ اختيار هذه الصيغ الثلاث يناسب طبيعة الفاصل بين الخالق والمخلوق.
وتبيّن الآية الثانية نوع ما أوحي إلى النبيّ تحديداً. ففي ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ جاء الوحي بالمثنى الوظيفيّ، إذ الموحى إلى النبيّ روحٌ، أي خلاصةٌ مركّزة، من أمرٍ مزدوج. وتكشف الآية نفسها هذا الازدواج في قوله ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾؛ فالكتاب من أمر الله، وهو التشريع كلّه، كلّياً ثابتاً ومستجدّاً متجلّياً، إذ كلاهما مصدره الله وإن اختلف تجلّيهما، كما تأسّس في موضعه من باب الرسالة. والإيمان المتمثّل في القرآن من أمر رب العالمين وتفصيل الكتاب، وهو الآيات الكونية والبصائر. فلمّا اجتمع في الموحى البُعدان، أمرُ الله في الكتاب وأمرُ رب العالمين في الإيمان القرآنيّ، جاء بالمثنى الوظيفيّ ﴿أَوْحَيْنَا... مِّنْ أَمْرِنَا﴾، مصداقاً للمثنى الوظيفيّ الذي تقدّم في نسبة الوحي. وفي ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ يعود المثنى، إذ الروح الموحاة جُعلت نوراً، أي أُدركت في الوعي بصيغةٍ يُهتدى بها؛ والنور حقيقةٌ وجوديةٌ لا استعارة، فالمعرفة حين تُدرَك في الوعي تكون نوراً يكشف ما كان خفياً.
1.6.5أنواع الوحي
الوحي في القرآن ليس نوعاً واحداً، بل أنواعٌ تتمايز بحسب متلقّيها وطبيعتها وغايتها، والجامع بينها أنها إسقاطٌ في الوعي لمضمونٍ لم يكن فيه.
فالنوع الأول الوحي الكونيّ التكوينيّ، وهو ما أودعه الرب في الكائنات والأشياء بما يُحكم نظامها ويوجّه فطرتها، جرياناً فطرياً لا يعي المتلقّي فيه أنه يتلقّى وحياً. يقول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ ، فوحي الرب إلى النحل إيداعٌ فطريٌّ في طبيعتها يوجّه سلوكها وفق نظامٍ دقيق، لا خطابٌ تسمعه بأذن. ويقول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: 12]، أي أودع في كلّ سماءٍ نظامها الذي يُحكم وجودها.
والنوع الثاني الوحي السننيّ الظرفيّ، وهو إخبار الرب عن قانونٍ كونيٍّ راسخٍ لا يتبدّل، أنّ من أفسد وظلم وجهل السنن فنهايته الهلاك. يقول الله تعالى ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ . فمسطوراً أي مكتوباً في قوانين الوجود الثابتة لا في قرارٍ آنيّ، والقرية هنا الفكر الأحاديّ المتعصّب المغلق الذي لا يقبل الآخر ولا يتماهى مع السنن، فيحمل في بنيته عوامل انهياره، بخلاف المدينة التي تتّسع للتعدّد وتحاكي السنن، على ما يأتي تفصيله في موضعه من فصل الحج في الباب الخامس. فالهلاك حصادٌ حتميٌّ لمن زرع الفساد، لا تدخّلٌ استثنائيّ. ويعضده قوله تعالى ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: 13]، فالوحي هنا إخبارٌ بتفعيل هذا القانون الراسخ، حصادٌ لا قرارٌ آنيّ، أوحى الرب به الرسل تثبيتاً لهم لأنّ نهاية الظالمين محسومةٌ بقانون الوجود.
والنوع الثالث الوحي البصائريّ المعرفيّ، وهو ما يتنزّل على الأنبياء من آياتٍ كونيةٍ وسننٍ وقصص، يحمل طبقاتٍ من المعرفة تتكشّف بالتأمّل عبر الزمن، وهو القرآن بمعناه الدقيق. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾ ، فالبصائر جمع بصيرة، وهي المعرفة العميقة التي تُرى بها حقائق الأشياء لا ظواهرها، لا تأتي دفعةً واحدةً بل تتراكم مع النظر والتدبّر.
والنوع الرابع وحي التدخّل عند انعدام الأسباب، وهو ما يتجاوز السنن المعتادة حين تعجز عن الاستجابة، ويأتي بالمثنى الوظيفيّ لاجتماع الآلية الربوبية بالغاية الإلهية المتجاوزة للسنن. يقول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ، إذ كان تدخّلاً يجمع الإرادة الإلهية والمقام الربوبيّ لانعدام الأسباب القادرة على الإنقاذ، كما تقدّم في نسبة الوحي.
والنوع الخامس وحي الحكمة، والحكمة منظومةٌ معرفيةٌ تتعلّق بكيفية التشريع وعلله ومآلاته، ولهذا تأتي مقرونةً بالكتاب. يقول الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ، ففي ﴿مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ تبعيضٌ يدلّ على أنّ ما أُوحي بعض الحكمة لا كلّها، لأنها أوسع من أن تُحصر، متجدّدةٌ بتجدّد الظروف والأمم؛ وجاءت وحياً من الرب لأنها تتكشّف بالتأمّل والتجربة عبر الزمن، وتختلف من أمّةٍ إلى أخرى.
1.6.6خلاصة الفصل
الوحي آلية إيصال المضمون إلى وعي المتلقّي بعينه، فاعليةٌ ربوبيةٌ تجري داخل نسيج الوجود، إيداعٌ لا يُرصد ممّا لا تنتجه السنن المعتادة، لا تكليمٌ مباشرٌ من الذات المطلقة خارج الوجود. ويفارق الإنزال والتنزيل في أنه إسقاطٌ في الوعي الخاصّ لا إضافةٌ إلى الوجود العامّ، وأنه يأتي تالياً لهما إيصالاً لما أُضيف إلى الوجود إلى وعي المتلقّي.
ونسبته تتبع طبيعة المضمون: فللرب غالباً، إذ آليته ربوبيةٌ ومضمونه كونيٌّ سننيّ؛ وللمثنى الوظيفيّ حين تبقى الآلية ربوبيةً ويتّصل المضمون أو الغاية بما هو إلهيّ يتجاوز السنن، فيجتمع البُعدان؛ ولله مفرداً في الموضع الذي تعلّق بخصوصٍ تشريعيٍّ رساليٍّ خالص. وكشفت آيتا الشورى القانون العامّ للتكليم بصيغه الثلاث، الوحي المباشر، والتكليم من وراء الحجاب كتكليم موسى، والوحي بوساطة الرسول كالوحي إلى النبيّ؛ وبيّنتا أنّ الموحى إلى النبيّ روحٌ من أمرٍ مزدوج، الكتاب من أمر الله والإيمان القرآنيّ من أمر رب العالمين، فجاء بالمثنى الوظيفيّ. والوحي أنواعٌ خمسة، الكونيّ التكوينيّ، والسننيّ الظرفيّ، والبصائريّ المعرفيّ، والتدخّليّ عند انعدام الأسباب، ووحي الحكمة، يجمعها أنها إسقاطٌ في الوعي لمضمونٍ لم يكن فيه.
وبهذا يتبيّن أنّ نزول القرآن يجري على ثلاث مراتب متلازمة، إشهاراً في الوجود إنزالاً وتنزيلاً، فإيصالاً إلى وعي النبيّ وحياً عبر الروح الأمين، فاستقراراً نصاً مخطوطاً يُتلى كما يأتي في فصل المخطوط؛ أوجهٌ متكاملةٌ لحقيقةٍ واحدة، لا أقوالٌ متعارضةٌ في كيفيّة النزول.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «الوحي — آلية الإيصال إلى الوعي»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث