- أصل الوجود
- الله وأصل الوجود
- الخلق — تجلي التصور في عالم الشيء
الخلق — تجلي التصور في عالم الشيء
1.3.1الجسر بين عالم الأمر وعالم الخلق — كن
انتهى الفصل السابق إلى حقيقةٍ جوهرية، وهي أنّ كلّ شيءٍ في الوجود له أصلٌ تصوريٌّ في عالم الأمر سابقٌ على وجوده المادّيّ. ومن هنا يفتح هذا الفصل سؤاله الطبيعيّ: كيف صار ذلك التصوّر شيئاً مادياً ملموساً؟ والجواب يسير عبر مرحلتين لا مرحلةٍ واحدة، كن أولاً ثم الخلق.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ . فـ﴿كُن﴾ هي الإذن الإلهيّ المطلق بالانتقال من الوجود المعنويّ التصوريّ في عالم الأمر إلى الوجود المادّيّ الملموس في عالم الخلق، انتقالاً من خارج الوجود إلى داخله؛ وهذا لا يكون إلا لله وحده، لأنه وحده خارج الوجود، ولأنّ ما قبل الوجود لا يُخاطَب إلا من خارجه. وقد تأسّس في فصل الله أنّ قوله عين فعله، فلا تتأخّر إرادته عن تحقّقها بكلمة.
وليست ﴿كُن﴾ إيجاداً من عدمٍ مطلق بل إذناً بالتجلّي، إذ الشيء كان موجوداً معنىً وتصوراً في عالم الأمر قبل أن يُخاطَب بها؛ ولولا أنه كان موجوداً تصوراً لما خُوطب بأمر التحقّق، فالخطاب لا يتوجّه إلى عدمٍ مطلق، بل إلى تصوّرٍ محدّدٍ جاء وقت تجلّيه. فالوجود المادّيّ لم يأتِ من لا شيء بل من تصوّرٍ كاملٍ سابقٍ أراد الله له أن يتجلّى واقعاً محسوساً.
والوجود نفسه بدأ بـ﴿كُن﴾، أي بخطابٍ إلهيٍّ مطلقٍ من خارج الوجود أنشأ الوجود ابتداءً، وما تجلّى منها صار مادّة الخلق اللاحق داخل الوجود؛ فهي البداية المطلقة التي لا تتكرّر بصورتها الأصلية، والخلق هو ما يتواصل داخل الوجود بعدها. وهنا يتبيّن لِمَ كان الفعل في الآية ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾، فالشيء قائمٌ في إرادته قبل الخطاب، والخطاب يحوّله من قيامه في الإرادة إلى تجلّيه في الوجود؛ فكأنّ ﴿كُن﴾ جسرٌ يَعبر به التصوّر من ضفّة عالم الأمر إلى ضفّة عالم الخلق، فإذا عَبر صار جزءاً من الوجود يخضع لقوانينه وأحواله، بعد أن كان خارجها لا يخضع لشيء.
1.3.2الخلق — داخل الوجود من وجود سابق مُقدَّر
أنشأت ﴿كُن﴾ الوجود من خارجه، فلمّا وُجد الوجود بدأ الخلق يجري داخله بآليةٍ مختلفة. والخلق داخل الوجود لا يبدأ من عدمٍ مطلق بل من وجودٍ مادّيٍّ سابقٍ لا يُشترط فيه التماثل الشيئيّ، أي أنّ المادّة الأولى تتحوّل وتتشكّل وتُركَّب لتصير شيئاً جديداً مختلفاً عنها.
يقول الله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾ . ففي ﴿بَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾ أنّ البدء من وجودٍ مادّيٍّ سابقٍ قائم، فالإنسان لم يأتِ من عدمٍ مطلق بل من طينٍ هو وجودٌ مادّيٌّ لا يشبه الإنسان في شيء، لكنه المادّة الأولى التي انطلق منها الخلق؛ وهذا معنى ألّا يُشترط التماثل الشيئيّ، إذ المادّة الأولى لا تحتاج أن تكون من جنس ما يُخلق منها، بل يكفي أن تكون مادّةً قابلةً للتحويل والتشكيل والتركيب.
والخلق بهذا المعنى ليس انعدام شيءٍ وإيجاد شيءٍ آخر، بل تحويل ما هو قائمٌ من حالةٍ إلى حالة؛ فالمادّة الأولى تدخل في عملية الخلق بكاملها، تتغيّر بنيتها وتتركّب جزيئاتها على نسقٍ جديد، فتصير شيئاً مختلفاً يحمل خصائص لم تكن في أصله. وهنا يظهر الفرق الجوهريّ بين آلية ﴿كُن﴾ وآلية الخلق داخل الوجود، فـ﴿كُن﴾ قولٌ مباشرٌ لا يستند إلى نظام، أمّا الخلق داخل الوجود فيجري ضمن سننٍ محكمةٍ يتحرّك فيها الشيء من حالٍ إلى حالٍ بمراحل وأطوار. وكلتا الآليتين خلقٌ منسوبٌ إلى الله، لكنّ الأولى من خارج الوجود تخصّ مقام الذات، والثانية داخله تخصّ مقام الربوبية كما سيأتي تفصيله في الفصل التالي.
والخلق لا يكون عشوائياً بل مقروناً بالتقدير دائماً، فلكلّ مخلوقٍ في عالم الأمر تصوّرٌ محدّدٌ بحدّه وقياسه وغايته ووظيفته قبل أن يتجلّى في الوجود المادّيّ. يقول الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ . ففي ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ مصدرٌ مؤكّدٌ يفيد الإحكام والدقّة، فكلّ شيءٍ في الوجود مُقدَّرٌ بدقّةٍ تامّةٍ لا زيادة فيه عن الحدّ المُقدَّر له ولا نقصان عنه. والتقدير هو الرابط بين عالم الأمر وعالم الخلق، إذ به يحمل كلّ شيءٍ في وجوده المادّيّ أثر تصوّره الأصليّ.
ولهذا لا يكتمل فهم أيّ شيءٍ في الوجود بالنظر في ظاهره المادّيّ وحده، بل باستيعاب تقديره الأصليّ في عالم الأمر، أي الحدّ والغاية والوظيفة التي قُدِّر لها قبل تجلّيه. فمن وقف عند الظاهر وحده فاتته الغاية، ومن وصل إلى التقدير عرف الشيء على ما هو عليه في حقيقته. والمتأمّل في الكون لا يرى مادّةً بلا تقدير، ولا قانوناً بلا حكمة، ولا ظاهرةً بلا غاية؛ وكلّما تقدّم في تتبّع الأشياء وجد نفسه أمام نظامٍ محكمٍ ينطق بأنّ وراءه تصوراً سابقاً يجري في كلّ ذرّةٍ من ذرّاته.
1.3.3الخلق يُنسب لله كمالاً وللمخلوق جزءاً
من دقائق فهم الخلق أنه لا يُنسب لله وحده في القرآن بل يُنسب للمخلوق أيضاً، وليس هذا مصادفةً بل دلالةٌ مقصودةٌ على أنّ الخلق داخل الوجود عمليةٌ يشترك فيها المخلوق بقدر ما أُذن له، مع بقاء الخلق المطلق لله وحده.
يقول الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ . ففي ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ لا «الخالق الوحيد»، فالآية تُثبت أنّ الخالقين متعدّدون، لكنّ الله أحسنهم وأكملهم وأتمّهم لأنه يحيط بالتصوّر الأصليّ كاملاً؛ والمخلوق حين يخلق لا يحيط إلا بشيءٍ من تصوّرٍ قاصر، فيأتي خلقه ناقصاً قياساً إلى خلق الله وإن كان حقيقياً في ذاته. والصياغة هنا دقيقة، إذ لا تنفي عن المخلوق صفة الخالقين، بل تجعله من جنسهم ثم تُعلي الله عليهم بالحُسنى.
ويجسّد هذا قوله تعالى في شأن عيسى عليه السلام: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ . فعيسى يخلق من الطين، أي من وجودٍ مادّيٍّ سابقٍ داخل الوجود، وهذا الخلق مشروطٌ بـ﴿بِإِذْنِي﴾، أي أنّ خلق المخلوق لا يكون إلا بإذن الله ولا يتجاوز حدود ما أُذن له؛ والإذن هنا قيدٌ لازمٌ لا ينفكّ، فالمخلوق إذا خلق فإنما يخلق ضمن نظامٍ إلهيٍّ أذن له بالتحويل في حدودٍ معينةٍ لا يتعدّاها.
وهذا التمييز جوهريٌّ لفهم منظومة الفعل في الكون؛ فالله خلق الخالقين، ثم أذن لهم أن يخلقوا في حدودٍ معيّنةٍ من مادّةٍ سابقة، فصار الخلق ضرباً من الفعل المنظوم لا انفراداً إلهياً. والإنسان حين يزرع زرعاً ويبني بناءً ويحوّل المادّة من حالٍ إلى حالٍ إنما يخلق ضمن هذا الإذن، وما ينبثق عن يده من تحويلٍ وتشكيلٍ خلقٌ له بإذن الله، مع فارق الكمال والإحاطة الذي يخصّ الله وحده. ومن هنا يستقيم أن يُقال إنّ الإنسان مخلوقٌ وخالقٌ في آنٍ واحد، مخلوقٌ بـ﴿كُن﴾، وخالقٌ ضمن إذنٍ وحدود. وأمّا تفصيل كلمات الله المطلقة وكلمات الرب المحدودة بهذا الكون فيأتي في موضعه من فصل الله والرب.
1.3.4التمييز الجوهري بين كن والخلق
من المهمّ ضبط التمييز بين ﴿كُن﴾ والخلق ضبطاً تاماً، لأنّ الخلط بينهما يُفضي إلى ارتباكٍ في فهم منظومة الوجود كلّها. فـ﴿كُن﴾ خطابٌ من خارج الوجود إلى داخله، إذنٌ إلهيٌّ مطلقٌ بالتجلّي، لا يكون إلا لله وحده، بدايةٌ مطلقةٌ لا تتكرّر. أمّا الخلق داخل الوجود فعمليةٌ تجري على وجودٍ مادّيٍّ سابق، تحويلٌ وتشكيلٌ وتقدير، يجري ضمن سنن النظام، يُنسب لله كمالاً وللمخلوق جزءاً بإذنه، ويتواصل داخل الوجود بعد ﴿كُن﴾ دون انقطاع.
والجامع بينهما أنّ كليهما يسير وفق التصوّر الأصليّ المُقدَّر في عالم الأمر، فلا ﴿كُن﴾ عشوائيةٌ تنشأ بلا تصوّرٍ سابق، ولا خلقٌ بلا تقديرٍ يجري بلا حدود؛ والتصوّر الأصليّ هو الذي يحكم الاثنين، فـ﴿كُن﴾ تحوّله من تصوّرٍ إلى وجود، والخلق يتعهّده داخل الوجود فيُكمل تجلّيه ويحقّق غايته. ومن استوعب هذا التمييز عرف لماذا يأتي القرآن أحياناً بفعل الخلق وأحياناً بفعل ﴿كُن﴾، ومتى ينبغي أن يَفهم الفعل إنشاءً من خارج الوجود ومتى يفهمه تحويلاً داخله؛ وما من آيةٍ تتحدّث عن الفعل الإلهيّ في الوجود إلا وينفعك في فهمها هذا الميزان.
وينبغي ألّا يلتبس مفهوم الخلق بمفهوم الجعل، فالأوّل تحويلٌ جذريٌّ من مادّة أصلٍ إلى تشكيلٍ مُرادٍ يكون القصد فيه المخلوقَ ذاته، والثاني تغييرٌ جزئيٌّ في مخلوقٍ قائمٍ يكون القصد فيه التحوّل الذي يطرأ في صيرورته. وأمّا تفصيل هذا التمييز وتطبيقاته على الإنسان فيأتي في موضعه من باب كلمات الوجود.
1.3.5خلاصة الفصل
ينتقل الوجود من عالم الأمر إلى عالم الخلق عبر مرحلتين محكمتين: ﴿كُن﴾ وهي الإذن الإلهيّ المطلق بتجلّي التصوّر من خارج الوجود إلى داخله، ثم الخلق وهو العملية المتواصلة داخل الوجود التي تُشكّل وتُقدّر وتُتمّ ما بدأت به ﴿كُن﴾. وكلّ مخلوقٍ يحمل في وجوده المادّيّ أثر تصوّره الأصليّ في عالم الأمر، فهو مُقدَّرٌ بحدّه وغايته ووظيفته قبل تجلّيه، والتقدير هو الرابط الذي يجعل الوجود منظوماً لا فوضوياً ومفهوماً لا عشوائياً.
ومن خصائص الخلق أنه ليس انفراداً إلهياً مطلقاً، بل عمليةٌ أذن الله لخلقه بالمشاركة فيها بقدر ما يستطيعون، فصار في الوجود خالقون متعدّدون، الله أحسنهم وأكملهم، وما سواه مشروطٌ بإذنه محدودٌ بحدوده. وهذا الإذن هو الذي يجعل للإنسان دوراً فاعلاً في الوجود لا متلقياً سلبياً، يخلق ضمن الإذن ويُحاسَب على ما يخلق.
وبهذا يكتمل المفتاح الثالث في الباب الأول، فبعد أن عرفنا في فصل الله من هو الله، وفي فصل الأمر ما هو عالم الأمر، عرفنا الآن كيف صار التصوّر شيئاً. وبهذه المعرفة الثلاثية يصير الإنسان قادراً على فهم أيّ مفهومٍ قرآنيٍّ من أصله لا من ظاهره، إذ يعلم أنّ لكلّ شيءٍ مسمّىً سبق الشيء، وتقديراً أحكم الشيء، ووجوداً مادياً تجلّى به الشيء.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «الخلق — تجلي التصور في عالم الشيء»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث