1.2

الأمر — التصور الكامل قبل التجلي

16 دقائق قراءة~2947 كلمة10 مبحثاً في هذا الفصل

1.2.1التمييز الأول: الأمر والخلق متمايزان لا متطابقان، والأمر سابقٌ موجِد

يقول الله تعالى ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين﴾ . تُثبت الآية بالعطف أنّ الخلق والأمر أمران متمايزان، إذ لو كانا واحداً لما ذُكرا معاً بحرف العطف. فالخلق هو عالم الأشياء المتجلّية في الزمان والمكان، وهو ما ندركه بحواسّنا ونلمسه بتجربتنا؛ والأمر هو ما سبق الخلق وأوجده، أي التصوّر الكامل لكلّ شيءٍ قبل أن يتجلّى شيئاً مادياً. وليس هذا التمييز اجتهاداً فكرياً بل هو من النصّ ذاته، إذ القرآن لا يجمع بين أمرين في الذكر إلا لفارقٍ جوهريٍّ بينهما.

﴿الأعراف: 54

ويكشف النصّ مع التمايز ترتيباً وجودياً دقيقاً بينهما، في قوله ﴿إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ ، إذ تتقدّم الإرادة أولاً، ثمّ الأمر، ثمّ الشيء؛ فالشيء لا يسبق الأمر بل الأمر هو الذي يُوجده. و﴿كن﴾ هي لحظة انتقال التصوّر من عالم الأمر إلى عالم الخلق، و﴿فيكون﴾ هو الشيء المتجلّي في الوجود المادّيّ. فكلّ شيءٍ في هذا الوجود له أصلٌ تصوريٌّ في عالم الأمر سبق وجوده المادّيّ، وهذا هو المفتاح الذي يكشف لماذا كانت الأشياء على ما هي عليه، ولماذا حملت الكلمات ما تحمل من معانٍ، ولماذا كان الوجود منظّماً لا فوضوياً.

﴿يس: 82

على أنّ تعيين معنى الأمر لا يتمّ إلا باستبعاد ما قد يُظنّ أنّه هو، فإنّ الأمر يُتوهّم فيه معانٍ لا يثبت المراد منها إلا بعد ردّ ما سواه بقرينة النصّ. فأمّا أن يكون مجرّد إرادةٍ خالصة، فمردودٌ بأنّ آية يس رتّبت الإرادة قبل الأمر لا عينَه، إذ جعلت ﴿أراد﴾ شرطاً و﴿أن يقول له كن﴾ جوابه، فالإرادة سابقةٌ على القول والأمر غيرها، ولو كان عينها لما رُتّب عليها. وأمّا أن يكون مجرّد خطابٍ هو كلمة ﴿كن﴾، فمردودٌ بأنّ ﴿كن﴾ أثرُ الأمر لا الأمرُ نفسه، فالقول تنفيذٌ صادرٌ عن الأمر لا الأمرُ الذي صدر عنه؛ ولو كان الأمر مجرّد الخطاب لما قوبل بالخلق في ﴿له الخلق والأمر﴾، إذ الخطاب فعلٌ لا مرتبةٌ تقابل الخلق. وأمّا أن يكون مجرّد قضاءٍ بمعنى آلية الإنفاذ، فمردودٌ بأنّ النصّ جعل الأمر مقضياً عليه لا قاضياً، في قوله ﴿إذا قضى أمراً﴾، فالأمر مفعولٌ للقضاء والمقضيّ سابقٌ على القضاء الوارد عليه، ولو كان الأمر هو القضاء لصار المعنى ﴿إذا قضى قضاءً﴾ وهو تكرارٌ لا فائدة فيه. فلم يبقَ بعد ردّ هذه الوجوه إلا أن يكون الأمر منظومةَ المعنى قبل أن يصير شيئاً.

1.2.2عالم الأمر من علم الله لا هو الله: تعريفه وحدوده

ثمّة نقطةٌ دقيقةٌ يجب تثبيتها قبل المضيّ، وهي أنّ عالم الأمر ليس الله ولا يُساوى به، بل هو من علمه. يقول الله تعالى ﴿بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون﴾ . فالله بديع السماوات والأرض، أي مُنشئها من عدمٍ بلا مثالٍ سابق، وقضاؤه للأمر سابقٌ على تجلّيه شيئاً، فالأمر من قضائه وعلمه لا من ذاته المطلقة، والله فوق عالم الأمر كما هو فوق كلّ وجود.

﴿البقرة: 117

وليس القضاء في هذا عزيمةً مجرّدةً قد تتخلّف، بل إرادةٌ نافذةٌ بعلمٍ وقدرة، دلّ على ذلك ثلاثٌ متضافرة: اقترانُ القضاء في الآية بوصف الله ﴿يخلق ما يشاء﴾ و﴿العليم القدير﴾ في نظائرها؛ وأصلُ اللفظ في اللسان، إذ القضاء الفصلُ والإحكام، كما في ﴿فقضاهنّ سبع سماوات﴾ أي أحكمهنّ، والفصلُ لا يكون عن جهل؛ ومقتضى النظر، إذ من لا يعلم لا يقضي، فلا يفصل في الأمر من يجهله. فالقضاء بهذا مرتبةٌ قائمةٌ على العلم والقدرة، تنقل الأمر من دائرة المعنى إلى دائرة الشيئية.

وعلى هذا فعالم الأمر هو منظومة المعاني والتصوّرات القائمة في علم الله الأزليّ، وهو الفاصل بين ذات الله المطلقة وبين عالم الخلق المادّيّ. فما فيه معنىً وتصوّرٌ لا يُسمّى شيئاً لأنّه لم يدخل الحيز الزمكانيّ بعد، فإذا أراد الله لمعنىً من معانيه أن يتجلّى شيئاً في الوجود قضى بتجلّيه فقال له كن، فدخل الوجود وصار شيئاً. فالقضاء هو الآلية التي تنقل الأمر من دائرة المعنى التصوريّ إلى دائرة الشيئية، و﴿كن﴾ هي الإذن الإلهيّ بهذا الانتقال.

ويتحدّد بهذا أنّ عالم الأمر ليس ذات الله، لأنّ الله قال «من أمره» لا «منه»؛ وليس الخلق، لأنّ القرآن ميّز بينهما بالعطف في ﴿ألا له الخلق والأمر﴾؛ وليس عدماً، لأنّ الملائكة تنزل منه والمعرفة تنبثق منه. بل هو منظومةٌ تصوريةٌ تابعةٌ لعلم الله الأزليّ التامّ، لا تقوم بذاتها بل بنسبتها إلى علمه وإرادته. ويقوم هذا على شواهد النصّ: ففي ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ أنّهما منظومتان متمايزتان؛ وفي ﴿إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: 82] أنّ الأمر سابقٌ على الشيئية وأنّ القضاء آلية التجلّي؛ وفي ﴿ينزّل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده﴾ [النحل: 2] أنّ الأمر مصدرٌ قائمٌ تنزل منه المعرفة وهو الفاصل بين ذات الله والوجود.

﴿الأعراف: 54

ثمّ إنّ الإيجاد بكلمة ﴿كن﴾ لم يُنسب في القرآن إلا إلى الله أو إلى ضميره العائد عليه، لا إلى مقام الربوبية. فمن ذلك ﴿كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون﴾ في خلق عيسى، و﴿خلقه من تراب ثمّ قال له كن فيكون﴾ في خلق آدم، و﴿ما كان لله أن يتّخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون﴾، و﴿هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون﴾. فاطّراد نسبته إلى الله، حتى حيث يُذكر الرب في السياق نفسه، يكشف أنّ الإيجاد بالكلمة صادرٌ عن الذات المطلقة من خارج الوجود، لا عن مقام التدبير الجاري فيه.

ولا ينقض هذا وروده بصيغة الجمع في ﴿إنّما قولنا لشيءٍ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ ، فإنّ الجمع هنا هو المثنى الوظيفيّ (النسبة المشتركة) الدالّ على تشارك الفعل بين مصدرية الله من خارج الوجود وتدبيره الربوبيّ في الوجود، لا نسبةٌ للإيجاد إلى غير الله، على ما يُفصَّل في 1.4.3. ويزيده بياناً أنّ الآية جاءت في سياق البعث، ردّاً على من أنكره في قوله ﴿لا يبعث الله من يموت بلى وعداً عليه حقّاً﴾، فالمذكور فيها إيجاد الآخرة. والتعبير بـ﴿قولنا﴾ دون ﴿أمرنا﴾ يدلّ على أنّ الآخرة لم تبقَ معنىً مكنوناً في عالم الأمر، بل صارت قولاً موعوداً به منصوصاً على كلّ مكلّف، حقّاً يتحقّق في زمنٍ معلوم؛ فهي في مرتبة الوعد المعلن، تنتظر أن تصير شيئاً متحقّقاً بكلمة الإيجاد يوم القيامة. فبان أنّ ﴿كن﴾ لا تُوجِد الخلق الأول وحده، بل البعث والآخرة كذلك، فكلّها من عالم الأمر تصير شيئاً بالكلمة المنسوبة إلى الذات.

﴿النحل: 40

1.2.3طبقتا عالم الأمر: المعنى الذي يتشيّأ والمعنى الذي لا يتشيّأ

تبيّن ممّا سبق أنّ لكلّ شيءٍ مادّيٍّ أصلاً تصورياً في عالم الأمر سبق تجلّيه، كالشمس مسمّىً تصورياً قبل أن تتجلّى جرماً. لكنّ عالم الأمر لا يقتصر على تصوّرات الأشياء التي تنتظر التجلّي المادّيّ، بل يضمّ طبقةً أرفع لا تتشيّأ أصلاً، وهي المعاني المجرّدة الخالصة التي لا تطلب مصداقاً مادّياً ولا تنتقل إلى الحيز الزمكانيّ، كالعدل والصدق والإحسان والتقوى والقسوة والتشابك. فهذه معانٍ قائمةٌ في علم الله، تُدرَك ولا تُحَسّ، وتُنزَّل على الوعي ولا تتجسّد جرماً.

ويكشف النصّ هذا التمييز حين يستعمل اللفظ في معناه المجرّد مباشرةً، معرِضاً عن مصداقه المادّيّ. فقوله تعالى ﴿فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم﴾ استعمل «شجر» في معناه المجرّد — التشابك والتداخل والتعقّد — لا في النبات الذي هو مصداقه المحسوس. فالخصومة شجرت بينهم، أي تشابكت كما تتشابك الأغصان، فأُخذ المعنى دون المادة. وهذا دليلٌ على أنّ أصل اللفظ معنىً مجرّد، والنبات مصداقٌ من مصاديقه لا أصله، وأنّ النصّ يخاطب الوعي بالمعنى قبل أن يخاطب الحسّ بتجلّيه المادّيّ.

﴿النساء: 65

وكذلك قوله تعالى ﴿ثمّ قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة﴾ ، فإنّ المراد من الحجارة معناها المجرّد لا مادّتها الحجرية؛ وأصل هذا المعنى في الجذر الانعزالُ والانفصال عن الأصل الجامع — ومنه الحُجُرات والحَجْر — فالحجر ما انفصل عن أصله من التربة فجمد متفرّداً. وهو معنىً إذا وُصف به القلب أفاد انعزاله عن محيطه فلا يشارك فرحاً ولا حزناً ولا يلين للرحمة، لا صلابته المادّية. والدليل في النصّ نفسه، إذ قال ﴿أو أشدّ قسوة﴾، فجعل المقارنة في القسوة التي هي معنىً مجرّد، لا في الحجرية التي هي مادّة. فلو كان المراد المادة لما استقام أن يكون القلب «أشدّ» من الحجر، إذ القلب ليس حجراً؛ وإنّما استقام لأنّ المقارنة في المعنى لا في المادة.

﴿البقرة: 74

ويتجلّى هذا أصرحَ ما يكون في آيات الأمثال، حين يضرب الله المعنى المجرّد مثلاً بمحسوس ليُقرّبه إلى الإدراك، كقوله ﴿ألم ترَ كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيّبةً كشجرةٍ طيّبة أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء﴾ . فالكلمة الطيّبة معنىً مجرّد، شُبّهت بالشجرة في معناها — الأصل الثابت والفرع الممتدّ والثمر النافع — لا في خشبها وورقها. ولو كانت الشجرة مقصودةً بمادّتها لما صحّ أن تكون مثلاً لمعنىً مجرّد. فضربُ المعنى المجرّد بمحسوسٍ دليلٌ على أنّ المعنى ليس محسوساً بذاته، إذ لا يُضرب الشيء مثلاً لنفسه، وإنّما يُضرب المحسوس مثلاً للمعنى ليُدرَك.

﴿إبراهيم: 24

وبهذا يتبيّن أنّ عالم الأمر طبقتان: تصوّراتٌ لأشياء تتشيّأ فتدخل عالم الخلق تجلياتٍ محسوسة، ومعانٍ مجرّدةٌ لا تتشيّأ بل تبقى في مقام المعنى المجرّد تُنزَّل على الوعي. وهذا التمييز هو الأصل الذي يُبنى عليه فهمُ التشريع والقيم في هذا الكتاب؛ فإنّ القيم — كالعدل والصدق والإحسان والتقوى والصبر — من الطبقة الثانية، معانٍ مجرّدةٌ قائمةٌ في علم الله لا تكتسب ماديةً في الواقع، ولذلك ظهرت متعاليةً ثابتةً لا تتبدّل بتبدّل الأزمان، بخلاف تصوّرات الأشياء التي تتجلّى وتتغيّر في الزمان والمكان.

ومن هنا يتأكّد المفتاح الذي تقدّم وتزداد دلالته: أنّ فهم النصّ يبدأ بتجريد اللفظ عن مسمّاه المادّيّ ليستبين معناه. فإذا عرض للقارئ لفظٌ وتوقّف عند مصداقه المحسوس وحده، حُجب عنه المعنى الأصليّ الذي هو مراد النصّ؛ وإذا جرّده عن المادة استبان له المعنى القائم في عالم الأمر. فالشجر تشابكٌ قبل أن يكون نباتاً، والحجر انعزالٌ قبل أن يكون صخراً، والنور هدايةٌ قبل أن يكون ضوءاً. وهذا المفتاح هو الذي يفكّ كثيراً من المعاني التي حُجبت حين وُقف فيها عند المصداق المادّيّ دون المعنى المجرّد.

1.2.4نموذجٌ تطبيقيّ: كيف تحلّ نظرية عالم الأمر معضلة «خلق القرآن»

تبيّن في القسم السابق أنّ عالم الأمر طبقتان: معانٍ مجرّدةٌ قائمةٌ في علم الله لا تتشيّأ، وتصوّراتُ أشياءَ تتشيّأ فتدخل عالم الخلق. وهذه النظرية، إذا طُبّقت على القرآن نفسه، حلّت معضلةً طال فيها الجدل: أمخلوقٌ هو محدَثٌ، أم غير مخلوق؟ فقد انقسم الناظرون فيها فريقين، فريقٌ قال بخلقه فراراً من إثبات قديمٍ مع الله، وفريقٌ قال بغير ذلك صوناً لكلامه أن يكون حادثاً؛ واشتدّ النزاع حتى صار محنة. والذي يتبيّن بتطبيق نظرية عالم الأمر أنّ السؤال على هذا الوجه مصوغٌ صياغةً لا تطابق بنية القرآن، فلا يَرِد عليه وروداً صحيحاً.

ووجه ذلك أنّ السؤال بُني على مقدّمتين دخيلتين: أولاهما أنّه عامل القرآن كتلةً واحدةً متجانسة، يُسأل عنها سؤالاً واحداً؛ والقرآن — على ما يتأسّس في هذا الكتاب — طبقاتٌ بمصادر مختلفة، فيه التشريع القيميّ وفيه الكونيات والقصص، ولكلٍّ نسبتُه. والثانية أنّه فرض على النصّ ثنائيةً خارجةً عنه (القديم والمحدَث)، ثمّ طالبه أن يقع في إحدى خانتيها؛ والنصّ يتكلّم بمنظومته هو: الأمرِ والخلق، والإنزالِ والتنزيل، والذاتِ المطلقةِ (الله) ومقامَي الرب والإله.

فإذا فُكّت هاتان المقدّمتان بنظرية عالم الأمر، تبيّن في القرآن ثلاثة مستوياتٍ يجب فصلها: فأمّا معانيه — تشريعِه القيميّ وحقائقِه — فمن الطبقة التي لا تتشيّأ، قائمةٌ في علم الله الأزليّ، متعاليةٌ عن الزمان، لا يطالها حدوثٌ ولا فناء، إذ المعاني في علم الله لا تحدث فيه ولا تطرأ عليه. وأمّا مصاديقه الكونية التي يحاكيها — من قصصٍ وآياتٍ وجوديةٍ تتمثّل في الواقع — فمن جنس المتشيّئ المحدَث. وأمّا تجلّيه اللفظيّ — صوتاً يُتلى وحرفاً يُرسم ومصحفاً يُجمع — فمحدَثٌ وجوديٌّ لا ريب، إذ كلّ ما دخل النسيج الزمكانيّ محدَثٌ فيه.

فيتبيّن أنّ كلّ فريقٍ أمسك بطرفٍ وأرسل الآخر: فمن نظر إلى التجلّي اللفظيّ والمصاديق الكونية قال محدَث، ومن نظر إلى المعاني القائمة في علم الله قال غير محدَث، وكلاهما حمل القرآن كتلةً واحدةً فاضطرب الجواب. والصواب أنّ القرآن في معانيه قائمٌ في علم الله متعالٍ عن الحدوث، وفي مصاديقه الكونية وتجلّيه اللفظيّ محدَثٌ وجوديّ. فانحلّ السؤال لا بترجيح أحد القولين، بل بكشف أنّه كان مصوغاً على نموذجٍ لا يطابق بنية النصّ. وهذا عينُ ثمرة نظرية عالم الأمر: أنّ المعنى قائمٌ في العلم لا يحدث، والمصداق واللفظ يتجلّيان في الوجود محدَثين. فلا الحدوثُ في اللفظ يحدّ النصَّ أو يُنضب معناه، ولا امتدادُه عبر الأزمان يقتضي نفيَ الخلق عن تجلّيه؛ فالنصّ محدَثٌ في وعائه، لا نهائيٌّ في منبعه، متجدّدٌ في عطائه.

وعلى هذا النحو نفسه يُفهم قوله تعالى ﴿وعلّم آدم الأسماء كلّها﴾، فإنّ تعليم الأسماء ليس تلقينَ ألفاظٍ تُلصَق بأشياء، بل تعليمُ المعاني المجرّدة القائمة في عالم الأمر وإدراكُ حقائق الأشياء ووظائفها قبل مصاديقها — وهو ما يُفصَّل في موضعه من هذا الكتاب.

1.2.5لماذا قال لشيء كن — الدليل اللغوي على عالم الأمر

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ . وفي الآية ذاتها دليلٌ لغويٌّ أدقّ لم نقف عنده بعد، وهو أنّ القرآن قال «لشيء كن» ولم يقل «للعدم كن». ودلالة هذا أنّ ﴿كُن﴾ خطابٌ، والخطاب يفترض مخاطَباً معروفاً موجوداً؛ فلو كان الصدور من ذات الله مباشرةً بلا سابق معرفةٍ لما احتاج النصّ إلى ذكر «شيء» قبل ﴿كُن﴾، بل لكفى أن يقول «كن فيكون» دون مخاطَب. لكنه قال «لشيء»، أي لمسمّىً معروفٍ في عالم الأمر سابقٍ في وجوده المعنويّ على وجوده المادّيّ.

﴿يس: 82

فللشيء إذن مرحلتان لا مرحلةٌ واحدة: وجودٌ معنويٌّ تصوريٌّ مسمّىً في عالم الأمر، وهو ما أراد الله له أن يكون واقعاً محسوساً؛ ثم وجودٌ مادّيٌّ محسوسٌ في عالم الخلق، وهو ما تجلّى بعد ﴿كُن﴾. فليست ﴿كُن﴾ إيجاداً من عدمٍ مطلق، بل إذنٌ بالانتقال من الوجود المعنويّ التصوريّ إلى الوجود المادّيّ الملموس.

ويقرّب هذا المعنى مثال الشمس، فالله لم يقل لها «شمس كوني»، لأنها كانت موجودةً ضمناً في عالم الأمر مسمّىً تصورياً جاهزاً بكلّ دلالاته ووظائفه وخصائصه قبل أن تتجلّى في الوجود؛ فكانت ﴿كُن﴾ إذناً بأن تنتقل الشمس من دالّها التصوريّ المعنويّ في عالم الأمر إلى مدلولها الواقع الملموس في عالم الخلق. فالشمس أولاً مسمّىً في عالم الأمر، ثم شيءٌ في عالم الخلق.

ويكشف هذا التسلسل حقيقةً تحكم كلّ فهمٍ صحيحٍ للغة القرآن، وهي أنّ كلّ اسمٍ في القرآن دالٌّ تصوريٌّ في عالم الأمر أولاً، ثم مدلولٌ واقعٌ في عالم الخلق ثانياً. فالكلمة لا تُفهم من الشيء المادّيّ المحسوس بل من التصوّر الأصليّ الذي سبقه وأوجده، وهذا هو المفتاح الذي سيفتح فهم كلمات القرآن في فصولٍ لاحقةٍ من هذا الكتاب.

1.2.6حدود عالم الأمر — محدود بهذا الوجود

يقول الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ . ففي ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ أنّ التنزّل من كلّ ما في عالم الأمر المتعلّق بهذا الوجود، والملائكة تنزل بإذن الرب لا بإذن الله، ممّا يكشف أنّ هذا التنزّل داخل مقام الربوبية في هذا الكون المحدود. فعالم الأمر المتعلّق بوجودنا محدودٌ بحدود هذا الكون، منه تُدار شؤون الوجود وتنبثق الأشياء وتتجلّى التصوّرات في الزمان والمكان.

﴿القدر: 4

ويعضد هذا قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ . فكلمات الرب واسعةٌ لا يحيط بها بحرٌ ولا مثله، لكنها محدودةٌ بهذا الوجود الكونيّ الذي نحن فيه تحت مقام الربوبية؛ ولذلك نُسبت هنا إلى الرب لا إلى الله، ممّا يكشف أنها داخل نطاق هذا الوجود لا ما وراءه.

﴿الكهف: 109

1.2.7ما وراء عالم الأمر — وجودات لا تُحصى

أمّا كلمات الله المطلقة فأمرها مختلفٌ تماماً. يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ . جاءت النسبة هنا إلى الله لا إلى الرب، وجاءت بكلّ شجر الأرض أقلاماً والبحر ممدوداً بسبعة أبحر، ثم قالت لا تنفد؛ وهذا لا يشير إلى هذا الكون وحده بل إلى ما هو أوسع منه بما لا يُقاس، أي وجوداتٌ أخرى لا نعلم عنها شيئاً ولا تتناغم بالضرورة مع خصائص وجودنا.

﴿لقمان: 27

وكما يضع المهندس مخططاً سكنياً متناغم الخصائص فلا يدمج فيه مبانيَ صناعيةً أو عسكريةً لاختلاف طبيعتها، كذلك عالم الأمر المتعلّق بوجودنا منظومةٌ متناغمة الخصائص لا تختلط بعوالم أخرى ذات خصائص مختلفةٍ تكوينياً؛ وما وراءه من وجوداتٍ أخرى فلكلٍّ منها ربما منظومتها التصورية الخاصة، ولا يعلم عنها شيئاً إلا الله.

1.2.8عالم الأمر — الجسر المعرفي من الشيء إلى الله

ثمة وظيفةٌ جوهريةٌ لعالم الأمر لا تقلّ أهميةً عن وظيفته الوجودية، وهي وظيفته المعرفية؛ فكلّ المعرفة والروح تأتي من عالم الأمر، لكنّ التمييز في النسبة يكشف تمييزاً في الغاية. فالإنسان يبدأ من عالم الشيء المادّيّ الذي يراه ويحسّه، فتنزل عليه الروح من أمر ربه لتُمكّنه من إدراك السنن الكونية وقوانين الوجود والعلوم التي تفسّر الكون من الداخل، وهذا يوصله إلى معرفة الرب المدبّر الحكيم.

يقول الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ . أمّا من سعى إلى المعرفة الفكرية الفلسفية، من تشريعٍ وفكرٍ وفلسفة وجودٍ وتقرّبٍ إلى الله وإدراكٍ للمصدرية المطلقة، فتنزل عليه الروح من أمر الله لتُمكّنه من تجاوز الوجود المادّيّ إلى ما هو فوقه.

﴿فصلت: 53

يقول الله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ . نُسبت الروح هنا إلى أمر الله لا أمر الرب، ممّا يكشف أنّ هذه المعرفة تتجاوز الوجود الكونيّ إلى ما هو فوقه، وغايتها صريحةٌ في ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾، أي الوصول إلى توحيد الله والإقرار بمصدريته المطلقة؛ وهي لا تنزل عشوائياً بل ﴿عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، أي على من سعى وطلب واجتهد في هذا الميدان.

﴿النحل: 2

والروح في الحالين خلاصة المعرفة ومغزاها، أي جوهر الشيء المركّز منه لا معلوماتٍ مبعثرة؛ فالمعرفة الحقيقية كونيةً كانت أو فلسفيةً تأتي دائماً روحاً، أي جوهراً خالصاً يوصل مباشرةً إلى الحقيقة. وهذا بعينه مسار إبراهيم عليه السلام، إذ بدأ من الشيء المادّيّ فنظر في الكوكب والقمر والشمس، ثم تجاوزها لمّا وجد فيها الأفول والزوال، وانتقل إلى معرفة الفاطر الذي فطرها.

يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ . فإراءة الملكوت، أي الباطن التصوريّ الأصليّ للأشياء لا ظاهرها المادّيّ، هي التي أوصلت إبراهيم من معرفة الرب في الشيء إلى اليقين بالله فوق الشيء.

﴿الأنعام: 75

1.2.9لماذا عالم الأمر وليس الإيجاد المباشر

سؤالٌ مشروعٌ يطرحه كلّ قارئ: إذا كان الله قادراً على الإيجاد المباشر بكن فيكون، فلماذا عالم الأمر أصلاً؟ والجواب أنّ عالم الأمر ليس قيداً على الله ولا وسيطاً يحتاجه، فالله قادرٌ على الإيجاد بلا وسيط؛ لكنه أخبرنا عن عالم الأمر لأنه المنظومة المعرفية التي أتاحها للعقل البشريّ ليدرك كيف تعمل الأشياء وما معناها وما غايتها وما مصدرها. فعالم الأمر ليس حاجة الله بل هبته للعقل البشريّ، به يدرك الإنسان أصل كلّ شيءٍ قبل تجلّيه، وبه يتجاوز الظاهر المادّيّ إلى المعنى الأصليّ الذي سبق الشيء وأوجده، وبه يصل إلى معرفة الله الذي لا تدركه الأبصار ولا يُحاط به علماً.

يقول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ .

﴿الأنعام: 103

1.2.10خلاصة الفصل

عالم الأمر هو المنظومة التصورية الكاملة التي أودعها الله من علمه الأزليّ لهذا الوجود، سابقةً على كلّ شيءٍ مادّيٍّ ومحدودةً بحدود هذا الكون. فكلّ شيءٍ في الوجود له أصلٌ تصوريٌّ في عالم الأمر قبل أن يتجلّى شيئاً مادياً، وهذا هو مفتاح فهم الكلمة والمسمّى والغاية الوجودية لكلّ ما في الكون. وعالم الأمر ليس الله ولا يُساوى به بل هو من علمه، والله فوقه وفوق كلّ وجود، وكلماته المطلقة تتجاوز عالم الأمر المتعلّق بوجودنا إلى وجوداتٍ أخرى لا تُحصى لا نعلم عنها شيئاً.

ووظيفة عالم الأمر في حقّ الإنسان مزدوجة: وجوديةٌ إذ منه تنبثق الأشياء، ومعرفيةٌ إذ منه تنزل الروح على من سعى. فمن طلب المعرفة الكونية نزلت عليه الروح من أمر ربه فأدرك السنن وقوانين الوجود، ومن طلب المعرفة الفكرية الفلسفية في التشريع والفكر وفلسفة الوجود نزلت عليه الروح من أمر الله فتقرّب منه وأدرك المصدرية المطلقة. وهذا الكتاب، أصل الوجود، ينتمي إلى هذا المسار الثاني.

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «الأمر — التصور الكامل قبل التجلي»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث