1.4

الله والرب — التمايز بين الذات والمقام

18 دقائق قراءة~3229 كلمة9 مبحثاً في هذا الفصل

1.4.1تنويه أساسي — ذات واحدة لا ذاتين

قبل الدخول في هذا الفصل لا بدّ من تنويهٍ جوهريٍّ يحصّن الفهم من البداية، وهو أنّ هذا الكتاب حين يُميّز بين الله والرب لا يقصد ذاتين منفصلتين ولا إلهين متمايزين، فالله واحدٌ أحدٌ لا شريك له ولا ثاني معه ولا انقسام في ذاته. وإنما الذات الواحدة الأزلية لها فيما أوجدت مقام التدبير الربوبيّ داخل الوجود؛ فالله اسم الذات المطلقة خارج الوجود وما قبله وما بعده، والرب مقام تلك الذات ذاتها في تدبير ما خلق داخل الوجود عبر السنن والآليات الكونية.

فالتمييز وظيفيٌّ معرفيٌّ لا جوهريّ، كما أنّ الشمس هي الشمس ذاتها لكنّ ضوءها في غرفتك ليس هو الشمس بل أثرٌ من آثارها؛ فالذات واحدة، والتجلّي في الوجود مقامٌ وظيفيٌّ لتلك الذات لا ذاتٌ مستقلّةٌ ولا إلهٌ ثانٍ.

يقول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . فالأحدية المطلقة لا تقبل التجزئة ولا التعدّد ولا الانقسام، والتمييز بين الذات والمقام تمييزٌ وظيفيٌّ معرفيٌّ لا تمييزٌ في الجوهر. وليس هذا التمييز اجتهاداً تفسيرياً، بل هو ما يقوله النصّ القرآنيّ ذاته حين يستعمل الاسمين في سياقاتٍ مختلفةٍ بدقّةٍ لا تقبل العشوائية؛ ومن أدركه انفتح له فهم كثيرٍ ممّا أُشكل على المفسّرين قروناً.

﴿الإخلاص: 1

1.4.2التمييز الجوهري — الذات خارج الوجود والمقام داخله

الله في استعماله القرآنيّ الدقيق يشير إلى الذات المطلقة الأزلية الخارجة عن الوجود كلّه، التي كانت قبل الوجود وتبقى بعد فنائه وتحيط به من خارجه لا من داخله؛ وكلّ خطابٍ بهذا الاسم يتعلّق بالتشريع الكلّيّ السابق على الوجود أو بالحقائق المطلقة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان. والرب في استعماله القرآنيّ الدقيق يشير إلى مقام تلك الذات ذاتها في تدبير الوجود المخلوق، الراعي لكلّ مخلوقٍ المدبّر لشؤون الكون عبر السنن والقوانين الكونية التي أذن الله لها أن تعمل داخل الحيز الزمكانيّ.

ولعلّ أدقّ ما يكشف هذا التمييز ويُثبته من داخل النصّ القرآنيّ ذاته دليلٌ بلاغيٌّ توحيديٌّ لا يحتاج إلى استدلالٍ خارجيّ، وهو أنّ «الله» يأتي في القرآن معرَّفاً دائماً بذاته، لا يأتي نكرةً ولا مضافاً إلى أحدٍ ولا منسوباً إلى شيء، لأنه اسم علمٍ على الذات المطلقة التي تعريفها من داخلها لا من علاقتها بغيرها. أمّا «الرب» فلا يأتي في القرآن معرَّفاً وحده مستقلاً أبداً، بل لا يُعرَّف إلا بالإضافة، كربّنا وربّكم وربّ العالمين وربّ موسى، لأنه مقامٌ وظيفيٌّ علائقيٌّ لا يوجد ولا يُفهم إلا في علاقته بمن يربّه ويدبّره؛ فبدون الإضافة يبقى «رب» مفهوماً معلّقاً لا يكتمل معناه، أمّا «الله» فمعناه تامٌّ في ذاته لا يحتاج إلى علاقةٍ تُكمله.

فالله معرَّفٌ من الداخل لأنه ذات، والرب لا يتعرّف إلا بالإضافة لأنه مقام. وفي هذا التمييز البلاغيّ الدقيق آيةٌ قرآنيةٌ داخليةٌ على أنّ الله ذاتٌ مطلقةٌ لا تنتسب إلى أحدٍ ولا تُعرَّف بعلاقتها بشيء، بينما الرب مقام تجلٍّ يُعرَّف بمن تجلّى فيه.

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ . فالله هو الرب، ذاتٌ واحدة، لكنّ التدبير داخل الوجود هو الوظيفة الربوبية لتلك الذات؛ فالخلق من الله، والتدبير بالربوبية، والذات واحدة. وحين قالت الآية ﴿رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ جمعت في جملةٍ واحدةٍ بين المقام المضاف «ربّكم» وبين الذات المعرَّفة بنفسها «الله»، فأثبتت الوحدة وميّزت المقامين في آنٍ واحد.

﴿يونس: 3

1.4.3المفرد والمثنى الوظيفي — أنا وإنا نحن

من أدقّ ما يكشفه هذا التمييز الفهمُ الصحيح لصيغ الخطاب الإلهيّ في القرآن، فالله يتحدّث عن نفسه أحياناً بالمفرد «أنا» وأحياناً بالمثنى الوظيفيّ «إنا نحن»؛ وليس هذا تعظيماً ملكياً كما يُظنّ، إذ الله لا تعظّمه كلمةٌ بل هو عظيمٌ بذاته، بل هو دلالةٌ دقيقةٌ على نوع الفعل ومستواه.

فالمفرد «أنا» يختصّ بما يصدر من الذات المطلقة وحدها، من التوحيد والعبادة المطلقة والتشريع الكلّيّ الصادر بأمر الله مباشرةً من خارج الوجود، لا يشترك فيه أحدٌ ولا يتجلّى عبر سنّة. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ . فهذا خطاب ذاتٍ مطلق، توحيدٌ وتشريعٌ يصدر من الذات بأمرها مباشرةً لا يحتمل وساطةً ولا سنّةً ولا آلية. وكذلك التنزيل الكلّيّ بعمومه، أي جلّ القرآن من تشريعٍ وهدايةٍ مطلقة، يأتي بالمفرد لأنه صادرٌ عن الذات الإلهية بأمرها وعلمها مباشرة. يقول الله تعالى: ﴿لَٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 166]. ففي ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ مصدريةُ الله في جعل المحتوى الفكريّ مدرَكاً للإنسان من داخل النصّ ذاته، وهي خاصيةٌ إلهيةٌ لأنّ الإدراك الداخليّ للنصّ من أمر الله؛ وفي ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ شهادةٌ على صدق هذا الإنزال، لأنّ الإدراك الداخليّ لله وحده لا يشاركه فيه أحد.

﴿طه: 14

وهنا يتبيّن الفرق الجوهريّ بين الإنزال والوحي. فالإنزال، من «أنزل»، يختصّ بالتشريع الكلّيّ المطلق الصادر من الذات الإلهية بأمرها المباشر من خارج الوجود، وهو ثابتٌ لا يتغيّر لأنه من الذات الإلهية خارج الزمان. والوحي يختصّ بما يُوحى به من قصصٍ وآياتٍ كونيةٍ وسننٍ وجودية، وهو ربوبيٌّ يجري عبر آليات الوجود. يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ . ففرّقت الآية بين الوحي والإنزال في جملتين منفصلتين ولم تدمجهما، فمن ادّعى الوحي كذباً غير من ادّعى الإنزال كذباً، وهذا يُثبت أنهما أمران مختلفان لا يُدمجان.

﴿الأنعام: 93

أمّا المثنى الوظيفيّ «إنا نحن» فدلالةٌ على اشتراك مصدرية الله مع تحقّقه الوجوديّ عبر السنن والآليات الكونية، ويظهر بجلاءٍ في تنزيل الذكر تحديداً. وقد يتساءل القارئ: لماذا نسمّيه مثنى وظيفياً والضمير جمع؟ والجواب أنّ العربية لا تملك ضمير متكلّمٍ للمثنى، فـ«نحن» هي الوعاء اللغويّ الوحيد لكلّ ما تجاوز المفرد، والسياق القرآنيّ هو الفيصل في تحديد المعنى.

والذكر ليس جلّ التنزيل كما يُفهم، بل هو ما يُذكَّر به الإنسان من قصصٍ وآياتٍ كونيةٍ وسننٍ وجودية، ممّا يرقى به ويسمو ويُنجيه من عذاب الآخرة لما يحتويه من ذكر الحساب والجنة والنار، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، أي القرآن الحامل للذكر الذي يُحيي ويُذكّر. وجاء تنزيل الذكر بالمثنى الوظيفيّ لأنه يشترك في تنزيله مصدريةُ الله بعلمه وأمره، والمحتوى المخصَّص بالذكر الذي يُعنى بالسنن الربوبية الكونية والآيات الوجودية. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . ففي ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ اشتراكٌ وظيفيٌّ بين مصدرية الله بعلمه وأمره وبين ما يحتويه الذكر من آياتٍ سننيةٍ كونيةٍ ربوبيةٍ تحاكي الإنسان واقعاً مدرَكاً.

﴿الحجر: 9

يقول الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ . ففي ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ إيصال المحتوى النوعيّ من آيات الوجود والسنن والقصص تدريجاً بإذن الرب، وهذا التنزيل لا يُفيد الإدراك الداخليّ بذاته، لأنّ الإدراك الداخليّ من أمر الله وحده. وأمّا ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فحفظٌ على مستويين: مستوى حفظ النصّ من الله، وهو ثابتٌ بأمره لا يتبدّل ولا يتغيّر، فالنصّ محفوظٌ بأمر الله المطلق من خارج الوجود؛ ومستوى حفظ ما يحاكي الوجود، وهو ربوبيٌّ كونيٌّ لأنه في لوحٍ محفوظٍ هو الوجود المبين لآيات الله، فما في الذكر من آياتٍ كونيةٍ وسننٍ وجوديةٍ محفوظٌ بما يطابق الوجود ذاته. فالنصّ محفوظٌ نصاً بأمر الله، ومحفوظٌ فعلاً بما يطابق الوجود.

﴿القدر: 4

ومن هم «نحن»؟ هم الذات الإلهية المطلقة باعتبار مصدريتها بعلمها وأمرها، مع مقام تدبيرها الربوبيّ في الوجود الذي يُجري الأمر عبر السنن والملائكة وفق إرادته. فليس «نحن» جمعاً لذاتٍ ومخلوقاتها، بل وصفٌ لاجتماع مقام الذات ومقام تدبيرها في الفعل الواحد، على ما تأسّس في المثنى الوظيفيّ؛ والملائكة والسنن أدواتُ التنفيذ في مقام التدبير لا أنّها داخلةٌ في الضمير.

1.4.4التشريع الكلي والتدبير السنني — الحكم نوعان

الحكم في القرآن نوعان لا نوعٌ واحد، وهذا التمييز يحلّ إشكالياتٍ تفسيريةً عديدة، ويكشف دقّة النصّ في التمييز بين ما يصدر من الذات المطلقة وما يتجلّى في الوجود عبر السنن.

فالنوع الأول حكم الله التشريعيّ المطلق، وهو التشريع الكلّيّ الصادر من الذات الإلهية خارج الوجود، سابقٌ على الزمان والمكان، لا يتغيّر ولا يُنسخ إلا بإذنٍ من الذات ذاتها، قانونٌ كلّيٌّ عامٌّ يسري على الجميع بلا استثناءٍ ولا تقييدٍ بزمانٍ أو حال. يقول الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ، وهذا إثباتٌ أنّ مصدر التشريع الكلّيّ لله وحده، لا يُشارَك فيه ولا يُفوَّض. ومن أجلى نماذجه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90]، فالعدل والإحسان وصلة الرحم والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي قوانين كلّيةٌ مطلقةٌ من ذات الله لا تتقيّد بزمانٍ ولا مكانٍ ولا أمّةٍ بعينها، سابقةٌ على أيّ تجلٍّ وجوديّ. ويقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِلَّا أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [الزمر: 53]، فالمغفرة مبدأٌ كلّيٌّ مطلقٌ من ذات الله، قانونٌ عامٌّ سابقٌ على أيّ حالٍ لا يتقيّد بزمانٍ ولا شخصٍ ولا حال. ويقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: 25]، فالهداية المطلقة من الله معيارٌ كلّيٌّ سابقٌ على أيّ تجلٍّ في الوجود.

﴿يوسف: 40

والنوع الثاني التدبير الربوبيّ وتفعيل التشريع داخل الوجود، وهو تجلّي التشريع الكلّيّ في الوجود عبر السنن والآليات الكونية، حين يطلب العبد تفعيل ذلك التشريع في حاله بعينه، أو حين تتجلّى السنن الكونية في الفصل بين الخلق. وأوّل ما يكشفه هذا التجلّي قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . ففي ﴿تَمَّتْ﴾ أنها تجلّت ونفّذت في الوجود، فالكلمة كانت تشريعاً ثابتاً من الله في عالم الأمر، فلمّا تجلّت في الوجود صدقاً وعدلاً جاءت منسوبةً إلى الرب لأنّ التجلّي والتنفيذ ربوبيّ؛ فالتشريع الكلّيّ من الله، وتمامه وتجلّيه في الوجود للرب. وفي ﴿لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أنّ ما تجلّى من التشريع الإلهيّ في الوجود لا يُبدَّل ولا يُغيَّر لأنّ أصله ثابتٌ في علم الله الأزليّ.

﴿الأنعام: 115

ويتفعّل هذا في الوجود في صورٍ شتّى. ففي تفعيل المغفرة يقول الله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: 193]، فطلب تفعيل المغفرة داخل الوجود نُسب للرب لأنّ التفعيل يجري عبر التوبة والعمل الصالح والسنن الربوبية داخل الحيز الزمكانيّ، فالتشريع الكلّيّ من الله والتفعيل في الوجود من الرب. وفي تفعيل الهداية يقول الله تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: 9]، فالهداية الكلّية من الله لكنّ تفعيلها في الوجود ربوبيٌّ سننيٌّ مرتبطٌ بإيمان العبد وسعيه. وفي الحكم السننيّ الكونيّ يقول الله تعالى: ﴿رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: 112]، فطلب تفعيل الحكم السننيّ داخل الوجود نُسب للرب لأنه يتجلّى عبر السنن. ويقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: 124]، فالحكم يوم القيامة بين المختلفين في السبت ربوبيٌّ لأنه فصلٌ في خلافٍ تعلّق بسنّةٍ ربوبيةٍ بيئية، إذ السبت تنظيمٌ سننيٌّ ربوبيٌّ وُضع لمن اختلفوا فيه وفق طبيعة بيئتهم وسننها، لا تشريعٌ كلّيٌّ مطلق.

﴿نوح: 28

وتجمع آيةٌ واحدةٌ المستويين معاً في صورةٍ بليغة. يقول الله تعالى: ﴿آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ . ففي ﴿آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ﴾ الإيمانُ بالتشريع الكلّيّ المطلق من الله، وفي ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ تطبيقُ العدل في الوجود تجلياً ربوبياً تفاعلياً، وفي ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ ذاتٌ واحدةٌ في مقامين، وفي ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ الجمعُ بين الأمم بالتشريع المطلق من الله.

﴿الشورى: 15

فالقاعدة الجامعة أنّ التشريع الكلّيّ العامّ من الله، صادرٌ من الذات المطلقة خارج الوجود، قانونٌ عامٌّ سابقٌ على أيّ حال؛ وتفعيل التشريع في الوجود ربوبيٌّ، يتجلّى عبر السنن والآليات الكونية داخل الحيز الزمكانيّ، مرتبطٌ بحال العبد وسعيه. ومن أدرك هذا الفارق أدرك لماذا تُنسب المغفرة الكلّية لله ويُوجَّه الاستغفار للرب، ولماذا الهداية المطلقة من الله والهداية التفاعلية من الرب، ولماذا الحكم الكلّيّ لله والحكم السننيّ للرب، ولماذا تمّت كلمة الرب لا كلمة الله، لأنّ التمام تجلٍّ في الوجود والتجلّي ربوبيّ.

وهذا التدبير الربوبيّ لا يقف عند تفعيل التشريع في اللحظة، بل يمتدّ إلى كيفية فهم الثابت الإلهيّ وتطبيقه عبر الزمن. فالثابت المطلق من الله واحدٌ لا يتبدّل في جوهره، والربوبيةُ تتلقّاه فتُنزِله على واقع كلّ عصرٍ بما يحاكي تطوّر الإنسان في وعيه وأدواته. فليست وظيفة الرب أن يستحدث جوهراً جديداً يزاحم الثابت، بل أن يفصّل كيفية إدراكه وصور تطبيقه، فيبقى العدل عدلاً في محكمه الأزليّ، ويتجدّد فهمُ مداه عبر الأجيال. وبهذا يكون التمييز بين المقامين تمييزَ وظيفةٍ لا تمييزَ محتوى: مقام الله يحمل الثابت المطلق في جوهره، ومقام الرب يحمل كيفية تنزيله على الزمن فهماً وتطبيقاً. ومن ثمّ كان ما يتكشّف للإنسان من فهمٍ متجدّدٍ للثابت تدبيراً ربوبياً يجري في الزمكان، لا ثابتاً جديداً يُنشأ، إذ الثابت قائمٌ منذ الأزل، وإنّما يتجدّد إدراك الإنسان له كلّما ارتقى وعيه.

1.4.5البقاء والفناء — خارج الوجود وداخله

من أبلغ ما يُميّز الذات الإلهية عن مقام الربوبية الفارقُ بين البقاء المطلق والفناء الوجوديّ، وقد جاء هذا التمييز في آيتين متقابلتين تحمل كلٌّ منهما دلالةً مختلفةً عن الأخرى.

يقول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ . ففي ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ كلُّ ما دخل دائرة الشيئية والوجود الكونيّ برمّته، وهو هالك؛ فالهلاك هنا ليس فناء الأحياء فحسب بل هلاك الوجود كلّه، لأنّ كلمة «شيء» تشمل كلّ ما دخل الحيز الزمكانيّ. وجُعل مقابله وجه الله، أي الذات الإلهية المطلقة خارج الوجود، لأنّ الله ليس شيئاً ولم يدخل دائرة الشيئية فلا يطاله الهلاك.

﴿القصص: 88

ويقول الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ . ففي ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ كلُّ من على الأرض من أحياءٍ وبشرٍ وكائنات، وهو فانٍ يوم القيامة عند الانتقال من هذا الوجود إلى الحساب والجنة والنار. وجُعل مقابله وجه الرب، أي المقام الربوبيّ، لأنّ الحساب والجزاء تجلٍّ ربوبيٌّ يتجلّى داخل الوجود بعد فناء من عليها.

﴿الرحمن: 26-27

والفارق الجوهريّ بين الآيتين أنّ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ هلاكُ الوجود كلّه في مقابل بقاء ذات الله المطلقة خارج الوجود، وأنّ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ فناءُ الأحياء على الأرض يوم القيامة في مقابل بقاء المقام الربوبيّ الذي يتجلّى في الحساب والجزاء. فالذات الإلهية باقيةٌ لأنها خارج الوجود كلّه، والمقام الربوبيّ باقٍ بعد فناء من على الأرض لأنّ الحساب والجزاء يتجاوزان هذا الوجود المادّيّ.

1.4.6كلمات الله وكلمات الرب — المطلق والمحدود

يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ . فكلمات الله لا تنفد، نُسبت إلى الله لأنها تتجاوز هذا الوجود كلّه إلى ما لا يُحصى من وجوداتٍ أخرى لا نعلم عنها شيئاً؛ فكلام الله المطلق لا يُختزل في هذا الكون ولا يُحاط به.

﴿لقمان: 27

ويقول الله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ . فكلمات الرب واسعةٌ لا يحيط بها بحرٌ، لكنها محدودةٌ بهذا الوجود الكونيّ الذي نحن فيه تحت مقام الربوبية؛ فالكلمات هنا نُسبت إلى الرب لأنها تتعلّق بهذا الكون وسننه وتدبيره. فكلمات الله المطلق تتجاوز كلّ وجود، وكلمات الرب واسعةٌ محدودةٌ بهذا الكون.

﴿الكهف: 109

1.4.7الزمان في المقامين — الأزل والتدبير

يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ . ففي ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ أنّ ذات الله خارج الزمان كلّه، لا يحدّها زمانٌ ولا يسبقها ولا يلحقها. أمّا الزمان في مقام الله المطلق فمختلفٌ جوهرياً عن أيّ مقياسٍ بشريٍّ أو كونيّ. يقول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]. فيومٌ عند الله مقداره خمسون ألف سنة، وهذا يتجاوز كلّ إدراكٍ بشريٍّ ويشير إلى أنّ ما يتعلّق بالله المطلق خارج أيّ قياسٍ زمنيٍّ يستطيع الإنسان استيعابه.

﴿الحديد: 3

أمّا الزمان في مقام الربوبية فله مقياسٌ أقرب وإن كان أوسع من مقياسنا. يقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ . فيومٌ عند الرب كألف سنةٍ من سنواتنا، وهذا زمانٌ داخل الوجود الكونيّ وإن كان أوسع من زماننا البشريّ؛ فالمقام الربوبيّ يعمل داخل الزمان الكونيّ وله مقياسه الخاصّ ضمن الوجود. فذات الله خارج الزمان كلّه، والمقام الربوبيّ داخل الزمان الكونيّ وإن اتّسع.

﴿الحج: 47

1.4.8نماذج قرآنية — لماذا نُسب هذا لله وذاك للرب

تتجلّى القاعدة في نماذج متعدّدةٍ يكشف كلٌّ منها وجهاً من وجوه التمييز. ففي المغفرة، يغفر الله الذنوب جميعاً تشريعاً كلّياً مطلقاً سابقاً على الوجود لا يتقيّد بزمانٍ ولا حال، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ؛ أمّا تفعيل المغفرة داخل الوجود فربوبيٌّ يجري عبر التوبة والسنن، كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: 16]، وقوله سبحانه: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: 28].

﴿الزمر: 53

وفي الهداية، هدايةُ الله تشريعٌ كلّيٌّ مطلقٌ ثابتٌ معيارٌ لا يُجادَل، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: 120]؛ أمّا هداية الرب فتفاعليةٌ سننيةٌ تتجلّى داخل الوجود بحسب إيمان العبد وسعيه، كما في قوله تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: 9]، وقوله سبحانه: ﴿عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: 24].

﴿يونس: 25

وفي التوفّي والحساب، يتوفّى الله الأنفس لأنها تخرج من الحيز الزمكانيّ إلى حفظه، فالتوفّي من الله لأنه خارج الوجود. يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . فجمعت الآية بين النفس المتوفّاة والنفس النائمة في معيارٍ واحد، إذ كلتاهما تخرجان من الحيز الزمكانيّ بقدرة الله؛ ومن هنا يُفهم أنّ النفس المتوفّاة في حفظ الله لا يمرّ عليها الزمن كالنائم الذي يصحو ولا يدرك قدر ما نام، وإنّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكّرون. ثم ترجع النفس إلى ربها للحساب، لأنّ الحساب تجلٍّ ربوبيٌّ داخل الوجود، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28].

﴿الزمر: 42

وفي الإحياء يلزم تنويهٌ أولاً، فالموت في القرآن نوعان لا نوعٌ واحد: موت الفكر والإدراك، وهو الغفلة عن الهدى والإعراض عن الآيات، وجمعه «موتى»؛ وموت الهلاك الجسديّ، وهو انقطاع الحياة المادّية، وجمعه «أموات». يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ . فهؤلاء أمواتٌ بالهلاك الجسديّ لكنهم أحياءٌ عند ربهم، لأنهم لم يكونوا موتى فكراً وإدراكاً بل كانوا أحياءً بالهدى؛ والإحياء الذي يعنينا هنا إحياء الموتى فكراً لا إحياء الأموات جسداً. فالموتى في القرآن موتى الفكر والإدراك، من أعرض عن الهدى وغفل عن الآيات، والإحياء إحياءٌ بالهدى والمعرفة لا إحياءٌ جسديٌّ تكوينيّ. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]، ويقول سبحانه: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: 122]، ويقول تعالى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: 9]. فالإحياء المطلق من الله، إحياءُ الفكر الميت بما أنزل من هدىً وآيات. أمّا في التطبيق الوجوديّ فيأتي المثنى الوظيفيّ، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: 12]. ففي ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ اشتراكٌ وظيفيٌّ بين الإرادة الإلهية فيما أنزل من كتابٍ وتجلّي المقام الربوبيّ عبر السنن الكونية في إيصال الهدى، فمن استجاب وعمل قدّم لحياته وخلّد آثاره وكُتب له ذلك.

﴿آل عمران: 169

وفي الدعاء والاستجابة نوعان أيضاً لا نوعٌ واحد، وهذا التمييز يحلّ إشكاليةً عميقةً في فهم العلاقة بين الإنسان وربه. فالنوع الأول دعاء الرب، وهو ما يُطلب فيه تفعيلٌ داخل الوجود عبر السنن، واستجابته ربوبيةٌ سننيةٌ تجري وفق آليات الوجود، كما في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ ، وقوله سبحانه: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: 40]. والنوع الثاني دعاء الله، وهو ما تستحيل فيه السنن وينقطع العبد عن الأسباب كلّياً، واستجابته من خارج السنن مشروطةٌ بالإخلاص والتقوى، كما في قوله تعالى: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: 22]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. ففي ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ دلالةٌ صريحةٌ على أنّ هذا الرزق من خارج الحساب السننيّ المعتاد، أي تدخّلٌ إلهيٌّ مباشرٌ لا يجري عبر آليات الوجود المعتادة، فالتقوى مفتاح هذا الباب الذي يتجاوز السنن إلى ما هو فوقها. والفارق الجوهريّ أنّ دعاء الرب يسير مع السنن ويطلب تفعيلها، ودعاء الله يطلب التدخّل من خارج السنن حين تعجز عن الاستجابة، وكلاهما مشروعٌ لكن كلٌّ منهما في موضعه الذي يناسبه.

﴿آل عمران: 38

1.4.9خلاصة الفصل

الله والرب ليسا اسمين مترادفين ولا ذاتين منفصلتين، بل هما ذاتٌ واحدةٌ أزليةٌ تتجلّى في مقامين متمايزين وظيفياً. فالله الذات المطلقة خارج الوجود، مصدر التشريع الكلّيّ والحقائق المطلقة، لا يحدّه زمانٌ ولا يحيط به وجود، كلماته لا تنفد وتتجاوز كلّ وجود، ووجهه باقٍ حين يهلك كلّ شيء، وقوله هو فعله بلا آليةٍ ولا زمان. والرب مقام تلك الذات ذاتها في تدبير الوجود المخلوق، يعمل عبر السنن والآليات الكونية داخل الحيز الزمكانيّ، كلماته واسعةٌ لكن محدودةٌ بهذا الكون، ووجهه باقٍ بعد فناء ما على الأرض، فعّالٌ لما يريد عبر آليات الوجود.

والمفرد «أنا» خطاب الذات المطلقة في التشريع الكلّيّ، و«إنا نحن» دلالةٌ على الاشتراك الوظيفيّ بين الإرادة الإلهية المطلقة والسنن الكونية في إنجاز الفعل داخل الوجود؛ فليس في «إنا نحن» تعظيمٌ ملكيٌّ بل وصفٌ دقيقٌ لآلية عمل الإرادة الإلهية داخل الوجود عبر السنن والملائكة والآليات الكونية. ومن أدرك هذا التمييز أدرك لماذا تأتي بعض الآيات بالله وبعضها بالرب، ولماذا الحكم في التشريع لله والحكم في التدبير السننيّ للرب، ولماذا كلمات الله لا تنفد وكلمات الرب يسبقها نفاد البحر، ولماذا التوفّي لله والحساب للرب، ولماذا دعاء الله حين تستحيل السنن ودعاء الرب حين تجري السنن؛ وهو مفتاحٌ لا غنى عنه لفهم أيّ مفهومٍ قرآنيٍّ على حقيقته.

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «الله والرب — التمايز بين الذات والمقام»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث