- أصل الوجود
- الله وأصل الوجود
- الله — الذات المطلق قبل كل شيء
الله — الذات المطلق قبل كل شيء
1.1.1البداية التي لا قبلها
قبل أن يكون شيءٌ كان الله، لا زمان يسبقه ولا مكان يحويه ولا وجود يتقدّمه. وليست هذه عبارةً شعريةً ولا مجازاً بلاغياً، بل هي الحقيقة الوجودية الأولى التي يقوم عليها كلّ فهمٍ صحيحٍ لأصل الوجود. ومن لم يُثبّتها في عقله وقلبه قبل كلّ شيء وقع في الخلط بين الخالق والمخلوق، وبين الأصل والفرع، وبين المصدر والتجلّي، وهو الخلط الذي أزاح كثيراً من المفاهيم القرآنية عن حقيقتها.
يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . فهو الأوّل بلا بدايةٍ إذ لا شيء قبله، والآخر بلا نهايةٍ إذ لا شيء بعده، والظاهر بما خلق إذ يُعرف بتجلّياته في الوجود، والباطن بما أخفى إذ لا يُدرك من ذاته إلا ما أذن بإدراكه، وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ إذ يحيط علمه بكلّ ما كان وما يكون. فالله سابقٌ على كلّ شيءٍ ومحيطٌ بكلّ شيءٍ وخارجٌ عن حدود كلّ شيءٍ في آنٍ واحد.
1.1.2الله ليس شيئاً
الشيء في لسان القرآن كلّ ما دخل دائرة الوجود المادّيّ أو الكونيّ المخلوق، أي كلّ ما له حدٌّ ويُحاط به ويقبل الإدراك الحسّيّ أو الذهنيّ ضمن حدودٍ مخلوقة. والله ليس شيئاً بهذا المعنى، فلا يُحدّ ولا يُحاط به ولا يدخل دائرة المخلوق.
يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . ففي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ نفيٌ مطلقٌ لأيّ مشابهةٍ بين ذات الله وأيّ شيءٍ في الوجود، وفي ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إثباتٌ للصفة بلا تشبيهٍ ولا تكييف، فالله يسمع ويبصر، لكن سمعه وبصره ليسا كسمع المخلوقات وبصرها، بل صفتان ذاتيتان تتجاوزان كلّ مفهومٍ مخلوق.
ويزداد هذا الفهم إحكاماً في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ . فكلّ ما دخل دائرة الشيئية إلى فناء، وما استثني إلا وجهه، أي ذاته التي لم تدخل دائرة الشيئية أصلاً فلا يطالها الهلاك. وفي هذا ما يكشف أنّ الله ليس شيئاً، إذ الشيء هالكٌ والله باقٍ.
1.1.3الله يُسأل عنه كأكبر شاهدٍ لا كشيءٍ من الأشياء
وفي موضعٍ آخر يطرح القرآن السؤال مباشرةً ويجيب عنه جواباً كاشفاً. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ . جاء السؤال بصيغة ﴿أَيُّ شَيْءٍ﴾، فما كان الجواب «الله شيء» بل ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ﴾؛ فلا يُصنّف الله ضمن الأشياء حتى حين يُسأل عنه بصيغة الشيء، بل يتجاوز الجواب نحو مقامه فوق الشيئية. وشهادته ليست فعلاً يؤدّيه كما يؤدّي المخلوق شهادته، بل إحاطةٌ مطلقةٌ وعلمٌ تامٌّ لا يُكتسب ولا يسبقه جهلٌ ولا يلحقه نسيان.
1.1.4الله خالق كلّ شيءٍ لا واحدٌ منها
الفارق بين الله والوجود ليس فارق درجةٍ ولا مستوى، بل فارق نوع؛ فالله خالق الأشياء وليس من جنسها. يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الرعد: 16]. ففي ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أنّ الشيئية كلّها، بما تحويه من مادّةٍ ومعنىً ومخلوقٍ وزمانٍ ومكان، من خلقه؛ والخالق لا يكون مخلوقاً ولا يدخل دائرة ما خلق. ومن هنا تكون كلّ محاولةٍ لتصوير الله ضمن الوجود أو إدراجه في دائرة الشيئية خلطاً بين الخالق والمخلوق، وهو الخطأ الأوّل الذي يُفسد كلّ فهمٍ لاحق.
1.1.5ذات الله والفعل — القول هو الفعل ذاته
من أدقّ ما ينبغي فهمه في هذا الفصل أنّ ذات الله لا تُوصف بالفعل كما نفهمه نحن في الوجود، لأنّ الفعل في عالمنا حركةٌ وآليةٌ وزمانٌ وانتقالٌ من حالٍ إلى حال، وكلّ ذلك من خصائص المخلوق لا الخالق. فالإنسان إذا أراد شيئاً احتاج أن يفعله بآليةٍ وزمانٍ وجهدٍ وأدوات، أمّا الله إذا أراد شيئاً فيقول له كن، فيكون القول وحده هو الفعل، والتحقّق بلا فاصلٍ ولا آليةٍ ولا زمان.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ، ويقول سبحانه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117]. ففي ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ أنّ الأمر مع المراد يكون ما أراد تماماً وفوراً بلا فاصلٍ ولا آليةٍ ولا زمان؛ فذات الله لا تفعل كما يفعل المخلوق، بل قولها هو الفعل ذاته، وإرادتها هي التمام بلا نقصٍ ولا انتظار. فالفعل هنا ليس مخلوقاً منفصلاً عن الإرادة، بل هو الإرادة ذاتها متجلّيةً، فلا فاصل بين أن يريد الله شيئاً وبين تحقّقه.
أمّا في مقام الربوبية داخل الوجود المخلوق فالأمر مختلف، إذ الفعل هناك مخلوقٌ يتجلّى عبر السنن والآليات الكونية وفق إرادة الرب في التدبير. والوجود نفسه مجموع الأفعال المتناغمة أو المتعارضة بحسب المعرفة والفكر والإرادة البشرية، تتفاعل وتتشابك وتتصادم أو تنسجم ضمن السنن الكونية التي أذن الله لها أن تعمل في الوجود.
يقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ . فالفعّال من يفعل في الوجود عبر آليات السنن الكونية، وهذا هو مقام الربوبية، إذ إرادة الرب مع ما أراده الله في الوجود تكون فعّالةً لما تريد. فالفعل هنا مخلوقٌ يتجلّى في عالم الزمان والمكان لا في ذات الله المطلقة التي تتجاوز الفعل بمفهومه المخلوق؛ والسنن ليست آلياتٍ مستقلّةً تعمل بذاتها، بل هي إرادة الرب المستمرّة في الوجود، أذن لها أن تعمل فعملت بإذنه لا باستقلالها عنه.
ويتبيّن الفارق بين المقامين في أنّ ذات الله قولها هو مرادها، بلا آليةٍ ولا زمان، تمامٌ مطلقٌ تتّحد فيه الإرادة والتحقّق؛ بينما مقام الربوبية فعّالٌ لما يريد، فعلُه مخلوقٌ يتجلّى في السنن، تدبيراً داخل الوجود تفصل فيه بين الإرادة والتحقّق آليةٌ وزمان. ومن هنا يظهر لماذا لا يُوصف الله بالفعل المطلق كما يُوصف الرب، إذ الفعل مخلوقٌ والله خالق الفعل؛ فوصف الله بالفعل كما يُفهم في الوجود المخلوق خلطٌ بين الخالق والمخلوق، أمّا وصف الرب بالفعل فصحيحٌ لأنه يتجلّى في الوجود المخلوق عبر السنن والآليات التي أذن الله لها أن تعمل.
1.1.6التمام مقابل الكمال — الذات مقابل المقاممن
أدقّ ما يُقيمه هذا الفصل التمييزُ بين ما ينتمي إلى ذات الله وما ينتمي إلى مقام الربوبية في الوجود، وليس هذا التمييز ترفاً فكرياً، بل مفتاحٌ لفهم كلّ المفاهيم القرآنية التي سيتناولها الكتاب. فذات الله هي المصدر المطلق، وكلّ ما يُنسب إليها يتجاوز الحدّ والآلية والزمان؛ ومقام الربوبية هو التجلّي في الوجود، وكلّ ما يُنسب إليه يجري عبر السنن والآليات داخل الحيز الزمكاني. وبين المصدر والتجلّي فوارق جوهرية. فالعلم عند ذات الله مطلقٌ أزليٌّ لا يُكتسب، أمّا البحث والاكتساب فمن خصائص المخلوق في مقام الربوبية. والبقاء ينتمي إلى ذات الله، أمّا الدوام فاستمرارٌ داخل الوجود المخلوق. والقدرة المطلقة تنتمي إلى ذات الله، أمّا المقدرة عند الاستطاعة فمن خصائص المخلوق. والإرادة المطلقة تنتمي إلى ذات الله، أمّا الإرادة داخل الوجود فهي التدبير حيث يجري الفعل ضمن المعطيات في الوجود المحدود. والتمام ينتمي إلى ذات الله، أي ما لا يقبل الزيادة لأنه كاملٌ في ذاته أزلاً، أمّا الكمال فوصفٌ لما بلغ غايته داخل الوجود المخلوق. فالذات هي الأصل المطلق، والمقام هو الوظيفة التي تتجلّى بها الذات ضمن سنن الوجود. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص] ففي ﴿أَحَدٌ﴾ أنه واحدٌ لا ينقسم ولا يتعدّد ولا يشاركه أحدٌ في ذاته، وفي ﴿الصَّمَدُ﴾ أنه المقصود لذاته الذي لا يحتاج شيئاً ولا يفتقر إلى شيء، وهو وصفٌ لذاته لا لمقامه، وفي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ أنه خارج دائرة السببية والتوالد والانتساب، وفي ﴿لَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أنه لا مثيل له ولا نظير ولا مقارنة، لا في الذات ولا في المقام.
1.1.7تنويه جوهري — الوحدة المطلقة لا تعدد الذوات
حين يُميّز هذا الكتاب بين ذات الله ومقام الربوبية، فليس المقصود تعدّد الذوات ولا انقسام الله إلى جوهرين أو مستويين منفصلين، فالله واحدٌ أحدٌ لا شريك له ولا ثاني معه ولا انقسام في ذاته. وإنما المقصود أنّ الذات الواحدة الأزلية لها فيما أوجدت مقام التدبير الربوبيّ، فهو سبحانه يُدبّر ما خلق من داخل الوجود بما أذن لسننه أن تعمل فيه. فالذات واحدةٌ، والمقام وظيفةٌ تتجلّى بها تلك الذات الواحدة في الوجود المخلوق، لا ذاتٌ مستقلّةٌ ولا إلهٌ ثانٍ.
يقول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . فالأحدية المطلقة لا تقبل التجزئة ولا التعدّد ولا الانقسام، والتمييز بين الذات والمقام تمييزٌ وظيفيٌّ معرفيٌّ لا تمييزٌ في الجوهر.
ومن أدقّ ما يكشفه الاستقراء الداخليّ على هذه الحقيقة التمييزُ البلاغيّ التوحيديّ بين أسماء الله، غير أنّ هذا التمييز يستوجب تنويهاً أولاً لأنّ الخلط فيه شائعٌ حتى عند كثيرٍ من جهابذة اللغة أنفسهم. فكثيرٌ من الناس يظنّون أنّ «إله» ليس إلا تصريفاً أو اختصاراً للفظ الجلالة «الله»، أو أنّ الاسمين يدلّان على ذاتٍ واحدةٍ بصيغتين متقاربتين، وهذا الظنّ على شيوعه لا يستقيم مع الاستقراء الداخليّ الذي يكشف بين الاسمين فارقاً جوهرياً لا يقبل الإدماج.
فـ«الله» اسم علمٍ على الذات المطلقة الأزلية الخارجة عن الوجود، ذاتٌ لا تُضاف ولا تُثنّى ولا تُجمع ولا تنتسب إلى أحد. ولذلك لا تجد في القرآن «اللهنا» ولا «اللهكم» في موضعٍ واحد، لأنّ إضافة لفظ الجلالة إلى أحدٍ محالٌ، إذ الذات المطلقة لا تنتسب إلى شيءٍ ولا ينتسب إليها شيء. أمّا «الإله» فليس الذات بل مقام الهداية والإرشاد، مقامٌ وظيفيٌّ علائقيٌّ لا يوجد إلا في علاقته بمن يتلقّى الهداية، ولذلك يأتي مضافاً فيقال «إلهنا» و«إلهكم»، فـ«إلهنا» تعني هادينا ومرشدنا لا الذات المطلقة، كما أنّ «ربنا» تعني مدبّرنا ورازقنا لا الذات المطلقة. فالمقامان يُضافان لأنهما علائقيان جوهرهما العلاقة، أمّا الذات فلا تُضاف لأنها مطلقةٌ لا تقوم على علاقة.
وفي هذا التمييز البلاغيّ الثلاثيّ آيةٌ قرآنيةٌ داخليةٌ على وحدانية الذات وتعدّد مقاماتها في علاقتها بالوجود؛ فالله لا يُضاف، والإله يُضاف لأنه مقام هداية، والرب يُضاف لأنه مقام تدبير. ولو قيل «اللهنا» لكانت كارثةً عقديةً لأنها إضافةٌ للذات المطلقة إلى أحدٍ وهو محال، أمّا «إلهنا» و«ربنا» فجائزان بل واردان في القرآن لأنهما مقامان لا ذات.
1.1.8وصف الله على الأصل لا على الحقيقة المادية
كلّ ما وصف الله به نفسه في كتابه جاء وصفاً على الأصل لا على الحقيقة المادية المخلوقة، والفرق بين الأصل والحقيقة المادية هو ذاته الفرق بين عالم الأمر التصوريّ وعالم الخلق التجلّي. فالأصل هو المعنى الوظيفيّ في عالم الأمر قبل تجلّيه شيئاً مادياً، والحقيقة هي ما تجلّى منه في الوجود المخلوق. فحين نقرأ وصف الله في القرآن إنما نقرأ الأصل التصوريّ لا التجلّي المادّيّ، ولا يجوز أن نحمل هذه الأوصاف على المفاهيم المادية التي نعرفها في عالمنا المخلوق.
فيد الله المذكورة في القرآن ليست يداً جسديةً ذات أصابع وعظام، بل هي وصفٌ على الأصل، أي القدرة المطلقة والتوجيه والإحاطة الكاملة التي تتجاوز كلّ مفهومٍ مادّيّ. ووجه الله ليس وجهاً جسدياً ذا ملامح وصورة، بل وصفٌ على الأصل، أي الهوية الذاتية اللاشيئية التي تبقى حين يهلك كلّ شيء. وكلام الله ليس لفظاً صوتياً يخرج من حنجرةٍ ويُسمع بأذن، بل وصفٌ على الأصل، أي الغاية والأمر الإلهيّ الذي ينتقل من عالم الأمر التصوريّ إلى التجلّي في الوجود.
يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . فإثبات السمع والبصر لله جاء مقروناً بنفي المثلية، أي أنّ سمعه وبصره أصلٌ على الإطلاق لا آليةٌ فيزيائيةٌ كما في مفهوم الوجود، فلا يُقاس سمعه بالأذن ولا بصره بالعين. ولذلك لا يمكن وصف الله بأفهام البشر المأخوذة من عالمهم المادّيّ، ولا يتصوّره عقل بشرٍ تصوّراً حقيقياً، لأنه خارج الوجود لا ضمنه، والعقل البشريّ لا يعمل إلا ضمن حدود ما أُذن له أن يُدرك من الوجود.
يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ . فالإحاطة بذات الله علماً مستحيلةٌ على المخلوق، لأنّ المخلوق محدودٌ والذات الإلهية مطلقة، وما بين المحدود والمطلق لا إحاطة ممكنة.
1.1.9خلاصة الفصل
الله ذاتٌ مطلقةٌ أزليةٌ سابقةٌ على كلّ شيءٍ وخارجةٌ عن كلّ شيءٍ وخالقةٌ لكلّ شيء، ليس من جنس الأشياء فلا يُحاط به ولا يُدرك بالحواسّ ولا يُقاس بما خلق. قوله هو مراده ذاته، وإرادته تمامٌ لا يحتاج آليةً ولا زماناً، وكلّ ما ينتمي إلى ذاته فمطلقٌ تامٌّ لا يقبل الحدّ، أمّا ما يتجلّى في الوجود من مقام الربوبية فيجري عبر السنن والآليات في الحيز الزمكاني.
وحين يُميّز هذا الكتاب بين ذات الله ومقام الربوبية فليس ذلك تعدّداً في الجوهر ولا انقساماً في الذات، فالله واحدٌ أحدٌ لا شريك له، بل هو تمييزٌ وظيفيٌّ معرفيٌّ بين المصدر المطلق الذي هو ذات الله خارج الوجود، والتجلّي الربوبيّ داخل الوجود المخلوق. وكلّ ما وصف الله به نفسه جاء وصفاً على الأصل لا على الحقيقة المادية، فيده قدرةٌ وإحاطة، ووجهه هويةٌ ذاتيةٌ لاشيئية، وكلامه غايةٌ وأمر، لا يُحمل شيءٌ من ذلك على المفاهيم المادية التي نعرفها في عالمنا المخلوق.
وهذا الفهم هو البوابة الأولى والضرورية لكلّ ما يأتي في هذا الكتاب، إذ من لم يُدرك أنّ الله ليس شيئاً، وأنّ ذاته خارج كلّ وجود، ولا يُوصف بأفهام البشر المادية، لن يستطيع أن يُدرك معنى الأمر ولا معنى الخلق ولا معنى الكلمة ولا معنى أيّ مفهومٍ قرآنيٍّ على حقيقته.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «الله — الذات المطلق قبل كل شيء»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث