- أصل الوجود
- مفاتيح تدبر كتاب الله
- المعنى العامّ للكلمة — الزوج أنموذجاً
المعنى العامّ للكلمة — الزوج أنموذجاً
﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
الأصلُ أَن لكلّ كلمةٍ في القرآن معنىً عاماً ثابتاً لا تَخرُج عنه أينما وَرَدَت، ثُمَّ يُحَدّد لها السياقُ معناها الخاصَّ دون أَن يُخرِجها عن عمومها. فكلمةُ «زوج» في عمومها هي الثنائيةُ التكميلية، أي العنصرُ الذي يُكَمّل الآخرَ فيَجعَله صالحاً لوظيفته؛ ويَتَجَلّى هذا المعنى في صورٍ متنوّعةٍ بحَسَب السياق ـ ذكرٍ وأنثى، نفسٍ وجسد، ليلٍ ونهار ـ دون أَن يَتَبَدَّل أصلُه.
والزوجيةُ في جوهرها مفهومٌ وظيفيٌّ كونيٌّ يُعَبّر عن العلاقة التكاملية بَين عنصرين، يُشَكّل كلٌّ منهما نصفاً لا يَكتَمِل إلا بالآخر، فيَتَحَقَّق التوازنُ وتُؤَدّى الوظيفة. ولِذا كانت قانوناً شاملاً للوجود كلِّه ـ ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ـ يَجري في المادة والأحياء والنفس والكون والآخرة: الليلُ والنهار، الحَرُّ والبرد، الضعفُ والقوة، الحيُّ والميت، وسائرُ ما يَتَقابَل تقابُلَ تكاملٍ لا تَضادٍّ مَحض.
ويَتَجَلّى ذلك أوّلَ ما يَتَجَلّى في الخلق الإنساني، حَيث النفسُ والجسدُ زوجان، قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ . فالنفسُ كيانٌ معنويٌّ هو الأصلُ في الخلق، والزوجُ جسدُها المادي الذي يَغشاها ويَسكُن إليها ـ و«تَغَشّاها» لا تَعني المجامعةَ بَل الإحاطةَ والاحتواءَ كما في ﴿وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: 50]. ومن تَكامُلهما يَنشأ الكيانُ البشري، ثُمَّ يَجري عَليهما الحملُ الخفيفُ في بداية الحياة والثقيلُ مع تقدّم العمر ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: 189]. وقد تأسّس أَن النفسَ كيانٌ معرفيٌّ معنويٌّ لا مادّي، وأنها الأصلُ والجسدُ زوجُها، في فصل النفس (3.1) والباب السادس (6.1.1).
ويَتَعَضَّد هذا بشواهدَ تَنسِب الزوجَ إلى الجسد لا إلى الأنثى: فقولُه ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أي تُقرَن كلُّ نفسٍ بجسدها يومَ الحساب، ويُؤَكّده ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: 15]؛ وقولُه ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: 22] أي بأجسادهم لا بزوجاتهم، وإلا لظُلِمَت زوجةٌ مؤمنةٌ بحَشرها مع ظالم؛ وقولُه ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: 70] أي بالنفس والجسد معاً.
ويَلبَس السياقُ المعنى العامَّ خصوصَه دون أَن يُخرِجه عنه: ففي ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾ خصوصُه ذكرٌ وأنثى، وهو لا يَخرُج عن عموم الثنائية التكميلية. وفي ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 35] لا يَلزَم أَن يَكون الزوجُ «حواء» كما هو شائع، بَل هو الشريكُ المُكَمّل المقابلُ للبشرية الأولى. وفي الآخرة ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: 25] أي أجسادٌ مُطَهَّرةٌ من المرض والتعب، و﴿كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: 54] أي تكاملُ الأنفس بأجسادٍ مُتَحَوّرةٍ تُناسِب الأبدية ـ وقد فُصّل الحورُ العينُ بوصفه الجسمَ الجديد في الباب السادس (6.1.10).
ولَعَلَّ في قوله ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ ما يُعَضّد أَن الزوجَ هنا الجسدُ لا الزوجةُ؛ إذ الزوجةُ تَلِد البنينَ لكنها لا تَلِد الحَفَدةَ (أبناءَ الأبناء)، فالأزواجُ الأجسادُ البشريةُ التي منها يَخرُج النسلُ كلُّه بنينَ ثُمَّ حَفَدة. ويُؤَيّده ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾ [طه: 131] ـ إذ لو كانت الأزواجُ الزوجاتِ لصار المعنى نهياً عن النظر إلى نساء المشركين، وإنما المرادُ الأجسادُ المُتَنَعّمةُ التي ليست زينتُها معياراً للفضل.
فالمبدأ الذهبيُّ لهذا المفتاح أَن المعنى العامَّ ثابتٌ لا يَتَغَيَّر، والسياقَ يُلبِسه خصوصَه: فالزوجيةُ قاعدةٌ كونيةٌ ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾، وسرُّ التكوين الإنساني (نفسٌ وجسد)، وأساسُ العلاقة الاجتماعية (ذكرٌ وأنثى)، ومبدأُ الخلود في الآخرة (الأجسادُ المطهّرة) ـ سُنّةُ الله في خلقه التي بها يَستقيم الوجودُ ويَتَحَقَّق التوازن.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «المعنى العامّ للكلمة — الزوج أنموذجاً»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث