- أصل الوجود
- مفاتيح تدبر كتاب الله
- الترتيل والمثاني — تعاضُد المتشابه
الترتيل والمثاني — تعاضُد المتشابه
﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾
الأمرُ بالترتيل مُتَعَلّقٌ بالقرآن ـ أي آياتِ المتشابه من القصص والآياتِ الكونية ـ لا بالكتاب الذي هو التشريع. فالكتابُ أحكامُه مُحكَمةٌ واضحةٌ لا تَحتاج ترتيلاً موضوعياً بَل امتثالاً مباشراً، أمّا القرآنُ المتشابهُ ففيه القصصُ والأمثالُ والآياتُ الكونيةُ مُتَوَزّعةً في سُوَرٍ شتى، لا يُفهَم معناها إلا إذا جُمِعَت ورُتّلَت في نَسَقٍ واحدٍ مُتَناسِق. وهذا التمييزُ ـ القرآنُ متشابهٌ والكتابُ محكمٌ ـ هو ما تأسّس في فصل القرآن وفصل الكتاب (3.3.1 و3.3.2). والترتيلُ والمثاني وجهان لتعاضُد هذا المتشابه: الأولُ جمعُ آياته في نَسَقٍ واحد، والثاني تَسديدُ معناه بنظيره المُثنّى.
أولاً: الترتيل ـ جمعُ المتشابه في نَسَقٍ واحد
ولَعَلَّ في المعنى اللغوي ما يَكشف وظيفةَ الترتيل؛ فهو وضعُ الشيء بعضِه إثرَ بعضٍ في نظامٍ مُتَّسِق ـ ومنه الأسنانُ المُرَتَّلةُ المتساويةُ المتناسقة، والحديثُ المُرَتَّلُ المتسلسلُ المتماسك. فالترتيلُ القرآني جمعُ المتشابه من القصص والأمثال والآيات الكونية في نَسَقٍ واحدٍ متكامل.
ويَعمَل هذا على وجهين. أوّلُهما جمعُ القصص المتفرّقة: فقصةُ موسى تَتَوَزَّع على أكثرَ من عشر سُوَرٍ (طه والقصص والأعراف والشعراء وغيرها)، كلُّ موضعٍ يُضيف زاويةً أو تفصيلاً، فلا يَتَبَيَّن الخطُّ العامُّ للقصة إلا بترتيلها رَتلاً متكاملاً. وثانيهما جمعُ الآيات الكونية: كآياتِ الشمس والقمر والليل والنهار ومواقع النجوم والخلق والبعث، حَيث يَظهَر «المنهجُ الكوني» في القرآن حين تُرَتَّل معاً.
ولَعَلَّ في تأمّل سبب اختصاص الترتيل بالقرآن دون التشريع ما يُحَرّر هذا المفتاح؛ فالتشريعُ محكمٌ لا يَفتَقِر إلى تجميع، كقوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ ـ حكمٌ قاطعٌ بذاته لا يَحتاج رَتلاً آخرَ لفهمه. أمّا القرآنُ المتشابهُ فيَفتَقِر إلى جمع أجزائه، كما يُشير قولُه ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3] وقولُه ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾.
ويَتَجَلّى ذلك في القصص: فقصةُ يوسفَ سُرِدَت متكاملةً في سورةٍ واحدةٍ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ، فكانت نموذجاً للقصص المُرَتَّل ذاتياً في سياقٍ واحد. وقصةُ موسى تَوَزَّعَت أطرافُها: في الأعراف المواجهةُ مع فرعون، وفي طه جانبُ الرسالة والمعجزة، وفي القصص جانبُ النشأة والتربية ـ فجمعُها في رَتلٍ واحدٍ يُكَوّن صورةً شاملةً لمشروع موسى الرسالي.
ثانياً: المثاني ـ تَسديدُ المتشابه بنظيره المُثنّى
ولَعَلَّ أدقَّ صور التعاضُد في المتشابه ما سَمّاه الله «المثاني»؛ فقد وَصَفَ القرآنَ بأنه ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾ ، والمثاني خاصّةٌ في المتشابه ـ الكونياتِ والقصص ـ أَن تأتي الآيةُ مُجمَلةً مُتشابهةً فيُبَيّنها نظيرُها المُثنّى لها فيَتَجَلّى المراد. فالآيةُ تُثنّى بأختها من جنس المتشابه نفسه، تَكشفها آيةٌ مناظرةٌ تُسَدّد معناها، لا يُفَصّلها تشريعٌ ولا بيانٌ من خارجها.
ويَتَجَلّى ذلك في قوله ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ؛ فإنّ «نفخ الروح» في آدم يَبقى مُجمَلاً مُتشابهاً حتى تأتي الآيةُ المُثنّى لها ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31] فتُبَيّن المراد: أَن نفخَ الروح في آدم هو تعليمُه الأسماءَ كلَّها ـ فالعلمُ والبيانُ هو الروحُ المنفوخة. فكَشَفَت الآيةُ أختَها، وتَجَلّى ما تَشابَه بتعاضُد المُثنّى. وعلى هذا المنوال يَجري المتشابهُ كلُّه: آيةٌ تُثنّى بأخرى فيَنكَشِف المعنى، ولِذا كان القرآنُ ﴿مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾.
فالمثاني صورةٌ مُرَكَّزةٌ من الترتيل: حَيث الترتيلُ يَجمَع آياتِ الموضوع الواحد في نَسَقٍ، والمثاني تُسَدّد المعنى المتشابهَ بنظيره المُثنّى ـ كلاهما تعاضُدٌ داخليٌّ في المتشابه. ويَنبَغي ألّا يُخلَط هذا بتفصيل الكتاب (7.2)، فالمثاني تعاضُدُ آيتين وجوديتين في المتشابه يَكشف بعضُها بعضاً، وتفصيلُ الكتاب بيانٌ ربوبيٌّ أو إلهيٌّ لمحكمٍ تشريعيّ ـ فالأولُ في المتشابه، والثاني في المحكم.
ولَعَلَّ من الدقّة تمييزُ هذا المفتاحِ كلِّه (بترتيله ومثانيه) عمّا يَليه في المفتاح التاسع (القرآن جملةٌ واحدة، 7.9): فالترتيلُ والمثاني يَبقيان داخلَ الموضوع والمتشابه، و«الجملةُ الواحدة» تَصِل الآياتِ المتباعدةَ سُوَراً وسياقاتٍ ومضامينَ حين يَجمَعها مقصدٌ واحدٌ وإن اختلفت البِنى والأساليب. فهذه المفاتيحُ الثلاثةُ تَتَعاضَد: يَبدأ التدبّرُ بترتيل الموضوع وتَسديدِ مثانيه، ويَتّسِع إلى رؤية الكتاب كلِّه جملةً واحدة.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «الترتيل والمثاني — تعاضُد المتشابه»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث