7.8

أقسام الكتاب الجامع — البنية الرباعية

3 دقائق قراءة~491 كلمة0 مبحثاً في هذا الفصل

﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾

﴿يونس: 37

الكتابُ الجامعُ هو الأصلُ الكاملُ لما تَنَزَّلَ على النبي محمدٍ، ويَنتَظِم في أربعة أجزاءٍ رئيسيةٍ تأسّست متناً في فصل الكتاب (3.3.2)، لا ينبغي للمتدبّر أَن يَخلِط بينها.

أوّلُها المحكماتُ: الكلياتُ التشريعيةُ الثابتةُ المشتركةُ بَين الرسالات كلِّها، أُمُّ الكتاب، تُنسَب إلى الله بصفات الأزلية والثبات.

وثانيها المستجدُّ المحمدي: ما خُصَّت به الرسالةُ المحمديةُ من تشريعٍ لم يَكُن فيما مضى، مما يُناسِب تطوّرَ البشرية في زمن هذه الرسالة، يُعرَف بمداخلَ في النصّ كصياغة «رسوله» و«الله ورسوله» و«حدود الله». وتفصيلُه يُنسَب إلى الله لا إلى رب العالمين، لأنه نزل محكماً وتفصيلاً معاً في زمن الرسالة الواحد، فلا فاصلَ زمنيٌّ يَستدعي النسبةَ الربوبية ـ بخلاف تفصيل الكتاب للكليات الأزلية، كما ضُبط في المفتاح الثاني (7.2).

وثالثها المتشابهُ: الآياتُ الكونيةُ والقصصُ والسننُ والخلق، يُنسَب إلى رَبّ العالمين، وهو الذي يُرَتَّل موضوعاً موضوعاً (7.6).

ورابعها تفصيلُ الكتاب: البيانُ الربوبيُّ للمحكم، المُناغمُ لزمن الرسالة، من رَبّ العالمين كما خَتَمَت الآيةُ ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ـ وهو نصٌّ قرآنيٌّ يُفَصّل المحكمَ لا أداةٌ خارجَه. فاثنان من هذه الأجزاء تشريعيان (المحكماتُ والمستجدُّ المحمدي)، واثنان وجوديان (المتشابهُ وتفصيلُه)، وقد فُصّلت طبقاتُها ومعاييرُ نسبتها في فصل الكتاب (3.3.2).

ولَعَلَّ مما يَستحقّ الإبرازَ في هذا المفتاح أَن وظيفةَ القرآن الكبرى ـ بآياته الكونية وقصصه وبلاغته ـ إثباتُ المصداقية الإلهية للرسول قبل التشريع. فالرسولُ لا يَبدأ خطابَه بالأوامر والنواهي مباشرةً، وإلا قيل له «من أنت لتأمرنا؟»؛ ولِذا جاء القرآنُ برهاناً على أنه ليس كلامَ بشرٍ ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ . وفي قصة موسى شاهدٌ على هذا القياس: فإنه لم يَبدأ بقوله «أرسِل معي بني إسرائيل»، بَل قُدّمَت المعجزةُ الماديةُ أولاً ـ العصا واليد ـ برهاناً على تأييده، فلمّا صار لخطابه وزنٌ بَلَّغَ ما كُلّفَ به. ومعجزةُ موسى ماديةٌ حسية، ومعجزةُ محمدٍ نصيةٌ عقليةٌ هي القرآن ـ وكما صَدَّقَ موسى رسالتَه بالمعجزة قبل الشريعة، صَدَّقَ محمدٌ شريعتَه بالقرآن قبل تبليغ الأحكام.

﴿الإسراء: 88

ولَعَلَّ في تمييز الكتاب التشريعي من القرآن المتشابه ما يَضبِط القسمَين الأوّلَين؛ فالكتابُ ـ بمحكماته ومستجدّه ـ دستورُ الحياة العملية: الأوامرُ والنواهي، الحلالُ والحرام، الحقوقُ والواجبات، كأحكام الصلاة والصيام والحج والمواريث والقصاص. والقرآنُ ـ بمتشابهه وتفصيله ـ هو البرهانُ والبيانُ الوجودي. وهذا التمييزُ هو عينُ ما تأسّس في فصلَي القرآن والكتاب (3.3.1 و3.3.2).

ولا بُدّ هنا من تمييزٍ يَحرُس هذا المفتاحَ من خلطٍ شائع: فإنّ «تفصيل الكتاب» جزءٌ من الكتاب الجامع نفسه ـ نصٌّ ربوبيٌّ من رب العالمين ـ وليس هو المفاتيحَ المنهجيةَ التي يَستعملها القارئُ لاستقراء النص. فهذه المفاتيحُ الخمسةَ عشرَ ـ ومنها مفتاحُ المعنى العامّ للكلمة، ومواقعُ النجوم، والترتيلُ ـ أدواتٌ يَستقرئ بها القارئُ الكتابَ الجامعَ بأجزائه الأربعة، لا قسمٌ خامسٌ منه. فالكتابُ أربعةُ أجزاءٍ كلُّها من عند الله، والمفاتيحُ أداةُ فهمها، فلا يُخلَط هذا بذاك.

فالقرآنُ ليس نصاً أحادياً، بَل منظومةٌ رباعيةٌ متكاملة: محكماتٌ تشريعيةٌ ثابتة، ومستجدٌّ محمديٌّ يُناسِب زمنَ الرسالة، ومتشابهٌ وجوديٌّ يُرَتَّل، وتفصيلٌ ربوبيٌّ يُبَيّن المحكم ـ يَجمَعها أنها ﴿مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لا رَيبَ فيها، ويَستقرئها القارئُ بمفاتيح هذا الباب.

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «أقسام الكتاب الجامع — البنية الرباعية»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث