- أصل الوجود
- مفاتيح تدبر كتاب الله
- الاكتفاء بالقرآن — وعدم الاستعارة من خارجه
الاكتفاء بالقرآن — وعدم الاستعارة من خارجه
﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ من أعظم أسباب ضياع المعاني القرآنية أَن يُقبِل القارئُ على النصّ مُحَمَّلاً بعلومٍ بشريةٍ أو موروثاتٍ مُسبَقة، فيَفرِضها على الآيات؛ فلا يَفهَم مرادَ الله، بَل يَقرأ ما في ذهنه هو. وقد سَمّى القرآنُ هذا الحالَ بأمرين: أَكِنّةً على القلوب، وزَيغاً فيها. أمّا الأَكِنّةُ فأصلُها في اللسان من «الكِنّ» وهو السِّتر والغِطاء، ومن «الكِنّة» وهي الشيءُ المُضافُ غير الأصلي. ومن استعمالاتها أَن الكَنّةَ في العُرف هي الداخلةُ على العائلة بالزواج فتُسَمّى باسمٍ دخيلٍ غير أصلها، والكُنيةَ كـ «أبي فلان» إضافةٌ طارئةٌ لا الاسمُ الأصلي. ويُعَضّد ذلك قولُه ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل: 81] ـ والأكنانُ المغاراتُ مأوىً مؤقّتاً، فلم يَقُل «مساكن» لأنها أصلٌ دائم. فالأَكِنّةُ في التدبّر مَلاجئُ دخيلةٌ عارضة، أي تصوّراتٌ تُضاف إلى ذهن القارئ فتُغَطّي المعنى الأصلي. ومثالُها قولُه ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: 26]: فالنصُّ يَدُلّ على شاهدٍ من أهل الشهادة، أي خبيرٍ مُحَقّقٍ وَضَعَ قاعدةً استدلاليةً ماديةً (قَدُّ القميص من قُبُلٍ أو دُبُرٍ دليلُ الصادق من الكاذب)، لكنّ الفهم الشائع جَعَلَه طفلاً أَنطَقَه الله أو شيخاً ـ فحَجَبَت هذه الكِنّةُ المعنى، وحَوَّلَت قاعدةً عقليةً رصينةً إلى حكايةٍ أسطورية. وأمّا الزَّيغُ فأصلُه الانحرافُ البصري، حَيث لا تَلتَقي العينان على نقطةٍ واحدةٍ فيَظهَر المشهدُ مُشَوَّشاً. وهذا المعنى يَجري على مستويات: ففي اللغة انحرافُ البصر عن نقطته، وفي الفكر مزجُ معطىً أصيلٍ (الوحي) بمعطىً دخيلٍ (هوىً أو فهمٍ مستورَدٍ من خارج النصّ) فيُنتِج القلبُ ـ وهو مركزُ تقليب الأفكار ـ فهماً مُشَوَّشاً لا يَلتَقي على معنىً واحد، وفي السلوك ميلٌ عن جادة الاعتدال حين تَزيغ النفسُ عن أصل توازنها فلا تَرى الحقَّ على وجهه. ونتيجتُه في القرآن ما وَصَفَه ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7]: فهم يَترُكون المحكماتِ (أصلَ التشريع) ويَتَّبِعون المتشابهاتِ (آياتِ الكون والقصص) فيُؤَوّلونها تشريعاً. ومثالُه قولُه ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: 1-3]: فالأرجحُ أنها آياتٌ كونيةٌ تُشير إلى بدايات الخلق ـ يَترجّح أَن الفجرَ مَبدأُ انبثاق الوجود، واللياليَ العشرَ مرحلةٌ من مراحله، والشفعَ والوترَ تكوينَ الأزواج والأفراد ـ لكنّ الفهم الشائع أوّلها تشريعَ صلواتٍ وصيامات، فظَهَرَ الزيغُ بتحويل آياتِ التفكّر إلى أحكامٍ دخيلة. ويُلاحَظ أَن هذا التأويلَ الكونيَّ يُعرَض على سبيل التمثيل لا الجزم، التزاماً بضابط المفتاح الثاني عشر (7.12) الذي يَجعَل العلمَ شاهداً يُجلّي لا حاكماً يُبَدّل. ولَعَلَّ الآيةَ نفسها تُوضِح المنهجَ بتمامه، قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]. فالمحكماتُ أُمُّ الكتاب، آياتُ التشريع المباشر؛ والمتشابهاتُ آياتُ التفكّر الكونيةُ والقصصية؛ وتفصيلُ الكتاب بيانٌ ربوبيٌّ داخليٌّ يُفَصّل المحكمَ من القرآن نفسه (يونس 37)، لا المفاتيحُ المنهجيةُ التي يَستعملها القارئ. فالمؤمنُ يَتَّبِع المحكمَ للتشريع، ويَتَدَبَّر المتشابهَ للتفكّر، ويَهتَدي بتفصيل الكتاب الربوبيِّ إلى مقاصد المحكم؛ وصاحبُ الزيغ يَخلِط الأقسامَ فيَجعَل المتشابهَ تشريعاً، فيُنتِج فتنةً وتأويلاً باطلاً. وقد تأسّس هذا التمييزُ في فصل القرآن (3.3.1.10) وفصل الكتاب (3.3.2)، وضُبطت طبقاتُه في المفتاحين الثاني والثامن (7.2 و7.8). ويَنتَظِم عملُ القارئ بهذا المفتاح في خطوات: أَن يَبدأ بالمحكمات في مقام الحُكم والعمل؛ وأن يَتَدَبَّر المتشابهاتِ للمعرفة والاتساع لا لتوليد الأحكام؛ وأن يَرفُض أيَّ معنىً مُسبَقٍ يَأتيه من خارج القرآن ـ روايةً أو اصطلاحاً أو عادةً أو أسطورةً ـ قبل أَن يَعرِضه على النصّ؛ وأن يَسأل دائماً: أَهذا المعنى أصيلٌ في الآية أم مُضافٌ إليها؟ فإن كان مُضافاً فهو كِنّةٌ تُنزَع قبل الفهم؛ وأن يَختَبِر النتيجةَ بعَرضها على سائر المحكمات، فإن تناقَضَت فثَمَّ زيغٌ تَسَرَّبَ من دخيل. فالأَكِنّةُ هي الأفكارُ الدخيلةُ التي تُغَطّي مرادَ النصّ، والزَّيغُ هو الفهمُ المُشَوَّشُ حين يَختَلِط الأصيلُ بالدخيل. ومن هنا كان هذا المفتاحُ قاعدةً جامعة: لا يُفهَم القرآنُ إلا من داخله، ومن استعارَ من خارجه وَقَعَت على قلبه أَكِنّةٌ وأصابَه زَيغٌ، فلم يَفهَم مرادَ الله.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «الاكتفاء بالقرآن — وعدم الاستعارة من خارجه»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث