7.12

لكلِّ نبإٍ مستقرٌّ — التوقيت الإلهي لكشف الآيات الكونية

4 دقائق قراءة~760 كلمة0 مبحثاً في هذا الفصل

﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

﴿الأنعام: 67

يُقَرّر هذا المفتاحُ مبدأً منهجياً: أَن من آيات القرآن ـ من جنس «القرآن» أي الكون والخلق والقصص ـ ما لا يُدرَك تأويلُه الكاملُ إلا حين يَبلُغ الواقعُ الكونيُّ مستقرَّه وتَتَهَيَّأ أدواتُ الفهم عند الإنسان. فالتشريعُ ـ من «الكتاب» ـ بيانُه مُنجَزٌ حاضرٌ يُعمَل به فوراً، أمّا الآياتُ الكونيةُ فـ«لكلّ نبإٍ مستقرٌّ» يَتَكَشَّف عنده المعنى. وهذا متّسقٌ مع تمييز القرآن المتشابه من الكتاب المحكم (3.3.1 و3.3.2) ومع قاعدة آيات الغيب التي تأسّست في موضعها.

ولَعَلَّ في قوله ﴿وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ ما يَكشف المرادَ بـ«حين يُنَزَّل القرآن»؛ فليس المقصودَ تنزيلَ الألفاظ فحسب، إذ نَزَلَ النصُّ مكتملاً، بَل تنزيلَ المعاني على الواقع مع توالي الأزمنة وتراكم المعارف ـ فإذا دَخَلَ الإنسانُ زمنَ آيةٍ كونيةٍ أو بَلَغَ أدواتِها تَجَلَّت له وتَوَضَّحَت. فالآيةُ تُشير إلى توقيتٍ معرفيّ: وقتٍ للنصّ، ووقتٍ لفهمٍ أعمقَ حين تَتَفَتَّح سننُ الكون. فالكونياتُ تَبقى نبأً حتى تَبلُغ تمامَ البيان عند مستقرّها فتَصير خبراً معلوماً.

﴿المائدة: 101

ولَعَلَّ من الدقّة ضبطُ الاستعمال، فالآيةُ ليست منعاً مطلقاً للسؤال، بَل نهيٌ عن سؤال التعنّت والفضول المؤذي عمّا لم يَأْنِ أوانُه لأنه نبأٌ غيرُ معلوم؛ فإذا جاء أوانُه «حين يُنَزَّل القرآنُ» في الواقع ساغَ السؤالُ وبانَ الجوابُ وصار خبراً معلوماً. وهي دعوةٌ لكلّ قارئٍ ألّا يَتَسَرَّع بتأويل ما لم يَعلَمه يقيناً مُتَّسِقاً مع الواقع والمنطق، وإلا ضَلَّ وأَضَلّ. ثُمَّ إنّ الفتحَ المعرفيَّ مرهونٌ بمشيئة الله، فتوقيتُ كشف المعاني لا يَتَوَقَّف على جهد الإنسان وحده، بَل يَرتَبِط بمشيئةٍ تُهَيّئ له أدواتِ الفهم وتوقيتَ الإدراك ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ـ فإدراكُ المعاني العميقة عطاءٌ مشروطٌ بالطهارة والاستعداد، لا جهدٌ عقليٌّ منفرد.

﴿الإنسان: 30

ويَتَجَلّى «مستقرُّ» المعنى في أمثلةٍ كونيةٍ تُعرَض على سبيل الاستئناس لا الإكراه ـ إذ لا نُسقِط معارفَ متغيّرةً على النصّ، بَل نَلتَزِم اللسانَ والمعنى العامَّ ونَعتَبِر العلمَ شاهداً يُجلّي لا حاكماً يُبَدّل. فمن ذلك «الذرة» في قوله ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ كان لفظُها يُفهَم صِغَراً مَحضاً، ثُمَّ اتّسَعَ الوعيُ إلى ما دونها من البِنى، والمعنى القرآنيُّ لا يَتَبَدَّل (غايةُ الصِّغَر ودقّةُ الإحاطة) لكنه يَتَجَلّى أوضحَ عند تقدّم العلم. ولو قيل قبل قرونٍ إنها وحدةُ البناء الكوني المُرَكَّبةُ لاستُنكِرَ بَل آذى العقلَ ـ ولِذا جاء ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾؛ أمّا اليومَ فبَعد تراكم العلم صار المعنى أقربَ. ومما يُتَنَبَّه له أَن «المثقال» أدقُّ من «الوزن الذري» لأنه يُشير إلى الثقل المعياري (كتلةٍ لها مرجع) لا الوزن النسبي، فاختيارُ القرآن له أسبقُ وأشملُ من الاصطلاح المرحلي.

﴿يونس: 61

ومن ذلك المداراتُ والحركاتُ ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ، فالمعنى العربيُّ المستقرُّ للسَّبح الحركةُ بانسياب، ومع التقدّم الفلكي صار تصوّرُ «الفلك» و«السبح» أجلى. ومنه تلاقي المياه والحواجز ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: 19-20]، إذ ظَلَّ المعنى عربياً واضحاً (موضعِ اختلاطٍ وحاجز)، ثُمَّ كَشَفَت علومُ البحار صوراً حسّيةً لهذا البرزخ. ومنه النطفةُ الأمشاجُ ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: 2]، فالمعنى العامُّ امتزاجٌ مركّب، ومع علوم الأحياء صار الوصفُ أدقَّ دون إحالة اللفظ إلى مصطلحٍ مخبريٍّ ضيّق. والمبدأ: أَن النصَّ محفوظٌ بدلالته اللفظية، والعلمَ يُضيء ولا يُؤَوّل قسراً ـ فإذا توافقا زاد اليقينُ، وإن تَغَيَّرَ الوصفُ العلميُّ بَقيَ النصُّ على بيانه.

﴿يس: 40

ويَنتَظِم التعاملُ مع «التأويل العلمي» في ضوابطَ تَحرُسه: ثباتِ اللسان فنُحافِظ على المعنى العامّ (المفتاح السابع) ولا نُضَيّقه على مصطلحٍ مرحلي؛ وعدمِ الإكراه فلا نُقحِم نظريةً في الآية بَل نَعرِض العلمَ شاهداً لا حاكماً؛ واتساقِ السياق فأيُّ قراءةٍ كونيةٍ تَنسَجِم مع السياق القريب ومحكمات القرآن؛ ومراتبِ اليقين فالنصُّ قطعيُّ البيان والمعارفُ ظنّيةٌ متبدّلة، نُقَدّم القطعيَّ ونَستأنِس بالظنّي؛ والتواضعِ المعرفي، فإذا لم يَبلُغ المستقرُّ حَكَمنا بالإجمال وانتَظَرنا ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.

ويَتَعاضَد هذا المفتاحُ مع ما سبقه: فمن تفصيل الكتاب من داخله (7.8) نُرَتّل الآياتِ الكونيةَ موضوعاً موضوعاً فيُعين بعضُها بعضاً؛ ومن اللسان العربي المبين (7.10) نَحفَظ أصلَ الدلالة ولا نَستَبدِلها بمصطلحٍ حادث؛ ومن الطهارة شرطِ المسّ (7.11) يُقَرّب صفاءُ القصد الفهمَ عند حلول المستقرّ؛ ومن مواقع النجوم (7.14) لا نُسقِط فاصلةً ولا نَدمِج وحداتِ المعنى. ويَنتَظِم تطبيقُه في خطوات: تحديدِ الموضوع الكوني، وترتيلِ نصوصه من القرآن كلِّه، وتثبيتِ المعنى العربي العامّ لألفاظه، وعرضِ الشواهد العلمية مُجلّياتٍ لا مؤوّلاتٍ قسرية، وجَعلِ الخلاصة نصّيةً يَبقى الحكمُ فيها للنصّ والعلمُ شاهداً يَتَبَدَّل إن تَبَدَّل.

ولَعَلَّ في أهمية هذا المفتاح أنه يَمنَع التعجّلَ في التأويل قبل أوانه، ويَمنَع الجمودَ الذي يَحجُب تجلّي المعنى عند ظهور مستقرّه، فيَضَع جسراً متوازناً بَين نصٍّ محفوظٍ ومعرفةٍ نامية ـ فلا نُسقِط العلمَ على القرآن، ولا نَعزِل القرآنَ عن العلم. فبعضُ معاني القرآن الكونية تَتَجَلّى على مراحل، ووقتُ الفهم العميق حين يُنَزَّل القرآنُ على الواقع بآياتٍ مشهودة، واللسانُ العربيُّ هو الضابط، والعلمُ مُجلٍّ لا مُبَدّل. فيَتَوازَن القارئُ بَين توقير النصّ وانتظار وقته، وبَين استقبال أنوارٍ تَتَنَزَّل على الوجود؛ فإذا جاء المستقرُّ بان ما وَعَدَ الله ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «لكلِّ نبإٍ مستقرٌّ — التوقيت الإلهي لكشف الآيات الكونية»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث