- أصل الوجود
- مفاتيح تدبر كتاب الله
- ما جعل الله من بحيرةٍ ولا سائبةٍ ولا وصيلةٍ ولا حام — كفايةُ النصّ وشرطُ تلقّيه
ما جعل الله من بحيرةٍ ولا سائبةٍ ولا وصيلةٍ ولا حام — كفايةُ النصّ وشرطُ تلقّيه
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾
في قوله ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ إطارٌ منهجيٌّ يُستَلّ منه أصلٌ في التعامل مع كتاب الله، وراءَ ظاهره في أحكام الجاهلية في الأنعام: أنه لا فراغاتِ فيه، ولا وصاياتِ عليه، ولا ملاحقَ خارجه، وهو مع ذلك كريمٌ في العطاء، مكنونٌ في مقامه، لا يَنال حقائقَه إلا من طَهَّرَ مَدخلَه إليه.
فالبحيرةُ تُستَلّ منها أَن ليس في القرآن مساحةٌ ضبابيةٌ لا شاطئ لها يَتوه فيها المتدبّر، بَل كلُّ آيةٍ في موقعها وكلُّ معنىً في موضعه، والكتابُ مُفَصَّلٌ مبين، فلا متاهةَ معرفيةٌ تَدفَع إلى اليأس من الفهم. والسائبةُ ـ وهي المتروكُ المُهمَل ـ يُستَلّ منها أَن ليس في الكتاب شيءٌ سائبٌ تُرِكَ بلا بيان، ولا نسيانَ فيه ولا فراغاتٌ تُعَلَّق عليها «تكملةٌ بشرية» ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ ، فما يَحتاجه العبادُ في الهداية ذُكِرَ نصاً أو أُرسيَت مفاتيحُ استنباطه داخله. والوصيلةُ ـ وهي الوصلةُ والملحقُ الخارجي ـ يُستَلّ منها أَن ليس للقرآن وصلةٌ من خارجه تُتِمّه أو تُصَحّحه، بَل هو مكتملٌ بذاته مكتفٍ بنفسه، تفصيلُه من داخله ومفاتيحُ فهمه في آياته؛ أمّا إلحاقُه بمرجعياتٍ ظنّيةٍ لا يَشهَد لها نصُّه فمن الافتراء على الله. والحامُ ـ وهو الحارسُ الوصيُّ المحتكر ـ يُستَلّ منه أَن لا حامَ بشرياً على القرآن يَحتَكِر حقَّ الدخول إليه أو يُغلِق مفاتيحَه على العامّة، فلا طبقةَ كهنوتٍ ولا رخصةَ فهمٍ محصورةً بطائفة، إذ الكتابُ مبينٌ والبيانُ سُنّةٌ فيه، وشرطُه للتلقّي الطهارةُ لا الانتماء. فالقرآنُ لا متاهةَ فيه، ولا منسيَّ، ولا ملحقَ خارجه، ولا وصايةَ عليه ـ وهذه الجملةُ المنفيةُ تُقَوّي اليقينَ بكفاية النصّ وتمام بيانه، وهي عَينُ ما تأسّس في المفتاح الخامس (7.5).
ولَعَلَّ في وصف «قرآنٌ كريم» ما يَكشف وجهاً آخر؛ فالكريمُ لا تَقتَصِر دلالتُه على العزّة والرفعة، بَل تَشمَل الجودَ بالعطاء ـ فالقرآنُ يَجود بمعانيه لمن أَقبَلَ عليه بشرطه، لا يَبخَل على المتدبّر إذا صَدَقَ العزمُ وطَهُرَ المَدخل، ويَظهَر كرمُه في سعة البيان و«أحسن تفسيراً» وتكرارِ القصص تفصيلاً وتنوّعِ المسالك إلى المعنى الواحد دون تناقض. وأمّا «في كتابٍ مكنون» فالمكنونُ المستورُ المحفوظُ المصون، حفظاً من التبديل والتحريف على مستوى الرسالة، وحفظاً لمقام المعنى العالي بحيث لا تَنالُه الأهواء ـ لا أَن المكنونَ مُنغَلِقُ الفهم، بَل عُلُوُّ المقام الذي يَقتَضي أدبَ الدخول.
وأمّا «لا يَمَسُّه إلا المطهّرون» فقال «يَمَسّه» لا «يَلمِسه»، والفرقُ دقيق: فاللمسُ اتصالٌ ماديٌّ بالحسّ، والمسُّ تعلّقٌ واتصالٌ أعمقُ يَصدُق على النيل من الحقيقة والوصول إلى لُبّ المعنى. فالمعنى أَن لا يَنال مَسَّ معانيه العميقة ولا يَدخُل إلى لُبابه إلا من طَهُرَ: طَهُرَ من الشرك والهوى، ومن التعصّب للموروث على حساب النصّ، ومن الإسرائيليات والروايات الظنّية التي تُحمَّل على الكتاب ثُمَّ يُحاكَم بها الكتابُ، وطَهُرَ قصدُه فدَخَلَ بمفاتيح الكتاب لا بمفاتيحَ مستعارة. فالطهارةُ شرطُ التلقّي لا حِكرُ الامتلاك، فمن وَفّى الشرطَ فُتِحَت له خزائنُ الكرم ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ ـ فالصحفُ مكرّمةٌ فيها جودُ المعنى، مرفوعةٌ مطهّرةٌ من شوائب الشرك والهوى، تَتَناقَل حقيقتَها «سَفرةٌ كرامٌ بررة». وهذا المسُّ نَفسُه يُنظَر إليه من زاوية عدم الترادف في المفتاح الثالث (7.3)، وهنا من زاوية شرط التلقّي ـ فالزاويتان متكاملتان. وأمّا الروحُ التي تَتَنَزَّل في ليلة الهداية فهي روحُ العلم والمعرفة، أصلٌ في الصحف لا عارضٌ معها، وقد فُصّل أمرُها في فصل الروح (3.1.2).
ويَنبَني على هذا أَن لا كهنوتَ على القرآن ولا ملحقَ له من خارجه: فلا «حامَ» يَمنَح صكوكَ الفهم، ومعيارُ الدخول طهارةُ المَدخل والعملُ بمفاتيح البيان؛ ولا «وصيلةَ» تُلحَق به تُحاكَم نصوصُه إليها، بَل تفصيلُه من داخله ومفاتيحُه فيه: الترتيلُ (جمع الآيات ذات الموضوع الواحد)، ومواقعُ النجوم (الفواصل التي تُحفَظ بها وحداتُ المعنى)، والمعنى العامُّ للكلمة (الثابتُ الذي يَكسوه السياقُ خصوصَه)، واللسانُ العربي المبين (الأصلُ الذي لا يَعتريه تحويرٌ ثقافي).
ويَنتَظِم مَسُّ القارئ القرآنَ مَسّاً مشروعاً في خطوات: طُهرِ النية بإخلاص القصد ورفضِ محاكمة النصّ بالهوى؛ وإسقاطِ المُسبَق بتعليق الروايات الظنّية على عتبة النصّ، ثُمَّ الدخولِ إلى القرآن ليُحاكِم هو غيرَه لا العكس؛ واتّباعِ المفاتيح ـ يُرَتّل موضوعَه فيَجمَع آياتِه، ويَحفَظ الفواصلَ فلا يَدمِج آيتين ولا يُسقِط فاصلةً، ويَلزَم المعنى العامَّ ثُمَّ يَنظُر كيف يَلبَسه السياقُ خصوصَه، ويَحكُم بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ اسماً على مسمّى؛ والتواضعِ للبيان بالرجوع إلى الكتاب إذا اشتَبَهَ وجهٌ، فـ«أحسن تفسيراً» عنده لا عند الأهواء؛ والدعاءِ والأدبِ ﴿رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ .
ولَعَلَّ في تطبيقٍ موجزٍ ما يُجَلّي هذا: فإنّ هذه الآياتِ الأربعَ نفسَها (المائدة 103، والواقعة 77-79، وعبس 11-16، والأنعام 38) إذا رُتّلَت رَتلاً واحداً ظَهَرَ المعنى بجلاء ـ أَن القرآنَ مكتملٌ بذاته لا نقصَ فيه، كريمٌ لا يَبخَل بمعانيه لكنه مكنونٌ لا يُمَسّ إلا بشرط الطهر، تذكرةٌ محفوظةٌ في صحفٍ مكرّمةٍ لا يَدخُل معانيَها إلا من طَهَّرَ قلبَه، شاملٌ لكلّ ما يَحتاجه الإنسانُ في هدايته. فهذه الآياتُ المرتّلةُ هي نفسُها برهانٌ على أَن تفصيلَ الكتاب من داخله، وأنه لا يَحتاج مفاتيحَ خارجيةً تُلحَق به.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «ما جعل الله من بحيرةٍ ولا سائبةٍ ولا وصيلةٍ ولا حام — كفايةُ النصّ وشرطُ تلقّيه»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث