- أصل الوجود
- مفاتيح تدبر كتاب الله
- اعتمادُ نسخة حفص — التنزيل التامّ المطهّر وبطلانُ تعدّد القراءات وحياً
اعتمادُ نسخة حفص — التنزيل التامّ المطهّر وبطلانُ تعدّد القراءات وحياً
﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾
بُنيَ هذا الكتابُ كلُّه على نسخة حفصٍ عن عاصمٍ بالرسم العثماني، وهذا المفتاحُ يُبرِز سببَ اعتمادها دون سائر القراءات. وأصلُ السبب أنّ التنزيلَ نزل تامّاً مطهّراً من عند الله ـ نصّاً ورسماً ونطقاً وضبطاً ـ في صحفٍ منزّهةٍ عن أيدي البشر، وأنّ نسخة حفصٍ يرجح أنها هي الامتدادُ التوقيفيُّ الحافظُ لهذا المنزَّل كما نزل. وقد فُصّلت هذه المسألةُ متناً في فصلَي المخطوط القرآني ونسخة حفص (1.8 و1.9)، ويُكتَفى هنا بأصلها مفتاحاً.
ولَعَلَّ أوّلَ ما يُصَحَّح في هذا الباب وهمٌ متداول شائع: أنّ المصحف نزل مجرّداً من النقط والضبط، ثُمَّ ضَبَطته ونَقَّطته أيدي البشر بعد قرنين. وهذا مردودٌ بأوصاف الصحف نفسها، إذ وَصَفَها الله بأنها ﴿مُّطَهَّرَةً﴾ و﴿مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ ـ والتطهيرُ يَستوعِب النصَّ كلَّه رسماً وضبطاً ونطقاً، لا الرسمَ وحده. فالضبطُ هو الذي يَستقيم به النطقُ والمعنى، فلو نَزَلَ النصُّ مطهّرَ الرسم دون ضبطٍ ثُمَّ ضَبَطته أيدٍ بشريةٌ باجتهادها، لَدَخَلَت أيديهم في صياغة المعنى ـ وهو ما تَنفيه أوصافُ الصحف. فدلّ ذلك على أنّ النصَّ نزل تامّاً بضبطه ونقطه وحركاته، مطهّراً كاملاً لا يَنقُصه شيءٌ يُكمله البشرُ من بعد، مصداقاً لقوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] ـ فالحفظُ متعلّقُه «الذكرُ» المنزَّلُ المكتمل، لا ما طرأ عليه باجتهادٍ بشريّ.
ولَعَلَّ مفتاحَ المسألة اللغويّ في معنى «الحرف»؛ فهو من الجذر (ح ر ف) الدالّ على الطرف والميل، ومنه ﴿يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾ أي على طرفٍ غير ثابتٍ في ضعفٍ وتذبذب. ومنه سُمّيَ الحرفُ الأبجديُّ حرفاً لأنه ضعيفٌ بمفرده لا يُفيد معنىً حتى يَنضَمّ إلى غيره. فلا يَستقيم أَن تكون «الأحرف السبعة» سبعَ قراءاتٍ، إذ تَصير كلُّ قراءةٍ حينئذٍ «حرفاً» أي ضعيفةً منفردةً ـ وهو معنىً لا يَليق بكلام الله. فوَقَعَ الفهمُ الشائعُ في انزلاقٍ دلاليّ، إذ حُمِلَت «حرف» على الحرف الأبجديّ أو القراءةِ باللهجة، وأصلُها الطرفُ والميلُ والضعفُ عند الانفراد. وهذا المعنى يَمتَدّ إلى السلوك، فمن ضَعُفَ عن ضبط نفسه مال إلى الانحراف ـ تفلّتاً في الشهوات أو مغالاةً في التشدّد ـ وكلاهما ميلٌ عن الصراط المستقيم.
والوجهُ الجدليُّ في هذا أنّ نظريةَ القراءات تُبنى على ما رُويَ من نزول القرآن على سبعة أحرف، وقد فُسّرت في روايةٍ مأثورةٍ بأنها «سبعة أبوابٍ: زاجرٍ وآمرٍ وحلالٍ وحرامٍ ومحكمٍ ومتشابهٍ وأمثال» ـ فهذه الروايةُ على وجهها تَجعَل الأحرفَ أبوابَ معانٍ وتشريعٍ لا سبعَ قراءات، وخاتمتُها صريحةٌ في ذلك إذ أَمَرَت بالعمل بكلّ بابٍ بحسبه. ولا تُتَّخَذ هذه الروايةُ مصدراً للتأسيس، بَل تُورَد بياناً أنّ ما رُويَ في الباب لا يُسعِف الفهمَ الشائع، بَل يوافق ما استُقرئَ من الأصل اللغوي للحرف ـ فمرجعُنا اللغةُ والنصّ، والروايةُ شاهدٌ يَعضُد لا أصلٌ يُبنى عليه. وهذا المعنى يُؤَسَّس أصلاً من القرآن، إذ يَصِف نفسه بالمحكم والمتشابه (آل عمران 7) وبالأمثال والحلال والحرام.
ولَعَلَّ مما يَعضُد كونَ الضبط منزّلاً توقيفياً أنّ في القرآن مواضعَ يخالف فيها ضبطُه القياسَ النحويَّ الذي تَجري عليه السليقة، فلو كان من السليقة لاطّرد على القياس، لكنه حُفِظَ على خلافه ـ كنصب ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ مع مجاورة المجرور، ورفعِ ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: 69] بين منصوباتٍ في نظائره، و﴿إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: 63] بالألف مع أنّ اسم «إنّ» حقُّه النصب. واطّرادُ هذه المخالفة وانتظامُها وحفظُها دليلُ القصد لا الخطأ، إذ السهوُ لا يَطّرِد ـ ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصّلت: 42]. فالنطقُ المنزَّلُ محفوظٌ في التلاوة المتوارَثة، ثُمَّ تَتابَعَت اجتهاداتُ القرّاء في قراءة الرسم فظَهَرَت وجوهٌ مختلفةٌ حين تَدَخَّلَت أيديهم في قراءة النصّ المطهّر على غير وجهه المنزَّل. وفي القرن الرابع جُمِعَت سبعُ قراءاتٍ بمعاييرَ ثلاثة (موافقةِ الرسم، وصحةِ وجهٍ في العربية، والشهرة)، ثُمَّ أُضيفَ ثلاثٌ لتَصير عشراً ـ وهي انتقاءٌ بشريٌّ يَحتَمِل النظر، منقولٌ بأسانيدَ لا تَرقى إلى التواتر الكمّيّ الذي حَظِيَ به النصُّ في جملته. وعثمانُ لم يُوَزّع مصاحفَ متعددةَ القراءات، بَل وَحَّدَ الأمةَ على النصّ المكتوب في عهد النبوة درءاً للاختلاف.
ولَعَلَّ في مواضعَ مستقرأةٍ ما يتكشف به أنّ حفصاً أحفظُ للنسق المنزَّل، إذ يترجّح بها أنّ ما خالف رواية حفصٍ في هذه المواضع المستقرأة أقربُ إلى أن يكون خطأً في النقل تكشفه بنية النصّ، لا وجهاً آخر للتنزيل.
فمن ذلك ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بالألف في حفص، الموافقةُ لنسبة المِلك المطلق للذات، دون «مَلِك» التي تُدخِل الذاتَ في التدبير (على تمييز الله والرب في 1.4). ومنه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ بإثبات ضمير الفصل الحاصرِ أصلَ الصفة في الله، الموافقِ لنسقٍ مطّردٍ في الصفتين المعرّفتين الخاتمتين. ومنه ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: 13] بالغيبة، الموافقةُ لبنية العبرة إذ الكافرون هم الرائون والمؤمنون مُعتبِرون من خارج المشهد. ومنه ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ [آل عمران: 146] إذ يَستقيم وصفُ ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ بالأحياء الثابتين، لا بالمقتولين. ومنه إفرادُ الجزاء في ﴿يُدْخِلْهُ﴾ و﴿يُعَذِّبْهُ﴾ [الفتح: 17] في مقام التشريع الخالص لله، دون صيغة الجمع التي تَخلِط مجالَ التشريع بمجال التدبير المشترك ـ وهو متّسقٌ مع قاعدة إفراد الجزاء عند «الله ورسوله» (5.5) ومع المثنى الوظيفي (1.4). وقد فُصّلت هذه المواضعُ كلُّها وغيرُها (طعام مسكين، سحران تظاهرا، أم تقولون) في فصل نسخة حفص (1.9).
ولا يَعني هذا تخطئةَ الرسم العثماني الواحد، ولا ما تواتر من وجوه الأداء التي لا تَمَسّ معنىً ولا نسقاً، فالرسمُ محفوظٌ نزل به التنزيل؛ وإنما يَتَبَيَّن أنّ ما خالف النسقَ المحكم من ضبطٍ بشريٍّ للنطق يترجّح معه أنّه أقربُ إلى خطأ النقل البشريّ منه إلى وجهٍ آخر للتنزيل ـ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ . ومما يُؤَكّد هذا اليومَ انتشارُ نسخٍ كُتبت بالخطّ الحديث أُسقِطَت منها دقائقُ الرسم المنزَّل، فكما أخطأ القرّاءُ قديماً باجتهادهم في قراءة الرسم، يُخطئ الناسخون اليومَ بصياغته على غير وجهه ـ والعاصمُ التزامُ النسخة التي حَفِظَت التنزيل كما نزل رسماً وضبطاً ونطقاً.
فالخلاصةُ أنّ النصَّ نزل تامّاً مطهّراً بضبطه ونقطه لا تُحدِثه أيدي البشر؛ وأنّ الأحرف السبعة أبوابُ معانٍ لا سبعُ قراءات؛ وأنّ القراءات غالباً اجتهاداتٌ بشريةٌ في قراءة الرسم بعد عصر التنزيل، لا تعدّدٌ منزَّل، إذ لا يكون التنزيلُ الحكيمُ ذا وجهين متعارضين في المعنى؛ والاقرب أنّ نسخة حفصٍ عن عاصمٍ بالرسم العثماني هي الامتدادُ التوقيفيُّ للتنزيل الحكيم، المشمولةُ بوعد حفظ الذكر، المجعولةُ الأغلبَ انتشاراً رحمةً بالعباد ألّا يَضِلّوا في كتابهم. وعلى الباحث أَن يَعتَمِدها بالرسم العثماني أصلاً، لا النسخَ المكتوبةَ بالخطّ الحديث ـ فبهذا يَستقيم الأساسُ الذي بُنيَ عليه هذا الكتابُ كلُّه: نصٌّ واحدٌ محفوظٌ كما نزل، يُفَسَّر بعضُه ببعضٍ، ويُحكَم عليه من داخله.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «اعتمادُ نسخة حفص — التنزيل التامّ المطهّر وبطلانُ تعدّد القراءات وحياً»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث