- أصل الوجود
- مفاتيح تدبر كتاب الله
- اللسان العربي المبين — لا شعرٌ يُزَيّن، ولا كهانةٌ تُوهِم
اللسان العربي المبين — لا شعرٌ يُزَيّن، ولا كهانةٌ تُوهِم
﴿وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾
يَرسِم القرآنُ لطبيعته حدوداً جوهريةً في قوله ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ . فهو ليس شعراً يُعنى بالكلمة والمجرّدات، يُزَيّن السياقَ بالوزن والسجع والتفاخر والحشو دون التزامٍ بدقة المعنى أو مطابقة الواقع؛ ولا كهانةً تُعنى بالغيب والدراما، فتَتَنَبَّأ بالمستقبل وتَروي القصصَ والخرافاتِ وتُخَوّف الناسَ أو تُطمئنهم بوعودٍ فارغةٍ لتَجعَلهم تابعين خالصين للكاهن لا مُكَلَّفين عاقلين. بَل الكهانةُ في جوهرها تُثَبّط الهممَ وتُرَوّج للأماني بدل العمل، فتُحَوّل المجتمعَ إلى كسولٍ يَعتَمِد على الدعاء دون كَدّ وعلى التمنّي دون اجتهاد، يَرفَع قيمةَ الخرافة على حساب الحقائق فيُقَدّس المجهولَ ويُهمِل المعلوم. وإنما هو لسانٌ عربيٌّ مبين: كتابٌ يَكشف بنفسه عن الحقائق، أصيلٌ في مفرداته، واضحٌ بذاته، لا يَحتاج وسيطاً، مربوطٌ بالكون والعقل والغيب معاً، داعٍ إلى العمل والتدبّر والاجتهاد لا إلى الكسل والانتظار.
ولَعَلَّ من أوّل ما يُحَرّره هذا المفتاحُ الفرقَ بَين «التفسير» و«الشرح». فقولُه ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ يَكشف طبيعةَ البيان القرآني؛ فهو ليس مجردَ ردٍّ على أمثلة المعترضين، بَل يَأتي بالحقّ الأصيل المُبرهَن ويَزيد بياناً أوضحَ وأكملَ مما يَتَصَوَّره البشر. فـ «أحسن تفسيراً» يَدُلّ على أَن البيانَ النصيَّ في القرآن يَفوق البيانَ الكونيَّ نفسه، لأن الذي صاغَ البيانَ هو الذي خَلَقَ الكائناتِ والظواهر، فالخالقُ يَسبِق المخلوقَ علماً وبياناً ويَصِف صنعتَه بدقةٍ أعظمَ من أَن تَعكِسها هي بنفسها. فالمخلوقُ يُعَبّر عن وجوده بالظهور والتأثير، أمّا القرآنُ ـ كلامُ الخالق ـ فيَكشف وظيفتَه وعِلّتَه وغايتَه بما لا يَبلُغه إدراكٌ بشريٌّ مباشر؛ فالوصفُ القرآنيُّ للكون والإنسان ليس انعكاساً للواقع، بَل البيانُ الأعلى الذي يَضَع لكلّ مخلوقٍ مكانَه ووظيفتَه وغايتَه. فـ «أحسن تفسيراً» إعلانٌ بأن النصَّ أسبقُ وأدقُّ وأوضحُ من الواقع في التعبير عن حقيقة الواقع، لأنه صادرٌ عن الصانع العليم الذي كَتَبَ البيانَ قبل أَن يَبرُز الخلق.
ولَعَلَّ في التمييز اللغوي ما يَزيد هذا وضوحاً؛ فالتفسيرُ كشفُ الغموض وإزالةُ الإبهام، يُستَعمَل مع النصوص غير البليغة أو الغامضة أو الرمزية كالرؤى والأحلام أو الشعر الملتبس، ومعناه أَن النصَّ في ذاته غيرُ واضحٍ يَحتاج من يُفَكّكه. والشرحُ تفصيلُ الواضح وتبسيطُ العميق للقارئ الذي لم يَبلُغ مستوى النصّ، فلا يُوَجَّه إلى النصّ بَل إلى المتلقّي ـ كما يَشرَح الطبيبُ للمريض، أو الأستاذُ النظريةَ للطلاب. والقرآنُ لا يُفَسَّر لأنه ليس غامضاً، بَل يُشرَح لمن قَلَّ فهمُه، ويُتَدَبَّر لعُمق معانيه، ويُستَنبَط في مواضع العموم؛ فقولُ «تفسير القرآن» قولٌ غيرُ دقيق، والأولى ما سَمّاه الله: التفقّهَ والاستنباطَ والتدبّرَ والتعقّلَ والتفكّرَ والتبيان. ولتقريب الفرق: قولُ الشاعر الغامض «رأيتُ الليلَ يَضحَك في عيون الموتى» يَحتاج تفسيراً لأن النصَّ غيرُ واضحٍ بذاته، وقولُ الطبيب «لديك تضيّقٌ في الشريان التاجي بنسبة سبعين في المئة» يَحتاج شرحاً لأن النصَّ واضحٌ لكنّ المتلقّيَ لا يَفهَم مصطلحه ـ والقرآنُ من النوع الثاني: واضحٌ بذاته، عميقٌ يَحتاج شرحاً بحَسَب مستويات المتلقّين لا تفسيراً كأنه غامض. وإنما يُوَسّع القرآنُ بالتفصيل لمخاطبة العقول المتفاوتة، يُكَرّر لتثبيت المقصد ويَعرِض التفاصيلَ دون أَن يُفقِد الكليةَ ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً﴾ ، ﴿قَدْ فَصَّلَ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ [النور: 61]. وقد يُستَعمَل «التفسير» مجازاً مع الظواهر الخارجة عن السنن المألوفة كالتغيّرات المناخية، لا لأنها غامضةٌ في ذاتها بَل لأنها خارجةٌ عن المألوف فلا تَدخُل تحت القوانين المعتادة.
ولَعَلَّ في تَتَبُّع ألفاظ الوصف الثلاثة ما يَكشف عُمقَ هذا المفتاح. فاللسانُ في أصله العضلةُ التي تَتَحَرَّك في الفم فتُوضِح صاحبَها وتَكشف هويتَه ـ إذا تَكَلَّمَ ظَهَرَ جنسُه وعمرُه وقومُه وثقافتُه ولغتُه ـ ومنه «لسانُ الحال» لأنه يَكشف ما خَفِيَ من الباطن؛ فوُصِفَ القرآنُ بأنه لسانٌ لأنه كاشفٌ لمحتواه، يُظهِر الحقائقَ بذاته دون لَبسٍ أو وسيط. و«عربيٌّ» لا تَعني مجردَ لغة العرب في قريشٍ أو غيرها، بَل أصلُها من العُروبة أي الأصالةِ والصفاءِ والنقاءِ الذي لم يَختَلِط ـ والعربُ سُمّوا عرباً لعنايتهم بالنسب والأصل ووضوحِ أنسابهم، في مقابل «الأعجمي» الذي فَقَدَ وضوحَ الانتماء. وثقافياً يُقال «سمنٌ عربي» للصافي الأصيل غير المغشوش، و«خيلٌ عربي» للنقيّ النسب المعروفِ بصفاته، و«جلسةٌ عربية» للأصيلة المتوارَثة التي لم تَختَلِط بالمُستَحدَث ـ فـ«عربيٌّ» بمعنى أصيلٍ نقيٍّ لم يَتَغَيَّر، فالقرآنُ في مفرداته ومعانيه أصيلٌ ثابتٌ لا يَخضَع لتحوّلات الزمن ولا لاختلاط الثقافات. و«مبينٌ» من الجذر (ب ي ن) أي الوضوحِ والظهور، صفةٌ لازمةٌ تَدُلّ على أنه واضحٌ بذاته لا يَحتاج مُبيِّناً خارجياً يَكشفه، وليس بياناً سطحياً بَل قدرةٌ على الإبانة لكلّ من تَدَبَّره بعقلٍ صافٍ.
ولَعَلَّ في التمييز بَين «اللغة» و«العربي» ما يُتِمّ المعنى؛ فاللغةُ أصلُها من «لَغَا» أي قال باطلاً أو غَيَّرَ وبَدَّل، وهي نتاجُ تطوّرٍ تاريخيٍّ ثقافيٍّ يَتَشَكَّل وفق أعراف الأمم ويَتَبَدَّل مع الزمان والمكان ـ فالعربيُّ الذي عاشَ قبل خمسة قرونٍ لا يَفهَم بسهولةٍ لغةَ اليوم، ولهجاتُ العرب تَتَباين باختلاف البيئات، وكلماتٌ حديثةٌ كالتلفاز والإنترنت والطائرة لم يَعرِفها الأقدمون. ويُؤَكّده ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ ـ فاللغوُ هنا ليس مجردَ ضوضاءَ تُثار حتى لا يُسمَع القرآن، بَل الدخولُ في النصّ لتشويهه وتحريف دلالاته، أي جعلُه «لغةً» متغيرةً مضطربةً بدل أَن يَبقى «لساناً مبيناً». والعربيُّ بخلاف ذلك يَدُلّ على الأصالة والصفاء الذي لم يَختَلِط ولم يَتَحَوَّر؛ فالقرآنُ ليس لغةً مرتبطةً بزمانٍ أو لهجةٍ أو قبيلة، بَل لسانٌ عربيٌّ مبين: أصلٌ نقيٌّ ثابتٌ يُبَيّن بذاته، محفوظٌ من التحوير الثقافي والتحريف البشري.
ويَتَجَلّى هذا اللسانُ في تسمية الأشياء وفق صفاتها الجوهرية ووظائفها، فالاسمُ على مسمّى: فالشجرُ من (ش ج ر) أي التشابك، لتشابُك أغصانه، ومنه قيل لمن تَشابَكوا بالأيدي «تَشاجَروا»؛ والحجرُ من (ح ج ر) أي المنعِ والعزل، لانعزاله عن أصل التربة واستقلاله؛ والرجلُ من (ر ج ل) أي السيرِ والحركة، لأنه يَمشي على قدميه ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ ؛ والنساءُ من (ن س أ) أي التأخيرِ والإرجاء، إشارةً إلى ما يَتَّصِل بالدورة الطبيعية للمرأة؛ والزوجُ من (ز و ج) أي الثنائية، للناصف المُكَمّل الذي لا يَكتَمِل إلا بآخر. وهذا يَتَعاضَد مع المفتاح السابع (7.7) والمفتاح الثالث (7.3)، إذ كلُّها تَقوم على أَن للفظ القرآني أصلاً دلالياً يَحكُمه.
فالقرآنُ ليس نصاً بشرياً يُقاس بالشعر أو النثر أو الكهانة، بَل لسانٌ يَكشف الحقائقَ بصفاء، عربيٌّ أصيلٌ ثابتٌ لا يَزول مع تغيّر الألسنة واللهجات، مبينٌ بذاته لا يَحتاج مُفَسّراً يَرفَعه من غموض. بريءٌ من الشعر الذي يُزَيّن الحشوَ ويَعتَمِد على الخيال، ومن الكهانة التي تَبُثّ الخوفَ أو الأملَ الكاذبَ فتُحَوّل الناسَ إلى مُتَفَرّجين على الغيب لا عاملين في الشهادة. كتابٌ يُعَرّف نفسَه بنفسه، قائمٌ بذاته، خالدٌ في أصالته، لا يُلحِقه زمانٌ ولا يَحُدّه مكان، يَدعو إلى العمل بَعد الإيمان، والاجتهادِ بَعد التوكّل، والتدبّرِ بَعد التلاوة، والبرهانِ بَعد الغيب ـ ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «اللسان العربي المبين — لا شعرٌ يُزَيّن، ولا كهانةٌ تُوهِم»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث