5.0

بين يدي الباب الخامس

2 دقائق قراءة~308 كلمة0 مبحثاً في هذا الفصل

لمّا تَأَسَّسَ في البابَين السابقَين الإنسانُ كياناً واعياً، وفِعلُه موزوناً بقِيَمٍ تَجري على سُنَن الوجود، بَقيَ أَن يُستَقرأ ما يَنتَظِم به اجتماعُ الناس بَعضِهم مع بَعض: كيف يَتَحَوَّل الموقفُ الفَردي إلى منظومةٍ جامعة، وكيف تَنضَبِط العَلاقاتُ بتشريعٍ يَصون الفَردَ والمجتمعَ معاً. فالإنسانُ لا يَحيا مُنفَرِداً يَزِن فِعلَه في خَلوة، بَل في نسيجٍ اجتماعيٍّ تَتَقاطَع فيه الإراداتُ وتَتَزاحَم المصالح، فيَحتاج إلى ضابطٍ يَفصِل الحَقَّ من الباطل، ويَحفَظ الأمنَ من الإفساد. ومن هنا يَنتَقِل النظرُ من قِيَم الفِعل المُجَرَّد إلى المنظومة التشريعية والاجتماعية التي تَنتَظِم فيها هذه القِيَم ـ لا إسقاطاً لفِقهٍ موروث، بَل استقراءً يَدَع النصَّ يُحَدّد مفاهيمَه وحدودَه.

وهذا البابُ يَستَنطِق هذه المنظومةَ من جَذرها، فيُفتَتِح بالموقف الوجودي الذي عَليه يُبنى كلُّ ما بَعده: الإيمانُ مَساراً مُرتَقياً والإسلامُ موقفاً جازماً، يُقابِلهما الإجرامُ والإشراكُ بوَصفهما انفصالاً عن نظام الحَقّ. ثُمَّ يُحَرّر مَقاماتِ التبليغ والتشريع ـ النبيَّ والرسولَ والمبعوث ـ ليُمَيّز السنّةَ الرسالية الخالدة من الظَّرفي المرحلي، ويَفصِل العبادَ أصحابَ المشيئة من العبيد المُسَيَّرين، ثُمَّ يَبني خارطةَ الطاعة بصِيَغها الخَمس حَيث يَنتَظِم المجتمعُ المَدَني تَحت تمييز مَقامَي الله والرَّبّ.

ومن الأُسُس يَنتَقِل النظرُ إلى التطبيقات التشريعية التي تَصون النسيجَ الاجتماعي: السرقةَ والزنا والفاحشةَ بوَصفها حدوداً تَدرَأ الإفسادَ لا عقوباتٍ على الأفراد، والقضاءَ والقدرَ بوَصف الإنسان خليفةً لا مقهوراً، والوصيةَ والميراثَ نظاماً قرآنياً لنَقل الثروة على أولوية الوصية. ثُمَّ يَتَناوَل الشعائرَ الكُبرى لا طقوساً حركيةً صامتة، بَل مَشاريعَ ارتقاءٍ معرفيٍّ وحضاري: الصلوةَ صِلةً دائمةً ومجالسَ وعي، والزكاةَ حالَ نماءٍ دائم، والحجَّ مسيرةً من المِلّة الإبراهيمية إلى الرسالة المحمدية، والصيامَ موسمَ فُرقانٍ كوني.

ويَختِم البابُ بما يَحسِم التباسَين كبيرَين في التراث: النسخَ ـ فيُبطِل دعوى النسخ الداخلي ويُثبِت أَنه تَجَلّي الثابت الإلهي عَبر الرسالات ـ ثُمَّ «ما ملكت أيمانكم» ـ فيَنقُلها من رخصة استعبادٍ مَزعومة إلى علاقةِ سلطانٍ موضعِ ابتلاءٍ ومساءلة. وما يُؤَسَّس هنا من بنيةٍ للمنظومة التشريعية والاجتماعية يُمَهّد لما يَلي ـ حَيث يَنتَقِل النظرُ إلى مَدارات أوسعَ في منظومة الوجود، على هذا الأَساس الذي تَحَرَّرَ من النصّ لا من سِواه.

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «بين يدي الباب الخامس»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث