- أصل الوجود
- ميزان الفعل الإنسانيّ
- الكفر والإيمان: موقفان وجوديّان لا هويّتان ثابتتان
الكفر والإيمان: موقفان وجوديّان لا هويّتان ثابتتان
4.6.1تمهيد تعريفيّ
الإيمان والكفر في القرآن ليسا صفتين ذاتيّتين تُلصقان بالإنسان إلى الأبد، بل موقفان واعيان يتحدّدان بحسب العلاقة مع ما يُعرض من حقٍّ أو باطل. فالإيمان ليس مجرّد قول، والكفر ليس مجرّد جهلٍ ولا سكوتٍ ولا حياد، بل موقفٌ عدائيٌّ معلَنٌ وحركةٌ مناهضة. فالإيمان قبولٌ بالحقّ بعد تفكّرٍ وطمأنينةٌ إليه، والكفر تغطيةٌ للحقّ بعد وضوحه وإعلانُ عداءٍ له وتحرّكٌ ضدّه. ومن لم يؤمن بأمرٍ ولم يعلن مناهضته ولم يتحرّك ضدّه فليس كافرًا به، بل ساكتٌ أو متوقّف، إذ الكفر فعلٌ لا حال. ومن هنا قد يؤمن الإنسان بالحقّ في موضعٍ ويكفر به في موضعٍ آخر، وقد يكفر بالباطل فيرفضه ويناهضه فيكون موقفه حقًّا. أمّا من آمن بالباطل فلم يكفر، بل جهل، إذ إيمانه بالباطل ثمرةُ إشراكٍ سابقٍ وتقليدٍ موروث، لا موقفُ عداءٍ واعٍ. فالعبرة بما يُؤمَن به أو يُكفَر به وبطبيعة الموقف، لا بالاسم الذي يحمله صاحبه.
4.6.2الإيمان: تفكّرٌ واعٍ يؤدّي إلى طمأنينة وجودية
الإيمان لغويًا مشتقٌّ من «الأمن»، وهو ضدّ الخوف والريبة. والإنسان بفطرته يخاف ممّا يجهله، لأن الجهل يولّد الريبة، والريبة تولّد القلق. ومن هنا فالإيمان لا يُفرض ولا يُورَّث ولا يُكتفى فيه بالتقليد، بل هو حالةٌ وجودية تنشأ بعد أن يُجري الإنسان عمليةً واعية من التفكّر والدراسة والتبيّن، حتى إذا وقف على حقيقة ما يُعرض عليه ذهبت عنه الريبة وسكنت نفسه فآمن. وهذا الأمن المعرفيّ هو عين ما يحقّقه البيت في فصل الجبت والطاغوت والبيت، إذ الأمن فيه حرية التفكير من الخوف والوهم، فمن استقرّ بيته الفكريّ على الوحي أمن من ريبة الجهل.
ويجسّد هذا المعنى دعاء إبراهيم عليه السلام ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. فإبراهيم لم يكن في كفر، بل في ريبةٍ مشروعةٍ تجاه أمرٍ غيبيّ، فطلب رؤيةً تزيل الشكّ، لأن إيمانه رغم وجوده لم تكتمل طمأنينته الوجودية. فالإيمان الحقيقيّ ليس أن تقول آمنتُ، بل أن يذهب عنك الخوف لأنك عرفت. ومن هنا قد يبدأ الإنسان رحلته مرتابًا، ثم يتأمّل ويسأل ويقارن ويحقّق، فإمّا أن يصل إلى يقينٍ فيؤمن، أو أن يتبيّن له عدم جدوى ما يُعرض عليه فيتركه، وهذا أيضًا موقفٌ ناتجٌ عن تبيّنٍ واعٍ لا عن تعصّبٍ أو هوى.
فالإيمان في القرآن ليس موقفًا عاطفيًا ولا قولًا باللسان، بل حالةٌ معرفيةٌ وجودية تنشأ حين يزول الشكّ بعد تفكّرٍ واعٍ ودراسةٍ دقيقة، ولهذا يربطه التنزيل مرارًا بالعقل والقلب المتدبّر والبحث الجادّ. فمن آياته ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، فاليقين بالآخرة، وهو جوهر الإيمان، ليس ناتجًا عن وهم، بل عن تبيّنٍ إمّا عبر دراسة الكون أو تحليل ما أنزله الله، حيث يجد الإنسان تناسقًا بين الكون والوحي فيطمئن.
ومن علامات غياب الإيمان غلق القلب عن التفكّر، كما في قوله ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾. فالقلب في القرآن ليس عضلةً، بل مرجع التفكير والتمييز، ومن لم يجعله موضع تدبّرٍ ومقارنةٍ لم يمكنه أن يحقّق الإيمان، لأنه لم يحقّق الفقه. وإنما يحقّقه من يتلو الكتاب حقّ تلاوته ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، فحقّ التلاوة ليس قراءةً صوتية، بل تدبّرٌ وتحليلٌ وبحثٌ عن التناسق الداخليّ، فإذا وجد القارئ في الكتاب الحكمة والاتّساق مع الواقع اطمأنّ قلبه فآمن.
وقد يؤمن الإنسان بالباطل عن جهل، كما في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، فالنصيب كما تأسّس في فصل الحظّ والنصيب وراثةٌ فكرية سطحية لا تقوم على فهمٍ بل على تقليد، فتجعل صاحبها يتبع الشارع الموازي لا الوحي، فيطمئنّون إلى أوثانٍ فكرية، فيكون إيمانهم ضلالًا لا هدًى. وليس هذا كفرًا منهم بالحقّ، بل جهلٌ ثمرةُ إشراكٍ سابقٍ وتقليدٍ موروث، إذ الإيمان بالباطل غير الكفر بالحقّ. ومن هنا كان أعمق المؤمنين الراسخين في العلم ﴿لَّٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾، لأنهم يدركون أن الوحي ليس خرافةً، بل منظومةٌ وجودية دقيقة تتوافق مع قوانين الكون وتناغم الفطرة وعمق العقل.
ولا يقتصر الإيمان على النصّ، بل يمتدّ إلى آيات الآفاق ﴿انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، فالذين يؤمنون هم الذين يتأمّلون فيرون في النبات والمطر وتنوّع الثمار دلالاتٍ على خالقٍ واحد، فإذا جاءهم الوحي ازدادوا إيمانًا، لأنهم يقرأون قرآن الواقع قبل قرآن النصّ. ومن لا يسلك هذا المسلك يصيبه الرجس ﴿كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، والرجس في جوهره التشتّت الذهنيّ وعدم الاتزان الوجوديّ، فلا رؤيةٌ واضحة ولا مسارٌ مستقيم، بل تخبّطٌ بين الآراء والعادات والمصالح. ومن علامات هذا التخبّط اتّخاذ الشيطان وليًّا ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، لأن الشيطان لا يغوي العقل الواعي، بل يستغلّ الفراغ الفكريّ ليملأه بالوهم والتقليد والهوى.
ولهذا أنزل الله كتابًا ليس ليُتلى فحسب، بل ليُدرَس ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، فالتفصيل على علمٍ يعني أن الكتاب مُعَدٌّ للعقل الذي يبحث، لا لِلسانٍ يردّد. وأعلى ما يبلغه المؤمن أن تُكتب له الرحمة حين يحقّق شروط الإيمان الواعي ﴿رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾، فالتقوى رفضٌ للشرك في التشريع، وإيتاء الزكاة تطهيرٌ للنفس بالمعارف على ما تأسّس في فصل الزكاة من أنها حالة نماء، والإيمان بالآيات جعلُ الوحي مرجعًا أوّلَ لا ورقةً في مزاد المذاهب.
ومن هذا المنظور يظهر أن الإيمان سابقٌ للعمل، لأنه الأساس المعرفيّ الذي يُبنى عليه السلوك، فكما يسبق المخطّط الهندسيّ البناء يسبق الإيمان الواعي العمل الصالح، فمن لم يدرك لماذا يفعل لم يُقبل منه ما فعل. فالإيمان في القرآن وظيفةٌ عقليةٌ وجودية لا تحقّقها الشهادة وحدها ولا تمنحها الصلاة وحدها، بل يحقّقها التفكّر ويثبّتها التبيّن وتختمها الطمأنينة. ومن لم يسلك هذا المسلك كان إيمانه اسمًا يفتقر إلى مسمّاه.
ويتجلّى هذا في مفتتح الكتاب ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، فالكتاب لا ريب فيه في ذاته، لكنّ ذهاب الريب لا يتحقّق إلا لمن سلك مسلك التفكّر، ولهذا كان هدًى للمتّقين لا لكلّ قارئ. وجاء وصفهم بـ«يؤمنون» بصيغة الاستمرار لا «آمنوا»، ومتعلَّقه «الغيب»، فدلّ على أن إيمانهم بحثٌ متواصلٌ ونظرٌ ممتدٌّ فيما وراء المدرَك لا ينقطع، على ما تأسّس في فصل الإيمان بالغيب والملائكة من أن الإيمان بالغيب تدبّرٌ مفتوح لا تصديقٌ ساكن. فمن كان هذا دأبه وجد الكتاب متّسقًا مع فكره لا متعارضًا معه، فذهب عنه الريب، إذ الكتاب مقروء الوجود في النصّ، فمن قرأه متناظرًا مع الواقع والمنطق وجد قرآن النصّ مطابقًا لقرآن الواقع.
4.6.3الكفر: تغطيةٌ وموقفٌ عدائيّ بعد وضوح الحقّ
الكفر لغويًا مأخوذٌ من «الكَفْر»، أي التغطية، كمن يغطّي البذرة في التراب. وفي القرآن لا يأتي الكفر بمعنى عدم الإيمان وحده، بل فعلًا نشطًا من الإنكار أو التشويه بعد وضوح البيّنة. ويكشف هذا الأصلَ قوله ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾، حيث الكفّار هم الزرّاع الذين يغطّون البذور بالتراب، فالكفر تغطيةٌ في أصله. ومن هنا فالكفر موقفٌ عدائيٌّ معلَنٌ وحركةٌ مناهضة، لا حالٌ داخليّ ولا سكوتٌ ولا حياد. فمن لم يؤمن بأمرٍ ولم يعلن مناهضته ولم يتحرّك ضدّه فليس كافرًا به، بل متوقّفٌ أو ساكت، إذ الكفر فعلٌ لا مجرّد غياب.
ويتجلّى هذا في الذين ناصبوا دعوة محمدٍ العداء، فلم يجهلوا أنها حقّ، بل أعلنوا مناهضتها وسخّروا المال والسلطة والسيف حتى قاتلوا في بدرٍ ليطفئوا نور الله. فهؤلاء كفّارٌ لأنهم أرادوا تغطية الحقّ بعد وضوحه وتحرّكوا ضدّه، لا لمجرّد عدم إيمانهم. ومن هنا لم يكن كلّ من لم يؤمن بالرسالة كافرًا بها، بل الكافر من نصب لها العداء وعمل على طمسها، أمّا من توقّف أو بقي على حيادٍ فلم يتّخذ موقف المناهضة فلم يكن داخلًا في وصف الكفر، إذ الوصف معقودٌ على الفعل العدائيّ لا على غياب الإيمان.
ومن أوضح الصور المؤدية للكفر الاستكبارُ عن قبول التشريع المستجدّ مع العلم بأنه من عند الله، كما في قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ﴾. فهم يعرفون أن ما أُنزل على محمدٍ من عند الله لأنه يصدّق ما معهم، لكنّ الكبر والغيظ من أن يُنزَّل الخير على غيرهم يحملهم على تغطية الحقّ واتّخاذ موروثهم وثنًا فكريًا لا يُراجَع. فكفرهم هنا ليس جهلًا، بل تغطيةٌ واعية لحقٍّ تبيّن لهم، وهو عين الكفر بمعناه الفاعل.
وأوضح مظاهره التفريق بين الله ورسله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾. فالإيمان بالله هنا إيمانٌ بالتشريع الثابت المشترك بين الرسالات كلّها، من التوحيد والعدل والرحمة والمحكمات الكلية، والإيمان برسله إيمانٌ بالمستجدّ المخصوص بكلّ رسالةٍ في زمنها. والنصّ جاء بـ«رسله» مضافةً بضمير العائدية إلى الله، فدلّ على أن هذا المستجدّ منسوبٌ إلى الله نفسه لا إلى الرسول استقلالًا، إذ التشريع كلّه إلهيّ ثابتُه ومستجدُّه، على ما تأسّس في فصل القرآن والكتاب من طبقات التشريع. فالتفريق بين الله ورسله رفضٌ للمستجدّ المنسوب لله مع قبول الثابت، وهو تجزئةٌ للتشريع الإلهيّ الواحد.
وهذا المستجدّ يشمل في بنيته إسقاط بعض الأحكام التطبيقية الخاصّة برسالةٍ سابقةٍ لم تعد مجدية مع تطوّر الناس في زمنٍ مغاير، وإحداث تشريعاتٍ جديدة متناغمة مع الزمن الجديد، دون أن يمسّ ذلك الثابت في التشريع. فالإسقاط والإحداث يجريان في طبقة التفصيل المتغيّر المخصوص بكلّ أمّة، لا في المحكمات الكلية، على ما تأسّس في فصل النسخ من أن التشريع الإلهيّ ثابتٌ في جوهره، وأن ما يقع بين الرسالات رفعٌ لحكمٍ تطبيقيٍّ سابقٍ لا نسخٌ للثابت ولا إبطالٌ له، ومفتاحه ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، فالمحو والإثبات في المتغيّر، وأمّ الكتاب هي الثابت المحفوظ. فمن قبِل ما وافق كتابه ورفض ما جدّ في الرسالة المحمدية أو ما رفعته من أحكامٍ تطبيقية سابقة، فقد كفر بالمستجدّ، وهو كفرٌ بالربوبية، إذ الرب هو المدبّر للأنظمة الوجودية المتغيّرة بحسب أزمانها، على ما تأسّس من أن التدبير المتغيّر مجال الربوبية.
ومن يجهل الوجود ويميل إلى الخرافة يكفر بالرحمن ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾. فالرحمن كما تأسّس في فصل منظومة الرحمن هو الاسم الذي يتجلّى في النظام الوجوديّ القائم وتكوينه، فالكفر به تغطيةٌ لهذا النظام وإنكارٌ لقراءته، إذ الجنة ليست جزاءً على الأقوال بل على العمل ﴿أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فمن فصل الاسم عن الفعل واكتفى بالكلام دون العمل في نظام الوجود فقد غطّى منظومة الرحمن التي تقوم على التفاعل لا على اللفظ.
وأخطر صوره أن يناهض الإنسان الحقّ وهو ينعم بآيات الله ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. فالكافر بمعناه الفاعل ليس من جهل فحسب، بل من غطّى نعمة الله، أي آياته في الكون والوحي، وتحرّك ضدّ الحقّ ناصرًا للوهم. على أن الجمع في الآية بين الإيمان بالباطل والكفر بالنعمة يكشف الفرق بينهما: فالإيمان بالباطل جهلٌ، والكفر بالنعمة موقفُ عداءٍ، فبيّن النصّ أنهما حالتان متغايرتان لا واحدة.
ومن هنا يتبيّن أن الكفر موقفٌ ومنهجٌ لا سِمةٌ خلقية، وقد يكون موقفًا محمودًا حين يكون كفرًا بالباطل. فمن يكفر بالطاغوت، أي يرفض أن يُشرَك مع الله في التشريع ويناهض هذا الإشراك، فقد استمسك بالعروة الوثقى، وقد يكون من أهل النجاة وإن لم يُسمّ نفسه بذلك، لأن العبرة بالموقف لا بالاسم، على ما تأسّس في فصل الجبت والطاغوت. وفي المقابل من كفر بالمستجدّ في التشريع وغطّاه، ولو صلّى وصام وحجّ، فقد كفر بالربوبية وصار من أهل الخسران رغم ظاهره. فالكفر إذن يدور مع متعلَّقه: كفرٌ بالحقّ فيكون خسرانًا، وكفرٌ بالباطل فيكون نجاة، والفيصل ما يُكفَر به وطبيعة الموقف منه.
خاتمة الفصل: الطريق يُبنى بالموقف لا بالاسم
يتبيّن من مجموع ما تقدّم أن الإيمان ليس بطاقةً تُحمل، والكفر ليس ختمًا يُلصَق، بل كلاهما موقفٌ يُتّخذ واستجابةٌ تُقدَّم تجاه ما يُعرض من حقٍّ أو باطل. فالإيمان طمأنينةٌ إلى الحقّ بعد تبيّنه وقبولٌ له، والكفر تغطيةٌ للحقّ بعد وضوحه وإعلانُ عداءٍ له، أو تغطيةٌ للباطل ومناهضةٌ له فيكون موقفًا محمودًا. فلا يُنظر إلى من يقول آمنتُ وحده، بل إلى ما آمن به، ولا إلى من يُسمّى كافرًا وحده، بل إلى ما كفر به، فقد يكون الكفر بالطاغوت بابًا إلى النجاة، ويكون الإيمان به بابًا إلى الخسران. والميزان في ذلك كلّه طبيعة الموقف ومتعلَّقه، لا الألقاب التي تُحمل ولا الأقوال التي تُردَّد.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «الكفر والإيمان: موقفان وجوديّان لا هويّتان ثابتتان»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث