4.5

الجبت والطاغوت والبيت

8 دقائق قراءة~1494 كلمة5 مبحثاً في هذا الفصل

4.5.1تمهيد

تبدأ الآية المحورية لهذا البحث بنداءٍ تأمّليٍّ عميق ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. وقد تأسّس في فصل الحظّ والنصيب أن النصيب ما يُنال بوصفه واقع حالٍ خارج معيار التصويب المنهجيّ، وأن الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب هم الذين تلقّوا الدين تلقيًا اجتماعيًا موروثًا، لا ثمرة بحثٍ وتدبّر، فبقي ما لديهم من الوحي في حدود الاسم والشكل، لا في مقام الوعي والاحتكام.

ومن هنا تتكشّف طبيعة انحرافهم حين يُدعَون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾، فالإعراض ليس خطأً عابرًا، بل علامةٌ على أن المرجعية لم تعد الكتاب، بل ما اعتاده الإنسان وما ورثه. ثم يتجاوز الأمر الإعراض إلى تبنّي بدائل للكتاب واعتناقها دينًا، حتى يصير الضلال مشترًى بإرادةٍ واعية ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾. وعند هذه النقطة يختلّ ميزان التمييز، فيُرى غير المؤمن قدوةً، إذ يقولون عن الكافرين ﴿هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾، لأن معيار الحقّ لم يعد الوحي، بل الموروث أو المصلحة أو الهوى. ويجسّد إبليس هذه القابلية حين يقول ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾، إذ يكفي أن يُلقي الإنسانُ زمامَ عقله لغيره حتى يصير صيدًا سهلًا للوسوسة والتقليد.

وعلى هذا الأساس يُفهم اقتران النصيب من الكتاب بالإيمان بالجبت والطاغوت، فحين يغيب التدبّر والاحتكام يتكوّن فراغٌ معرفيٌّ وروحيّ لا يلبث أن يملأه الجبت بالأوهام والطاغوت بالمرجعيات البديلة، بينما يكون البيت بمعناه القرآنيّ النظامَ المقابل الذي يحفظ للإنسان مركزه وميزانه وأمنه.

4.5.2الجبت

الجبت في أصله اللغويّ الصنم أو التميمة التي يتّخذها المشركون لدفع البلاء أو جلب الخير، لكنه في الآية يرمز إلى كلّ باطلٍ يُعتقد به دون دليلٍ من عقلٍ أو كتابٍ أو سنّةٍ كونية. وهو نتاجٌ طبيعيٌّ للنصيب، فحين يرث الإنسان دينًا دون أن يجتهد فيه تبقى نفسه فارغةً من اليقين، فتمتلئ بالأوهام. ومن صوره أن يعتمد الإنسان التطيّر في الإقدام والإحجام، أو يعتقد أن رقيةً تُردَّد بلا فهمٍ تُغيّر قوانين الكون، أو يعلّق التمائم والتعاويذ لدفع العين، أو يتشاءم بالطيور والأيام والأرقام، أو يظنّ أن الحظّ والبركة يكمنان في أشياء باطلة دون سببٍ كونيّ، أو يفسّر كلّ فشلٍ ومرضٍ بالسحر والتلبّس دون رجوعٍ إلى الأسباب الطبيعية والنفسية، أو يكرّر ألفاظًا دينية ظنًّا أنها تفتح أبواب الرزق وتُنجي من البلاء دون أن يشفعها عملٌ ودون أن تؤخذ بسياقها الفكريّ أو التشريعيّ.

وكلّ هذا لا يقرّبه من الله، بل يُبعده عن منهج التفكّر والتعلّم الذي دعا إليه القرآن. فالجبت في جوهره اعتقاد الجهل، نظامٌ عاطفيٌّ سطحيّ يُرضي الرغبة في الحماية دون أن يبني وعيًا أو مسؤولية، ويُفقد الإنسان إرادته في التصرّف بناءً على المعرفة. وهو يلتحم مع ما تأسّس في فصل نتائج الفعل من أن الوجود لا يتجاوب مع القول المنفصل عن العمل ولا مع الفعل الظنّيّ الذي لا أصل له في السنن، إذ الجبت في حقيقته فعلٌ ظنّيٌّ يتوقّع أثرًا وجوديًا من سببٍ لا علاقة له بالواقع.

4.5.3الطاغوت

الطاغوت لغويًا من «طغى»، أي تجاوز الحدّ واستبدّ، وفي السياق القرآنيّ هو كلّ ما يُرفع ليُعبد أو يُطاع أو يُتّخذ مرجعًا مقابل الكتاب. والآية تضعه في مقابل الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، ممّا يدلّ على أن الطاغوت ليس خطأً فرديًا، بل بديلٌ منهجيٌّ للوحي. وهو يشمل من يُطاع في التحليل والتحريم بلا تفكّرٍ ولا تعقّل، وكلَّ قولٍ بشريٍّ يُجمَّد فيُقدَّس على حساب الوحي، والأعراف الاجتماعية التي تُلبَس لباس الدين، وكلَّ اجتهادٍ وضعيٍّ يُقدَّم على منهج الله.

فالطاغوت في جوهره الدين الموازي، نظامٌ كامل يغطّي الحقّ ويهمّش الكتاب ويجعل من الوراثة سندًا للتشريع. ومن تربّى على نصيبٍ من الدين دون تمحيص لا يجد أمامه إلا أن يُسلّم لهذا النظام، لأنه لم يجتهد ليعرف ولم يفكّر في غيره. والطاغوت لا يُعلن صراحةً عداوته للوحي، بل ينسج نفسه في ثنايا الدين، فيحوّله من دينٍ معرفيٍّ تحرّريّ إلى دينٍ طقسيٍّ سلطويّ، يركّز على الولاء لا على الفهم، وعلى الطاعة العمياء لا على الوعي والاجتهاد. وبهذا الاستتار المتّسق ذي الثقل الفكريّ يتبيّن أن الطاغوت مصداقٌ من مصاديق الجِنّة التي تأسّست في فصل الإنس والجنّ، إذ الجِنّة كتلةٌ مستترةٌ متّسقة الفعل ذات وزنٍ في الفكر المجتمعيّ، والطاغوت هو هذه الكتلة المستترة حين تُرفع مرجعيةً بديلةً مقابل الوحي. فكلّ طاغوتٍ جِنّةٌ مستترةٌ وازنة، وليس كلّ جِنّةٍ طاغوتًا، إذ قد تستتر الكتلة دون أن تُنصَب مرجعًا للتشريع. ولهذا كان من أظهر مصاديقه أولئك الذين مهّدوا الطريق على غير مساره من المتبوعين الذين يُتلقّى عنهم بلا تمحيص.

ولهذا فإن الكفر بالطاغوت ليس انفصالًا شكليًا، بل موقفٌ وجوديٌّ جذريّ، أن يعلن الإنسان بوعيٍ تامٍّ بُعده عن كلّ مرجعيةٍ تناهض وحي الله، وأن يجاهد بالحكمة والموعظة الحسنة في كشف زيف هذا الدين الموازي وتفكيك سطوته. ويربط القرآن هذا الموقف بتبيّن الرشد من الغيّ بالبصيرة لا بالإكراه، في قوله ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فنفي الإكراه ليس تخييرًا في الحقّ، بل بيانٌ أن الإيمان لا يثبت إلا متى تبيّن الرشد من الغيّ بالوعي، فمن كفر بالطاغوت عن بصيرةٍ وآمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها. فهو ليس مؤمنًا بالاسم، بل من أهل اليقين، قد ميّز الصراط المستقيم من سبل الضلال، وعرف الحقّ من بصيرته لا من ميراثٍ أو تقليد، فلا يُخاف عليه أن يهوي ولو مال في طريقه، لأن جذوره في الوحي ووعيه على الحقيقة، فلا تزحزحه رياح الهوى ولا يغريه بريق الطاغوت. ويتّصل هذا بمقام الإله الذي تأسّس في موضعه، إذ إفراد الله بمصدرية الهداية هو عين الكفر بكلّ مرجعيةٍ تنازعه هذا المقام.

4.5.4البيت

البيت ما بات عليه الشيء، أي ما استقرّ إليه الأمر، فهو الهوية الفكرية والنظام المفاهيميّ الذي ينتهي إليه الناس ويستقرّون عليه. وقد تأسّس في فصل البِرّ والإثم أن البيت ليس مكانًا جغرافيًا، بل نظامٌ عقديٌّ أو تشريعيٌّ أو معرفيٌّ يستقرّ في وعي المجتمع بعد اختباره. وهنا يتجلّى هذا المعنى في وصفه القرآنيّ ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾، فالمثابة موضع الرجوع إلى مركز الاحتكام، والأمن حرية التفكير من الخوف والوهم، فالبيت بهذا الضابطُ الفكريُّ والناظمُ العقديُّ لما يختلف فيه الناس.

ومن هنا فإن قوله ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ لا يشير إلى أوّل هيكلٍ في الزمان، بل إلى أوّل نظامٍ تعايشيٍّ منزَّلٍ من عند الله عند أوّل تجلٍّ جماعيٍّ للبشر كتكتّلٍ واعٍ. فحين اجتمع الناس اقتضت حكمته أن يُنزّل لهم نظامًا يوحّد مفاهيم العدل ويرشد سلوكهم ويعلّمهم كيف يتعايشون، وهو مباركٌ لأنه يولّد الخير ويثمر الحياة، وهدًى للعالمين لأنه يحتوي منهجًا كونيًا في التشريع والسلوك لا يخصّ جماعةً دون أخرى.

ويتّسق هذا مع ما تأسّس في فصل البِرّ من قوله ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾، فالدخول من الظهور تعجّلٌ في اعتناق المفاهيم والأفكار لمجرّد ظهورها وانتشارها، قبل أن تُختبر وتُدرَس جذورها وتُوزَن بموازين الوحي والعقل. والدخول من الأبواب أن يُتبيَّن ويُنظَر توافق الفكرة مع المنطق، فلا تُقبل إلا بعد أن تُدخَل من بابها الذي أنزلها الله أو بنى عليها العقل السليم. وهذا هو الفرق بين الناس في المجتمعات التي تستقرّ على الطقوس الظاهرة والإيمان الموروث، والمجتمعات التي تستقرّ على الجدّ والمنطق، فكلٌّ يكشف بيته الفكريّ ما باتت عليه جماعته من مسارٍ مفاهيميّ.

وإذا كان البيت يعبّر عن الهوية الفكرية، فإن «البيات» يعبّر عن امتدادها في الثبات الروحيّ، في قوله ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾. فالبيات هنا ليس مجرّد بقاءٍ ليليّ، بل استقرارٌ روحيٌّ عميقٌ في العبادة، حيث يبلغ المؤمن ثباتًا وجوديًا مع ربه لا تزعزعه الشبهات، إذ من استقرّ بيته الفكريّ على الوحي استقرّ قلبه على الحقّ، فالبيات ثمرة البيت لا معنًى منفصلًا عنه.

ومن هنا فإن البيت في القرآن مرآة هوية ساكنيه، فكما يكشف بيت العنكبوت، أوهنُ البيوت، عن نظامٍ وجوديٍّ قائمٍ على الوهن والانفصال وعدم الاستقرار، كذلك يعلن بيت الإنسان عن هويّته الفكرية، أبُني على وحيٍ أم على وهم. فالذي تربّى على نصيبٍ من الكتاب إن لم يجاهد في فهمه لم يكن البيت له مرجعًا، بل صار مهربًا من التفكير. أمّا من جعل كتاب الله بيته الحقيقيّ، بيت الفكر وبيت التشريع، فهو وحده من ينجو من الجبت والطاغوت، لأن البيت القرآنيّ ضدّ الوراثة العمياء، إذ لا يُورَث، بل يُكتسَب بالبحث والتدبّر والاجتهاد. فالبيت ليس مكّة وحدها، بل كلّ فضاءٍ يقيم فيه الإنسان حياته على أساسٍ من الحقّ والعدل والفهم، فيراجع نفسه ويصلح فكره ويعيد ترتيب أولوياته وفق وحي الله، أمّا من جعل النصيب غايةً فيبني حياته على رمالٍ تذروها أولُ ريحٍ من الشكّ أو الفتنة.

4.5.5خاتمة الفصل

الآيات التي تتحدّث عن الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب ليست تشخيصًا لتاريخٍ مضى، بل إنذارٌ وجوديٌّ دائمٌ لكلّ من تلقّى المعرفة دون أن يبني منها وعيًا. فالنصيب ليس مِلكًا، بل فرصةٌ أولى كالبذرة، لا تثمر إلا إذا سُقيت بالتدبّر ونُمّيت بالاجتهاد. ومن رضي بالنصيب فارغَ الجهد والتمحيص انفتح قلبه لفراغٍ لا يلبث أن يملأه الجبت بالوهم فيستبدل الحكمة بالطيرة والفهم بالتعاويذ، ويستولي الطاغوت على إرادته فيُطاع من لا يستحقّ الطاعة ويُقدَّس من لا يستحقّ التقديس، فيصير دينه دين عادةٍ لا بصيرة، وولاءً لا حقّ فيه.

أمّا من جعل كتاب الله بيته، لا زيارةً بل سُكنى، فقد بنى هويّته على نظامٍ وجوديٍّ مباركٍ وهادٍ. فبيته ليس مكانًا يُزار، بل مقامًا يُقام، مقام الفهم من أبوابه لا من ظهوره، ومقام العبادة التي تستقرّ في القلب، ومقام الولاء لله وحده بعد كفرٍ صريحٍ بكلّ طاغوتٍ يناهض الوحي. ومن استمسك بهذا البيت فقد استمسك بالعروة الوثقى، لا يهوي ولو انزلق، ولا يضلّ ولو التبس عليه الطريق، لأنه لم يرث الحقّ، بل اكتشفه، فكان عنده نورًا لا وراثة. فالعبرة ليست أن يؤتى الإنسان نصيبًا فيرضى به، بل أن يستحقّ الكتاب فيكون له نظامًا لا شعارًا، ووعيًا لا تقليدًا، وحياةً قائمةً على الفهم لا صورةً جوفاء.

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «الجبت والطاغوت والبيت»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث