4.1

البِرّ والإثم

10 دقائق قراءة~1733 كلمة11 مبحثاً في هذا الفصل

4.1.1مقدمة: البِرّ منهج حياةٍ لا مجرد طاعة

جرت العادة في وعي كثيرٍ من الناس أن يُختزل البِرّ في دائرةٍ ضيّقة، فيُحصر في صدقةٍ تُعطى، أو طاعةٍ تُؤدّى، أو طقسٍ يُمارَس. غير أن القرآن في آية البِرّ الكبرى يرفض هذا الاختزال من جذره، إذ يقول ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ...﴾. فالبِرّ في هذه الآية ليس قائمة أعمالٍ تُحصى، بل رسمٌ لملامح إنسانٍ متكامل، لا يعيش في قوقعة الهوية، بل يتحرّك في فضاءٍ مفتوحٍ من المعرفة والمسؤولية والانفتاح على الكون والإنسان. فهو بنيةٌ وجودية شاملة، تبدأ من عمق الإيمان، وتمتدّ إلى سعة العطاء، وتُتوَّج بالوفاء والصبر في أصعب الظروف.

4.1.2الجذر اللغوي: البِرّ سعةٌ والإثم انغلاق

يدور الجذر اللساني العربي «ب ر ر» على الاتّساع والانكشاف، والانطلاق بلا عائق، والسهولة واليسر، وترك التضييق والحدود. ومنه سُمّيت اليابسة «بَرًّا»، لأنها فضاءٌ مفتوحٌ بلا حدود، مقابلًا للبحر الذي يُحيط ويَحصر. وعلى هذا المعنى سُمّي البِرّ بِرًّا، لأنه سلوكٌ غير محبوس، لا تُسيّجه هويةٌ ولا يَحدّه اتجاه. ولهذا يقابله القرآن دائمًا بالإثم، كما في قوله ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. فالإثم في هذا التقابل انغلاقٌ عقليّ وتأخّرٌ وجوديّ وجمودٌ معرفيّ وتعصّبٌ أعمى، والبِرّ انفتاحٌ وتقدّمٌ وسعةٌ وحركةٌ في فضاء الوعي والوجود. وهذا التقابل ليس زخرفًا بلاغيًا، بل هو الناظم الذي تنتظم عليه مفاصل الآية كلّها.

4.1.3الإيمان بالله واليوم الآخر: تأمّلٌ وجوديّ ينتهي بقراءة نهاية الكون

لا يربط القرآن البِرّ بالإيمان بوصفه كلمةً تُقال، بل بوصفه منهاج وعيٍ متكامل، يبدأ من التأمّل في الكون وينتهي بإدراك حتمية نهايته. فاليوم الآخر ليس فكرةً تُفرض على العقل فرضًا، بل حقيقةٌ يدلّ عليها الوجود نفسه للمتأمّل فيه: فكلّ ذرّةٍ تتحلّل، وكلّ نجمٍ ينطفئ، وكلّ جسدٍ يفنى، وكلّ نظامٍ يُدرَك فيه أثر الفناء. وهذه ليست عوامل عشوائية، بل سننٌ مودَعةٌ في الوجود تشير إلى أن هذا الكون، بكل جلاله، مُعَدٌّ للتحوّل، كما قال تعالى ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.

والإيمان باليوم الآخر في سياق البِرّ أن تقرأ هذه الإشارات المودَعة في الوجود، فتراها دلالاتٍ توثّق اليوم الآخر وتشهد له, لا أن تكتفي بفكرةٍ مجرّدة لا يربطها حقٌّ في الوجود. فتتبّع هذه العلامات جزءٌ من الإيمان باليوم الآخر، لا بديلٌ عن حقيقته الوجودية. ولهذا دعا القرآن إلى التأمّل في قوله ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، فالإيمان هنا لا يبدأ من النصّ وحده، بل من استنطاق الكون الذي يصدّق النصّ، إذ يتفكّر الإنسان فيدرك أن هذا البناء العظيم لم يُخلق باطلًا، وأن له غايةً ونهايةً وحسابًا.

وبهذا يصير اليوم الآخر محرّكًا للمسؤولية لا أداة تخويف، إذ يعيش الإنسان وكأنه يرى عاقبة أفعاله ماثلةً في قوانين الوجود الآن، لا غافلًا كأنّ الفناء لن يبلغه. فالإيمان بالله واليوم الآخر في سياق البِرّ أن ترى في الكون آيةً مزدوجة: آية الوجود تدلّ على الخالق، وآية الفناء تدلّ على الحساب. ومن أدرك أن الكون يتّجه إلى نهايته من خلال سننه الداخلية، لا من خلال الإخبار النصّي وحده، فقد آمن باليوم الآخر إيمان عالمٍ متبصّر، لا إيمان متّبعٍ غافل. وليس المنفيّ هنا حقيقة البعث بوصفه طورًا وجوديًا، فقد تأسّس في فصل المستقر والمستودع أن النفس تُتوفّى وتُستردّ ثم تُبعث وترجع إلى مقام الرب للحساب، وإنما المنفيّ الانتظار الخامل الذي يَعزل اليوم الآخر عن شواهده القائمة في الوجود.

4.1.4الإيمان بالملائكة: إدراك انتظام الوجود وسننه

الملائكة في القرآن ليست كائناتٍ شبحيةً ذات أجنحة، بل هي السنن العاملة في الوجود والنُّظم الحاكمة التي تُنفّذ أمر الله في الكون بدقّةٍ لا تشوبها شائبة، كما تأسّس في فصل الإيمان بالغيب والملائكة، وكما يدلّ عليه قوله ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. فالإيمان بالملائكة إيمانٌ بانتظام الوجود: بقوانينه، ونظام الحياة والموت فيه، وسنن الاجتماع، ودقّة التوازن الكوني. والبِرّ أن تدرس هذه القوانين لتسير فيها بوعي، لا أن تهرب منها إلى الخرافة.

ومن هذا الباب يُفهم جبريل، فهو في حقّ الوحي ضابطٌ معرفيّ يضمن دقّة الوحي ووضوحه على قلب النبيّ، فلا يختلط الربّانيّ بالبشريّ ولا يلتبس الوحي بالوهم. وليس المقصود نفي وظيفته، بل ضبط حقيقتها: فهو لا يُدرِج الوحي بوصفه نقلًا ماديًا، ولا بوصفه انبثاقًا من العقل البشري، بل بوصفه آلية صياغةٍ تُدرِج المعنى على قلب النبيّ محرَّرًا دقيقًا، على ما تأسّس تفصيله في فصل الروح عند الكلام على روح القدس. فهذا الفصل يذكر الوظيفة إجمالًا، وفصل الروح يبسط آليتها. وعلى المنوال نفسه يُفهم ملك الموت بوصفه نظام الفناء الذي يوازن دورة الحياة. فعكس البِرّ أن نُلبِس الملائكة ريشًا ونتجاهل قوانينها، والبِرّ أن نرى في كل نظامٍ كونيٍّ مَلَكًا لا يعصي أمر ربه.

4.1.5الإيمان بالكتاب: تفاعلٌ مع روح التشريع لا تحنيطٌ ولا انفلات

الكتب ليست نصوصًا محنّطة، بل مناهج حياةٍ تُراعى في تطبيقها أحوال الزمان، كما يدلّ قوله ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. والإيمان بالكتاب في سياق البِرّ تفاعلٌ واعٍ مع التشريع في موضعه الصحيح، لا تمسّكٌ جامدٌ بظاهر اللفظ، ولا انفلاتٌ من جوهره. غير أن هذا التفاعل يقتضي تمييزًا دقيقًا تأسّس في فصل القرآن والكتاب والفرقان بين طبقات التشريع، حتى لا تُفهم المرونة على إطلاقها. فثمّة محكماتٌ كليةٌ ثابتةٌ لا تتبدّل، هي جوهر العدل والكرامة وصون الإنسان، وهذه أصلٌ راسخ لا يطاله التغيّر. وثمّة تفصيلٌ تطبيقيّ يتنزّل على أحوال المجتمعات، وهو موضع النظر والاجتهاد في كيفية تحقيق الكليات الثابتة في الواقع المتغيّر.

فالبِرّ أن نثبت على المحكمات الأخلاقية الكلية، وأن نجتهد في تفصيل تطبيقها بما يحقّق مقصدها. ومن هنا يصحّ التعامل مع ما استجدّ من نظمٍ تطبيقية ما دامت تخدم المقصد الثابت الذي أرساه الوحي من عدلٍ وكرامة، دون أن يكون ذلك مساسًا بالكليات نفسها. فمن تمسّك بحرفٍ تطبيقيٍّ تجاوزه الواقع وأهمل المقصد الكلّيّ فقد جمّد روح الكتاب، ومن حافظ على الكلّيات الثابتة واجتهد في تفصيلها الحيّ فقد تفاعل مع الكتاب على وجهه. فالكتاب في جوهره منظومة عدلٍ وجودية، أصولها ثابتة وتفصيلها يُجتهد فيه ضمن حدود تلك الأصول.

4.1.6الإيمان بالنبيّين: خروجٌ من تقديس الماضي إلى حرية المستقبل

لم يُرسَل الأنبياء ليُقدّسهم الناس، بل ليُخرجوهم من تقديس الآباء والركون إلى ما ألفوه، كما يكشف قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. فالبِرّ في الإيمان بهم اتّباع منهجهم لا تقديس أشخاصهم، إذ النبيّ في جوهره من يفتح الأفق لا من يُغلقه باسم الاتّباع. فالأنبياء جاؤوا ليُخرجوا الناس من تقديس الماضي والركون إلى العادات والانغلاق على الذات، إلى التفكّر والنقد والانفتاح على المستقبل، كما يدلّ قوله ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ﴾. فالنبوّة منهجٌ يوقظ المنساق من غفلته، ويربط المخلوق بخالقه بلا وسائط.

4.1.7الأركان السلوكية للبِرّ: العطاء والوفاء والصلاة والصبر

ثمّ ينتقل النصّ من ملامح الوعي إلى أركانه السلوكية. فأولها العطاء، كما في قوله ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، إذ البِرّ أن يُؤلمك العطاء لأنك تعطي جزءًا من نفسك ـ وقتك وعقلك وطاقتك ـ لا أن تجود بما فضل عنك. ويليه ما تقيمه الصلاة والزكاة، فليستا حركتين منعزلتين، بل اتصالٌ دائمٌ بالله وبالناس. فالزكاة ليست ضريبةً تؤخذ، بل تزكيةٌ للنفس عبر العطاء والمشاركة، على ما تأسّس في فصل الزكاة من أنها حالة نماءٍ دائم لا معاملة مالية. والبِرّ ألّا تنغلق في قوقعة العبادة الفردية الشكلية، بل أن ترى في الصلاة سموًّا بالنفس والمجتمع، وفي الزكاة وسيلةً لبناء الجماعة، إذ لا تسمو الأمم بالطقوس وحدها، بل بالتواصل وتبادل المعرفة والرقيّ الجماعيّ.

ويأتي بعد ذلك الوفاء بالعهد، حتى مع المختلِف، لأن العهد قيمةٌ أخلاقية لا رابطة انتماء، فالبِرّ أن تفي بعهدك مع الآخر وإن خانك، لأنك تعاهد الحقّ لا الشخص. ويُختم بالصبر، وليس استسلامًا، بل ثقةٌ بأن لكل داءٍ دواءً ولكل محنةٍ قانون انفراج، كما يدلّ قوله ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾. فالمصيبة ليست عقابًا عشوائيًا، بل نظامٌ يمكن فهمه والتعامل معه، والصبر بهذا المعنى اكتشافٌ وتعاونٌ وتضامنٌ وبحثٌ عن الحلول، فالبِرّ أن ترى في كل كارثةٍ دعوةً للتفكير لا نذير نهاية.

4.1.8آية الأهلّة ودخول البيوت من أبوابها

يقول تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ولفظ «البيت» يرجع في أصله إلى جذر «ب ي ت» الدائر على المبيت والاستقرار، فالبيت ما بات الناس عليه واستقرّ بعد نظرٍ وتمحيصٍ وتجربة، لا مجرّد بناءٍ يُقام بالطوب. فهو نظامٌ عقديّ أو تشريعيّ أو معرفيّ يستقرّ في وعي المجتمع بعد اختباره بالمنطق والواقع، على ما تأسّس في فصل الحجّ من أن البيت منظومةٌ مفاهيمية لا جدران.

ويعضد هذا أن القرآن يستعمل «البيت» في غير المكان الماديّ، كقوله ﴿وَأَوْهَنُ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾، فهو نظامٌ بُني على وهنٍ لا مأوى من خيوط. ومن هذا المنظور يُفهم قوله ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ لا إشارةً جغرافيةً وحدها، بل دلالةً على أوّل منظومةٍ بشريةٍ مستقرّة وُضعت للناس على القصد والتوحيد والعدل، حين نشأ المجتمع فاحتاج إلى نظامٍ يحكم العلاقات لا يقوم على الهوى، بل على أسسٍ تعيد الوجود إلى توازنه. فالبيوت في الآية أنظمةٌ باتت مستقرّةً بعد تمحيص، وبيت الله النظام الذي أقامه الله في الكون والوحي على العدل والاستمرار، وبيت العنكبوت نظامٌ بُني على الأوهام والمصالح الآنية، مهما برقت شعاراته، فهو ينهار عند أول اختبارٍ وجوديّ.

وعلى هذا فقوله ﴿لَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾ تحذيرٌ من الدخول العشوائيّ إلى الأنظمة المعرفية والتشريعية بلا فهمٍ ولا تمحيص، كمن ينقاد إلى فكرٍ لبريق عباراته، أو يقلّد نظامًا لمجرّد شهرته. وقوله ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ توجيهٌ إلى التمحيص العقليّ، إذ الدخول من الباب أن تفهم أسس النظام وتختبره، فتنظر أيبني أم يهدم، أيُحيي أم يُميت، أيحقّق العدل أم يُخفي وهنًا داخليًا كبيت العنكبوت. فالبِرّ ألّا تنقاد هوًى ولا تتعصّب لمذهبٍ مغلقٍ يقيّدك عن التفكّر الحرّ الواسع، بل أن تُخضع كل جديدٍ لمحكّ الفهم القرآنيّ والتماسك الوجوديّ. ومن دخل بيتًا من ظهره، أي بلا تمحيص، فقد خرج من دائرة البِرّ وإن ظنّ أنه يُصلح أو يجدّد.

4.1.9آية التعاون على البِرّ والتقوى

يقول تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾، فيجتمع في الآية أربعة معانٍ متقابلة. فالبِرّ الانفتاح المعرفيّ والسعة الوجودية والمسؤولية الأخلاقية، يقابله الإثم بوصفه انغلاقًا عقليًا وتعصّبًا وتمسّكًا بالأهواء دون تمحيص. والتقوى الوقوف عند حدود المنطق والوحي والتفكير قبل التصرّف والنهل من المعرفة قبل التبنّي، يقابلها العدوان بوصفه تجاوزًا للحدود وتسرّعًا ودخولًا في المواقف بلا تمحيص. وعلى هذا يكون التعاون على البِرّ والتقوى واجبًا جماعيًا، هو بناء مجتمعاتٍ تتأمّل وتُعطي وتجدّد، بينما التعاون على الإثم والعدوان إغلاقٌ جماعيّ للوعي يُفضي إلى التخلّف والانهيار.

4.1.10وصف الله بالبِرّ

يقول تعالى ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾، فالله هو البِرّ بذاته، لا انحياز فيه ولا تحيّز ولا تمييز على أساس عِرقٍ أو نسب. فرحمته شاملة، وعدله ناظم، وعفوه قائمٌ على الإدراك، إذ يعفو عمّا يعلم أن الإنسان لم يكتمل وعيه بشأنه. فالبِرّ الإلهيّ هو النموذج الكلّيّ: سعةٌ في الحكم، وشمولٌ في الرعاية، واتزانٌ في العدل. ومن أراد أن يكون بارًّا فليتّصف بسعة الله لا بضيق البشر.

4.1.11خاتمة: البِرّ هو الإنسان الحرّ في فضاء الله

يتبيّن من مجموع هذه الآيات أن البِرّ في القرآن ليس قناعًا خلقيًا يُرتدى، بل حالة وعيٍ مستمرّة: عقلٌ مفتوحٌ على الكون، وقلبٌ واسعٌ على الآخر، ويدٌ تعطي من جوهرها، وعهدٌ أمينٌ حتى مع المختلف، وصبرٌ منتجٌ لا جزع فيه. أمّا الإثم، نقيضه، فهو أن يقول الإنسان آمنتُ ثم يكفّ عن التفكير، وأن يعطي من فضلته ويُبقي جوهره، وأن يفي لمن ينتمي إليه وحده، وأن يستسلم للمحن، وأن يقدّس الماضي وينكر المستقبل. فالقرآن لم يُنزَّل ليُحبس في المذاهب، بل ليُطلق الإنسان في فضاء البِرّ الواسع إلى ربه، بضميرٍ حرٍّ وعقلٍ ناضجٍ وقلبٍ لا يعرف الحدود. فالبِرّ ليس أن تكون تابعًا، بل أن تكون بكل ما فيك إنسانًا حرًّا في فضاء الله.

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «البِرّ والإثم»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث