- أصل الوجود
- الإنسان وموضعه من الوجود
- الإذن والمشيئة
الإذن والمشيئة
3.8.1الإذن
3.8.1.1الإذن ـ مَدخَل مفاهيمي
من أَكثَر الأَلفاظ القرآنية تَعَرّضاً للتَّبسيط في الوَعي الديني لَفظُ «الإذن». فقَد جَرى التَّعامُل معه في التَّداوُل العامّ بوَصفه عِبارةَ تَبَرّكٍ أَو تَعليقاً لَفظياً على الأَحداث ـ يُقال «بإذن الله» إثرَ كلّ أَمرٍ مُرتَقَب، دون تَأَمّلٍ في مَدلوله. بَينما هو في البناء القرآني مِفتاحٌ لفَهم عَلاقة الله بالوجود ـ كَيف تَجري قَوانينُه، وكَيف تَنفُذ في مَواضعها.
ولا يُقصَد بـ«الإذن» في هذا البحث رَفعُ السَّبَبية أَو نَفيُها، ولا تَحويلُ الدِّين إلى أُسطورةٍ خارقة للعَقل. بَل العَكس: يُقصَد به تَثبيتُ أَن كلَّ ما يَقَع في الوجود يَقَع داخل نظامٍ مُحكَم. غَير أَن هذا النِّظام لا يُقرَأ قِراءةً واحدة؛ فثَمَّة تَمييزٌ يَتَكَرَّر في القرآن بَين صياغتَين ـ «بإذن الرَّبّ» و«بإذن الله» ـ ليستا مُترادفتَين، بَل تُؤَشّران إلى زاويتَين في عَلاقة الفعل بقَوانين الوجود.
وهذا التَّمييز بَين «الرَّبّ» و«الله» تَمييزٌ وَظيفيٌّ دَلالي في الخطاب القرآني، لا تَمييزٌ في الذات؛ فالذات واحدةٌ لا تَتَجَزَّأ، كَما يَنطِق به قَوله تعالى على لِسان عيسى ﴿ما قُلتُ لهم إلا ما أَمَرتَني به أَنِ اعبُدوا الله رَبّي ورَبَّكم﴾ [المائدة 117] ـ فجَمَع في خِطابٍ واحد بَين الاسمَين، دَلالةً على وَحدة المُسَمّى.
ويَقتَضي البناءُ القرآني ـ معَ تَمييزِ صياغتَي الإذن ـ تَمييزاً آخَرَ لا يَقِلّ عنه أَهمية: التَّمييزَ بَين «الإذن» و«السُّنَّة». فقَد عُومِلا في الفَهم الشائع كأَنهما شَيءٌ واحد، وهما ـ على منهج عَدم التَّرادف ـ مُتَغايران، لكلٍّ مَجالُه ومَوقعُه من نِظام الوجود. وهذا ما يَتَتَبَّعه هذا البحث، استنطاقاً للنَّصّ، لا إسقاطاً عَليه.
3.8.1.2الإذن بنيوياً ـ انضباطُ الحَدَث بالنِّظام
خَير ما يُبتَدَأ به استنطاق «الإذن» تَأَمّلُ ما تَكشفه مَواضعه في القرآن. فحين تُجمَع آيات الإذن ويُدَع بَعضها يُبَيّن بَعضاً، يَتَبَيَّن أَن الإذن ـ في كلّ مَوضِع ـ راجِعٌ إلى قانون. فلا يَقَع شَيء «بإذن الله» أَو «بإذن رَبّه» إلا وَفقَ قانونٍ مَوضوعٍ في الوجود.
ويَتَّضح هذا بتَأَمّل قَوله تعالى ﴿وما كان لنَفس أَن تَموت إلا بإذن الله كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران 145]. فالمَوت مَقرونٌ بـ﴿كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾ ـ والكِتابُ ضَمٌّ وانتظام، والتَّأجيلُ بُلوغُ أَجَلٍ مَخصوص. فالمَوت قانونٌ يَنفُذ عند تَوَفّر شُروطه، لا أَمرٌ اعتباطي. وكَذلك ﴿وما هم بضارّينَ به من أَحدٍ إلا بإذن الله﴾ [البقرة 102] ـ فالضَّرر لا يَقَع بسِحرٍ ولا اعتباط، بَل وَفقَ قَوانين. وفي ﴿ما أَصاب من مُصيبةٍ إلا بإذن الله﴾ [التغابن 11] ما يُؤَكّد أَن المُصيبة نَفسها لا تَقَع إلا ضِمن قَوانين.
وعَلى هذا، فالإذن ـ بنيوياً ـ ليس خَرقاً لقَوانين الوجود، ولا تَعليقاً لها، ولا أَمراً يَجري خارجها. بَل هو إخبارٌ بأَن الحَدَث منضبِطٌ بالنِّظام الحاكِم للوجود. فحين يُقال إن أَمراً وَقَع «بإذن الله» أَو «بإذن رَبّه»، فالمَقصود أَنه لم يَقَع عَبَثاً ولا مُصادَفةً، بَل محكومٌ بقانون. فالإذن ليس القانونَ المُجَرَّد، ولا الواقعةَ المُجَرَّدة، بَل انضباطَ الواقعة بالقانون.
ولَعَلَّ في هذا ما يُمَيّز «الإذن» مما قَد يُخلَط به. فالإذن ليس تَفويضاً بخَرق النِّظام، ولا استثناءً منه، بَل هو لِسانُ النِّظام نَفسه وهو يَنفُذ. فكلّ «إذنٍ» في القرآن شاهدٌ على إحكام الوجود، لا على انخرامه ـ إذ يُثبِت أَن الفعل، أَياً كان، إنَّما يَقَع وَفقَ قانون. وبهذا يَكون لَفظُ «الإذن» ـ بَعيداً عن كَونه عِبارةَ تَبَرّكٍ عابرة ـ تَقريراً متَّصِلاً لانضباط الوجود بنظامٍ لا يَتَخَلَّف.
غَير أَن هذا الانضباط بالنِّظام لا يُقرَأ على وَجهٍ واحد. فثَمَّة فَرقٌ بَين أَن يَنضَبِط الحَدَث بنظامٍ يَحكُمه الإيقاعُ الزَّمني، وأَن يَنضَبِط بنظامٍ يَحكُمه تَوَفّرُ الأَسباب بقَطع النَّظَر عن الزَّمن. وعَلى هذا التَّمييز يَقوم الفَرقُ بَين «الإذن الرَّبوبي» و«الإذن الإلهي» ـ وهو ما يَتَتَبَّعه القِسمان التاليان.
3.8.1.3الإذن الرَّبوبي ـ ما كان مُتَعَلَّقه الزَّمن
حين يَرِد التَّعبير «بإذن رَبّه» أَو «بإذن رَبّهم»، فإن السِّياق يَكون مُتَعَلّقاً بمَقام الرَّبوبية ـ مَقامِ التَّدبير في الوجود. وقَد تَأَسَّس (2.2) أَن الرَّبّ مَقامُ تَدبير الوجود في الزَّمن، رَبّ العالمين أَجمَعين. ولَعَلَّ في استقراء آيات «بإذن الرَّبّ» ما يَكشف أَنها تَدور على ما يَجتَمِع فيه عُنصران: مُتَعَلَّقٌ يَحكُمه الإيقاعُ الزَّمني، وعُمومٌ يَسَع الناس كافَّةً.
فقَوله تعالى ﴿والبَلَدُ الطَّيّب يَخرُج نَباتُه بإذن رَبّه﴾ [الأعراف 58]، وقَوله ﴿تُؤتي أُكُلَها كلّ حينٍ بإذن رَبّها﴾ [إبراهيم 25] ـ مُتَعَلَّقهما النَّباتُ والثَّمَر، وهما مما يَحكُمه الإيقاعُ الزَّمني، إذ الثَّمَرُ نَتيجةُ دَورةٍ زَمنية مَضبوطة دَلَّ عَليها قَولُه ﴿كلّ حين﴾. وفي شَأن سليمان ﴿ومن الجِنّ مَن يَعمَل بَين يَدَيه بإذن رَبّه﴾ [سبأ 12] ـ فالعَمَل خُضوعٌ لنظام تَسخيرٍ جارٍ في الوجود، في زَمنٍ مَخصوص.
ولَعَلَّ في قَوله تعالى ﴿تَنَزَّل المَلائكة والرُّوح فيها بإذن رَبّهم من كلّ أَمر﴾ [القدر 4] ما يُعَضّد المعنى من وَجهٍ دَقيق. فالمُتَنَزَّل هنا القرآن، والقرآن ـ كَما تَأَسَّس في فصل القرآن (3.3.1) ـ آياتٌ كَونية وقَصصٌ وسننٌ، مَضمونُه وُجودي. وهذا المَضمون يُنسَب إلى الرَّبّ ـ لا إلى الله بمَقام التَّشريع ـ إذ التَّشريع كُلّياتٌ فِكرية لا حُضورَ مادياً لها كآيات الرَّبوبية. فاقترانُ تَنَزّل القرآن بـ«إذن رَبّهم» يَتَّسق مع كَون مَضمونه كَونياً ربوبياً. ويُضاف إلى ذلك أَن التَّنزيل نَفسه مَقرونٌ بظَرفٍ زَمني ـ ﴿شَهرُ رَمَضان الذي أُنزِل فيه القرآن﴾ [البقرة 185] ـ فالإيقاعُ الزَّمني حاضرٌ في تَنَزّل القرآن، كَما هو حاضرٌ في النَّبات والثَّمَر.
ومن اللافت أَن آية إخراج الناس من الظُّلُمات تَقول ﴿لتُخرِج الناس من الظُّلُمات إلى النُّور بإذن رَبّهم﴾ [إبراهيم 1] ـ فجاء لَفظُ «الناس» الجامع. وفي هذه الآية يَجتَمِع عُنصرا الإذن الرَّبوبي: العُمومُ ـ إذ الخِطاب لـ«الناس» كافَّةً ـ والزَّمنُ ـ إذ الخُروج من الظُّلُمات يَجري عَبر إيقاعٍ زَمني من السَّماع والتَّدَبّر والتَّعَقّل، وعَبر تَركِ القَديم البالي إلى المُستَجَدّ الأَهدى. ولَعَلَّ في تَعاضُد هذه الآية مع آية القدر 4 ما يَزيد المعنى وُضوحاً ـ فالقرآن المُتَنَزَّل ﴿بإذن رَبّهم﴾ هو نَفسه المنارةُ التي يَخرُج بها الناسُ من الظُّلُمات ﴿بإذن رَبّهم﴾. ويُعَضّده أَن القرآن مَبذولٌ للناس كافَّةً ـ ﴿هُدىً للناس﴾ [البقرة 185] ـ فناسَبَ مَقامَ الرَّبّ، إذ هو رَبّ العالمين، يُدَبّر الوجود للناس أَجمَعين في الزَّمن.
ولَعَلَّ في قَوله تعالى ﴿وأُدخِل الذين آمَنوا وعَمِلوا الصالحات جَنّاتٍ... بإذن رَبّهم﴾ [إبراهيم 23] ما يُعَضّد المعنى. فدُخولُ الجَنَّة مُتَعَلّقٌ بالحِساب والجَزاء، والحِسابُ والجَزاءُ يَومَ القيامة شَأنٌ ربوبي ـ يَتَوَلّاه رَبّ العالمين، إذ هو مَقام التَّدبير بالنَّتائج ومآلاتها. ويُعَضّد هذا قَوله تعالى ﴿مَن آمَن بالله واليَوم الآخِر وعَمِل صالحاً فلهم أَجرُهم عند رَبّهم﴾ [البقرة 62] ـ إذ نُسب الإيمانُ إلى «الله» (شَأن العَقيدة)، ونُسب الأَجرُ إلى «الرَّبّ» (شَأن الجَزاء)، في صياغةٍ واحدة تَكشف التَّمييز.
ولَعَلَّ في كَون دُخول الجَنَّة ﴿بإذن رَبّهم﴾ ما يَكشف أَن الآخرة تَجري ضِمن نظامٍ ربوبيٍّ مُحكَم للحِساب والجَزاء. فالإذن ـ إذ هو انضباطُ الحَدَث بالنِّظام ـ لا يُحابي. فلا شَفاعةَ تُبَدّل نَفاذ القانون، ولا خاصّيةَ لطائفةٍ دون طائفة، ولا اعتبارَ لمَذهَبٍ في ذاته ـ بَل الحِسابُ والجَزاءُ على الأَعمال وَحدها. ويُعَضّد هذا قَوله تعالى ﴿وتلك الجَنَّة التي أُورِثتُموها بما كنتم تَعمَلون﴾ [الزخرف 72] ـ إذ حُصِرَ سَبَبُ الإيراث في العَمَل، لا في نَسَبٍ ولا انتماءٍ ولا وَساطة.
وعَلى هذا، فإن «بإذن الرَّبّ» يَدلّ على انضباط الحَدَث بالنِّظام فيما مُتَعَلَّقه الإيقاعُ الزَّمني، عاماً للناس أَجمَعين ـ النَّباتُ والثَّمَر، وتَنَزّلُ القرآن، وخُروجُ الناس من الظُّلُمات، ومآلُ الجَزاء. فكلّ ما يُقرَن بالرَّبوبية يَجري ضِمن الإيقاع الزَّمني للوجود، في عُمومٍ يَشمَل العالمين.
3.8.1.4الإذن الإلهي ـ ما كان مُتَعَلَّقه الأَسباب
حين يَرِد التَّعبير «بإذن الله»، يَنتَقِل الخطاب إلى مَقام الأُلوهية ـ مَقامِ المُطلَق. وقَد تَأَسَّس (2.2) أَن الله مَقامُ المُطلَق خارج الزَّمن. ولَعَلَّ في استقراء آيات «بإذن الله» ما يَكشف أَنها تَدور ـ خِلافاً لآيات الرَّبّ ـ على ما مُتَعَلَّقه الأَسبابُ لا الزَّمن، وأَنها تَخصّ شَأن الإيمان والرُّسُل والمؤمنين، فلا تَكاد تَرِد آيةُ «بإذن الله» في عُمومٍ جامعٍ للناس.
فقَوله ﴿وما كان لنَفس أَن تُؤمن إلا بإذن الله﴾ [يونس 100] ـ الإيمانُ مُتَعَلَّقه أَسبابُه، لا مُضيُّ زَمن. وقَوله ﴿وما أَرسَلنا من رَسولٍ إلا ليُطاع بإذن الله﴾ [النساء 64] ـ الطاعةُ مُتَعَلَّقها أَسبابُها، من قَوانينِ القيادة واقتناعِ المؤمن بالمَنطق، لا قَهرٌ ولا زَمن. وقَوله ﴿كَم من فِئةٍ قَليلةٍ غَلَبَت فِئةً كَثيرةً بإذن الله﴾ [البقرة 249] ـ الغَلَبةُ مُتَعَلَّقها أَسبابُها، من الصَّبرِ والثَّبات، إذ تَقَع مَتى تَوَفَّرَت أَسبابُها في أَيّ زَمن.
ولَعَلَّ أَدَقّ ما يَكشفه التَّأَمل أَن نِسبة هذه الأُمور إلى «إذن الله» تَتَّسق مع مَقام الأُلوهية. فالأَسبابُ ـ كآلياتِ النَّصر ـ قَوانينُ ثابتةٌ لا تَتَبَدَّل بمُضيّ الزَّمن، فهي من جِنس الثابت لا المُتَزَمّن. فناسَبَ أَن يُنسَب ما مُتَعَلَّقه الأَسبابُ الثابتةُ إلى الله ـ مَقامِ المُطلَق ـ وأَن يُنسَب ما يَحكُمه الإيقاعُ الزَّمني إلى الرَّبّ ـ مَقامِ التَّدبير في الزَّمن. وليس الفَرقُ في وُجود الأَسباب، إذ كلّ حَدَثٍ له أَسباب، بَل فيما يَحكُمه ابتداءً: أَفإيقاعٌ زَمنيٌّ مَضبوط، أَم تَوَفّرُ أَسبابٍ بقَطع النَّظَر عن الزَّمن.
وعَلى هذا، فإن الإذن الإلهي ليس تَوجيهاً للقَوانين ولا تَبديلاً لها ـ إذ القَوانين لا تُبَدَّل، كَما يُقَرّره قَولُه ﴿ولَن تَجِدَ لسُنَّةِ الله تَبديلاً﴾ ـ بَل هو كَشفٌ معرفي. فالله مَصدريةٌ مُطلَقة، وعِلمٌ كاملٌ خارج الزَّمن. فحين يُنسَب الأَمر إلى «إذن الله»، فالمَقصود انضباطُه بنظامٍ من الأَسباب الثابتة، معَ كَشفِ هذا النِّظام للمؤمنين ليَعلَموه. فالإذن الإلهي انضباطٌ بالنِّظام، يَزيد على الانضباط كَشفاً للوَعي.
ويَتَّضح هذا في قَوله تعالى ﴿وما أَصابكم يَومَ التَقى الجَمعان فبإذن الله وليَعلَم المؤمنين﴾ [آل عمران 166]. فالهَزيمةُ يَومَ أُحُد وَقَعَت «بإذن الله» ـ لا لأَن الله خَذَل المؤمنين اعتباطاً، بَل لأَنها جَرَت وَفقَ قانونٍ من الأَسباب: انخرامُ الصَّبر، ومُخالَفةُ أَمر الرَّسول. فلَمّا انخَرَمَ شَرطُ النَّصر، نَفَذ قانونُ الهَزيمة. وخَتمُ الآية ﴿وليَعلَم المؤمنين﴾ يَكشف الوَجه الآخَر للإذن الإلهي ـ إذ كانت الهَزيمةُ كَشفاً معرفياً للمؤمنين بقانون النَّصر والهَزيمة، ليَعلَموا أَن النَّصر مَشروطٌ بأَسبابه، وأَن انخرامها يُنفِذ قانونَ الهَزيمة. فالإذن الإلهي هنا انضباطٌ بقانونٍ سَبَبي، معَ كَشفٍ للوَعي.
وكَذلك قَوله ﴿وما كان لنَفس أَن تَموت إلا بإذن الله كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران 145]. فالمَوت مُتَعَلَّقه أَسبابُه ـ بدَليل قَرنه بـ﴿كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾، إذ الكِتابُ انتظامٌ، والتَّأجيلُ بُلوغُ غايةٍ تَتَوَفَّر عندها الشُّروط. ولَعَلَّ في هذا ما يَرفَع فَهماً موروثاً حَمَل ﴿كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾ على تاريخٍ زَمنيٍّ مَرسوم، فجَعَل لحَياة الإنسان مُدَّةً زَمنيةً مَوقوتةً يَموت عند بُلوغها. والنَّصّ لا يَقول ذلك ـ إذ نَسَبَ المَوت إلى «إذن الله»، لا «إذن الرَّبّ». ولَو كان مُتَعَلَّقُ المَوت الزَّمنَ، لاقتَضى البناءُ نِسبتَه إلى الرَّبّ، إذ الرَّبوبيةُ مَقامُ ما يَحكُمه الزَّمن ـ فلَو قال النَّصّ «بإذن رَبّها» لقَرُبَ الفَهمُ الزَّمني. لكنّه قال «بإذن الله» ـ فدَلَّ على أَن مُتَعَلَّق المَوت الأَسبابُ لا الزَّمن.
ويُعَضّد هذا أَن القرآن يَصِف الأَجَل بأَنه ﴿مُسَمّى﴾ ـ ﴿ثُمَّ قَضى أَجَلاً وأَجَلٌ مُسَمّى عنده﴾ [الأنعام 2] ـ ولم يَقُل «أَجَلاً مُحَدَّداً». والتَّسميةُ في القرآن إسقاطُ صِفةٍ تَصِف وَظيفةَ المُسَمّى ـ لا تَعييناً رَمزياً كالتَّسمية البَشَرية. فالأَجَلُ «المُسَمّى» أَجَلٌ مَوسومٌ بصِفةِ آليته ـ أَي أَنه يَنعَقِد بأَسبابٍ ومُعطَيات، لا بنُقطةٍ زَمنية. ويُبَيّن آليتَه قَولُه ﴿لكلّ أَجَلٍ كِتاب﴾ [الرعد 38] ـ فلِكلّ أَجَلٍ كِتابٌ تَجتَمِع فيه أَسبابُه فيَنعَقِد بها. فثَلاثةُ أَلفاظ ـ «مُسَمّى» و«كِتاب» و«مُؤَجَّل» ـ تَنتَظِم على معنىً واحد: الأَجَلُ مُحكَمٌ تَمامَ الإحكام، لكنّ ضابطَه نظامُ الأَسباب، لا الساعةُ الزَّمنية. فنَفيُ التَّحديد الزَّمني لا يَنفي إحكامَ الأَجَل، بَل يَنقُله من ضابطِ الزَّمن إلى ضابطِ الأَسباب.
ويُضاف إلى ذلك أَن النَّفس ليست من مُكَوّنات العالَم المادي، بَل من المصدر الإلهي ـ مَلِكاً وخَلقاً ومَصدراً ـ فناسَبَ أَن يُنسَب خُروجُها إلى «إذن الله»، إذ هو فِعلٌ يَتَعَلَّق بمَصدر النَّفس نَفسه، لا بمَجرى الجَسد المادي الزَّمني. فتَلتَقي قَرينتان على نَسَقٍ واحد: مَصدرُ النَّفس إلهي، ومُتَعَلَّقُ مَوتها الأَسبابُ لا الزَّمن.
ولَعَلَّ في تَأَمّل آية الإيمان ﴿وما كان لنَفس أَن تُؤمن إلا بإذن الله﴾ ما يَكشف وَجهاً أَدَقّ. فالإيمانُ ـ إذ مُتَعَلَّقه الأَسباب ـ لا يَنعَقِد إلا بسَبَبه الصَّحيح: النَّظَرِ في كِتاب الله، والتَّعَقّلِ لآياته. فالكِتابُ هو السَّبَبُ المُوصِل ـ إذ به يَنتَقِل العَقلُ من النَّظَر في آيات الرَّبوبية المَنظورة إلى الإيمان بالمصدر المُطلَق. ولهذا خُتمَت الآية بقَوله ﴿ويَجعَل الرِّجسَ على الذين لا يَعقِلون﴾ ـ فمُقابِلُ الإيمان ﴿بإذن الله﴾ تَعطيلُ العَقل. فالإيمانُ الإلهيُّ يَجري بالعَقل عَبر الكِتاب، لا عَبر رِواياتٍ وخُرافاتٍ تُورِث إيماناً زائفاً لم يَجرِ على سَبَبه. ولَيس النَّظَرُ في الآيات مُؤَسّساً للإيمان فَحَسب، بَل هو مُثَبّتٌ له ومُنمٍّ ـ إذ تَدَبّرُ الآيات يَحفَظ الفُؤاد من التَّزَعزُع ﴿كَذلك لنُثَبّت به فُؤادك﴾ [الفرقان 32]، ويَزيد الإيمان رُسوخاً ﴿وإذا تُليَت عَليهم آياتُه زادَتهم إيماناً﴾ [الأنفال 2].
ولا يُفهَم من اقتران الإذن الإلهي بالمؤمنين أَن أُلوهية الله خاصّةٌ بفِئة. فالله إلهُ الناس كافَّةً ـ ﴿إله الناس﴾ ـ بمعنى أَنه الهادي الوَحيد لهم، إذ لا تَكمُن في الوجود حَقيقةٌ مُطلَقة تَهدي. لكنّ الإذن الإلهي ـ بوَصفه كَشفاً معرفياً ـ لا تَتَجَلَّى ثَمَرتُه إلا فيمَن قَبِله. فالكَشف مَبذولٌ، وثَمَرتُه تَظهَر فيمَن وافَقه ـ ولهذا اقترَن الإذن الإلهي، في الاستقراء، بالضَّمير العائد على المؤمنين، لا بالاسم الجامع «الناس».
3.8.1.5خُصوصية المتَّقين وغِياب الإذن
ولَعَلَّ مما يُتِمّ بَيان الإذن الإلهي تَأَمّلَ مَواضعَ بَدا فيها التَّدَخّلُ الإلهيُّ الخاصّ، فغابَ عنها لَفظُ «الإذن». فقَد تَأَسَّس أَن «الإذن» انضباطُ الحَدَث بالنِّظام في مَجراه المُعتاد. ولَعَلَّ في غِيابه ـ حَيث يَكون تَدَخّلٌ خاصّ ـ دَلالةً بنيوية: أَن الجاريَ ليس القانونَ المُعتاد، بَل قانوناً أَرفَع غَلَبَه.
فالنِّظامُ ذو طَبَقات. فالقَوانينُ المادية المُعتادة طَبَقة، وثَمَّة طَبَقةٌ أَرفَع تَحكُمها ـ هي قانونُ الخُصوصية للمتَّقين، كَما يُقَرّره قَوله تعالى ﴿ومَن يَتَّقِ الله يَجعَل له مَخرَجاً ويَرزُقه من حَيث لا يَحتَسِب﴾ [الطلاق 2-3]. فهذا قانونٌ سَبَبيٌّ مُطَّرِد ـ التَّقوى سَبَبٌ، والمَخرَجُ نَتيجة ـ لا خَرقَ فيه. ولَعَلَّ في قَوله ﴿من حَيث لا يَحتَسِب﴾ ما يَكشف دِقَّةَ المعنى: فالمَخرَجُ يَأتي من جِهةٍ قائمة ـ إذ أَثبَتَ لها «حَيث» ـ لكنّها خارجةٌ عن حُسبان الإنسان، لا خارجةٌ عن النِّظام. فالمَنفيُّ حُسبانُ الإنسان، لا وُجودُ القانون.
ولَعَلَّ في قَوله تعالى ﴿حتى إذا كنتم في الفُلك وجَرَينَ بهم برِيحٍ طَيّبة وفَرِحوا بها جاءَتها رِيحٌ عاصِف وجاءَهم المَوجُ من كلّ مَكان وظَنّوا أَنهم أُحيطَ بهم دَعَوُا الله مُخلِصينَ له الدِّين... فلَمّا نَجّاهم﴾ [يونس 22] ما يُجَلّي هذا. فأَصحابُ السَّفينة ـ لَو جَرى الأَمرُ على القانون المادي المُعتاد وَحده، الذي يُوصَف جَرَيانُه بالإذن ـ لكان مُقتَضى الرِّيح العاصِف والمَوج الغَرَقَ، إذ القَوانينُ المادية لا تُحابي. لكنّ النَّجاة وَقَعَت بأَن دَخَلَ المُعادَلةَ قانونٌ أَرفَع ـ هو قانونُ مَن دَعا الله مُخلِصاً. ولهذا غابَ لَفظُ «الإذن» عن المَوضِع ـ إذ الجاريُ ليس القانونَ المادي المُعتاد، بَل قانوناً أَرفَع غَلَبَه. فلَو نَجَوا «بإذن» لكانت نَجاتُهم جَرَياناً للقانون المُعتاد، ولا معنىً حينَئذٍ لتَخصيص المَوقف بالدُّعاء والإخلاص.
وليس في هذا خَرقٌ للنِّظام ولا تَبديلٌ للقَوانين. فقانونُ الرِّيح والمَوج لم يَتَبَدَّل، بَل ظَلَّ جارياً ـ والذي حَدَثَ أَن قانوناً أَرفَع (قانونَ الخُصوصية للمتَّقين) فُعّل، فرَجَّحَ كِفَّةَ النَّجاة. فهو تَراتُبُ طَبَقاتٍ في النِّظام الواحد ـ قانونٌ أَرفَع يَغلِب قانوناً أَدنى ـ كَما يَغلِب، في عالَم الأُمَم، قانونُ الوجود القانونَ البَشَريَّ المُعارِض له. فالنِّظامُ واحدٌ مُحكَم، ذو طَبَقاتٍ يَرجَح أَرفَعُها، لا نظامٌ يُخرَق ويُبَدَّل.
ومن هنا يَتَبَيَّن أَن غِياب «الإذن» ـ في مَواضع التَّدَخّل الخاصّ ـ ليس غِيابَ النِّظام، بَل غِيابَ القانون المُعتاد، إيذاناً بأَن قانوناً أَرفَع قَد فُعّل. فحُضورُ «الإذن» قَرينةٌ على جَرَيان الطَّبَقة المُعتادة، وغِيابُه قَرينةٌ على تَفعيل الطَّبَقة الأَرفَع ـ وكِلتاهما من النِّظام، لا خارجةٌ عنه.
3.8.1.6التَّمييز بَين الإذن والسُّنَّة ـ عالَمُ التَّسيير وعالَمُ التَّخيير
تَأَسَّس أَن الإذن ـ بوَجهَيه الرَّبوبي والإلهي ـ انضباطُ الحَدَث بالنِّظام الحاكِم للوجود. ويَبقى أَن يُتَأَمَّل لَفظٌ آخَر كَثيراً ما خُلِط بالإذن ـ وهو «السُّنَّة». فهَل «الإذن» و«السُّنَّة» شَيءٌ واحد؟ أَم بَينهما تَمييزٌ بنيوي؟
ولَعَلَّ في استقراء لَفظ «السُّنَّة» في القرآن ما يَكشف الجَواب. فالسُّنَّة ـ حَيثما وَرَدَت ـ تَدور على نَسَقٍ واحد: أَحوالُ الأُمَم ومآلاتُها. يَقول تعالى ﴿فقَد مَضَت سُنَّةُ الأَوَّلين﴾ [الأنفال 38]، ويَقول ﴿سُنَّةَ الله في الذين خَلَوا من قَبل﴾ [الأحزاب 62]، ويَقول ﴿سُنَّةَ مَن قَد أَرسَلنا قَبلك من رُسُلنا﴾ [الإسراء 77]. فلا يَكاد لَفظُ «السُّنَّة» يَرِد في القَوانين الكَونية المادية ـ كالإنبات والإثمار ـ بَل يَخصّ قَوانينَ الأُمَم في سُلوكها ومآلاتها. وهذا في ذاته قَرينةٌ على أَن «السُّنَّة» مَجالٌ غَيرُ مَجال «الإذن».
ولَعَلَّ التَّمييز بَينهما يَتَّضح بتَأَمّل ما يَحكُم كلَّ مَجال. فالإذن الرَّبوبي ـ كَما تَأَسَّس ـ يَخصّ القَوانين الطَّبيعية العامَّة للوجود، وهي قَوانينُ لا مشيئةَ فيها. فالموجوداتُ في عالَمها مُسَيَّرةٌ لا مُخَيَّرة ـ مَضبوطةٌ على مَسارٍ لا تَحيد عنه. فالشَّمسُ تَجري لمُستَقَرّ لها، والنَّباتُ يَخرُج بإذن رَبّه، لا خِيارَ لها في ذلك. أَمّا «السُّنَّة» فتَخصّ قَوانينَ الأُمَم ـ وهي قَوانينُ ذاتُ وَعي، تَنشأ عن معرفةٍ واختيار. فحين يَجتَمِع البَشَر، يُشَكّلون مُجتَمَعاً بقَوانينَ تَحكُم مَسارهم، وهذه القَوانينُ لا تَكون إلا بالوَعي.
فالفَرقُ بَينهما ـ في جَوهره ـ فَرقٌ بَين عالَمَين. فالإذن لِسانُ عالَمِ التَّسيير ـ ما لا مشيئةَ فيه ولا اختيار، حَيث الموجوداتُ مَضبوطةٌ على مَسارٍ واحد. والسُّنَّة لِسانُ عالَمِ التَّخيير ـ ما يَنشأ عن وَعيٍ وحُرّية، حَيث الأُمَّةُ تُنشِئ قَوانينَ سُلوكها. ومنشَأُ قَوانين السُّنَّة الأُمَّةُ الحُرَّة، لا الكَون ـ فهي قَوانينُ بَشَريةُ المنشَأ، تَنبثق من اختيار البَشَر، لا من تَسيير الوجود.
غَير أَن السُّنَّة ـ وإن كانت بَشَريةَ المنشَأ ـ ليست بالضَّرورة خاطئة. فقَد تُنشِئ الأُمَّةُ قانوناً سُلوكياً يَتَناغَم مع قَوانين الوجود، فيَدومُ ويَنمو. وقَد تُنشِئ قانوناً يُعارِضها، فيَنهار. إذ قَوانينُ الوجود أَقوى من القَوانين البَشَرية المُعارِضة لها، فإذا تَصادَمَتا، غَلَبَت قَوانينُ الوجود. ولَعَلَّ في إغراق قَوم نوحٍ شاهداً ـ إذ أَنشَأوا مَساراً سُلوكياً يُعارِض النِّظام، فلَمّا تَصادَمَ مع قَوانين الوجود، انهار. فالهَلاكُ نَتيجةُ تَصادُمٍ بَين قانونٍ بَشَريٍّ ضَعيف وقانونٍ كَونيٍّ أَقوى، لا عُقوبةٌ اعتباطية. ولهذا كان قَولُه ﴿ولَن تَجِدَ لسُنَّةِ الله تَبديلاً﴾ ـ إذ سُنَّةُ الله الحاكِمةُ لمآلات القَوانين البَشَرية لا تَتَبَدَّل: ما تَناغَمَ مع الوجود دامَ، وما عارَضَه انهار.
ولَعَلَّ هنا يَبرُز سؤالٌ: من أَين للبَشَر معرفةُ القَوانين التي بها يُنَظّمون اجتماعهم تَنظيماً يَتَناغَم مع الوجود؟ ولَعَلَّ الجَواب أَن البَشَر ـ متروكين لأَنفُسهم في ظُلُمات الجَهل ـ لا يَبلُغون ذلك من تِلقاء أَنفُسهم، إذ القَوانين الكَونية لا تُنتِج هدايةً ذاتية. فمعرفةُ بناء المُجتَمَع المُتَناغِم ـ كالنُّور ـ تُدرَج إدراجاً عَبر الرُّسُل، إذ يَحمِلون تَعليمَ الكَيفية التي بها يَنتَظِم الاجتماع. فالبَشَر يُنشِئون السُّنَّة، لكنّ أَصلَ معرفتهم بالإنشاء الصَّحيح ثَمَرةُ تَعليمٍ إلهيٍّ عَبر الرُّسُل. ومن هنا كان مبدأُ التَّنظيم الواعي أَمراً أَمَر الله به ـ لا كلُّ قانونٍ مُعَيَّن، بَل مبدأُ أَن يُنَظّم البَشَر اجتماعهم بوَعي ـ بشَرط ألَّا تُعارِضَ القَوانينُ المُعَيَّنة المُرادَ الإلهي. فمَن انتَظَم بما عَلَّمَته الرُّسُل سار ونَما، ومَن خَرَج عنه خُروجاً يُعارِض قَوانين الوجود هَلَك.
وبهذا يَتَبَيَّن أَن الإذن والسُّنَّة لا يَتَعارَضان، بَل يَقتَسِمان نِظام الوجود: الإذنُ لِسانُ ما هو مُسَيَّرٌ بقَوانينَ لا مشيئةَ فيها، والسُّنَّةُ لِسانُ ما يَنشأ عن وَعي الأُمَم الحُرَّة. والإنسانُ ـ وَحده ـ يَقِف على مُلتَقى العالَمَين، إذ هو في بشريته مُسَيَّرٌ بالإذن، وفي اجتماعه الواعي مَوكولٌ إلى السُّنَّة ـ وهذا ما يَتَتَبَّعه القسمُ التالي في مَوقع الإنسان.
3.8.1.7آياتُ الرُّسُل ـ كَشفٌ مُبَكّر لا خَرق، وميزانُ الرِّوايات
تَأَسَّس أَن الإذن الإلهي كَشفٌ معرفي ـ انضباطٌ بنظامٍ من الأَسباب الثابتة، معَ كَشفِ هذا النِّظام للوَعي. ولَعَلَّ في تَطبيق هذا على آيات الرُّسُل ما يَكشف وَجهاً دَقيقاً ـ يَرفَع عنها فَهمَ «الخَرق» الذي عَلِق بها في التَّداوُل، ويَضَع ميزاناً لما يُروى في شَأنها.
يَقول تعالى ﴿وما كان لرَسولٍ أَن يَأتيَ بآيةٍ إلا بإذن الله﴾ [الرعد 38]. فآياتُ الرُّسُل ـ كعَصا موسى ـ مَقرونةٌ بـ«إذن الله»، أَي بانضباطٍ بنظام الأَسباب الثابتة. فتَحَوّلُ المادَّة من حالٍ إلى حال ـ كتَحَوّل العَصا ـ ليس خَرقاً لقانون، إذ تَحَوّلُ المادَّة قانونٌ قائمٌ في الوجود. لكنّ العِلمَ بأَسبابه لم يَكن قَد بَلَغه البَشَر في زَمن موسى. فالآيةُ كَشفٌ مُبَكّر لقانونٍ قائم ـ تَقديمٌ لعِلمٍ في تَسخير الأَسباب، قَبل أَوان بُلوغ البَشَر إياه بمَجراهم الزَّمني.
ولَعَلَّ في نِسبة الآية إلى «إذن الله» ـ لا «إذن الرَّبّ» ـ ما يَكشف هذا المعنى. فالإذن الرَّبوبي يَجري في المَجرى الزَّمني المُعتاد، والبَشَر يَبلُغون عِلمَ الأَسباب عَبر هذا المَجرى بُطئاً وتَدَرّجاً. أَمّا الآيةُ فمَنسوبةٌ إلى «الله» ـ مَقامِ المصدر المُطلَق، والعِلمِ الكامل خارج الزَّمن. فحين تُنسَب إلى «إذن الله»، يَخرُج التَّأييدُ من المَجرى الزَّمني البَطيء إلى المصدر المُطلَق العابر للزَّمن ـ فيَنكَشِف من القانون القائم ما لم يَبلُغه عِلمُ البَشَر بَعد. فالآيةُ ليست خَرقاً للنِّظام، بَل كَشفٌ مُبَكّرٌ لطَبقةٍ منه، نُسبَت إلى الله لأَنها من عِلمه المُطلَق العابر للزَّمن.
ولَعَلَّ ما بَدأَ العِلم الحَديث يُلامِسه ـ من تَحَوّل المادَّة، وإحياء الخَلايا، وفَهم آلياتِ ما كان يُعَدّ مُستَعصياً ـ يُعيد آيات الرُّسُل إلى سِياقها الوُجودي، لا الأُسطوري. فما كان يُرى خَرقاً لقَوانين الوجود، يَتَبَيَّن أَنه كَشفٌ مُبَكّر عنها ـ سَبَقَ عِلمُه أَوانَه الزَّمني، إذ جاء من المصدر الذي لا يَجري عَليه الزَّمن.
وعَلى هذا الأَساس، فإن كلَّ رِوايةٍ تُنسَب إلى الدِّين وتَدَّعي خَرقاً لقَوانين الوجود يَجِب أَن تُعرَض على الميزان القرآني. فإن ناقَضَت بنيةَ الوجود كَما قَرَّرها القرآن، أَو خَلَطَت بَين المادي وغَير المادي، أَو افتَرَضَت انتقالاً بَلا أَسبابٍ ولا نظام، فإنها تُرَدّ منهجياً ـ لا طَعناً في الإيمان، بَل حِفظاً لاتّساق الحَقّ مع العَقل. إذ الآيةُ ـ كَما تَأَسَّس ـ كَشفٌ معرفيٌّ لنظامٍ قائم، لا إبطالٌ له. فما وافَقَ هذا فمَقبول، وما ناقَضَه فمَردودٌ وإن نُسب إلى الدِّين.
ويَقوم هذا الميزان على أَصلٍ جامِع: أَن آيات الرُّسُل لم تُؤَيَّد بها رِسالاتُهم لتَهدِم العَقل أَو تُكَرّس الأُسطورة، بَل لتُخرِج الناس من الوَهم إلى الحَقّ. فجَوهرُ الرِّسالة هَدمُ الأَساطير، لا إحلالُ أُسطورةٍ مَحلَّ أُخرى. ولَو كانت الآيةُ خَرقاً مُطلَقاً للنِّظام، لتَحَوَّلَت الرِّسالةُ نَفسها إلى أُسطورةٍ تُناقِض مَقصِدها. فالآيةُ ـ بوَصفها كَشفاً معرفياً مُبَكّراً ـ تَخدِم العَقل وتُرَقّيه، إذ تُريه من نظام الوجود ما لم يَبلُغه، لا أَن تُعَطّله بما يُناقِضه.
ولَيس في هذا الميزان إنكارٌ لتَأييد الرُّسُل، بَل حِفظٌ لمعناه الحَقّ. فالتَّأييد ثابتٌ ـ ﴿وما كان لرَسولٍ أَن يَأتيَ بآيةٍ إلا بإذن الله﴾ ـ لكنّه تَأييدٌ بكَشفٍ معرفيٍّ من المصدر المُطلَق، لا بخَرقٍ يُناقِض النِّظام الذي جاءَت الرِّسالةُ لتُبَيّنه. فالميزانُ يَصون الرِّسالةَ من أَن تُحَمَّل ما يُناقِض جَوهرها، ويَرُدّ إليها وَظيفتها ـ إخراجَ الإنسان من الوَهم إلى الحَقّ.
3.8.1.8مَوقعُ الإنسان بَين الإذن والسُّنَّة
تَبَيَّن مما سَبَق أَن نِظام الوجود يَنتَظِم على مَجالَين: مَجالُ الإذن ـ حَيث القَوانينُ الطَّبيعية تُسَيّر الموجودات تَسييراً لا مشيئةَ فيه؛ ومَجالُ السُّنَّة ـ حَيث الأُمَمُ الواعيةُ تُنشِئ قَوانينَ اجتماعها عن وَعيٍ واختيار. ويَبقى أَن يُتَأَمَّل: أَين يَقِف الإنسانُ من هذَين المَجالَين؟
ولَعَلَّ التَّأَمل يَكشف أَن الإنسان لا يَقِف في مَجالٍ واحد، بَل على مُلتَقى المَجالَين. فهو ـ في بَشَريته، أَي جانبِه المادي الجَسدي ـ مُسَيَّرٌ بالإذن، شأنُه شأنُ سائر الموجودات: يَخضَع جَسدُه لقَوانين الوجود، يَأكُل ويَشرَب ويَمرَض ويَهرَم ويَموت بإذن الله، لا خِيارَ له في ذلك. وهو ـ في إنسانيته، أَي جانبِه الواعي الفِكري ـ مَوكولٌ إلى السُّنَّة: يُنشِئ مع بَني جِنسه قَوانينَ مُجتَمَعه، ويَختار مَسارَه، ويَتَحَمَّل تَبِعةَ ما يَختار.
فالإنسان ـ وَحده من بَين الموجودات ـ كائنٌ ذو وَجهَين: مُسَيَّرٌ في بَشَريته، مُخَيَّرٌ في إنسانيته. ولَعَلَّ في هذا ما يُمَيّزه عن الموجودات المُنقادة كلِّها. فالشَّمسُ والنَّباتُ والحَيَوانُ في عالَم التَّسيير وَحده، لا حَظَّ لها من التَّخيير. والإنسانُ جُمِع له الوَجهان ـ فهو يَحمِل في بَشَريته انقيادَ المُسَيَّر، ويَحمِل في إنسانيته حُرّيةَ المُخَيَّر. ولَعَلَّ في اللَّفظَين نَفسهما ما يُشير إلى هذا، إذ «البَشَرة» ظاهرُ الجَسد المادي، و«الإنسانية» مَنوطةٌ بالوَعي والفِكر والبَيان ـ فناسَبَ أَن يُوصَف الوَجهُ المُسَيَّر بالبَشَرية، والوَجهُ المُخَيَّر بالإنسانية.
ومن هنا كان الإنسانُ هو الكائنَ الذي يُحاسَب. فالموجوداتُ المُسَيَّرةُ لا تُحاسَب، إذ لا اختيارَ لها ـ ولا يُحاسَب الإنسانُ على بَشَريته المُسَيَّرة، إذ لا خِيارَ له فيها. وإنَّما يُحاسَب على ما يَنشأ عن إنسانيته الواعية ـ على القَوانين التي يُنشِئها، والمَسار الذي يَسلُكه في عالَم التَّخيير. فمَوقعُ المُحاسَبة هو مَوقعُ الحُرّية، لا مَوقعُ التَّسيير.
ولَعَلَّ في هذا ما يَضبِط فَهمَ مَوقع الإنسان من القَوانين. فالإنسانُ لا يَقِف خارج النِّظام، ولا فَوقَه ـ إذ بَشَريتُه مُسَيَّرةٌ بالإذن. ولا يُختَزَل ـ في الوَقت نَفسه ـ إلى مُجَرَّد كائنٍ مُسَيَّر، إذ إنسانيتُه مَوكولةٌ إلى التَّخيير. بَل هو فاعلٌ واعٍ يَتَعامَل مع السنن بقَدر إدراكه لها. فالقَوانينُ لا تَعمَل لصالحه تِلقائياً، ولا تُنتِج أَثَرها بمَعزِلٍ عن وَعيه، بَل تَستجيب له حين يَفهَمها ويُحسِن تَوظيفها ويَصوغ أَفعاله في انسجامٍ معها. فمَن انتَظَم مع قَوانين الوجود نَما، ومَن صادَمَها انهار ـ لا لأَن القَوانين تَغَيَّرَت، بَل لأَن وَعيَه هو الذي تَغَيَّر.
وبهذا تَلتَئِم دائرةُ الإذن والسُّنَّة في مَوقع الإنسان. فالإذنُ يُسَيّر بَشَريتَه، والسُّنَّةُ تَحكُم مآلَ اجتماعه في إنسانيته، والإنسانُ ـ بَينهما ـ يُحاسَب بقَدر ما يَعقِل ويَختار. فلا جَبرٌ يُلغي وَعيَه، ولا انفلاتٌ يُخرِجه عن النِّظام ـ بَل مَوقعٌ وَسَطٌ دَقيق، يَجمَع انقيادَ المُسَيَّر في البَشَرية وحُرّيةَ المُخَيَّر في الإنسانية، وعَليه مَدارُ التَّكليف والحِساب.
3.8.1.9خاتمة ـ المنظومة الجامعة للإذن
يَتَبَيَّن من مُجمَل ما سَبَق أَن «الإذن» في الخطاب القرآني ليس لَفظاً تَعَبّدياً زائداً، ولا تَعليقاً لَفظياً على الأَحداث، بَل مفهومٌ وُجوديٌّ دَقيق، يُحَدّد كَيفية انضباط الفعل بالنِّظام الحاكِم للوجود.
فالإذن ـ في أَصله ـ إخبارٌ بأَن الحَدَث محكومٌ بقانون، لا واقعٌ اعتباطاً. فلا يَقَع شَيء «بإذن الله» أَو «بإذن رَبّه» إلا وَفقَ نظامٍ مُحكَم. وهو بهذا لِسانُ إحكام الوجود، لا انخرامِه ـ يَرفَع عن الفعل تَوَهّمَ المُصادَفة، ويَرُدّه إلى النِّظام.
وهو ـ في نِسبته ـ وَجهان. فالإذن الرَّبوبي يَخصّ ما مُتَعَلَّقه الإيقاعُ الزَّمني ـ النَّباتُ والثَّمَر، وتَنَزّلُ القرآن، وخُروجُ الناس من الظُّلُمات، ومآلُ الجَزاء ـ ويُلازِمه العُمومُ للناس كافَّةً، إذ الرَّبّ رَبّ العالمين.
والإذن الإلهي يَخصّ ما مُتَعَلَّقه الأَسبابُ الثابتةُ بقَطع النَّظَر عن الزَّمن ـ آلياتُ النَّصر، ومَوتُ النَّفس، وتَأييدُ الرُّسُل، والإيمان، والطاعة ـ ويُلازِمه الخُصوصُ للمؤمنين، إذ هو كَشفٌ معرفيٌّ تَتَجَلَّى ثَمَرتُه فيمَن قَبِله.
وليس الإذن الإلهي ـ في شَيءٍ من مَوارده ـ تَوجيهاً للقَوانين ولا تَبديلاً لها، إذ القَوانين لا تُبَدَّل. بَل هو كَشفٌ معرفيٌّ من المصدر المُطلَق العابر للزَّمن ـ يَنكَشِف به من النِّظام القائم ما لم يَبلُغه مَجراه الزَّمني. ولهذا كانت آياتُ الرُّسُل كَشفاً مُبَكّراً لقَوانينَ قائمة، لا خَرقاً لها ـ ومن هنا كان ميزانُ الرِّوايات: ما وافَقَ نظامَ الوجود فمَقبول، وما ناقَضَه فمَردودٌ وإن نُسب إلى الدِّين.
ويَتَمَيَّز «الإذن» عن «السُّنَّة» تَمَيّزَ عالَمَين. فالإذن لِسانُ عالَم التَّسيير ـ القَوانينِ الطَّبيعية التي تُسَيّر الموجوداتِ بَلا مشيئةٍ منها. والسُّنَّةُ لِسانُ عالَم التَّخيير ـ القَوانينِ التي تُنشِئها الأُمَمُ الواعيةُ في اجتماعها، بَشَريةِ المنشَأ، تَدومُ إن تَناغَمَت مع نظام الوجود، وتَنهارُ إن عارَضَته.
وفي هذا الإطار يَتَحَدَّد مَوقعُ الإنسان ـ على مُلتَقى العالَمَين. فهو في بَشَريته مُسَيَّرٌ بالإذن، وفي اجتماعه الواعي مَوكولٌ إلى السُّنَّة، ويُحاسَب بقَدر ما يَعقِل ويَختار ـ لا على وُجوده المُسَيَّر، بَل على ما يَنشأ عن وَعيه. فلا جَبرٌ يُلغي الإنسان، ولا فَوضى تُخرِجه عن النِّظام ـ بَل انضباطٌ بنظامٍ مُحكَم، ووَعيٌ يُحاسَب على ثَمَرته.
وبهذا يَزول التَّوَهّمُ الذي جَعَل الإذن عِبارةَ تَبَرّكٍ أَو خَرقاً للسنن. فالإذن تَقريرٌ لإحكام الوجود، والعَقلُ والنَّصُّ كِلاهما يَلتَقيان على نظامٍ واحدٍ لا يَتَخَلَّف ـ نظامٍ تَجري فيه القَوانينُ بإذن الله، ويَنكَشِف للمؤمنين منه ما يَزيدهم عِلماً وهُدىً.
3.8.2المشيئة
3.8.2.1المشيئة ـ مَدخَل مفاهيمي
من أَكثَر المفاهيم القرآنية تَعَرّضاً للخَلط عَبر التاريخ مفهومُ المشيئة. فقَد جَرى التَّعامُل معها في الوَعي الديني العامّ بوَصفها قُوَّةً غامضة تُلغي السَّبَبية، وتُعَطّل السؤال، وتُفرِغ الفعل الإنساني من معناه ومَسؤوليته، حَتى صار كَثير من الناس يَظُنّون أَن المشيئة نَقيضٌ للعَمَل، وأَن الإيمان بها يَقتَضي التَّسليم السَّلبي لا الفَهم ولا الاجتهاد.
ولَعَلَّ هذا الفَهم ناشئٌ عن إسقاطاتٍ كلامية لاحقة، لا عن استقراء النَّصّ القرآني نَفسه. فحين تُجمَع مَواضع المشيئة في القرآن، ويُدَع بَعضها يُبَيّن بَعضاً، يَنبثق معنىً مغاير، أَدَقّ وأَعمَق، يَجعل المشيئة مفهوماً بنيوياً مُحكَماً، لا لَفظاً غامضاً يُعَلَّق عَليه ما يَعجِز الفَهم عن تَفسيره.
والمشيئة في هذا القسم لا تُدرَس بوَصفها قُدرةً مُطلَقة تَشمَل الخَير والشَّرّ على السَّواء، بَل بوَصفها مفهوماً له بنيةٌ دَقيقة، ومَنشَأٌ مَخصوص، ومَسارٌ مَعلوم. فثَمَّة سؤالٌ بنيوي يَتَقَدَّم سائرَ الأَسئلة: ما المشيئة في أَصلها؟ وأَين تَبدأ؟ وأَين تَسير؟ ومَن يَملِكها؟ وهذا ما يَتَتَبَّعه هذا القسم، استنطاقاً للنَّصّ، لا إسقاطاً عَليه.
3.8.2.2المشيئة ـ التَّأسيس البنيوي
خَير ما يُبتَدَأ به استنطاق المشيئة تَأَمّلُ صِلتها بـ«الشَّيء» في اللسان العَربي. فلَعَلَّ بَين الفعل «شاء» والاسم «الشَّيء» بنيةً تَكشف المشيئة على مَسارَين متَتاليَين. فالفعل «شاء» يَخصّ المَسار المعنوي ـ تَعيينَ الأَمر مُمكناً في المعنى قَبل تَجَلّيه ـ والاسم «الشَّيء» يَخصّ المَسار المادي، أَي صَيرورة ذلك الممكن «شَيئاً» قائماً في الوجود. والمشيئة بهذا تَسبِق التَّشَيّؤ، كَما يَسبِق الفِكر تَجَلّيَه واقعاً. ولَعَلَّ هذا يَتَّسق مع ما تَأَسَّس في المنظومة من انتقال الوجود من المعنى إلى المادَّة، فالمشيئة معنىً سابق، والتَّشَيّؤ تَجَلٍّ تالٍ.
ومن ثَمَّ، حين يَرِد في القرآن نَفيُ المشيئة ـ كقَوله ﴿ولَو شاء الله ما أَشرَكوا﴾ [الأنعام 107] ـ فالمَنفيّ هو المعنى السابق، وإذا انتَفى المعنى لم يَتَشَيَّأ شَيء، إذ لا يَصير الأَمر شَيئاً في الوجود إلا بمشيئةٍ تَسبِقه. وفي قَوله ﴿وما تَشاؤون إلا أَن يَشاء الله﴾ [الإنسان 30] ما يُعَضّد هذا، إذ تَشَيّؤُ مشيئةِ الإنسان ـ صَيرورتُها فِعلاً قائماً ـ مَشروطٌ بمشيئة الله السابقة.
ولَعَلَّ مما يَنبَغي ضَبطه ـ قَبل المُضيّ ـ التَّمييزُ بَين المشيئة والاختيار، إذ قَد يَلتَبِسان. وفي قَوله تعالى ﴿ورَبّك يَخلُق ما يَشاء ويَختار﴾ [القصص 68] ما يَكشف أَنهما مَقامان مُتَغايران، إذ عُطف «يَختار» على «يَشاء»، والعَطف يَقتَضي المُغايَرة. ولافتٌ أَن الفِعلَين نُسبا إلى «رَبّك»، إذ الاختيار مَبدأٌ كَوني يَخصّ تَدبير الوجود، فناسَبَه مَقام الرَّبّ. فالاختيار تَبَدّلٌ بَين نِقاطٍ قائمةٍ في الوجود الطَّبيعي، لا يَشترِط دِقَّةً ولا معرفة، حَتى إن الحَيَوان يَختار بَين أَنواع الطَّعام إذا تَعَدَّدَت أَمامه. أَمّا المشيئة فأَعمَق من ذلك، إذ تَتَعَلَّق بمَسارٍ لم يَكن من المَعلوم الطَّبيعي القائم، بَل أُدرِج في الوجود إدراجاً ـ كالنُّور والهداية ـ ثُمَّ يَتَمَحوَر دَور الإنسان حَول فَهمه واستيعابه واعتماده مَساراً مغايراً لما كان عَليه.
وإذا تُؤُمّل أَصلُ المشيئة على هذا الوَجه، تَبَيَّن أَنها ليست إرادةً مُطلَقة تَستوعِب الخَير والشَّرّ على السَّواء، ولا مُجَرَّد تَبَدّلٍ بَين نِقاطٍ طَبيعية. بَل المشيئة في جَوهرها معرفةُ الأَصَحّ من المَسارات، وهي مُلازِمةٌ للفِكر والوَعي. فإذا عَرَف الإنسان الأَصَحّ، مالَ إليه بفِطرته، إذ الفِطرة تَنزِع إلى الأَفضل لصاحبها. فالمشيئة معرفةٌ يَتلوها مَيلٌ فِطري، لا مُجَرَّد اختيار. ولَعَلَّ هذا يَتَّضح بتَأَمّل قَوله تعالى ﴿لِمَن شاء منكم أَن يَستقيم﴾ [التكوير 28]، إذ قُرنَت المشيئة بالاستقامة ـ والاستقامة سَيرٌ على المَسار الأَصَحّ. فالمشيئة هنا معرفةُ مَسارِ الاستقامة الذي دَلَّ عَليه الهُدى، ومَيلٌ إليه، لا انتقاءٌ بَين نِقاطٍ طَبيعية حاضرة.
ولَعَلَّ في كَون المشيئة معرفةً للأَصَحّ يَتلوها مَيلٌ فِطري ما يَكشف أَنها أَمرٌ إيجابي في أَصله. فمعرفةُ الأَصَحّ والمَيلُ إليه حَركةُ وَعيٍ نَحو الخَير. ومن هنا يَتَبَيَّن أَن مَن عَلا استكبارُه على الهُدى ليس صاحبَ مشيئةٍ في الأَسوأ، بَل هو مَن عَطَّل مشيئته. فالمُستَكبِر قَد بَلَغَته معرفةُ الأَصَحّ، لكنّه حَجَب عن نَفسه المَيلَ الفِطري إليه بحاجزِ الكِبر. فاستكبارُه تَعطيلٌ للمشيئة، لا صورةٌ منها. ولهذا لا يَنسِب القرآن إلى المُستَكبِرين مشيئةً، بَل يَصِفهم بالإباء والاستكبار ـ كَما في ﴿أَبى واستَكبَر﴾ ـ إذ المشيئة معرفةٌ ومَيلٌ نَحو الأَصَحّ، والاستكبارُ قَطعٌ لهذا المَيل.
وهذا التَّأسيس يُمَيّز المشيئة عمّا خُلِطَت به في الفَهم الشائع. فهي ليست القَدَر، إذ القَدَر تَقديرٌ يَجري، والمشيئة معرفةٌ ومَيلٌ يُمارَسان. وليست الإرادةَ المُجَرَّدة، إذ الإرادة قَد تَندَفِع بَلا وَعي، والمشيئة لا تَكون إلا عن وَعي. وليست الاختيارَ الطَّبيعي، إذ الاختيار تَبَدّلٌ بَين نِقاطٍ قائمة يُشارِك فيه الحَيَوان، والمشيئة معرفةُ مَسارٍ مُدرَجٍ لا تَكون إلا للعاقل. فالمشيئة ـ في أَصلها البنيوي ـ معرفةُ الأَصَحّ من المَسارات المُدرَجة، يَتلوها مَيلٌ فِطري إلى الأَفضل، تَنبثق من معنىً سابق، ثُمَّ تَتَشَيَّأ فِعلاً في الوجود.
3.8.2.3المشيئة للعاقل ـ تَبدأ من العِلم
إذا كانت المشيئة معرفةً واعيةً للأَصَحّ من المَسارات، يَتلوها مَيلٌ فِطري إليه، فإنها ـ بهذا التَّعريف ـ لا تَكون إلا لكائنٍ يَعقِل. فمعرفةُ الأَصَحّ تَستلزم وَعياً يُدرِكه ويُمَيّزه، والمشيئة تَبدأ من الفِكر، فلا تَنعَقِد لمَن لا فِكر له. ومن هنا يَتَبَيَّن أَن المشيئة خاصّةٌ بالإنسان، إذ هو الكائن الذي وُهب العَقل، فصار قادراً على تَلَقّي المَسار المُدرَج وفَهمه ومعرفةِ أَصَحّه.
ولَعَلَّ في تَأَمّل سائر الموجودات ما يُعَضّد هذا. فالسنن تَجري في الوجود بَلا مشيئة، إذ لا خِيار لها. فالشَّمس تَجري لمُستَقَرّ لها، والماء يَنحَدِر، والنَّبات يَخرُج بإذن رَبّه ـ كلّ ذلك يَسير في مَسارٍ واحد لا يَملِك عنه تَحَوّلاً. والحَيَوان وإن كان يَختار ـ بَين نِقاطٍ طَبيعية تَعرِض له ـ فلَيس له مشيئة، إذ المشيئة معرفةُ الأَصَحّ من مَسارٍ مُدرَجٍ، وذلك مما اختُصّ به العاقل. فالإنسان وَحده ـ بما وُهب من عَقل ـ جُعِل كائناً يُمكنه أَن يَشاء.
غَير أَن وُجود العَقل شَرطٌ لازم للمشيئة، لا كافٍ وَحده. فالمشيئة ـ إذ هي معرفةُ الأَصَحّ ـ لا تَنعَقِد إلا بعِلمٍ يُمَيّز الإنسان به الأَصَحّ من سِواه. فمَن لا يَعلَم لا يُمارِس مشيئةً حَقيقية، إذ معرفةُ الأَصَحّ تَستلزم عِلماً بالمَسارات وما بَينها من تَفاوُت. فالمشيئة تَبدأ من العِلم، ولا تَسير في ظَلام الجَهل.
ولَعَلَّ هذا يَتَّضح بمِثالٍ من التَّكليف. فمَن عَلِم أَن السَّرِقة مُحَرَّمة، ثُمَّ امتَنَع عنها ـ فقَد مارَس مشيئةً، إذ عَرَف ـ عن عِلم ـ المَسار الأَصَحّ ومالَ إليه. أَمّا مَن لم يَبلُغه عِلمٌ بحُكمٍ ولا هداية، فلا يُقال إنه فَعَل أَو تَرَك بمشيئته، إذ لا معرفة لديه يُمَيّز بها الأَصَحّ. فالمشيئة لا تُنسَب إلا لمَن يَعلَم، إذ هي معرفةٌ واعية، والوَعي فَرعُ العِلم.
ومن ثَمَّ، فالمشيئة لا تَنعَقِد لمَن لم يَعرِف إلا مَساراً واحداً لا ثانيَ له. فمَن لم يَبلُغه إلا الظَّلام لا مشيئة له، إذ المشيئة معرفةُ الأَصَحّ، ولا أَصَحَّ حَيث لا يُعرَف إلا مَسارٌ واحد. ولَولا إدراجُ المَسار الجَديد في وَعيه لَما كان للمشيئة معنىً. وهذا ما يَكشف صِلة المشيئة بالعِلم صِلةً وَثيقة، إذ العِلم هو الذي يُدخِل في وَعي الإنسان المَسار المُدرَج الذي تَنعَقِد به معرفةُ الأَصَحّ.
3.8.2.4المشيئة ـ مَسارٌ مُوازٍ للنُّور المُتَنَزّل
تَأَسَّس أَن المشيئة معرفةُ الأَصَحّ من مَسارٍ مُدرَجٍ في الوجود، وأَنها تَبدأ من العِلم. ويَبقى أَن يُتَأَمَّل: من أَين يَأتي هذا المَسار المُدرَج؟ وما مَصدر العِلم الذي تَبدأ منه المشيئة؟ ولَعَلَّ في استنطاق آيةِ الظُّلُمات والنُّور ما يَكشف الجَواب.
يَقول تعالى ﴿اللهُ وَلِيّ الذين آمَنوا يُخرِجهم من الظُّلُمات إلى النُّور﴾ [البقرة 257]. وفي قَوله ﴿يُخرِجهم﴾ ما يَدلّ على أَن الظُّلُمات حالةٌ أَصلية يُخرَج منها، وأَن النُّور أَمرٌ يُؤتى إليه. فالظُّلُمات هي الحالة الأُولى للإنسان قَبل الهداية ـ حالةُ الجَهل وانعدامِ الوَعي بغاية الوجود ومعناه. والنُّور ليس أَصلاً يَنبُع من الوجود، بَل يَتَنَزَّل ـ ولَو كان النُّور كامناً في الوجود لَما احتاج الإنسان إلى إخراجٍ إليه، ولَما احتاج إلى رُسُلٍ وكتاب.
ولَعَلَّ في بنية اللَّفظَين ما يُعَضّد هذا. فالقرآن يَذكُر «الظُّلُمات» جَمعاً، و«النُّور» مُفرَداً ـ ﴿من الظُّلُمات إلى النُّور﴾. والظُّلُمات ـ بوَصفها الحالة الأَصلية المتروكة ـ مُتَعَدّدة مُتَشَعّبة، إذ الجَهل صُوَرٌ شَتّى ومَسالك مُختلفة لا يَجمَعها جامع. والنُّور ـ بوَصفه المُتَنَزّل من مَصدرٍ واحد ـ واحدٌ، إذ مَصدره واحد لا يَتَعَدَّد. فتَعَدّد الظُّلُمات يُناسب كَونها أَصلاً متروكاً، ووَحدة النُّور تُناسب كَونها مُنزَّلةً من مَصدرٍ واحد.
وهذا أَمرٌ تَقتَضيه بنية الوجود نَفسها. فالمَسار الكَوني ـ بسننه ـ لا يُنتِج هدايةً ذاتية لموجوداته, ولا يَكشف لها غايةَ وُجودها. فالسنن تَشرَح كَيف يَعمَل الوجود، لكنّها لا تُجيب لماذا وُجد، ولا ما غايته. والحَقيقة التي تَهدي ـ غايةُ الوجود ومعناه ـ ليست من الوجود، بَل تَتَنَزَّل من عالَم الأَمر، من الثابت المُطلَق. ولَو كانت الحَقيقة من الوجود لبَليَت معه، إذ الوجود يَجري فيه الزَّمن المُهلِك، وكلّ ما فيه يَشيخ ويَزول. أَمّا الحَقيقة الهادية فثابتةٌ لا تَبلى، إذ مَصدرها خارج الزَّمن. فثَباتُ الحَقيقة شَرطٌ في كَونها هاديةً، ولا ثَباتَ لشَيءٍ في الوجود الزائل.
ويُعَضّد هذا قَوله تعالى ﴿ونُنَزّل من القرآن ما هو شِفاء ورَحمة للمؤمنين﴾ [الإسراء 82]. فصياغة ﴿نُنَزّل﴾ تَكشف أَن النُّور المعرفي إدراجٌ في الوجود لما لا تُنتِجه السنن. والشِّفاء ـ كَما تَأَسَّس ـ تَنويرٌ معرفي للعُقول، لا رُقيةٌ جَسدية. فالقرآن يَتَنَزَّل بالشِّفاء، فيُخرِج من ظُلُمات الجَهل ـ ممّا يُؤَكّد أَن النُّور مُنزَّلٌ لا أَصليّ.
وعَلى هذا، يَتَبَيَّن مَوقع المشيئة من النُّور. فإن كان الإنسان في أَصله في ظُلُمات، والسنن لا تُنتِج له هدايةً ذاتية، فالمشيئة ـ التي تَبدأ من العِلم ـ لا تَنفَتِح له إلا حين يَتَنَزَّل النُّور. فالنُّور المُنزَّل ـ الوَحي والكتاب ـ هو الذي يُدرِج في وَعي الإنسان المَسار الذي تَنعَقِد به معرفةُ الأَصَحّ، إذ يَنقُله من ظُلُمات الجَهل، حَيث لا مشيئة، إلى النُّور، حَيث يَصير العِلم مُمكناً، فتَصير المشيئة مُمكنة. فالمشيئة مَسارٌ يَجري مُوازياً للنُّور المُتَنَزّل، لا يَنفَصِل عنه ـ إذ بالنُّور يُدرَج المَسار، وبالعِلم الذي يَحمِله النُّور تَنعَقِد المشيئة. فالظُّلُمات حالةُ انعدامِ المشيئة، والنُّور المُنزَّل هو الذي يَهَب الإنسان شَرطها.
3.8.2.5مشيئة الرَّبّ ومشيئة الله
تَرِد المشيئة في القرآن منسوبةً تارةً إلى «الله»، وتارةً إلى «الرَّبّ». ولَو كان الاسمان مُترادفَين لَما كان لاختلاف النِّسبة معنىً. لكنّ منهج استنطاق النَّصّ ـ إذ لا تَرادُف فيه ـ يَقتَضي أَن يُتَأَمَّل: هَل بَين مشيئةٍ تُنسَب إلى الله ومشيئةٍ تُنسَب إلى الرَّبّ فَرقٌ بنيوي؟ وقَد تَأَسَّس في موضعٍ سابق (2.2) أَن الله مَقام الأُلوهية، والرَّبّ مَقام التَّدبير في الوجود ـ رَبّ العالمين أَجمَعين. ولَعَلَّ استقراء آيات المشيئة يَكشف أَن هذا التَّمييز يَطَّرِد فيها.
فمشيئة الرَّبّ ـ حَيثما وَرَدَت ـ يُلازِمها لَفظ «الناس» الظاهر، الاسمُ الجامع للبَشَر كافَّةً. يَقول تعالى ﴿ولَو شاء رَبّك لآمَن مَن في الأَرض كلّهم جَميعاً﴾ [يونس 99]، ويَقول ﴿ولَو شاء رَبّك لجَعَل الناس أُمَّةً واحدة ولا يَزالون مُختَلِفين﴾ [هود 118]. ففي الآيتَين يُصَرَّح بـ«الناس» و«مَن في الأَرض كلّهم» ـ ومُتَعَلَّق المشيئة فيهما سُنَّةُ الاجتماع البَشَري: الاختلافُ والتَّعَدّد، وامتناعُ الإكراه على الإيمان. وهذا يُناسب مَقام الرَّبّ، إذ هو رَبّ العالمين، يُدَبّر الوجود للناس كافَّةً، فمشيئته تَسَع البَشَر أَجمَعين، ومُتَعَلَّقها سُنَّةٌ من سنن الاجتماع.
أَمّا مشيئة الله ـ حَيثما وَرَدَت ـ فيُلازِمها ضَميرٌ يَعود على فِئةٍ مَخصوصة في سِياقها، لا الاسمُ الجامع. ففي قَوله ﴿ولَو شاء الله لأَعنَتَكم﴾، و﴿ولَو شاء الله لسَلَّطَهم علَيكم﴾، و﴿ولَو شاء الله لجَمَعهم على الهُدى﴾، و﴿ولَو شاء الله ما أَشرَكوا﴾ ـ يَرِد الضَّمير (كُم، هُم) عائداً على جَماعةٍ بعَينها ذُكِرَت في السِّياق: المؤمنين، أَو المُحارِبين، أَو المُشرِكين. والضَّمير ـ في اللسان العَربي ـ لا يَستقِلّ بدَلالته، بَل يُحيل إلى مَرجِعٍ مَخصوص. فاقترانُ مشيئة الله بالضَّمير العائد على فِئةٍ بعَينها، واقترانُ مشيئة الرَّبّ بالاسم الجامع «الناس» ـ قَرينةٌ لُغوية تُعَضّد التَّمييز.
ولَعَلَّ مما يُعَضّد ذلك أَن مُتَعَلَّق مشيئة الله ـ حَيثما وَرَدَت ـ هو الهُدى والإيمان والشِّرعة، أَي شَأن الوَعي والدِّين. يَقول تعالى ﴿لكلٍّ جَعَلنا منكم شِرعةً ومِنهاجاً ولَو شاء الله لجَعَلكم أُمَّةً واحدة﴾ [المائدة 48] ـ والسِّياق سِياق الشِّرعة. ويَقول ﴿ولَو شاء الله لجَمَعهم على الهُدى﴾ [الأنعام 35]. ويَقول ﴿قُل فلِلَّه الحُجَّة البالغة فلَو شاء لهَداكم أَجمَعين﴾ [الأنعام 149]. فمُتَعَلَّق مشيئة الله الهدايةُ والإيمان ـ وهذا يُناسب مَقام الأُلوهية، إذ الأُلوهية مَقام الهداية.
ولا يُفهَم من هذا أَن أُلوهية الله خاصّةٌ بفِئةٍ دون فِئة. فالله إلهُ الناس كافَّةً ـ ﴿قُل أَعوذ برَبّ الناس مَلِك الناس إله الناس﴾ ـ بمعنى أَنه الهادي الوَحيد لهم، إذ لا هاديَ في الحَقيقة سِواه، ولا تَكمُن في الوجود حَقيقةٌ مُطلَقة تَهدي، بَل تَتَنَزَّل من عالَم الأَمر. فالأُلوهية ـ بمعنى مِلكِ الحَقيقة والهدايةِ إليها ـ عامّةٌ لله على الناس أَجمَعين. غَير أَن مَقام الأُلوهية لا يَعمَل بالإكراه، بَل بالمشيئة. فالهداية مَبذولةٌ للناس كافَّةً، لكنّها لا تَتَجَلَّى فِعلاً إلا فيمَن وافَقها فمالَ إليها بمشيئته ـ أَي فيمَن فَعَل مشيئته. فمَن قَبِل الهداية صار الله إلهَه الهادي بالفِعل، ومَن أَعرَض لم تَنتفِ عنه أُلوهية الله، لكنّ الهداية لم تُثمر فيه. فالأُلوهية عامّةٌ، وتَجَلّي ثَمَرتها الهادية خاصٌّ بمَن قَبِل.
ومن هنا يَتَبَيَّن وَجهُ التَّمييز. فمشيئة الرَّبّ تَتَعَلَّق بسُنَّة الاجتماع البَشَري، وتَسَع الناس كافَّةً، إذ السنن الكَونية عامّةٌ لا تُحابي ـ كَما أَن العَطاء الرَّبوبي غَير مَحظور على أَحد، يَقول تعالى ﴿كلاًّ نُمِدّ هؤلاء وهؤلاء من عَطاء رَبّك وما كان عَطاء رَبّك مَحظوراً﴾ [الإسراء 20]، فالعَطاء يَشمَل الفَريقَين، المُقبِل والمُعرِض. ومشيئة الله تَتَعَلَّق بالهداية والإيمان، وتَتَجَلَّى ثَمَرتها فيمَن قَبِلها، إذ الهداية ليست كالرِّزق يَعُمّ، بَل ثَمَرةٌ تُثمر في القَلب المُتَهَيّئ. فما كان من السنن فعامٌّ ربوبيٌّ للناس كافَّةً، وما كان من الهداية فمَوصولٌ بالأُلوهية، يَتَجَلَّى فيمَن وافَقه بمشيئته.
ولَعَلَّ في هذا التَّمييز ما يَكشف أَن مشيئة الإنسان نَفسها تَجري على مَرتَبتَين متَتاليتَين. فالمَرتَبة الأُولى أَن يَشاء الإنسانُ قَبولَ الهداية المُدرَجة من الله ـ أَن يَعتَمِد مَسار الهُدى، فيَنتَقِل من الظُّلُمات إلى النُّور. وهذه المَرتَبة تَجري في مَجال مشيئة الله، إذ مُتَعَلَّقها الإيمانُ والدِّين. والمَرتَبة الثانية أَن يَشاء الإنسانُ ـ بَعد دُخوله مَسار الهداية ـ التَّفاضُلَ والتَّقَدّمَ داخله، فلا يَستَكينَ إلى نَمَطٍ، ولا يَجمُد على حالٍ مع وُجود ما هو أَهدى. وهذه المَرتَبة تَجري في مَجال مشيئة الرَّبّ، إذ مُتَعَلَّقها السَّيرُ في سُنَّة التَّطَوّر التي أَودَعها الرَّبّ في الوجود. فمشيئة الإنسان تَنتَظِم بَين المشيئتَين ـ يَبدأ بقَبول هُدى الله، ثُمَّ يَسير مُتَفاضِلاً ضِمن سُنَّة الرَّبّ، لا يَقِف عند حَدّ.
ولَعَلَّ في قَوله تعالى ـ على لِسان بَني إسرائيل ـ ﴿وإنّا إن شاء الله لَمُهتَدون﴾ [البقرة 70] ما يُعَضّد أَن مُتَعَلَّق مشيئة الله الهداية. فقَد عَلَّقوا اهتداءَهم على مشيئة الله ـ ﴿إن شاء الله لَمُهتَدون﴾ ـ ولم يُعَلّقوا عَليها سِواه. ولافتٌ أَنهم قالوها عند ذِكر الاهتداء بالذات، لا عند ذِكر الذَّبح. فالاهتداءُ ـ بوَصفه معرفةَ المَسار الأَصَحّ ـ مَوقوفٌ على أَن يَشاءَه الله، أَي أَن يُدرِج في الوَعي مَسارَ الهُدى الذي تَنعَقِد به المعرفة. فالآيةُ تُؤَكّد أَن مشيئة الله مَدارُها الهداية والوَعي، لا تَسييرُ الكَون ـ ويَتَّسق هذا مع ما تَأَسَّس من أَن المشيئة معرفةُ الأَصَحّ، مَسارٌ في عالَم الوَعي لا في عالَم القَوانين المُسَيِّرة.
3.8.2.6المشيئة أَمرٌ إيجابي ـ شَهادة الاستقراء
تَأَسَّس أَن المشيئة معرفةُ الأَصَحّ من مَسارٍ مُوَجَّهٍ نَحو الأَفضل، وأَنها ـ بهذا ـ أَمرٌ إيجابي في أَصله. ولَعَلَّ في استقراء آيات المشيئة ما يُعَضّد هذا تَعضيداً قاطعاً، إذ يَتَبَيَّن أَن مُتَعَلَّق المشيئة ـ حَيثما نُسبَت إلى الله ـ خَيرٌ في جُمهوره الأَغلَب.
فحين تُنسَب المشيئة إلى الله في مَقام العَطاء، يَكون مُتَعَلَّقها المَغفرةَ والنَّصرَ والرِّزقَ والفَضلَ والرَّحمة. يَقول تعالى ﴿يَغفِر لِمَن يَشاء ويُعَذّب مَن يَشاء واللهُ غَفورٌ رَحيم﴾ [المائدة 40]. ولَعَلَّ القارئ يَقِف هنا مُتَسائلاً: كَيف يُقال إن مُتَعَلَّق المشيئة الخَير، والآية تَذكُر العَذاب؟ وجَوابه يَتَبَيَّن بتَأَمّل مَوقع العَذاب من المَغفرة. فالعَذاب في الآية مُقابِلٌ للمَغفرة، والمَغفرة ـ كَما سيَأتي تَفصيله ـ تَكون للذَّنب الواقع في مَسار الهداية، لا للسَّيّئة الواقعة في مَسار الجَهل. فالآية تَتَكَلَّم عمَّن هو على مَسار الهداية ابتداءً ـ أَي عمَّن عَلِم المَسار ومارَس مشيئته. فمَن أَذنَب منهم ثُمَّ تاب، وَصَلَت المَغفرةُ مَسارَه الذي تَعَطَّلَت فيه المشيئةُ لَحظةَ الهَفوة. ومَن أَذنَب ثُمَّ أَبى التَّوبة وتَعَنَّت ـ وهو عالِمٌ بالمَسار ـ فقَد قَطَع مَسارَه الهادي عن وَعيٍ سابق، فكان إباؤه ارتداداً عن معرفةٍ ومشيئةٍ تَأَسَّسَتا له. فالعَذاب لا يَقَع على جاهل، بَل على عالِمٍ بالمَسار أَبى التَّوبة عن وَعي ـ ولهذا لم يَكن مُتَعَلَّقاً ابتدائياً للمشيئة كالمَغفرة، بَل جَزاءً يَترَتَّب على ارتدادٍ عن وَعي. ويَقول تعالى ﴿واللهُ يُؤَيّد بنَصره مَن يَشاء﴾ [آل عمران 13]، ويَقول ﴿إنَّ الله يَرزُق مَن يَشاء بغَير حِساب﴾ [البقرة 212]، ويَقول ﴿إنَّ الفَضل بيَد الله يُؤتيه مَن يَشاء﴾ [آل عمران 73]، ويَقول ﴿يَختَصّ برَحمته مَن يَشاء﴾ [البقرة 105]. فهذه المُتَعَلَّقات ـ المَغفرة والنَّصر والرِّزق والفَضل والرَّحمة ـ كلّها خَير. ولَعَلَّ مما يُعَضّد ذلك خَواتيمُ هذه الآيات، إذ تُختَم بـ﴿غَفورٌ رَحيم﴾، و﴿ذو الفَضل العَظيم﴾، و﴿واسعٌ عَليم﴾ ـ فالخَواتيم تُؤَكّد أَن سِياق المشيئة سِياقُ فَضلٍ ورَحمة.
وإذا عاد التَّأَمل إلى قَوله ﴿يَغفِر لِمَن يَشاء ويُعَذّب مَن يَشاء﴾، تَبَيَّن أَن العَذاب فيه لا يَجري مَجرى المَغفرة في تَعَلّقه بالمشيئة. فالمَغفرة مُتَعَلَّقٌ مَقصودٌ للمشيئة ـ إذ هي خَيرٌ يُؤتى. أَمّا العَذاب فجَزاءٌ يَترَتَّب على مَن أَبى المَسار وهو عالِمٌ به، لا أَمرٌ تَتَّجِه إليه المشيئة ابتداءً. ولَعَلَّ في تَقديم المَغفرة على العَذاب في نَظم الآية ـ ﴿يَغفِر... ويُعَذّب﴾ ـ ما يُشير إلى هذا، إذ المَغفرة هي الأَصل المُقَدَّم، والعَذاب تالٍ، لِمَن صَرَف نَفسه عن مَسار الخَير بَعد معرفته. فالمشيئة في ذاتها مُتَعَلَّقها الخَير، والعَذاب نَتيجةٌ لازمةٌ لمَن خَرَج عن مَسار المشيئة باختياره، لا صورةٌ من صُوَرها.
ومما يُعَضّد كَون المشيئة أَمراً إيجابياً أَن القرآن يُثبِتها لأَهل الجَنَّة في دار الجَزاء. يَقول تعالى ﴿لهم ما يَشاؤون فيها ولَدَينا مَزيد﴾ [ق 35]. فالمشيئة تَبقى متاحةً في الجَنَّة، حَيث الخَير الخالص الذي لا يُخالِطه شَرّ. ولَو كانت المشيئة تَستوعِب الشَّرّ في بنيتها، لَما بَقيَت في دارٍ لا شَرّ فيها. فبَقاؤها في الجَنَّة شاهدٌ بنيوي على أَنها من جِنس الخَير، إذ لا يَدخل الجَنَّةَ إلا خَير.
ولَعَلَّ أَبلَغ ما يَكشفه الاستقراء أَمرٌ سالب: أَنه لا تَكاد تُوجَد آيةٌ تَنسِب المشيئة إلى أَهل النار بوَصفهم «شاؤوا النار»، ولا إلى مَن جَهِل وظَلَم نَفسه. فأَهل الباطل ـ في القرآن ـ يُوصَفون بالإباء والاستكبار واتّباع الآباء، لا بالمشيئة. فغِيابُ نِسبةِ المشيئة إلى أَهل النار ـ في عُموم القرآن ـ شاهدٌ صامتٌ ناطق: المشيئة مَسارٌ لا يَسلُكه إلا مَن سار نَحو الخَير، إذ هي معرفةُ المَسار الأَصَحّ ومَيلٌ إليه، وأَهل النار لم يَعرِفوه أَو عَرَفوه فعَطَّلوا المَيلَ إليه بالاستكبار.
ولَعَلَّ في التَّمييز بَين الظَّلام والظُّلم ما يُتِمّ هذا البَيان. فالظَّلام ـ ضِدّ النُّور ـ هو انعدامُ العِلم والوَعي، حالةٌ معرفية. والظُّلم ـ الاعتداء على حُقوق الغَير ـ نَتيجةٌ من نَتائج الظَّلام، لا الظَّلامُ نَفسه، إذ الجاهلُ بحُقوق الغَير يَعتَدي عَليها. فمَن كان في ظَلام الجَهل لا مشيئة له، إذ هو على مَسارٍ أُحاديٍّ بَلا معرفة، والمشيئة لا تَنعَقِد بَلا مَسارٍ مُدرَجٍ يُقابِل. فظُلمُه ثَمَرةُ جَهله، لا ثَمَرةُ مشيئة. وبهذا يَتَبَيَّن أَن أَصل المشيئة العِلمُ والوَعي، يُكتَسَبان من هداية الله المُتَنَزّلة من خارج الوجود ـ فلا مشيئةَ بَلا عِلم، ولا عِلمَ هادياً بَلا تَنَزّلٍ من النُّور.
3.8.2.7الذَّنب والسَّيّئة ـ والمَغفرة عَودةُ المشيئة
تَأَسَّس أَن المشيئة معرفةُ الأَصَحّ، مَسارٌ واعٍ يَجري مُوازياً للنُّور. ويَبقى أَن يُتَأَمَّل: ماذا يَكون حين يَنحَرِف الإنسان عن هذا المَسار؟ ولَعَلَّ في استنطاق لَفظَين قُرآنيَّين ـ «الذَّنب» و«السَّيّئة» ـ ما يَكشف أَن الانحراف نَوعان، لا نَوعٌ واحد، وأَنهما عُومِلا في الفَهم الشائع كمُتَرادفَين، وهما ـ على منهج عَدم التَّرادف ـ مُتَغايران.
فالذَّنب معصيةٌ تَقَع عن وَعي ـ صاحبُها يَعلَم أَنه أَذنَب. وهي لَحظةٌ ظَلامية تَتَخَلَّل مَساراً واعياً، لا مَسارٌ ظَلاميٌّ قائم. فصاحبُ الذَّنب على مَسار الهداية ابتداءً، عَرَف الأَصَحّ ومالَ إليه، ثُمَّ اعتَرَت مَسارَه لَحظةٌ تَفَوَّقَت فيها غَريزةٌ على وَعيه ـ إذ في الإنسان ضَعفٌ يَعلَمه الله، كَما في قَوله ﴿وخُلِقَ الإنسانُ ضَعيفاً﴾ [النساء 28]. فالذَّنب تَعَطّلٌ لَحظيٌّ للمشيئة، لا إلغاءٌ لها ـ إذ المَسار يَبقى مَسارَ وَعي، تَخَلَّلَته ثُلمةٌ عابرة.
أَمّا السَّيّئة فسُلوكٌ يَقَع عن غَير وَعي ـ صاحبُها لا يَعلَم أَنه أَساء. وهي ليست لَحظةً في مَسار واعٍ، بَل فِعلٌ يَقَع عن جَهلٍ بأَثَره. وقَد يَقَع عن جَهلٍ أَوَّليٍّ في مَسارٍ ظَلاميٍّ لم يَستَنِر بَعد، وقَد يَقَع من المؤمن نَفسه حين يَجهَل أَمراً فيُسيءُ دون أَن يَعلَم أَنه أَساء. فالجامعُ في السَّيّئة أَن صاحبها لا يَعلَم، فتَقَع خارج موضِع المشيئة ـ إذ المشيئة لا تَنعَقِد إلا بعِلم، وموضِعُ السَّيّئة مَجهولٌ لصاحبه ـ سَواءٌ أَكان في مَسارٍ ظَلاميٍّ كامل، أَم كان مؤمناً جَهِل أَمراً جُزئياً.
ولَعَلَّ في تَأَمّل ما يُقرَن بكلٍّ منهما ما يُعَضّد التَّمييز. فالذَّنب يُقرَن به طَلَبُ المَغفرة ـ ﴿واستَغفِر لذَنبك﴾ [محمد 19] ـ إذ المُذنِب يَعلَم، فيَطلُب السَّتر. والسَّيّئة تُقرَن بالتَّكفير ـ ﴿إن تَجتَنِبوا كَبائر ما تُنهَون عنه نُكَفّر عنكم سَيّئاتكم﴾ [النساء 31] ـ إذ تُغَطّى بأَثَرِ العَمَل الصالح، لا بطَلَبٍ مُفرَدٍ لكلّ سَيّئة. فالمَغفرة سَترٌ يُطلَب لذَنبٍ معلوم، والتَّكفير تَغطيةٌ تَلحَق ما وَقَع عن جَهلٍ عند الاستنارة.
ولَعَلَّ في هذا ما يُفَسّر كَيف يُكَفَّر المَسارُ السابق بالاهتداء. فمَن كان على الإشراك ـ دِينِ الآباء عن غَير عِلمٍ بالحَقّ ـ ثُمَّ آمَن، يُكَفَّر عنه ما سَلَف بإيمانه، إذ ما وَقَع عن جَهلٍ لا يُصلَح تَفصيلاً، فيُغَطّى جُملةً عند الاستنارة. ولا يَختَصّ هذا بمَن كان في مَسارٍ سابق، بَل قَد يَقَع المؤمنُ نَفسُه في سَيّئاتٍ عن غَير عِلمٍ منه بأَنها سَيّئة، فتُكَفَّر عنه بالعَمَل الصالح ـ كَما في قَوله ﴿ومَن يُؤمِن بالله ويَعمَل صالحاً يُكَفّر عنه سَيّئاته﴾ [التغابن 9]. ولهذا قُرنَت الصَّدَقاتُ والإنفاقُ بتَكفير السَّيّئات، إذ هي عَمَلٌ صالحٌ يُغَطّي ما وَقَع عن جَهل. فالضابطُ في التَّفريق بَين ما يُغفَر وما يُكَفَّر ليس كَونَ صاحبه في مَسارٍ هادٍ أَو ظَلامي، بَل عِلمُه بالفِعل أَو جَهلُه به: فما عَلِم صاحبُه أَنه خَطيئةٌ فهو ذَنبٌ يُطلَب له المَغفرة، وما لم يَعلَم فهو سَيّئةٌ تُكَفَّر بالاهتداء والعَمَل الصالح.
أَمّا المَغفرة ـ في حَقّ الذَّنب ـ فلَيست مَحوَ أَثَرٍ مُجَرَّداً، بَل لها بنية. فهي سَترٌ يَعقُب إصلاحاً وتَوبةً ومعرفةً بما حَصَل، كَيلا يَتَكَرَّر. فالمُذنِب ـ إذ يَعلَم ذَنبه ـ يَتوب ويُصلِح، فتَكون المَغفرةُ عَودةَ المشيئة إلى مَسارها الواعي بَعد لَحظةِ الظُّلمة. ولهذا اشتُرطَت «المعرفةُ بما حَصَل» في المَغفرة، وهي مُنتَفِيةٌ في السَّيّئة ـ إذ صاحبُها لا يَعلَم ـ فلا تَنعَقِد فيها المَغفرة، وإنَّما يُكَفَّر مَسارُها بالعَمَل الصالح.
وعَلى هذا، يَتَبَيَّن أَن الذَّنب والمَغفرة كِلَيهما يَقَعان داخل مَسار المشيئة الواعي. فالمشيئة خَطوةٌ إيجابية في مَسار الوَعي، والذَّنب لَحظةٌ ظَلامية تَتَخَلَّله، وطَلَبُ المَغفرة عَودةُ المشيئة إلى مَسارها. والمُحاسَبةُ تَقَع على اللَّحظة الظَّلامية بقَدرها، لا على المَسار، إذ المَسار يَبقى مَسارَ وَعي. فلا تُحاسَب المشيئةُ بوَصفها «مشيئةَ شَرّ» ـ إذ لا مشيئةَ للشَّرّ ـ بَل يُحاسَب الإنسانُ على ثُلمةٍ في اتّصال وَعيه، فَرَّط في حِفظه يَقِظاً.
3.8.2.8خاتمة القسم ـ المنظومة الجامعة للمشيئة
يَتَبَيَّن من مُجمَل ما سَبَق أَن المشيئة في الخطاب القرآني ليست لَفظاً غامضاً يُعَلَّق عَليه ما يَعجِز الفَهم عن تَفسيره، ولا قُوَّةً تُلغي السَّبَبية وتُفرِغ الفعل الإنساني من معناه، بَل هي مفهومٌ بنيويٌّ مُحكَم، له أَصلٌ وبنيةٌ ومَنشَأٌ ومَسار.
فالمشيئة في أَصلها معرفةُ الأَصَحّ من المَسارات، يَتلوها مَيلٌ فِطري إلى الأَفضل. وهي تَنبثق من معنىً سابق ـ إذ «شاء» تَخصّ المعنى، و«التَّشَيّؤ» تَجَلّيَه ـ ثُمَّ تَتَشَيَّأ فِعلاً في الوجود. وهي تُغايِر الاختيار، إذ الاختيار تَبَدّلٌ بَين نِقاطٍ طَبيعية قائمة يُشارِك فيه الحَيَوان، والمشيئة معرفةُ مَسارٍ مُدرَجٍ من خارج الوجود لا تَكون إلا للعاقل.
ولأَنها معرفةٌ واعية، فهي لا تَكون إلا لكائنٍ يَعقِل، وتَبدأ من العِلم، ولا تَسير في ظَلام الجَهل. ولأَن المَسار الذي تَعرِفه مُدرَجٌ في الوجود من عالَم الأَمر ـ إذ السنن لا تُنتِج هدايةً ذاتية ـ فهي تَجري مُوازيةً للنُّور المُتَنَزّل، لا تَنفَتِح للإنسان إلا حين يَبلُغه النُّور.
وهي ـ في نِسبتها ـ تَنتَظِم بَين مَقامَين: مشيئةُ الرَّبّ تَتَعَلَّق بسُنَّة الاجتماع البَشَري وتَسَع الناس كافَّةً، ومشيئةُ الله تَتَعَلَّق بالهداية وتَتَجَلَّى ثَمَرتها فيمَن قَبِلها. ومشيئةُ الإنسان تَجري بَينهما على مَرتَبتَين ـ قَبولِ الهداية أَوَّلاً، ثُمَّ التَّفاضُلِ والتَّقَدّمِ داخلها.
وهي ـ في جَوهرها ـ أَمرٌ إيجابي، شَهِد الاستقراءُ بأَن مُتَعَلَّقها الخَير، وأَنها تَبقى في الجَنَّة حَيث لا شَرّ، وأَنها لا تُنسَب إلى أَهل النار. فما يُقابِلها ـ من إباءٍ واستكبار ـ ليس مشيئةً في الأَسوأ، بَل تَعطيلٌ للمشيئة. والذَّنبُ الذي يَعتَري صاحبَها لَحظةٌ ظَلامية تَتَخَلَّل مَسارَها، لا إلغاءٌ لها، تَعقُبها المَغفرةُ فتَعود المشيئةُ إلى مَسارها.
ومن ثَمَّ، لا يَعود السؤال الصَّحيح: هَل يَشاء الإنسان أَم لا يَشاء؟ بَل: متى تَنفَتِح له المشيئة، وعَلى أَيّ عِلمٍ تَقوم، وفي أَيّ مَسارٍ تَسير؟ فالمشيئة فِعلٌ واعٍ مَسؤول، يَبدأ بقَبول الهُدى المُدرَج من الله، ويَسير مُتَفاضِلاً ضِمن سُنَّة الرَّبّ في الوجود ـ لا جَبرٌ يُلغي الإنسان، ولا فَوضى تُغرِقه، بَل معرفةٌ ومَيلٌ نَحو الأَصَحّ، يَهديه إليهما النُّور.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «الإذن والمشيئة»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث