- أصل الوجود
- نظام الوجود ومقامات التدبير
- خاتمة الباب الثاني
خاتمة الباب الثاني
بلغ الباب الثاني نهايته، وقد انتقل النظر من المصدر المطلق إلى منظومة تجلّيه في الوجود. وأوّل ما تأسّس أنّ الرحمن اسم الله في خلقه، أقام به الوجود على ثنائيةٍ تفاعليةٍ جامعةٍ للأضداد، تعمل بالسنن لا بالخرق؛ فالعذاب فيها ثمرة اصطدامٍ بالنظام لا غضبٌ من ذاتٍ، والعبادة فيها سيرٌ فعليٌّ في الطريق لا لفظٌ منفصلٌ عنه، والكفر بها عيشٌ كأنّ الوجود بلا قانون.
ثمّ تبيّن أنّ الإله مقامٌ لا ذات، مقام الهداية الثابتة ومصدرية الحقّ، لا يليق إلا بالله؛ والشرك به منح هذا المقام لغيره، صنماً كان في الماضي أو مفهوماً مقدّساً في الحاضر. وأنّ الإسلام تسليمٌ لهذا المصدر الواحد، جوهره ثابتٌ في الرسالات كلّها، وتجلّيه التشريعيّ متجدّدٌ بحسب الأمم. ثمّ تمايز الخلق من الجعل، فالإنسان نفسٌ واعيةٌ تُلبَس جسداً أداةً، خُلق تأسيساً ثمّ جُعل ترقيةً من حالٍ إلى حالٍ أسمى.
ثمّ نُظر في أصل الوجود، فتبيّن أنّ سؤال الغاية يضلّ حين يُسأل في غير موضعه، وأنّ الوجود ليس مشروعاً موجَّهاً نحو هدفٍ بل ظهورٌ لأثر علمٍ مطلقٍ هو نورٌ بطبيعته، والإنسان موضع الوعي داخله لا أصله. ثمّ تبيّن أنّ الكرسيّ هيكل الفهم المتدرّج، والعرش تدبير المنظومة المكتملة، والاستواء حالة دخولها في التشغيل، لا تجسيم فيها ولا مكان.
ثمّ ضُبط الغيب، فهو ما تحقّق في الوجود وغاب عن الإدراك، لا ما لم يوجد بعد؛ غيبٌ إلهيٌّ مطلقٌ يُسلَّم به، وغيبٌ ربوبيٌّ سننيٌّ يُستكشف، والمستقبل ليس منهما بل مسارٌ يُكتب بالسعي. ثمّ تبيّن أنّ الملائكة هي السنن العاملة في الوجود، تسجد لمن فهمها واستثمرها، والإيمان بها إيمانٌ بانتظام الكون لا بكائناتٍ أسطورية. ثمّ تمايز النور من الظلام، فالنور معرفةٌ مصدرها الله منزَّلةٌ في الوجود، والظلام حقيقةٌ موضوعيةٌ ينحسر بقدر ما ينزل عليه النور، والحقّ ما له برهانٌ في الوجود، والباطل وهمٌ يزول، والظنّ معطىً بلا برهان.
وبهذا كلّه يُختم الباب باللوح المحفوظ، حيث يتبيّن أنّ الكون كتابٌ مكشوفٌ لمن يتتبّعه، والقرآن نطقٌ به، واليقين ينبثق من تطابق القراءتين، قراءة الكون بالبصيرة وقراءة الذكر بالفهم، حين يجد الناظر أنّ المصدرين ينطقان بحقيقةٍ واحدة.
وبهذه المنظومة الرحمانية مجتمعةً، يدخل القارئ الباب الثالث، فينتقل من النظر في تجلّي المصدر في الوجود إلى النظر في الإنسان نفسه، كياناً ووعياً ومعرفةً.
الباب الثالث
الإنسان وموضعه من الوجود
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «خاتمة الباب الثاني»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث