2.10

القَسَم القرآنيّ: تنزيهُ المُقسِم وإيقاظُ وعي المُخاطَب

5 دقائق قراءة~977 كلمة5 مبحثاً في هذا الفصل

تمهيد

من مواضع التدبّر التي يترجّح أنها أُسيء فهمها في التراث القَسَمُ في القرآن، إذ حُمِل على ما يُحمَل عليه قَسَمُ البشر من الاستيثاق وتأكيد الصدق، وغُفِل عن أن المُقسِم هنا هو الله، ولا يُتصوّر في حقّه ما يُتصوّر في المخلوق. فالإنسان إذا أقسم استدعى مقاماً أعلى منه يُعظّمه ليُصدَّق، والله لا أعلى منه يُقسم به، ولا يحتاج إلى توكيد صدقٍ هو ثابتٌ في ذاته. فإذا سقط عن القَسَم الإلهيّ معنى الاستيثاق، بقي السؤال قائماً: ما وظيفته إذاً؟ ولِمَ يُقسم من لا يحتاج أن يُقسم، ويستشهد من لا يفتقر إلى شاهد؟ وفي الجواب عن هذا يتبيّن أن القَسَم في القرآن بابٌ من أبواب تنزيه الذات وإيقاظ وعي الإنسان معاً، لا استحلافاً ولا توكيداً لصدقٍ لا يُنازَع. وهو من هذا الوجه متّصلٌ بأصل هذا الباب كلّه، إذ يردّ العظمة إلى نظام الرحمن الذي أقامه في الوجود، لا إلى أعيان المخلوقات التي يُقسم بها.

2.10.1القَسَم الإلهيّ لا يكون كقَسَم البشر

قَسَمُ الإنسان استعانةٌ بأعظمَ منه؛ يُقسم بالله أو بما يُعظّمه في نفسه ليُصدَّقَ قولُه، فهو محتاجٌ إلى شاهدٍ أعلى منه يشدّ به دعواه، إذ هو في نفسه غير كافٍ لتصديق ما يقول. والله سبحانه ﴿ليس كمثله شيء﴾، فلا في الوجود ما هو أعظم منه فيُقسم به مستشهداً، ولا هو محتاجٌ إلى تصديقٍ من خلقه لقولٍ هو الحقّ في ذاته. فلو حُمِل قَسَمُه على ما يُحمَل عليه قَسَمُ البشر لَلزِم أحد أمرين، كلاهما محالٌ في حقّه: إمّا أن يكون في الوجود ما يُعظَّم فوقه فيُقسم به، وهذا نقضٌ لتفرّده وعلوّه؛ وإمّا أن يكون صدقه مفتقراً إلى توكيدٍ من خارجه، وهذا نقضٌ لكمال علمه وحقّيّة قوله. فتنزيهُه عن هذين يقتضي أن يكون لقَسَمِه معنىً آخر غير معنى قَسَم البشر، وأن يُطلَب لهذه الصيغة وجهٌ يليق بمقام من ﴿ليس كمثله شيء﴾.

2.10.2«لا أقسم» — نفيُ تعظيمِ المُقسَم به لا نفيُ القَسَم

وأصدقُ ما يكشف هذا المعنى صيغةُ ﴿لا أقسم﴾ التي تكرّرت في القرآن في مواضعَ عدّة؛ فمنها ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسمٌ لو تعلمون عظيم﴾، ومنها ﴿لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾، ومنها ﴿لا أقسم بهذا البلد وأنت حِلٌّ بهذا البلد﴾، ومنها ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون﴾، ومنها ﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب﴾. وقد ذهب كثيرٌ من المفسّرين إلى أن «لا» في هذه المواضع زائدةٌ لتوكيد القَسَم، لا تنفي شيئاً. وهذا وجهٌ يصطدم بأصلٍ من أصول هذا الكتاب، وهو أن لا حرف في القرآن زائدٌ لا معنى له، بل لكلّ حرفٍ وظيفتُه في المعنى (يُنظر 7.4). فحملُ «لا» على الزيادة فرارٌ من إعمالها، والأولى أن تُعمَل لا أن تُلغى.

فيترجّح أنها نافيةٌ حقّاً، لكنها لا تنفي القَسَم نفسه، بل تنفي تعظيمَ المُقسَم به من جهة الله. فكأن المعنى: لا أُقسم بهذه الأشياء لأنها عظيمةٌ عندي تستحقّ أن أستشهد بها على قولي، فأنا منزّهٌ عن أن يُعظَّم عندي مخلوق أو يكون لي به حاجة؛ وإنما أُقسم بها لأنها عظيمةٌ في وعيكم أنتم، مألوفةٌ في نظركم، فأستدعيها لأوقظ التفاتكم إليها. فاجتمع في الصيغة نفيٌ وإثباتٌ في آنٍ واحد: نفيُ التعظيم من جهة الذات المنزّهة، وإثباتُ القَسَم من جهة إيقاظ المخاطَب الغافل. وبهذا تنحلّ الصيغة على وجهٍ يليق بالمقام، ولا يبقى فيها حرفٌ مُلغىً لا معنى له.

2.10.3القَسَم أداةُ إيقاظٍ للوعي لا توكيدٍ للصدق

وبهذا يتبيّن أن القَسَم في القرآن ليس لإثبات صدقٍ لا يحتاج إثباتاً، بل لإيقاظ الوعي وتوجيه النظر إلى المُقسَم به ليُقرأ فيه ما أودعه الله من آيات. فحين يُقسم بالشمس والضحى والليل والفجر، لا يُعظّم هذه الأشياء لذاتها، بل يوجّه الإنسان أن يتأمّلها ويقرأ فيها نظام الوجود؛ لأنها ممّا يألفه الإنسان ويراه كلّ يومٍ فيغفل عن دلالته لفرط ألفته. فالقَسَم بها استدعاءٌ للغافل أن ينتبه، لا استحلافٌ للشاكّ أن يُصدّق. ويؤيّد هذا أن المُقسَم به في القرآن كثيراً ما يكون من آيات الكون البادية للعيان: الذاريات والمرسلات والنازعات والشمس والقمر والتين والزيتون والطور. وهذه كلها ممّا تقع عليه الأبصار فلا تتأمّله البصائر، فجاء القَسَم بها لفتاً للبصيرة إلى ما غفلت عنه، تنبيهاً على أن في هذه المألوفات آياتٍ تُقرأ. وهو بهذا يتناغم مع طبيعة الكتاب التي تجعل آيات الكون مقروءةً كالنصّ، فالقَسَم بها دعوةٌ إلى قراءتها لا تعظيمٌ لأعيانها.

2.10.4القَسَم بالأضداد المتقابلة — استدعاءٌ لنظام الرحمن

ومما يعضّد أن القَسَم استدعاءٌ لآيات النظام لا تعظيمٌ للمخلوق أن كثيراً منه يقع على أزواجٍ متقابلة، لا على مفردٍ واحد. فمن ذلك قوله ﴿والشمس وضحاها﴾ ثم ﴿والليل إذا يغشاها﴾، وقوله ﴿والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى﴾، وقوله ﴿والضحى والليل إذا سجى﴾. فالقَسَم بالضدّين معاً — النور وغاشيه، والنهار مُتجلّياً والليل ساجياً — استدعاءٌ للأضدادّية التفاعلية التي قام عليها الوجود، والتي تأسّست في مقام الرحمن (يُنظر 2.1.2)، إذ الرحمن اسمٌ جامعٌ للمنظومة الأضاديّة كلها لا لطرفٍ منها. فليس القَسَم بهذه المتقابلات زينةً لفظية ولا تعداداً لمخلوقاتٍ متفرّقة، بل لفتٌ إلى النظام الأضاديّ الذي أقامه الرحمن في الوجود، فيُقرأ في المُقسَم به آيةُ ذلك النظام لا عظمةُ عينه. وبهذا يعود القَسَم إلى أصل الباب: تنزيهُ الذات عن مماثلة خلقها، وردُّ العظمة إلى نظامها الذي أجراه، لا إلى الأعيان التي أقسم بها.

2.10.5«الواو» في مطالع السور — عطفٌ على قَسَمٍ مُضمَر

ومن هنا يترجّح وجهٌ في «واو القَسَم» التي تفتتح بها سورٌ كثيرة، كقوله ﴿والشمس وضحاها﴾، و﴿والذاريات ذرواً﴾، و﴿والفجر﴾، و﴿والعصر﴾، و﴿والتين والزيتون﴾. فهذه الواو يترجّح أنها معطوفةٌ على قَسَمٍ مُضمَرٍ منفيّ تقديرُه «لا أقسم»، حُذف لفظه اختصاراً وبقيت الواو دالّةً على العطف عليه؛ إذ العطف لا يكون إلا على مذكورٍ أو مقدَّرٍ يدلّ عليه السياق. فكأن الأصل: لا أُقسم بالشمس وضحاها، على المعنى الذي تقدّم من نفي تعظيمها وإثبات القَسَم بها إيقاظاً. ويؤيّد هذا التقدير أن صيغة ﴿لا أقسم﴾ الصريحة وردت في مواضعَ أُخَر كما تقدّم، فحُمِلت المطالعُ المفتتحة بالواو على نظائرها المصرّحة بالنفي، فانتظم البابُ كلّه على نسقٍ واحد. وبهذا يُحفَظ في مطالع السور معنى التنزيه الذي تصرّح به «لا أقسم» في مواضعها، ولا تبقى الواو مجرّد أداة استفتاحٍ خاليةٍ من المعنى.

خاتمة

فالقَسَم في القرآن، على ما يترجّح من هذا الاستقراء، ليس استحلافاً ولا توكيداً لصدقٍ لا يُنازَع، بل تنزيهٌ للمُقسِم عن أن يُعظَّم عنده مخلوق، وإيقاظٌ لوعي المُخاطَب أن يقرأ في المُقسَم به آيةَ النظام الذي أقامه الرحمن في الوجود. و«لا» في ﴿لا أقسم﴾ ليست زائدةً لا معنى لها، بل حاملةٌ لهذا التنزيه، جاريةٌ على أصل الكتاب أن لا حرف فيه يضيع معناه. وبهذا يلتئم القَسَم مع منظومة هذا الباب: فكما أن الرحمن اسمٌ جامعٌ لأضداد الوجود، وكما أن الذات منزّهةٌ عن مماثلة خلقها، فإن قَسَمها بخلقها ليس تعظيماً له، بل استدعاءٌ لما فيه من آياتٍ تشهد لنظامها، وتوجيهٌ لوعي الإنسان أن يقرأ في المألوف ما غفل عنه.

اقتبس هذا الموضوع:

منذر الصبّاغ، «القَسَم القرآنيّ: تنزيهُ المُقسِم وإيقاظُ وعي المُخاطَب»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث