- أصل الوجود
- المقدمة والمقدّمات
- "تنويه"
"تنويه"
هذا الكتاب مبنيٌّ بعضُه على بعض، لا تنفصل فيه مسألةٌ عن مواضعها، فحقُّه في القراءة أن يُتلقّى جملةً واحدة، لا أن يُقتطَع منه فصلٌ فيُحاكَم وحده. فقد يُثار في موضعٍ سؤالٌ يتبيّن جوابُه في موضعٍ بعده، وقد يُطلَق في بابٍ أصلٌ يتفصّل حكمُه في بابٍ يليه، إذ ليست الأبواب أجزاءً مستقلّةً يُكتفى بكلٍّ منها، بل حلقاتٌ في قوسٍ واحد، لا يستقيم فهمُ أوّلها إلا بآخرها. فمن قرأ فصلاً منقطعاً عمّا قبله وما بعده، ثمّ وجد فيه نقصاً أو سؤالاً معلّقاً، فليطلب تمامَه في مواضعه قبل أن يقضي، فإنّ العملَ يُفسّر بعضُه بعضاً كما يُفسّر النصُّ الذي قام على منهجه بعضُه بعضاً. وهذه دعوةٌ إلى أناةٍ في القراءة لا إلى تسليمٍ بالنتائج؛ فإنّ النظر المتأنّي في البناء كلِّه أعدلُ من الحكم على لبنةٍ نُزِعَت من موضعها.
وينبغي لمن يدخل هذا الكتاب أن يحمل معه مفتاحه الأكبر، فإنّ بين يديه رحلةً لها مدخلٌ واحدٌ تُضيء به سائر فصولها. ذلك أنّ الوجود لم يُصَغْ فُرادى، بل صِيغ أزواجاً، ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فما من حقيقةٍ فيه إلا ولها وجهان متقابلان لا يُفهم أحدهما إلا بمقابله، ولا تكتمل قراءتها إلا بقراءة الوجهين معاً في المقام الجامع لهما. وهذه هي الآليّة التي يجري عليها استقراء هذا الكتاب من أوّله إلى آخره، وعليها بُني اسمه، فأصل الوجود زوجٌ، ومفتاح فهمه قراءة الزوج. وتجد هذا المفتاح مؤسَّساً في مبحث الرحمن (2.1.2)، إذ الرحمن اسم الذات في تجلّيها التكوينيّ، وهو الاسم الجامع للوجهين الذي صِيغ به الوجود، ثمّ تجده جارياً في بنية الكتاب في أغلب مساراته، ينكشف في كلّ بابٍ بوجهٍ من وجوهه، فما لم يُقرأ الشيء مع مقابله لم يُدرَك على حقيقته.
فليقرأ القارئ هذا الكتاب وهو يحمل هذا الميزان، يتتبّع في كلّ فصلٍ وجهين متقابلين ينبثق من اجتماعهما معنىً لا يُرى بأحدهما وحده، فيدخل رحلةً واحدةً متّصلةً لا فصولاً متفرّقةً، مصدرُها القرآن، ومنهجُها استخراج ما فيه استخراجاً نقيّاً من الإسقاط والرأي والمغالاة قدر ما يبلغه جهد بشريّ. وليعلم أنّ هذا الاستخراج اجتهادٌ في فهم كلام الله، يُطلب فيه الصواب ولا يُدَّعى فيه العصمة، فما قطع به النصّ فهو القاطع، وما دونه مرجَّحٌ يُعرَض للنظر ويُقبل فيه الأخذ والردّ. فالثقة المطلوبة ثقةٌ في المصدر الذي يُستخرَج منه، وفي المنهج الذي يُستخرَج به، لا في المُستخرِج الذي يبقى بشراً يصيب ويخطئ.
إلى من يُوجَّه هذا الكتاب
هذا الكتاب لمن يطلب، لا لمن وصل فاستراح. لمن يرى في كتاب الله صراطاً مستقيماً يُسلَك، لا متاعاً موروثاً يُحفَظ كما وُرِث ولا يُسأل عنه. لمن يقرأ القرآن بعين النصّ نفسه، يستقري ويتفكّر ويزن المفهوم بميزانه، لا بعين ما ألِف الناس وتوارثوه فأمسى عندهم كالمسلَّمات التي لا تُراجَع.
وقد بُني هذا العمل على منهجٍ واحدٍ لا يحيد عنه: أنّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً، ويُحكَم عليه من داخله لا من خارجه، فلا يُتّخذ فيه حديثٌ ولا أثرٌ ولا قول سالفٍ أصلاً يُبنى عليه، وإنّما يُستمدّ المعنى من النصّ ذاته باستقراءٍ تامّ قبل أن يُقرَّر. ومن لزم هذا المنهج بصدقٍ بلغ به أحياناً ما يخالف ما استقرّ عند الناس قروناً، لا رغبةً في المخالفة ولا مجابهةً لأحد، بل لأنّ الميزان واحدٌ لا يحابي، فحيثما قاد النصُّ تَبِعه الباحث، وإن خالف المألوف.
ولا يعني هذا استهانةً بما بذله السابقون من جهدٍ في خدمة النصّ، فكلٌّ عمل في حدود أدواته وزمنه، وإنّما المقصود أنّ الميزان اليوم هو النصّ ذاته، لا أقوال من سبقوه.
ومؤلّف هذا الكتاب يعلم مُقدَّماً أنّ عمله هذا مردودٌ عند جهاتٍ لا تحبّذ النظر فيما استقرّ، ولا ترضى أن يُعاد فتح ما أُغلق، فتعدّ كلّ مراجعةٍ خروجاً وكلّ سؤالٍ جرأة. وهو لا يكتب لهؤلاء، ولا يطلب رضاهم، ولا يجادلهم في موقفهم، فلكلٍّ وجهةٌ هو مولّيها. وإنّما يكتب لمن فتح الله قلبه للبحث، فجعل القرآن إمامه يستهدي به ويزن به ما سواه، يطلب الهداية من معدنها لا من نقلةٍ عنها، ويقتفي أثر الحقّ حيث وجده، ولو نقض ذلك ما اعتاده هو نفسه.
وليس في هذا الكتاب دعوى عصمةٍ ولا قطعٍ يُلزِم القارئ، بل هو ترجيحٌ يستمدّه صاحبه من استقراء النصّ، يعرضه عرضاً ويقول فيه «يترجّح» و«يتبيّن»، لا «هذا الحقّ الذي لا سواه». فما وافق منه الصوابَ فمن الله، وما جانبه فمن صاحبه، والقارئ شريكٌ في النظر لا متلقٍّ يُسلّم؛ يَزِن ما فيه بميزان النصّ، فما رآه راجحاً أخذ به، وما رآه مرجوحاً ردّه بحجّةٍ من جنس حجّته، لا بمجرّد أنّه خالف ما اعتاد.
فإن كنتَ ممّن يطلب الطريق إلى كتاب الله طلباً صادقاً، يقتفي ويتفكّر ولا يستكين، فهذا الكتاب لك، فادخله بعين الناظر لا المسلِّم. وإن كنتَ ممّن آثر السكون إلى ما ورِث، فلا يلزمك منه شيء، ولصاحبه أن يعتذر إليك أنّه لم يكتبه لك، وأن يدعو لك ولنفسه بالهدى إلى أقوم سبيل.
في بناء هذا العمل: القرآن والوجود
كيف تشكّل هذا العمل من استقراء آية ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾
تمهيد
يفتتح القرآن الكتاب بقوله ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب﴾ [البقرة 1-3]. وفي اسم الإشارة «ذلك» بابٌ من التدبّر يترجّح أنه يكشف طبيعة الكتاب وطريقة قراءته معاً، قبل أن يُقرأ منه حرف. وقد جعلنا هذا الافتتاح مقدمة لكتابنا، لأن ما يكشفه من طريقةٍ في وصل النصّ بالوجود هو عين المنهج الذي بُني عليه هذا العمل، فيرى القارئ في الآية مرآةً تُنبئه كيف صيغ ما بين يديه.
أولاً: ما وراء التعظيم — وجهٌ يفتحه الاستقراء
ذهب كثيرٌ من الفقهاء إلى أن «ذلك» جاءت للتعظيم والتفخيم، أو أنها إشارةٌ من بُعدٍ إلى كتابٍ في مقامٍ عالٍ. وهو وجهٌ حسن، لكنّ الاستقراء الداخليّ يفتح وجهاً أعمق يترجّح عندنا، مبناه على تتبّع اسم الإشارة نفسه في مواضعه. فالقرآن حين يشير إلى أجزاء الكتاب المتفرّقة يختار لها «تلك» لا «ذلك»، فيقول ﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق﴾، و﴿تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض﴾، و﴿تلك القرى نقصّ عليك من أنبائها﴾، و﴿تلك الأيام نداولها بين الناس﴾، و﴿تلك حدود الله﴾.
ثانياً: القرينة اللغوية المحكمة — من «تلك» إلى «ذلك»
هذا الاطّراد لا يقع مصادفةً في نصٍّ لا حرف فيه زائد. فـ«تلك» اسم إشارةٍ يقع على المؤنّث المفرد وعلى الجموع، مذكّرها ومؤنّثها، فناسب أن يُشار به إلى جماعات الآيات والرسل والقرى والأيام والحدود، إذ هي كثرةٌ متفرّقة. فإذا اجتمعت هذه الجماعات كلها وانتظمت وأُحكمت كونت وصارت «الكتاب»، وهو اسمٌ مفردٌ مذكّر، فلم يعد يصلح له «تلك» التي للكثرة، بل «ذلك» التي للمفرد المذكّر. فالانتقال من «تلك» إلى «ذلك» انتقالٌ من الإشارة إلى الأجزاء المتفرّقة إلى الإشارة إلى الجامع المنتظم لها. وهذه قرينةٌ لغويةٌ محكمةٌ تعضّد ما بعدها، وإن كان الأصل الحامل للمعنى ما وراءها.
ثالثاً: البُعد الذي يحاكي الوجود
إن هذه الأجزاء التي أشير إليها بـ«تلك» ليست نصوصاً مجرّدة، بل معطياتٌ منبثّةٌ في الوجود والتاريخ: آياتٌ كونيةٌ في الآفاق، ورسلٌ مضوا، وقرًى خلت، وأيامٌ تُداول بين الناس، وحدودٌ تجري في التشريع. فهي بعيدةٌ عن الحاضر المباشر، ممتدّةٌ في سعة الكون وامتداد الزمن، فناسبها البُعد في الإشارة لأنها تحاكي في تفرّقها وسعتها بنية الوجود نفسه. ولمّا كان «الكتاب» جامعاً لهذه المعطيات كلها، محاكياً في نظمه للوجود الذي انبثقت منه، ورث صفة البُعد عنها، فأشير إليه بـ«ذلك» تناسقاً مع بُعد الوجود الذي يحاكيه. فالبُعد ليس بُعد مسافةٍ ولا مجرّد تعظيم، بل بُعدٌ واسعٌ يحاكي اتّساع الوجود المسطور في هذا الكتاب.
رابعاً: اسم الإشارة تعليمةٌ في القراءة
ومن هنا يترجّح أن في «ذلك» توجيهاً لطريقة القراءة، لا وصفاً للكتاب فحسب. فلو قيل «هذا الكتاب» لاقتصر النظر على ما بين الدفّتين، مغلقاً على مضامينه، مقروءاً بمعزلٍ عن الواقع. أما «ذلك» فتفتح النظر على ما وراء النصّ، فتوجّه القارئ أن يقرأ الكتاب موصولاً بالوجود الذي يحاكيه، لا محصوراً في ذاته. فاسم الإشارة نفسه تعليمةٌ وإشارة منهجيةٌ في أوّل الكتاب: اقرأه مربوطاً بالكون والسنن والتاريخ، لا متناً منقطعاً عن الواقع.
خامساً: الإيمان بالغيب بحثاً لا استكانة
ويعضّد هذا أن الآية تصل مباشرةً وصف المنتفعين بالكتاب بأنهم ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾، والإيمان بالغيب بصيغة الاستمرار وهنا يترجّح أنه ليس تصديقاً لفظياً ساكناً، بل بحثٌ متّصلٌ ونظرٌ دائبٌ في الوجود، يشهد له أن القرآن يقرن الأمر بالإيمان بالأمر بالنظر ﴿قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق﴾، وتكثر آياته في الحثّ على التفكّر في الخلق. فالمؤمن بالغيب باحثٌ فيه سيراً ونظراً، لا مكتفٍ بالإقرار. فتتكامل الآيتان: «ذلك» توجّه إلى وصل الكتاب بالوجود، و«الذين يؤمنون بالغيب» تبيّن أن هذا الوصل بحثٌ وعملٌ لا استكانة.
سادساً: اتّحاد الكتابين
وبهذا يتبيّن أن «ذلك الكتاب» في أعمق وجوهه إشارةٌ إلى اتّحاد كتابين: كتاب الوجود المقروء بنفسه وبالنصّ، وكتاب النصّ المقروء بنفسه وبالوجود، كلٌّ منهما يشهد للآخر ويُقرأ به. وهو عين ما يُختم به هذا الاستقراء في موضعه من الكتاب، حيث القرآن نصٌّ ناطقٌ والوجود لوحٌ صامت، وكلاهما كتابٌ من عند الله لا يتناقضان بل يصدّق أحدهما الآخر (يُنظر فصل «وكتابٍ مسطورٍ في رقٍّ منشور» 7.15).
سابعاً: على هذا المنوال بُني هذا العمل
وعلى هذا الأصل الذي أعلنه القرآن في مفتتحه، بُني هذا الكتاب. فهو لا يقرأ المفهوم القرآنيّ محصوراً في لفظه، بل يردّه إلى نظيره في الوجود ليقرأ أحدهما بالآخر. فحين يتناول اسم «الرحمن» يقرؤه في نظام الوجود القائم على الأضداد المتفاعلة، لا في اللفظ وحده. وحين يتناول «الخلق» و«الجعل» يردّهما إلى مراتب التجلّي في الكائن الحيّ. وحين يتناول «النور» يقرؤه بمقابله «الظلام» كما يتقابلان في الكون. فكلّ مفهومٍ في هذا العمل مقروءٌ مرّتين: في النصّ، وفي الوجود الذي يحاكيه النصّ. فما صنعه القارئ حين رأى «ذلك» تصل الكتاب بالوجود، هو نفسه ما يصنعه هذا الكتاب في كل فصلٍ من فصوله. فليقرأه على هذا الميزان، يرَ النصّ والوجود صفحتين لكتابٍ واحد يصدقان بعضهما بعض.
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الأول
الله وأصل الوجود
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «"تنويه"»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث