- أصل الوجود
- المقدمة والمقدّمات
- مقدّمة الكتاب
مقدّمة الكتاب
قلّما يقرأ اثنان النصّ القرآنيّ فيخرجان منه بفهمٍ واحد، وما ذلك لغموضٍ في النصّ، بل لاختلاف المدخل الذي يُؤتى منه. وقد تبيّن لي من طول استقراء النصّ أنّ القارئ لا يكاد يقف بين يدي القرآن إلا على أحد ثلاثة مواقف، اثنان منها يحولان بينه وبين مراد النصّ، وثالثٌ هو وحده السبيل إلى أن يُنطِق النصَّ بما أراد.
أمّا الموقف الأول، وهو الأشيع، فأن يُقرأ القرآن بعيون الماضي لا بعين الحاضر. فإذا سُئل العالم أو طالب العلم عن معنى آيةٍ أحال سائلَه إلى ما دُوّن في القرون الأولى، منسوباً إلى من سبق، فصار فهم الأقدمين هو المرآة التي لا يُرى النصّ إلا من خلالها. وفي هذا الموقف يصير المعنى استحضاراً للماضي، لا مرادًا يُستخرَج بزمنه، ويُحجَب النصّ عن قارئه بطبقةٍ من الأفهام منتهية الصلاحية لا تحاكي واقعه.
وليس فيما تقدّم غمطٌ لفضل العلماء الأوائل، فلهم في حفظ النصّ وخدمة علومه ما لا يُنكَر؛ وإنّما الخلل في تقديس الفهم البشريّ حتى يصير أصلاً لا يُراجَع، لا منزلةً اجتهاديةً يُبنى عليها ويُستدرَك.
وأمّا الموقف الثاني، فردّ فعلٍ على الأول: أن يدّعي صاحبه التحرّر من تلك الأفهام، لكن بلا قاعدةٍ متينةٍ يقرأ النصّ على أساسها. فيرفع شعار أنّ القرآن لا ترادف فيه متّكئاً على قاعدةٍ دون غيرها، ثمّ لا يطبّقه على نفسه، ويُسقط على النصّ مفهومه هو فيراه فيه، ويظنّ أنّه يقرأ النصّ، إنّما يقرأ ذاته في النصّ. فهذا وإن تحرّر من سلطان الأقدمين، وقع في سلطانٍ أخفى وأشدّ: سلطان فهمه المسبق.
وأمّا الموقف الثالث، وهو الذي قام عليه هذا الكتاب، فالتدبّر المنضبط بقواعده. وأوّل قواعده ألّا يُرادِف القارئ بين مصطلحٍ ومصطلح، ولا بين لفظٍ ولفظ، بل يقرأ النصّ على قاعدة أنّ لا تطابق بين كلماته، وأنّ لكلّ لفظٍ موضعَه ووظيفته. ويعتمد دقّة النصّ حرفاً بحرف، فلا يَعُدّ حرفاً زائداً ولا لفظاً مُقحَماً. ثمّ — وهذا جوهر المنهج — لا يُسقِط على النصّ رأياً، ولا يحمل إليه فهماً يسير به في قراءته؛ بل يَدَع النصَّ هو الذي يقوده، حيث تأخذه مقاصدُه، فيبني معه المفاهيم والمواضيع شيئاً فشيئاً، حتى يبلغ به النصُّ بنيتَه التي تأصّل عليها. وعند هذا الحدّ يرى القارئ بالنصّ كوناً مكتوباً، نظامُه نظامُ الوجود، يفسّر بعضُه بعضاً، ويُقرأ من كلّيته لا من آيةٍ مفردةٍ تُقتطَع من سياقها.
فإذا قرأنا النصّ بالترادف جعلناه فضفاضاً يتّسع لرؤية قارئه؛ وإذا قرأناه بحروفه قادنا إلى مقاصده.
وعلى هذا الموقف الثالث قام منهج هذا الكتاب: الاستقراء الداخليّ للنصّ. فكلّ قاعدةٍ تُقرَّر في هذه الصفحات إنّما تُستخرَج من تتبّع مواضعها في القرآن واستقصاء نظائرها، لا تُحمَل على النصّ من تصوّرٍ سابق، ولا يُقرَّر معنىً قبل استقراء مواضعه كافّةً. والقارئ لا يُطلَب منه التسليم، بل النظر؛ فما من دعوى إلا ومعها شاهدُها من النصّ. وهذا المنهج يقتضي تواضعاً في الصياغة، فلكلّ قارئٍ مقدرته وحدوده: فحيث يقطع النصّ نقطع، وحيث يترجّح المعنى نقول يترجّح، فلا يُحمَّل النصُّ ما لا يحتمل، ولا يُلبَس الاجتهادُ ثوبَ اليقين.
ولمّا كان فهم النصّ موقوفاً على أدواتٍ يُمسَك بها، جُعِل البابُ الأول بياناً للمنهج الذي قام عليه الكتاب، فهو الأساس لا التمهيد. فمن أتقن تلك المفاتيح — التمييزَ بين أصل الخلق وغايته، وبين الذات والمقام، وبين الأمر والخلق، وبين المسطور والمنشور، وبين الثابت الكلّيّ والظرفيّ، وبين مقامات الأسماء — دخل ما بعدها بعين قارئٍ مستقلٍّ يزن المفهوم بميزانه؛ ومن تجاوزها قرأ سائر الكتاب بزمن أمّةٍ خلت لا بعين حاضره، فاختلّ عليه البناء.
ثمّ إنّ ممّا يُضيء الكتابَ كلَّه تمييزٌ تأسيسيٌّ ينبغي تقريرُه من البداية، وهو أنّ الإيمان في القرآن مستويان لا مستوىً واحد. الأوّل إيمانٌ بالله منشأُه الآبائية، وهو الغالب الإنسانيّ العامّ الذي يعتمد فيه المرء على غيره، فيؤمن إيماناً نظرياً متلقًّى لا مكتسَباً؛ من قام به أغلق باب النظر واكتفى، فإن عمل مع ذلك صالحاً فله أجرُه عند ربّه، كما قال تعالى: ﴿...مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ . والثاني إيمانٌ بالله مكتسَبٌ بالبحث والاجتهاد والتقصّي في الرسالة المنزَّلة، يطابق بين النصّ والوجود، فيبني به الإنسانُ منظومةً جامعةً تُقيم أفكاره وتشحذها؛ فيكون من الذين يؤمنون إيماناً متجدّداً حيّاً، لا من الذين آمنوا إيماناً متّكئاً ساكناً، وهم الذين وصفهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: 73]. والكتابُ في جملته منصرفٌ إلى بيان هذا البناء: كيف يصدر الوجود عن أصله، وكيف يتنزّل النصّ والمعرفة إلى الإنسان، وكيف ينتظم فعلُه وقيمُه واجتماعُه وتشريعُه ومصيرُه ضمن هذا النظام.
وعلى هذا يسير الكتاب في سبعة أبواب، يبني بعضُها على بعض في قوسٍ واحدٍ متّصل: يبدأ من المصدر — الذات المطلقة وصدور الوجود عنها أمراً ثمّ خلقاً — ثمّ إلى تجلّي ذلك في منظومة الرحمن داخل الوجود، فإلى موضع الإنسان من هذا كلّه كياناً ووعياً ومعرفةً ومآلاً، فإلى ما يصدر عنه من فعلٍ يُوزَن بقيمٍ تجري على سنن الوجود، فإلى ما ينتظم به اجتماعُ الناس من تشريع، فإلى مصيره ومآله، وتختم الأبواب بمفاتيح تدبّر كتاب الله، عَوداً على بدءٍ إلى الأداة التي بها يُقرأ النصّ.
فهذا الكتاب دعوةٌ إلى قراءة القرآن بالقرآن، وإلى الإمساك بالنصّ من حيث يُمسِك بنفسه. وغايتُه أن يُبيّن لا أن يُلزِم، وأن يفتح بابَ النظر لا أن يُغلِقه؛ فمن وجد فيه ما يُقنعه فبالحجّة، ومن خالفه فبالنصّ. وبالله التوفيق.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «مقدّمة الكتاب»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث