- أصل الوجود
- مفاتيح تدبر كتاب الله
- وكتابٍ مسطورٍ في رقٍّ منشور — القرآن الناطق والوجود الصامت
وكتابٍ مسطورٍ في رقٍّ منشور — القرآن الناطق والوجود الصامت
﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾
يَختِم هذا المفتاحُ البابَ بأصلٍ جامع: أنّ القرآن نصٌّ ناطق، والوجودَ لوحٌ صامت، وكلاهما كتابان من عند الله لا يَتناقَضان بَل يَشهَد أحدُهما للآخر ـ ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ ، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصّلت: 53].
ولَعَلَّ في «الرقّ المنشور» إشارةً إلى صفحة الوجود الكوني؛ فالرقُّ الجلدُ الذي يُكتَب فيه، والمنشورُ المفتوحُ المبسوط ـ فالكونُ صفحةٌ منشورةٌ يَقرأها كلُّ ناظرٍ في الآفاق والأنفس، قوانينُه وسننُه علاماتٌ مقروءةٌ كالكلمات، لا مغلقٌ بَل يُظهِر آياتِ الله لمن يَتَفَكَّر ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ . وأمّا «الكتاب المسطور» فهو القرآنُ الناطق؛ والمسطورُ المُحَقَّقُ المُدَوَّن، كأنه قانونٌ كونيٌّ مُبرَمٌ لا يُزاد فيه ولا يُنقَص، نصٌّ بيانيٌّ يُحاكي الرقَّ الكونيَّ فيُفَسّر معانيَه ويُوَجّه إلى فهمه. فكما أنّ الكونَ كتابٌ صامت، القرآنُ كتابٌ ناطقٌ يُبَيّن ويَكشف ـ فالكتابُ المسطورُ هو المعنى المُجَرَّد للوجود المُحَقَّق، وأيُّ تأويلٍ قرآنيٍّ لا يُوافِق سننَ الكون والواقعَ المحسوس فهو باطل، إذ الله لا يُناقِض نفسه.
ولَعَلَّ في وصف «قرآن مجيد» ما يَكشف خلودَه؛ فالمجيدُ ذو السموّ والامتداد والرفعة ـ قديمٌ في أصله، حاضرٌ في بيانه، خالدٌ في أثره، يَزداد نوراً كلما تَجَدَّدَت معارفُ الناس، لا يَبهَت ولا يَزول بَل مجدُه متصلٌ ممتدٌّ عبر العصور في نفسه وفي أثره. وأمّا «اللوح المحفوظ» فمن «لاح» أي ظَهَرَ وبان، وهو الوجودُ الظاهرُ المكشوفُ الذي يُظهِر مكنوناتِه لمن أعمَلَ النظر، المستودعُ الكونيُّ المحفوظُ بسنن الله المحكمة عن التبديل والعبث ـ وقد فُصّل هذا المعنى في فصل المخطوط (1.8.7) حَيث تأسّس أنّ اللوحَ المحفوظ ليس دفتراً مادياً بَل الفضاءُ المكشوفُ الموضِحُ الظاهرُ لمن يَبحَث ويَتَتَبَّع. فالنصُّ محفوظٌ بالوحي، والكونُ محفوظٌ بالسنن، وكلاهما يَلتَقيان في صدقٍ واحد.
وعلى هذا تَقوم القاعدةُ المنهجيةُ الكبرى: أنّ النصَّ القرآنيَّ والواقعَ الكونيَّ لا يَتناقَضان، إذ القرآنُ بيانٌ ناطقٌ والكونُ وجودٌ صامتٌ وكلاهما من مصدرٍ واحد، فلا يَجوز تأويلُ القرآن بما يُخالِف الواقعَ الكونيَّ الثابت. فإذا بدا تعارضٌ فمَردُّه إلى قصورٍ في الفهم، أو تأويلٍ خاطئٍ للنصّ، أو علمٍ ناقصٍ لم يَبلُغ مستقرَّه بعد ـ وهو عينُ ما تأسّس في المفتاح الثاني عشر (7.12). ومما يُستأنَس به في هذا قولُه ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ ؛ فقد يُؤَوَّل أنّ الشمسَ تَدور حول الأرض، والواقعُ أنّ الأرضَ تَدور حولها وأنها تَجري في مدارها داخل المجرّة ـ فمعنى «الجري» المحفوظُ في النصّ هو الحركةُ الدائمةُ المنسابة، والواقعُ يَشهَد به، فلا تناقض.
فالرقُّ المنشورُ هو الكونُ صفحةً مفتوحةً للقراءة، والكتابُ المسطورُ هو القرآنُ نصاً ناطقاً مُحَقَّقاً يَصِف الكونَ ويَهدي إلى فهمه، والقرآنُ المجيدُ كتابٌ خالدٌ متألّقٌ عبر العصور، واللوحُ المحفوظُ هو الوجودُ المحفوظُ بسنن الله ـ لا يَتناقَض النصُّ مع الواقع لأنّ كليهما من عند الله، وأيُّ تأويلٍ يُخالِف الواقعَ الثابتَ مردودٌ على صاحبه. فالقرآنُ والكونُ متوافقان في شهادةٍ واحدة ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
وبهذا المفتاح يَنغَلِق عِقدُ المفاتيح الخمسة عشر على ما انفَتَحَ به: فقد بَدأ البابُ بالتدبّر بوصفه الغوصَ وراء ظاهر النصّ، ويَختِم بأنّ هذا النصَّ المتدبَّرَ كتابٌ ناطقٌ يُصَدّقه الوجودُ الصامت ـ فمن مَلَكَ هذه المفاتيحَ قرأ الكتابَين معاً، النصَّ المسطورَ والكونَ المنشور، فاطمَأَنّ إلى أنّ ما تَبَيَّنَ له من القرآن يَشهَد له الوجودُ، وأنّ الحقَّ واحدٌ لا يَتَعَدَّد، مصدرُه واحدٌ لا شريك له.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «وكتابٍ مسطورٍ في رقٍّ منشور — القرآن الناطق والوجود الصامت»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث