- أصل الوجود
- العمران الإنسانيّ والتشريع
- خاتمة الباب الخامس
خاتمة الباب الخامس
بَلَغَ البابُ غايتَه التي انطَلَقَ إليها: أَن تَستَبين المنظومةُ التشريعيةُ والاجتماعيةُ التي يَنتَظِم بها اجتماعُ الناس، استقراءً من النصّ لا إسقاطاً عَليه. وقد تَكَشَّفَ ـ في مَجموع فُصوله ـ أَن التشريعَ القرآنيَّ ليس قوائمَ أحكامٍ جامدة، ولا عقوباتٍ تُنزَل بالأفراد، بَل منظومةٌ متماسكةٌ تَصون الفَردَ والمجتمعَ معاً، تَدور كلُّها على تمييز مَقامَي الله والرَّبّ: ما كان كلياً ثابتاً نُسِبَ إلى الله، وما كان تدبيراً مُراعياً للحال نُسِبَ إلى الرَّبّ.
فالإيمانُ ـ في حَصاد الفصول الأُولى ـ مَسارُ ارتقاءٍ واعٍ يَنتَهي إلى طمأنينة، والإسلامُ موقفٌ جازمٌ بالاستسلام للحَقّ، يُقابِلهما الإجرامُ قَطعاً للصِّلة والإشراكُ فقداناً للأمن الفَردي والمجتمعي. وتَبَيَّنَ أَن مَقامات التبليغ ثلاثةٌ مُتَمايزة ـ النبيُّ والرسولُ والمبعوث ـ بها تَنفَصِل السنّةُ الرسالية الخالدة عن الظَّرفي المرحلي، وأَن العبادَ أصحابُ مشيئةٍ ووعيٍ خِلافَ العبيد المُسَيَّرين، وأَن الطاعةَ تَنتَظِم في خَمس صِيَغٍ بنيوية تَبني المجتمعَ المَدَني الجامع.
وامتَدَّ النظرُ إلى التطبيقات التي تَصون النسيجَ الاجتماعي: فالحدودُ في السرقة والزنا تَدبيرٌ رادعٌ يَدرَأ الإفسادَ لا انتقامٌ من الأفراد، والقضاءُ والقدرُ يَكشفان الإنسانَ خليفةً تُنتِج معرفتُه قضاءَه ويُنتِج قضاؤه قَدَرَه، لا مقهوراً مَسلوبَ الإرادة، والوصيةُ أصلٌ مُحكَمٌ في نَقل الثروة لا منسوخٌ بالفرائض. ثُمَّ تَبَيَّنَ أَن الشعائرَ الكُبرى مَشاريعُ ارتقاءٍ لا طقوسٌ صامتة: الصلوةُ صِلةٌ دائمةٌ ومجالسُ وعيٍ وشورى، والزكاةُ حالُ نماءٍ مُلازمةٌ للتزكية بالمعرفة، والحجُّ مسيرةٌ واحدةٌ من إبراهيمَ إلى عرفات، والصيامُ موسمُ فُرقانٍ كونيٍّ أياماً معدوداتٍ لا طقساً مُفرَغاً.
وخُتِمَ البابُ بحَسم التباسَين: فالنسخُ ليس إبطالاً لآيٍ داخل القرآن المكتمل الذي «لا ريب فيه»، بَل تَجَلّي الثابت الإلهي عَبر الرسالات المتعاقبة؛ و«ما ملكت أيمانكم» ليست رخصةَ استعبادٍ ولا امتيازاً، بَل علاقةُ سلطانٍ مُتَغَيّرةٌ دَخَلَت حيزَ المساءلة حين اختَلَّ ميزانُ القوة، قُرِنَت بالتخفيف وفتح أبواب التحرُّر، ونُسِبَ ميزانُها كلُّه إلى الله وحده. فلم يُشَرعِن النصُّ الهيمنةَ، بَل فَضَحَها وقَيَّدها وحَمَّلَ صاحبَها وِزرَها.
وبهذا يَتِمّ تصوُّرُ المنظومة التشريعية والاجتماعية قائمةً على تمييز مَقامَي الله والرَّبّ، صائنةً للأمن والعَدل، مُحَرَّرةً من إسقاطات التراث على النصّ. وإذا كان الباب الرابع قد أَسَّسَ فِعلَ الفَرد وقِيَمه، فقد أَسَّسَ هذا البابُ ما يَنتَظِم به اجتماعُ الأفراد وتشريعُ عَلاقاتهم. وما استَقَرَّ هنا يُمَهّد لما يَلي من أَبوابٍ تَتَناوَل مَدارات أوسعَ في منظومة الوجود، قائماً على هذا الأَساس الذي تَحَرَّرَ من النصّ، لا من سِواه.
الباب السادس
المصير الإنسانيّ
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «خاتمة الباب الخامس»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث