- أصل الوجود
- العمران الإنسانيّ والتشريع
- السارق والسارقة
السارق والسارقة
5.6.1تمهيد
في تشريعاته الأخلاقية والاجتماعية، لا يكتفي القرآن الكريم بحظر الأفعال الضارة فحسب، بل يبني نظامًا معرفيًّا دقيقًا يميّز بين الزلّة العارضة والإجرام المنهجي. وهذا التمييز ليس تفصيلًا شكليًّا، بل هو شرطٌ جوهريّ لإقامة العدل الإلهيّ، الذي يراعي النية، والسياق، والاستمرارية. ومن أبرز مظاهر هذا الدقة التشريعية استخدامه للأسماء المعرفة بـ"أل" عند الحديث عن الجرائم التي تهدّد كيان المجتمع من جذوره، كالسرقة حين تتحوّل من خطأ فردي إلى حرفة أو سلوك ممتهَن.
5.6.2تعريف لغوي
في اللغة العربية، يُطلَق اسم "السَّارِق" على من اعتاد السرقة واتّخذها عادةً أو مهنةً، لا على من أخطأ مرةً تحت ضغط الحاجة أو زلّة لحظية وأنّ "السَّارِق" هو فاعل ذلك الفعل على وجه الاستمرار والاعتياد
. ويُوصَف الإنسان باسم الفاعل (فاعل) حيث يُستعمل في الغالب للدلالة على من استقرّ الفعل في سلوكه أو اشتهر به، حتى صار كالهوية له، كما يُقال "الكذّاب" لمن اعتاد الكذب، و"اللّحّام" لمن اتّخذ الذبح مهنةً، وليس لمجرّد أنّه ذبح شاةً لنفسه. وهذا الأسلوب اللغويّ يعكس حكمةً عميقة: فالتشريع لا يُعاقب على الحوادث العابرة، بل على الحالات المستقرّة التي تشكّل خطرًا وجوديًّا على النظام الاجتماعيّ.
5.6.3تعريف دلالي وربط بالآية
بناءً على هذا الأساس اللغويّ، فإنّ قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: 38) لا يخاطب من سرق رغيف خبزٍ جوعًا، بل يخاطب الشخص المُعرَّف الذي جعل من السرقة سبيلًا ومنهجًا. إنّ استخدام "أل التعريف" مع الاسم "السارق/السارقة" بدلًا من صيغة الفعل ("من سرق") هو إشارة قرآنية واضحة إلى أنّ الحكم مرتبطٌ بالصفة الدائمة، لا بالفعل العارض.
مقارنة تشريعية داخلية: لماذا "السارق" ولم يقل "من سرق"، بينما في القتل قال "من قتل"؟
الفرق بين الصيغتين ليس لغويًّا فحسب، بل مقصديّ تشريعيّ:
في القتل العمد، يقول الله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ...﴾ (النساء: 93)، ويقول أيضًا: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ... وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ...﴾ (المائدة: 45).
هنا استُخدمت صيغة الفعل ("من قتل")، لأنّ القتل العمد — حتى لو كان فعلًا واحدًا — يُعدّ إفسادًا أعظم في الأرض، لا يُنتظر منه التكرار ليُعاقب عليه. فهو اعتداءٌ مباشر على أقدس القيم: النفس. ولذلك، فإنّ التشريع يتعامل معه من أول فعل، دون اشتراط احتراف أو شهرة.
أمّا في السرقة فقد قال: ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ...﴾، لأنّ السرقة — كفعلٍ معزول — قد تكون ناتجةً عن ضرورة أو زلّة، ولا تهدّد الوجود الاجتماعي بالضرورة؛ لكنّها حين تتحوّل إلى صفةٍ مستقرّة، أي حين يصير السارق من اشتُهِر بها، تصبح ظاهرةً إفساديةً تستحقّ تدخّلًا رادعًا. وهذا التمايز يُظهر أنّ القرآن لا يطبّق معيارًا واحدًا على كلّ الجرائم، بل يُوازن بين خطورة الفعل وتكراره وآثاره الاجتماعية؛ فالقتل العمد يُعاقَب عليه من أوّل مرّة لأنه يدمّر الوجود ذاته، أمّا السرقة فلا يُقام عليها الحدّ إلا حين تصبح سلوكًا ممنهجًا يهدّد بنية المجتمع.
فالآية تتحدّث عن حالةٍ من الاستباحة المتكرّرة لحقوق الآخرين، وهي حالةٌ تهدّد الأمن الاجتماعيّ وتُفقِد الناس الثقة في ممتلكاتهم وأرواحهم. وعليه فإنّ «الجزاء» المذكور في الآية هو «نكالًا» — أي عبرةً وزاجرًا عامًّا — لا عقوبةً انتقاميةً عمياء. وهذا يتوافق تمامًا مع روح التشريع القرآنيّ الذي يهدف إلى حماية القيم الكبرى (النفس، المال، العقل، الدين، النسل)، وليس إلى معاقبة الضعفاء الذين دفعهم الاضطرار إلى ما لا يختارونه. لذلك فإنّ فهم «السارق» في هذه الآية اسمًا معرَّفًا يُعيد للنصّ توازنه الأخلاقيّ والعدليّ، ويمنع من تطبيق حدٍّ قاسٍ على من لا يستحقّه، محافظًا بذلك على رحمة الله وعدله معًا.
5.6.4تحليل دلالي: "جزاء بما كسبا" ومفهوم الكسب الاحترافي
يتجلّى التمييز التشريعي الدقيق في اختيار التعبير ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾، حيث لم يقل تعالى «بِمَا فَعَلَا»، لأنّ الفعل قد يكون عفويًّا أو زلّةً عابرة، أمّا «الكسب» فيدلّ في دلالته اللغوية والقرآنية على الفعل الإرادي المخطَّط المتكرّر الذي يهدف إلى تحقيق منفعة مادية أو معنوية عبر جهدٍ منهجي. فالكسب هنا لا يعني مجرّد أخذ مال الغير، بل يشير إلى تحويل السرقة إلى حرفةٍ ممتهنة قائمة على التخطيط المسبق والترصّد واكتساب المهارات وتكوين الخبرة الإجرامية، مما يجعلها مصدر رزقٍ غير مشروع يهدّد البنية الاقتصادية والاجتماعية. وهذا يتوافق تمامًا مع استخدام «أل التعريف» في ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الذي يحوّل الصفة إلى هوية مستقرة، فيصبح «الكسب» هو الجسر بين السلوك المنهجي والعقوبة الرادعة، مؤكّدًا أنّ الحدّ لا يطال الفعل العارض الناتج عن ضرورة، بل يطال النشاط الإجرامي المنظَّم الذي يستحقّ وصف «الكسب» بكلّ حمولته الدلالية.
5.6.5الحَدّ: تدبيرٌ رادع ضدّ الإفساد المجتمعي
في القرآن الكريم، لا يُطلَق مصطلح "الحَدّ" كاسم تقني لعقوبة ميكانيكية، بل يُستخدم بوصفه مبدأً تشريعيًّا أخلاقيًّا يهدف إلى حماية القيم الأساسية التي يقوم عليها الوجود الاجتماعي: النفس، المال، العقل، النسل، والدين. ولذلك، فإنّ العقوبات التي تُنسب إلى "الحُدود" في السياق القرآني — كالقصاص في القتل، أو الجلد في الزنا المعلن، أو قطع الأيدي في السرقة المنظمة — لا تُطبّق إلا حين يكون الفعل مصدر إفسادٍ واضح ومباشر في الأرض.
والسارق الذي يُشار إليه في قوله تعالى:
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ﴾ (المائدة: 38)
ليس من سرق رغيفًا جوعًا، بل هو من استباح حرمة الملكية وجعل من السرقة سلوكًا ممنهجًا، سواء كان فردًا أو عضوًا في شبكة إجرامية. وهذا النوع من السرقة لا يُهدّد مال فردٍ فحسب، بل يُفكّك الثقة الاجتماعية، ويُضعف ركائز الأمن الاقتصادي، ويُولّد حالة من الخوف العام — وهو ما يُعدّ "إفسادًا في الأرض" يستحقّ تدخلاً رادعًا.
وهنا، لا يُفهم "الحَدّ" كعقابٍ انتقامي، بل كـ "نكالٍ من الله"— أي تدبيرٍ قاطعٍ يمنع تكرار الفساد ويُعيد التوازن إلى المجتمع. فاللغة العربية تُعرّف "النَّكال" من الفعل "نَكَلَ يَنْكُلُ"، بمعنى الكفّ والانقطاع. يُقال: "نَكَلَ عن الشيء" إذا كفّ عنه وامتنع. والنكال إذًا هو العقوبة القاطعة التي تمنع عودة الفعل، كـ "الكيّ للجرح" لمنع العدوى.
وقد ورد مفهوم "النكال" في القرآن في سياقات متعددة تؤكد طبيعته الوقائية، لا الانتقامية:
في قصة أصحاب السبت: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ (البقرة: 66)، أي قطعًا للمخالفة في الحاضر، وزاجرًا للقادمين.
وفي حدّ السرقة: ﴿نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ﴾، أي إغلاقٌ لباب الاستهانة بحقوق الناس، وتأكيدٌ على حرمة الملكية كأساسٍ للاستقرار الاجتماعي.
وبالتالي، فإنّ "الحَدّ" في هذه الحالة ليس انتقامًا، بل رحمةٌ مقنّعة — عملية جراحية حكيمة تُقصَد بها:
قطع دابر الفساد، منع تكرار الانتهاك، وتثبيت العبرة للمتقين ليزدادوا إيمانًا وتقوى.
أما من سرق مرةً تحت ضغط الحاجة، أو خطأً، أو جهلًا، فلا يدخل في نطاق هذا الحكم، بل وجب معاينة ودراسة الأسباب التي أوصلته لما فعل، لأنّ فعله لم يُخلّ بالنظام العام، بل كان نتيجة ضعفٍ بشريّ يمكن معالجته بالتوبة، لا بالعقاب.
وهذا المبدأ يسري على جميع الجرائم التي وردت لها عقوبات صريحة في القرآن:
القتل العمد حده القصاص، لأنه أعظم إفسادٍ في الأرض.
الزنا المعلن (البغاء أو العلاقات الجنسية الممتهنة والمتكررة) حده الجلد، لأنه يهدّد نظام الأنساب ويُشيع الفاحشة.
السرقة المنظمة حدها القطع، لأنها تُهدّد الأمن المالي والاجتماعي.
شهادة الزور أو رمي المحصنات بالفاحشة دون بيّنة، هما أيضًا من الكبائر التي تُفسد العدالة، ولذلك جاءت آياتهما بعقوبات رادعة.
أما الأخطاء العابرة، أو الناتجة عن ضعف أو جهل، فلا "حَدّ" فيها، بل توبتها مفتوحة، وسترهـا مستحبّ، لأنّها لم تُخرِج فاعلها من دائرة الإيمان، ولم تُلحق ضررًا مجتمعيًّا مباشرًا.
وبهذا، يظهر أنّ التشريع القرآنيّ لا يُعاقب على النية السيئة وحدها، ولا على الزلّة العابرة، بل على السلوك المفسد الذي يُهدّد كيان المجتمع من الداخل. وهذا هو جوهر "الحَدّ" في رؤيته القرآنية الأصيلة: حماية الوجود، لا معاقبة الوجود.
5.6.6ملاحظة لغوية ودلالية: لماذا قُدّم «السارق» على «السارقة»، و«الزانية» على «الزاني»؟
إنّ تقديم «السارق» على «السارقة» في قوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: 38) لا يعود إلى اعتبارات زمنية، بل قد يعكس — في سياق الظاهرة التي يستهدفها التشريع — أنّ السرقة المنظمة، كسلوكٍ احترافي، تتطلّب اختراقًا للمجتمع وتخطيطًا وقدرةً على التحرّك في الفضاء العام. وهذه السمات في البنية الاجتماعية العامة غالبًا ما تكون أكثر ظهورًا لدى الذكور، ليس لأنّ المرأة لا تمتلكها، بل لأنّ طبيعة هذا النوع من الإجرام ترتبط — في الواقع الاجتماعي — بدورٍ غالبًا ما يمارسه الرجل. والقرآن في دقيق تعبيره لا يُطلق أحكامًا تعميمية، بل يصف الظاهرة كما تظهر في واقعها ليُصلحها لا ليُجمّلها. ومن هنا فإنّ التقديم قد يكون انعكاسًا لهذا السياق الغالب، دون أن يشكّل حكمًا أخلاقيًّا على أحد الجنسين؛ فالمرأة في البنية الاجتماعية العامة لا تُحرّك شبكات السرقة بل تُستخدَم فيها أحيانًا، بينما الرجل هو المُدبّر المُنظّم المُحرّك، ولذلك قُدّم «السارق» لأنه الفاعل الأصيل في هذا النوع من الإفساد.
أمّا في آية الزنا ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا...﴾ (النور: 2) فإنّ تقديم «الزانية» لا يعني أنها أكثر إثمًا، بل لأنّ الظاهرة المرئية — أي الواجهة المعلنة للفاحشة — تكون غالبًا أنثوية، فبيوت الدعارة والأسواق الجنسية والفضائح العلنية تُعرَض فيها المرأة كسلعة، بينما الرجل هو الطالب المُشتري المُتعدّد الباحث عن التغيير. والقرآن في دقيق تعبيره لا يُنكر هذه الحقيقة بل يُثبّتها في صيغة التقديم، فقدّم «الزانية» لأنها الوجه الظاهر للفاحشة المعلنة، لكنه جعل العقوبة واحدة لأنّ المسؤولية الأخلاقية الأعمق تقع على من يطلب ويُموّل ويُحرّك السوق، وهو الرجل. ومن هنا فإنّ الفاء في «فاجلدوا» ليست فاء تحقيق بل فاء تعقيبٍ مباشر، لأنّ «الزانية» و«الزاني» هنا معلومان بالضرورة — كمن يعمل في بيت دعارة أو يُعلن عن نفسه في فساد — فلا حاجة إلى شهودٍ ولا تحقيق، فالفعل مشهورٌ بذاته، والاسم معرَّفٌ بـ«ال»، والحكم واجب التطبيق.
وفي الحالتين — السرقة والزنا — لا يُعاقب القرآن على الزلّة بل على الاحتراف، ولا يُقدّم أحد الجنسين تفضيلًا بل تمييزًا دقيقًا في الأدوار: ففي السرقة الرجل هو المحرّك فقُدّم، وفي الزنا المعلن المرأة هي الواجهة فقُدّمت؛ لكنّ العقوبة واحدة لأنّ الجريمة مشتركة والمسؤولية مشتركة والفساد مشترك.
5.6.7الحدود الدنيوية: درءٌ للمفاسد لا عقوبةٌ على الأفراد
الحدود التي ذكرها القرآن — كالقطع في السرقة، والجلد في الزنا الممتهن وفي رمي المحصنات، والقصاص في القتل العمد — ليست عقوبات فردية انتقامية، بل هي تدابير اجتماعية وقائية تهدف إلى درء الفساد وحماية بنية المجتمع. فالله لا يُعاقب الإنسان في الدنيا لأنه «أخطأ» فقط، بل يُشرّع حدًّا حين يصبح الفعل مصدر إفسادٍ عام يهدّد الأمن أو المال أو الأنساب أو العدالة. أمّا العقوبة الفردية الحقيقية فهي في الآخرة، وقد يُعفى من الحدّ الدنيويّ من يستحقّ العذاب الأخرويّ، كمن أخفى جريمته ولم تظهر للناس.
وهذا يُظهر أنّ التشريع القرآنيّ لا يخلط بين مستويين: المستوى الاجتماعي حيث تُحمى الجماعة بالحدود، والمستوى الأخرويّ حيث يُحاسَب الفرد بعدلٍ مطلق. فالله رحيمٌ في حكمه الأخرويّ، حكيمٌ في تشريعه الدنيويّ، لا يُعاقب أحدًا في الآخرة إلا بعد وضوح الحجة، بينما يُقيم الحدّ في الدنيا لئلا تنتشر الفوضى وتنهار الثقة ويفسد الوجود الاجتماعيّ.
5.6.8معنى «اقطعوا أيديهما»: قطع القدرة لا تشويه الصورة
في قوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: 38) لا يُفهَم الأمر بالقطع على أنّه بترٌ جسديّ للعضو، بل توجيهٌ إلى حرمان السارق من القدرة على معاودة الإضرار. والدليل على ذلك ثلاث قرائن متضافرة، يشدّ بعضها بعضاً.
أولاها أنّ «اليد» في الاستعمال القرآني محمولةٌ في الغالب على القدرة والبطش والتصرّف، لا على العضو الجسدي وحده، كما في قوله ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ حيث الكسب فعلُ الإنسان كلّه لا كفّه، وقوله ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ أي أصحاب القوة والبصيرة. فقطع اليد في هذا المجرى قطعٌ للقدرة التي يُمارَس بها العدوان، أي تعطيلُ أداة الإفساد لا إتلافُ الجارحة.
وثانيتها أنّ الآية وصفت الحكم بأنّه ﴿نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ﴾، والنكال في القرآن تدبيرٌ وقائيٌّ زاجر يقطع تكرار الفعل ويُقيم العبرة، لا انتقامٌ يُراد به إيلام الجسد، كما تبيّن في شأن أصحاب السبت ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، حيث المقصود الزجرُ ومنعُ المعاودة. فلمّا كان مقصد الحكم النكالَ، كان الأنسب له ما يقطع القدرة على العود لا ما يُمثّل بالبدن.
وثالثتها — وهي أوثقها لأنّها من بنية الآية نفسها — أنّ النصّ أعقب الحكم مباشرةً بقوله ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾، ففتح بابَ التوبة والإصلاح بعد الحدّ. وهذا الختمُ يقتضي بقاءَ محلٍّ للعودة والإصلاح في الدنيا، وهو أمسُّ ما يكون بتدبيرٍ يمنع القدرة على الإفساد ويُبقي صاحبه قادراً على التقويم، منه بإتلافٍ للعضو لا رجعة فيه.
ويزيد هذه القراءةَ تماسكاً أنّ القرآن يُكرّم خِلقة الإنسان ويصفها بإحسان التصوير ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، فلا يُتوقَّع أن يكون مقصد التشريع تشويهَ ما أحسن الله تصويره ما دامت غايةُ الحدّ درءَ الفساد لا الإفسادَ في الخِلقة. وعليه فإنّ ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ توجيهٌ إلى السلطة بأن تقطع عن السارق المحترف قدرتَه على معاودة العدوان بما يحقّق غاية النكال — من حجزٍ ومنعٍ وتقييدٍ — حمايةً للمجتمع لا تمثيلاً بالإنسان. وبذلك يبقى التشريع متماسكاً مع نفسه: رحيماً في مقصده، حكيماً في وسيلته، حافظاً لصورة الإنسان حتى وهو يكفّ عدوانه.
5.6.9معنى "الظلم" في القرآن: الخروج عن نور الحقّ إلى ظلمات الجهل
القرآن يُعرّف «الظلم» لا كفعلٍ معزول، بل كحالةٍ وجودية شاملة تنبع من الانفصال عن منهج الحقّ. فالله يقول ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (إبراهيم: 1). فـ«الظلمات» هنا ليست مجرّد أخطاء فردية، بل هي الغوغائية الفكرية، والارتهان للأحكام القبلية والعصبية، والتمسّك بخرافات الآباء دون تمحيص، والعيش في واقعٍ مقلوب لا يتوافق مع بنية الوجود، والجهل المنظَّم الذي يُنتج الاعتداء على الحقوق، والعمى الوجودي الذي يجعل الإنسان يصطدم بالكون في كلّ خطوة. أمّا «النور» فهو الكتاب بوصفه هدىً ورحمةً، ومنهج التفكّر والتعقّل، والرؤية الواضحة للحقائق، والانسجام مع الواقع كما هو، والتمييز بين الصواب والخطأ، والأخلاق المستقيمة التي تنبثق من فهمٍ صحيح لأصل الوجود.
ومَثَلُ ذلك مَن يعيش في غرفةٍ مظلمة، كلّ حركةٍ منه تصدمه أو تؤذي غيره، لا يرى باب الخروج، يظنّ أنّ الجدران هي نهاية الكون؛ حتى إذا أُنزل عليه نورٌ — أي هداية — رأى الطريق وتحرّك بيقين ووصل إلى مراده دون ضررٍ لنفسه أو لغيره. ولذلك فإنّ قول الله ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (الزخرف: 76) لا يعني أنّه لم يُرسل لهم هداية، بل أنّهم رفضوا النور رغم توفّره، أو لم يطلبوا الخروج من الظلمة، فظلّوا يسيرون عُميانًا يُدمّرون أنفسهم ويُفسدون في الأرض.
فمن هو «الظالم» إذًا؟ هو من يختار أن يبقى في الظلمة، أو من يعرف الحقّ ثمّ يعرض عنه، أو من يستخدم النور ليعود إلى الظلام. والسارق الذي يُقام عليه الحدّ قد يكون من هؤلاء، لكن إن تاب وأصلح — أي طلب النور وسلك به وغيّر مساره — فإنّ الله يتوب عليه، لأنّ التوبة ليست ندمًا فقط، بل عودةٌ إلى منهج الحقّ وانخراطٌ في بنية الوجود الصالحة.
5.6.10توبة الله على من تاب من بعد ظلمه — حتى لو نُفّذ عليه الحدّ
بعد أن يُقام الحدّ على السارق والسارقة — أي يُحبسان أو يُحجَزان عن المجتمع لدرء الفساد — فإنّ باب التوبة لا يُغلق، بل إنّ القرآن يختم آية الحدّ مباشرةً بقوله ﴿فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِ﴾ (المائدة: 39). وهنا لا يُشترط أن يُلغى الحدّ الدنيويّ لكي يتوب الله عليه، لأنّ الضرر الاجتماعي قد وقع بالفعل، فالحدّ وظيفته اجتماعية، والتوبة علاقتها وجودية بين العبد وربّه.
فإن تاب السارق — أي رجع إلى نور الحقّ، وندم على خروجه من منهج الصلاح، وغيّر سلوكه — وأصلح — أي أعاد بناء علاقته بربّه على أساس العدل والعمل الصالح — فإنّ الله يتوب عليه أي يقبله، ويُعيد إليه رحمته، ويُدخله في دائرة الأمن الوجوديّ، حتى لو بقي في سجنه سنوات؛ لأنّ العقوبة الدنيوية ليست غايةً بل وسيلةٌ قد تكون بابًا إلى الهداية. فربّ سجينٍ تأمّل في فعله فاهتدى، وربّ حرٍّ تمادى في غيّه فضلّ. والله لا ينظر إلى مكان الإنسان بل إلى اتجاه سيره، فمن كان يسير في الظلمات ثمّ التفت إلى النور فإنّ رحمة الله سبقت عذابه، وإنّه غفور رحيم.
5.6.11خلاصة
إنّ آية السرقة في القرآن ليست نصًّا عقابيًّا جامدًا، بل هي وحدة تشريعية وجودية تُعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع في ضوء الهداية. فالقرآن لا يعاقب "من سرق"، بل يحدّد علاجًا اجتماعيًّا لـ"السارق والسارقة" — أي لمن جعل من السرقة هويةً أو حرفةً. وهذا التمييز، المبنيّ على دلالة "ال التعريف" وصيغة الاسم بدل الفعل، يفصل بوضوح بين الزلّة العابرة التي تحتاج إلى توبة وستر، والإجرام المنظم الذي يستدعي تدخّلًا رادعًا.
والحَدّ هنا ليس بترًا جسديًّا، بل قطعًا للقدرة على الإضرار — حجزًا، منعًا، تقييدًا — يهدف إلى درء الفساد وحماية بنية المجتمع، لا إلى إيلام الجسد. وهو بهذا ينتمي إلى المستوى الاجتماعي الوقائي، لا إلى المستوى الأخرويّ المحاسبي، حيث يعلم الله السرّ وأخفى، ولا يُعاقب أحدًا إلا بعد وضوح الحجة.
وحتى في أقصى حالات التطبيق، يبقى باب التوبة مفتوحًا: فمن تاب من بعد ظلمه — أي عاد من ظلمات الجهل والانفصال إلى نور الحقّ — وأصلح سلوكه، فإنّ الله يتوب عليه، حتى لو بقي محبوسًا سنوات. لأنّ الغاية ليست العقاب، بل إعادة الإنسان إلى صوابه، وإعادة المجتمع إلى توازنه.
وهكذا، يظهر أنّ التشريع القرآنيّ في قضية السرقة — كما في غيرها — لا يقوم على القسوة، بل على الحكمة، والرحمة، والعدالة الموزونة، التي تحمي الضعيف، وتكبح المفسد، وتفتح الطريق لكلّ تائبٍ مصلحٍ إلى رحمة الله الواسعة.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «السارق والسارقة»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث