- أصل الوجود
- العمران الإنسانيّ والتشريع
- النسخ ـ نسخ المستجدّ التشريعيّ بين الرسالات
النسخ ـ نسخ المستجدّ التشريعيّ بين الرسالات
5.14.1تمهيد: الإشكالية وجذرها
أفضت دعوى النسخ بمعنى إلغاء آيات التشريع بعضها ببعض في التنزيل ذاته إلى واحدة من أخطر الإشكاليات في تاريخ الفهم القرآني، إذ جعلت من التنزيل نصاً متناقضاً تُبطل آياته بعضها بعضاً، وهو ما يتعارض صراحةً مع وصف النصّ لنفسه ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ وقوله ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، فالكتاب الذي نفى النصّ الريب عنه نفياً قاطعاً لا يستقيم أن تُبطل آياتُه التشريعية بعضها بعضاً، إذ لو أبطل بعضُه بعضاً لكان ذلك عين الريب الذي نفاه عن ذاته، ولو كان فيه إلغاءٌ داخليّ لانتقض وصفه بالإحكام في هود 1، فكيف يجتمع نفيُ الريب وإحكامُ الآيات مع دعوى أنّ آيات التشريع يَنسخ بعضها بعضاً؟
وقد نشأت هذه الدعوى في أطوار متأخّرة عن عصر التنزيل، حين تشكّل علم أصول الفقه ودُوّنت قواعده، فاتُّخذت أداةً لتعطيل أحكام الكتاب وإحلال الاجتهادات الفقهية والأحاديث المخترعة محلّها، حتى بلغ الأمر أن ادّعى بعضهم نسخ خمسمائة آية أو يزيد، وهو رقمٌ يتجاوز مجموع آيات التشريع في الكتاب كلّه ربما.
ولا يعني هذا أنّ لفظ «النسخ» لم يَرِد على ألسنة المتقدّمين، فقد نُسب إلى عددٍ منهم كلامٌ فيه، غير أنّ التحقيق يكشف أمرين. الأول أنّ أكثر ما نُسب إليهم محمولٌ في معناه الواسع من التخصيص والتقييد والبيان ورفع حكم الشريعة السابقة، لا في المعنى الاصطلاحيّ الضيّق الذي استقرّ لاحقاً وهو إبطال حكم آيةٍ تشريعية بآيةٍ تشريعية أخرى في التنزيل الواحد. والثاني أنّ هذا المعنى الإبطاليّ الداخليّ إنّما تحرّر وتقعّد في طور التدوين الأصوليّ المتأخّر لا في عصر التنزيل، فبُني عليه ما بُني من دعاوى هدمت مئات الآيات. فالخلاف ليس في ورود اللفظ بل في المعنى الذي حُمّل عليه، وبين المعنيين بونٌ شاسع، إذ النسخ بمعناه الواسع متّسق مع ما يُقرّره هذا الفصل من نسخ المستجدّ التشريعيّ الظرفيّ بين الرسالات، أمّا الإبطال الداخليّ فهو الدعوى الدخيلة التي يُبطلها الاستقراء.
والاستقراء الداخلي يكشف أن هذه الدعوى لا أساس لها من النص، وأن النسخ الحقيقي الذي يتحدث عنه الكتاب هو نسخ المستجدّ التشريعيّ الخاصّ بين الرسالات لا نسخٌ لآيات التشريع بعضها ببعض في التنزيل الواحد، وأن ما يُظن أنه تعارض بين آيتين هو في الحقيقة تكامل وتفصيل لا إلغاء.
5.14.2آية البقرة 106 في سياقها الكامل
يستدل أصحاب دعوى النسخ الداخلي بآية واحدة يعزلونها عن سياقها ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، غير أن النصّ لا يُفهم إلا بسياقه الداخلي، والآيات التي سبقت هذه الآية مباشرة تُحدّد معناها تحديداً قاطعاً، إذ يقول الله تعالى قبلها ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ ۚ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 103]، ثم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 104]، ثم ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: 105].
والآية الأخيرة (105) مفتاحٌ بنيويّ بالغ الدقّة في تحديد طبيعة ما يُنسَخ، فقد جاء فيها تعبيران متلازمان يكشفان ماهيّة هذا «الخير» المنزَّل. الأول قوله ﴿أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾، فنُسب الخير «من ربّكم» نسبةً ربوبية، لأنه تشريعٌ مُسقَطٌ بما يحاكي زمن الرسالة الخاتمة وأحوال أمّتها، والإسقاط المحاكي للزمن صفةٌ ربوبية كما تأسّس في فصل الكتاب. والثاني ختام الآية ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، فردّ الاختصاص والفضل إلى الله تعبيراً عن أنّ مصدر هذا الخير إلهيّ في أصله لأنه تشريع ليس له حضور كوني. فاجتمع في الآية الواحدة وجها هذا «الخير»: تشريعٌ مصدره الله، مُسقَطٌ ربوبياً بما يحاكي زمن الرسالة الخاتمة، وهذا هو وصف المستجدّ التشريعيّ الخاصّ لا الكليّات الثابتة المشتركة.
والسياق بهذا واضح، فالحديث يدور عن أهل الكتاب والمشركين الذين لا يودّون أن يُنزَّل على المؤمنين خيرٌ من ربهم، والخير الذي تذكره الآيات هو تشريع الرسالة الخاتمة الذي جاء خيراً مما لديهم في صورته المستجدّة الخاصّة. فآية 106 جاءت استكمالاً لهذا السياق، ردّاً على اعتراض أهل الكتاب والمشركين، كأنّها تقول: ما ننسخ من تشريعٍ خاصٍّ بشريعةٍ سابقة نأتِ بخير منها أو مثلها في الرسالة الخاتمة، فلا يحزنوا على ما أُزيل ولا يتعجّبوا من التجديد.
وها هنا يتقرّر التمييز الحاسم: النسخ في الآية يقع على المستجدّ التشريعيّ الخاصّ بكلّ رسالة، أي ما كان طابعه زمنياً ظرفياً يحاكي زمن رسالته فيفقد خصوصيته بانقضائه، لا على الكليّات الثابتة المشتركة بين الرسالات. فتحريم القتل والزنا والسرقة والعدوان والربا، وصون نقل الثروة عبر الأجيال، والعدل والإحسان والاشراك والبغي وسائر المحرّمات الكبرى، ثوابت كليّة مشتركة لا تدخل النسخ بحال، لأنها لا تفقد خصوصيتها بتغيّر الزمن. والنسخ إنّما يجري في الصورة المستجدّة الظرفيّة التي تخصّ رسالةً دون أخرى.
وممّا يدقّق مدار الخطاب أنّ النصّ خصّ صنفين بأعيانهما ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾، ولم يذكر «الذين أوتوا الكتاب»، وهذا اختيارٌ بنيويّ متعيّنٌ لاستقامة المقصد لا انتقاءٌ عابر. فأهل الكتاب هم أتباع رسالة موسى أصحاب الأهلية الأصلية كما تأسّس في فصل الكتاب (3.3.2.9)، وهم أصحاب الشريعة السابقة الأصيلة. وعيسى لم يأتِ بكتابٍ جامعٍ جديد، بل نزل على كتاب موسى نفسه فلم يُبدِّله ولم يُنزَّل عليه جامعٌ بديل، إذ الكتاب الجامع نزل مرّتين فقط في تاريخ الرسالات، على موسى ثم على محمد، وأتباع عيسى أخذوه إرثاً من قوم موسى. ولذلك بقي النصارى يعتمدون في تشريعاتهم كتاب موسى نفسه. فالشريعة السابقة التي مسّها النسخ بمجيء القرآن هي شريعة موسى، وأصحابها الأصليون أهل الكتاب.
ومن هنا يتعيّن وصفهم بـ«أهل الكتاب» دون «الذين أوتوا الكتاب»، إذ الاستنكار على نسخ الشريعة لا يستقيم إلا ممّن الشريعةُ شريعتُه أصالةً، فهم أصحاب الأهلية الذين يرون مستجدّ شريعتهم يُنسَخ فيمتعضون. ولو قيل «الذين أوتوا الكتاب» لتعارض المقصد، إذ أتباع عيسى فرعٌ أُوتي الكتاب إيتاءً تابعاً لا أصحاب كتابٍ أصيل حتى يستنكروا نسخ مستجدّه. والمشركون هم قوم النبي ممن لم يؤمن به، عارضوا أصل التنزيل. فاجتمع الصنفان المعترضان: أصحاب الشريعة الأقدم التي مسّها النسخ، وقومُ النبي الرافضون له ابتداءً.
5.14.3محاولة الفتنة عن الوحي دليل على نسخ المستجدّ بين الرسالات
وممّا يُعضّد هذا الفهم أنّ أهل الكتاب لم يكتفوا بالرفض، بل ذهبوا إلى محاولة إقناع النبي بأنّ ما لديهم من شريعةٍ سابقة أحقّ بالاتباع ممّا أُنزل إليه، وكادوا يُوقعون في نفسه شيئاً من الميل إلى قولهم رغم بهتانه، حتى احتاج الأمر إلى تثبيت إلهيّ مباشر، يقول الله تعالى ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ، ثم ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74]، ثم ﴿إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: 75].
وهذه الآيات تكشف حقيقتين متلازمتين. الأولى أنّ أهل الكتاب كانوا يُنكرون أن يكون ما أُنزل على النبي خيراً ممّا لديهم، وهو بعينه ما أشارت إليه الآيتان 103 و105 من البقرة في السياق الذي أعقبته آية النسخ. والثانية أنّ الله ثبّت النبي على ما أُوحي إليه، وهذا التثبيت نفسه دليلٌ على أنّ ما أُنزل عليه هو الأحسن والأحكم، وأنّ نسخ المستجدّ التشريعيّ بين الرسالات لا يعني خطأً فيما سبقه، بل يعني الإتيان بمستجدٍّ خيرٍ منه أو مثله يحاكي زمن الرسالة الخاتمة وأحوال أمّتها.
فأهل الكتاب الذين امتعضوا من قوله تعالى ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ هم أنفسهم الذين حاولوا فتنة النبي عن وحيه، وجاء ردّ الله عليهم في الموضعين معاً: بالتثبيت في الإسراء، وبإعلان نسخ المستجدّ بين الرسالات في البقرة.
5.14.4الكتاب مكتمل لا نسخ فيه لآيات التشريع داخلاً
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ . الإكمال والإتمام يعنيان أنّ التنزيل وصل إلى نهاية مساره كوحيٍ منزَّل، فكيف تَنسخ آياتُه التشريعية بعضها بعضاً وقد أُكمل وأُتمّ؟ ولو صحّت دعوى النسخ الداخليّ لكان معناها أنّ التشريع جاء ناقصاً في أجزائه ثمّ اكتمل بنسخ بعضها، وهذا يتعارض مع وصف الله لكتابه بالإحكام والإتمام.
﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . فالقرآن تصديقٌ للمستجد التشريعي الذي بين يديه الخاص بالرسالة المحمدية وتفصيلٌ الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين، أي بيانٌ لأمّ الكتاب يحاكي زمن الرسالة في تفصيله، لا نصٌّ مرحليّ تُلغى أجزاؤه بمرور الزمن.
وأخطر من دعوى نسخ الحكم دعوى ابتدعها التراث سمّاها «نسخ التلاوة»، وهي زعمُ أنّ نصوصاً كانت قرآناً يُتلى ثمّ رُفع لفظها من المصحف وبقي حكمها، كرواية «عشر رضعات» ثمّ «خمس»، وما رُوي في «الشيخ والشيخة». ومعناها لو صحّت أنّ المصحف الذي بين أيدينا ناقصٌ عمّا أُنزل، وأنّ من القرآن ما ضاع ورُفع، وهي أخطر من نسخ الحكم لأنّها تطعن في تمام النصّ لا في أحكامه فحسب.
وهذه الدعوى تنهار من أساسها، لأنّها تستدلّ على نقصٍ في النصّ بروايةٍ من خارجه، والدليل الوحيد المقبول على قرآنيّة نصٍّ هو ثبوته في المصحف الذي أجمعت عليه الأمّة، وهذه النصوص المزعومة لا أثر لها فيه. فالرواية تزعم قرآناً لا وجود له في القرآن، وتشهد لنفسها بنفسها، والمتّهم لا يشهد لبراءته بشهادته.
ثمّ إنّ النصّ نفسه قد أرانا كيف يكون النسخ الحقيقيّ بآليةٍ مبيَّنة لا لبس فيها، كقوله ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ ، وقوله في وصف الرسالة الخاتمة ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157]، فهذا رفعُ مستجدٍّ ظرفيٍّ سابق مذكورٌ نصّاً مكشوفُ الآلية داخل النصّ. فهكذا يُعلّمنا النصّ النسخ، داخل النصّ بالنصّ، لا برواية من خارجه.
وفوق ذلك فإنّ النصّ نفى الريب عن ذاته نصّاً ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ، وما نفاه النصّ عن نفسه لا يُدخَل عليه من خارجه، فإثبات نقصٍ في النصّ المعصوم برواية ظنّية إدخالٌ للريب الذي نفاه النصّ عن ذاته، والنصّ أولى بنفسه وأصدق من روايةٍ تشهد عليه بما نفاه عن نفسه.
ولا يقف ردّ هذه الدعوى عند انتفاء الدليل، بل إنّ متون هذه الروايات نفسها تشهد ببُعدها عن نظم القرآن وإحكامه. فرواية «عشر رضعات يُحرّمن» ثمّ «خمس» تُعلّق التحريم على عددٍ مجرّد لا علّة جامعة فيه، فما الذي يجعل العاشرة تُحرّم ثمّ تُرفع لتُحرّم الخامسة؟ وهل تبدّلت طبيعة اللبن حتى يتبدّل العدد؟ والقرآن إنّما ربط الرضاع بالعلاقة والحَولين ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ لا بعدٍّ يُحصى ويُنسخ.
ورواية «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما» تُعلّق حدّاً خطيراً على وصفٍ لا ينضبط، فمتى يصير المرء شيخاً؟ وما حال من دونه سنّاً، أيُرجم أم لا؟ وكيف يُعلم أنّ هذا شيخٌ وتلك شيخة؟ والقرآن لا يعرف «الشيخة» وصفاً للمرأة أصلاً، إنّما العجوز والمرأة، فحدٌّ بهذه الخطورة معلّقٌ على وصفٍ غامض يناقض دقّة القرآن في حدوده وضبطه لها.
وأمّا ما رُوي في «قرّاء بئر معونة» من نصٍّ يُتلى عنهم، فالقرآن يهدمه من وجوه. أوّلها أنّ شهداء بدرٍ وأُحُدٍ والأحزاب أولى بالذكر وأعظم أثراً، فتخصيص واقعةٍ بعينها بنصٍّ متلوٍّ دون من هم أولى تخصيصٌ بلا مخصِّص. وثانيها أنّ القرآن أدّى هذا المعنى بنظمه المحكم فأغنى عن كلّ منحول ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ ، فهذه حياة من قتل في سبيل الله وفرحهم واستبشارهم بمن خلفهم، بنظمٍ معجز يُغني عن كلّ ما نُسب إليهم زوراً. وثالثها أنّ «عند ربّهم» لا تفيد مكاناً ولا رؤيةً، بل تفيد أنّهم لم يخرجوا من نسيج الوجود الذي يدبّره الرب، على ما يتبيّن في موضعه من الفرق بين ما هو «عند الرب» مدرَجاً في النسيج وما هو «عند الله» متجاوزاً له. ورابعها أنّ القرآن قطع بأنّنا لا نشعر بحياتهم ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ ﴾ [البقرة: 154]، فلو كانوا يُبلّغوننا فنتلو تبليغهم نصّاً لشعرنا بهم، فنفيُ الشعور عنّا ينقض زعمَ أنّهم خاطبونا بنصٍّ مقروء.
فهذه المتون التي يُعجز أصغرُ نظمٍ في القرآن أعتى المتكلّمين عن محاكاته، تنحدر إلى ما لا ينتمي إلى كلام الله بنيةً ولا معنى. فإذا اجتمع انتفاءُ الدليل على قرآنيّتها إلى شهادة متنها على نفسه، تبيّن أنّ دعوى نسخ التلاوة افتراءٌ على القرآن لا نسخ فيه.
5.14.5آية الرعد: مفتاح الثابت والمتغيّر
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ . هذه الآية مفتاحٌ جامع لفهم النسخ، وهي تكشف عن مستويين متمايزين لا يختلطان.
المستوى الأول أمّ الكتاب، وهي الكليّات التشريعية الإلهية الثابتة التي لا تتغيّر ولا تُمحى عبر الرسالات، فالله ثابت مطلق فما يصدر عن ذاته المطلقة بمصدرية أمرية ثابتٌ لا يُنسَخ. وقد أجمل النصّ هذه الثوابت في آية جامعة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ، فالعدل والإحسان وتحريم الفحشاء والمنكر والبغي لم تتغيّر من نوح إلى محمد ولن تتغيّر، لأنها من أمّ الكتاب.
والمستوى الثاني ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، وهو المستجدّ التشريعيّ الظرفيّ الذي يُسقَط ربوبياً ليحاكي زمن كلّ رسالة، فهذا هو محلّ المحو والإثبات، يُمحى منه ما انقضى زمنه ويُثبَت ما يحاكي الزمن الجديد، دون أن تُمَسّ أمّ الكتاب الثابتة عنده.
وها هنا يجب ضبطُ تمييزٍ بالغ الدقّة لئلا يقع الخلط. فالكليّات الثابتة لها تفصيلٌ ربوبيّ يحاكي زمن كلّ رسالة كما تأسّس في فصل الكتاب (3.3.2.6)، بنصّ ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ ... مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وهذا التفصيل المتجدّد ليس نسخاً ولا محواً، بل بيانٌ متجدّد للكليّ الثابت يحاكي تطوّر الناس وأحوالهم، فلكلّ رسالةٍ تفصيلُها الذي يخصّ زمنها، وتفصيلُ الرسالة السابقة لم يكن باطلاً ثمّ أُبطل، بل كان حقّاً في زمنه. فالمحو والإثبات في الرعد لا يقع على الكليّ ولا على تفصيله المتجدّد، بل على المستجدّ التشريعيّ الظرفيّ وحده، الذي يفقد خصوصيته بانقضاء زمن رسالته.
5.14.6النسخ الحقيقي: نسخ المستجدّ الظرفيّ بين الرسالات
النسخ الحقيقيّ الذي يتحدّث عنه النصّ لا يقع على الكليّات الإلهية الثابتة، ولا على تفصيلها الربوبيّ المتجدّد، بل يقع على المستجدّ التشريعيّ الظرفيّ الذي تختصّ به كلّ رسالة. وهذا تمييزٌ بنيويّ بالغ الدقّة يجب ضبطه قبل كلّ شيء، لئلا يُظنّ أنّ المنسوخ هو جوهر التشريع أو كلياته الكبرى.
فالكليّات المشتركة، من تحريم القتل والزنا والسرقة والعدوان والربا، وصون نقل الثروة عبر الأجيال، والعدل والإحسان وتحريم الفحشاء والمنكر والبغي، ثوابت أزلية من أمّ الكتاب، تنسب لله بمصدرية أمرية، لا تُمَسّ ولا تُنسَخ ولا تتبدّل من نوح إلى محمد. وهذه ليست محلّ النسخ بحال، لأنّها لا تفقد خصوصيتها بتغيّر الزمن، بل تبقى عابرةً لكلّ الأمم والعصور.
وأمّا الذي يُنسَخ فهو ما كان طابعه زمنياً ظرفياً لا كلياً ثابتاً، أي المستجدّ التشريعيّ الذي خُصّت به رسالةٌ بعينها ليحاكي زمنها وأحوال أمّتها. وهذا المستجدّ تشريعٌ مصدره الله في أصله، لكنّه أُسقِط ربوبياً في الرسالة ليناسب ظرفها، فإذا انقضى زمن تلك الرسالة وجاءت الرسالة التالية نُسِخ هذا المستجدّ وجاء خيرٌ منه أو مثله بما يحاكي الزمن الجديد، وهذا عين ما تكشفه آية البقرة 106 ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، فالبديل إمّا أحسن ممّا قبله في نتائجه، أو مثله في جوهره وإن تغيّرت صورته بما يناسب المرحلة الجديدة.
ولأنّ النصّ لم يُسمِّ على وجه التحديد ما نُسِخ من المستجدّات الخاصّة بالرسالات السابقة، فإنّ المنهج البنيويّ يقف عند ما وقف عنده النصّ، فلا يخترع أمثلةً لمنسوخٍ لم يكشفه القرآن، ويكفي أن يتقرّر أنّ النسخ واقعٌ على هذا الصنف الظرفيّ وحده، دون الجزم بتفاصيل ما لم يُبَيِّنه النصّ.
وللنسخ في هذا الصنف الظرفيّ صورتان يكشفهما لفظ الآية. الصورة الأولى النسخ، وهو إزالة مستجدٍّ ظرفيّ سابق واستبداله بما هو خير منه في نتائجه. والصورة الثانية الإنساء بنصّ ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾، وهو إزالةٌ تدريجية ديناميكية يُترَك فيها الحكم حتى يُنسى في الواقع الاجتماعيّ ليحل محله مستجد خير منه، لأنّ الإلغاء الفوريّ لأمرٍ متجذّر في بنية المجتمع يُخلّ بالنظام، فيجري الرفع تدرّجاً صوناً للنسيج الاجتماعيّ من صدمة القطع المفاجئ.
5.14.7المستجدّ التشريعيّ المحمدي ـ سورتا النساء والنور نموذجاً
لمّا كان النسخ واقعاً على المستجدّ التشريعيّ الظرفيّ لا على الكليّات الثابتة، حَسُن أن يُستجلى هذا المستجدّ في أوضح صوره، حيث تتجلّى سورتا النساء والنور نموذجين للتشريع المستجدّ الذي اختُصّت به الرسالة الخاتمة. وترتيلُ تشريعات النساء يكشف بنيةً من المستجدّ، منها ما هو إنشاءٌ جديد، ومنها ما هو رفعٌ لحكمٍ سابق، ومنها ما جاء خيراً ممّا قبله أو مثله. وكلّ هذا المستجدّ وتفصيلُه ينسب لله بمصدرية أمرية لا لرب العالمين، لأنه نزل محكماً ومفصّلاً في زمن الرسالة الواحد، لم يطرأ عليه تدرّجٌ زمنيّ بين رسالتين حتى يكون تفصيله ربوبياً محاكياً لزمنٍ لاحق، بخلاف تفصيل المحكمات الأزلية المنسوب لرب العالمين كما تأسّس في فصل الكتاب (3.3.2.6 و3.3.2.7).
فمن مستجدّ النساء أمرُ اليتامى والقسط لهم، حيث فُتح بابٌ كان محكماً في الرسالات السابقة بحرمة الارتباط بامرأةٍ غير الزوجة، ففُتح بالارتباط بعقد نكاحٍ من امرأةٍ خصيصةٍ بيتيمها قسطاً لليتيم ليكون له أب، لا للشهوة ولا للتعدّد، بنصّ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾، وما اتّصل بذلك من معاملة اليتامى بالقسط فيما أوردته الآيات قبلاً وتباعاً، فالقسط لليتيم أن يكون له أب، والارتباط بأمّه يحقّق له هذا القسط.
ومنه التشريع المستجدّ في الوصية وحيثياتها وتفاصيل نقل الثروة، الذي جاء بتفصيلٍ جديد ربما لم يكن مماثلاً لما سبق من الرسالات، وقد فُصّل ذلك في موضعه (5.9 الميراث والوصية ونقل الثروة).
ومنه الحدّ المترتّب على المثلية الأنثوية والمثلية الذكورية وما يترتّب عليهما من حكمٍ مذكورٍ نصاً، وفيه فصلٌ تفصيليّ (5.7 الزانية والزاني والفاحشة)، وربما يكون فيه تغييرٌ في الحدود والعقوبات عمّا سبق.
ومنه تحريم أن تكون المرأة محلّ توارثٍ بين أبناء الميت، وليس الحديث عن الأمّ بل عن حالات النكاح بعقودٍ غير الأزواج، بنصّ ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، فحُرّم أن تكون تلك المرأة محلّ إرثٍ للأبناء، وربما كان هذا متاحاً فيما مضى فحُرّم.
ومنه فتح باب استبدال الزوجة عند تعسّر البقاء والخلاف بينهما، لكن بشروطٍ واضحة بنصّ ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾، ضمن شروط الطلاق المنصوص عليها في سورة البقرة وأحكامها المفصّلة، وربما لم يكن ذلك مسموحاً فيما مضى.
ومنه تحريم نكاح ما نكح الآباء من عقود الارتباط في النكاح، وليس الحديث عن الأزواج لأن الأزواج هم الأمهات، بنصّ ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، وربما كان هذا متاحاً فيما مضى فحُرّم في رسالة النبي محمد.
ومنه المحرمات في النكاح، وهي تحريمٌ شموليّ أبديّ، بنصّ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. وهذا الأصل تحريمٌ كليّ، لكنّ ما يتجلّى فيه من المستجدّ هو ما ربما ناسب إعادةَ ترتيب المحرمات لِما شملها من تعديلات، والأغلب إضافةٌ عليها كالجمع بين الأختين وحلائل الأبناء، ثم أُضيف بآيةٍ خاصة تحريمُ المحصَنات من النساء، وهو موضع دقيق، إذ المحصَنة هي البنت العفيفة البكر التي تريد زوجاً لا عقد نكاح، وتفصيل ذلك في الفرق بين الزواج والنكاح، وربما تلك الإضافات لم تكن فيما مضى من الرسالات. ويتأكّد أن هذا المستجدّ وتفصيله ينسب لله لا لرب العالمين، إذ نزل تحريم المحصَنات وتفصيلُه متزامنين في زمن الرسالة الواحد، فجاء تفصيله في الآية التالية له مباشرةً، لا في زمنٍ لاحق يحاكيه ربوبياً.
ومنه التيمّم رخصةً عند تعذّر الماء، بنصّ ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
ومن أهمّ ما استجدّ في الرسالة المحمدية الإنزالُ التشريعيّ لبناء المجتمع المدنيّ، بناءِ دولةٍ جامعة لكلّ الطوائف، بنصّ ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، وبيانُه تفصيلاً في فصل مراتب الطاعة (5.5)، وهو إعلانٌ لمجتمعٍ مدنيّ لم يعهده عهدٌ مضى.
ومنه القتال، فقد كان فيما سبق لا يكون بدون إذنٍ من الله، أمّا في الرسالة المحمدية فوُضعت له نُظُمه وقوانينه وصار أمراً سارياً للدفاع عن النفس والعرض والأرض، بنصّ ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وقوانينه مفصّلة في نصّ السورة. وممّا يكشف إحكام البناء أنّ منظومة القتال جاءت في السورة تاليةً لمنظومة بناء المجتمع والدولة، إشارةً إلى أنّ كلّ دولةٍ تبني مجتمعاً مدنياً يلزمها نظامُ دفاعٍ عامّ مؤسَّسٌ منظَّم يصونه، فجاء الترتيب منظَّماً: نظامُ بناء الدولة أولاً، ثم نظامُ القتال الدفاعيّ بمنظومته كاملاً.
وتشاركها سورة النور في غزارة المستجدّ التشريعيّ، فمنها حدّ الزانية والزاني بنصّ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، وحدّ القذف بنصّ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، واللعان بين الزوجين عند الرمي بنصّ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾، وآدابُ الاستئذان ودخولِ البيوت بنصّ ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾، وغضُّ البصر وحفظُ الفرج بنصّ ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، وأدبُ الاستئذان في العورات الثلاث، وأدبُ الجماعة مع وليّ الأمر في الأمر الجامع بنصّ ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ﴾، فيتأكّد أنّ طاعة الله ورسوله خيطٌ مستجدّ ممتدّ عبر سور الرسالة الخاتمة.
وكلّ هذه المستجدّات من النساء والنور تشريعٌ خاصّ بالرسالة المحمدية، نزل محكماً ومفصّلاً في زمنها، ينسب لله بمصدرية أمرية. وهي الصنف الذي يقع عليه النسخ بين الرسالات، إذ منها ما هو رفعٌ لمستجدٍّ ظرفيّ سابق، ومنها ما جاء خيراً ممّا قبله أو مثله بما يحاكي زمن الرسالة الخاتمة. ولا يدخل في هذا النسخ شيءٌ من الكليّات الثابتة التي تعبر الرسالات، بل المستجدّ الظرفيّ وحده.
5.14.8النماذج التطبيقية: افتراء النسخ الداخلي وإبطاله من داخل النصّ
استقرّ في الفهم المتأخّر نسخ كثيرٍ من أحكام التشريع داخل التنزيل ذاته، وكلّ دعوى من هذه الدعاوى تصطدم بأدلّة نصّية داخلية لا يمكن تجاوزها حين يُعاد الاستقراء الداخليّ بمنهج النصّ يفسّر نفسه. وفيما يلي خمسة نماذج من أشهر هذه الدعاوى وأخطرها.
النموذج الأول ـ الوصية: افتراء النسخ وإبطاله
من أشهر استقرّ في الفهم المتأخّر القولُ نسخه آيةُ الوصية ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ، وقال الفقهاء إنها نُسخت بآيات الفرائض في النساء وبحديث «لا وصية لوارث»، وهذا الادّعاء يصطدم بأدلّة قرآنية داخلية لا يمكن تجاوزها.
الدليل الأول أنّ الآيات التالية مباشرةً تفترض بقاء الوصية ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ و﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 182]، فالتحذير من تبديل الوصية بعد سماعها يفترض قطعاً أنها قائمة واجبة النفاذ، ولا يُحذَّر من تبديل شيء مُلغى، فهاتان الآيتان وحدهما تُبطلان دعوى النسخ من داخل النصّ ذاته.
الدليل الثاني أنّ المائدة شرّعت نظاماً كاملاً لتوثيق الوصية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ ، والمائدة من أواخر ما نزل، ولا يُشرَّع نظام توثيق لحكم منسوخ، وافتتاحُها بنفس التركيب ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ تأكيدٌ صريح على استمرار الخطاب ذاته من البقرة إلى المائدة.
الدليل الثالث أنّ الفرائض لا تجتمع مع الوصية بل تسدّ غيابها، فدعوى النسخ نشأت من خلطٍ بين مستويين، والمنظومة القرآنية الحقيقية ثلاث حالات متكاملة لا يُلغي بعضها بعضاً. فمن أدرك أجله وأنشأ وصيته الشاملة الموثّقة ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ بالتعريف في البقرة 180 تُنفَّذ وصيته كاملةً ولا فرائض على ما أوصى به. ومن فاجأه الموت فأوصى بأمرٍ محدّد بعينه ﴿وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا﴾ بالتنكير مع الضمير في آيات النساء، والضمير «بها» يُفيد أنها وصية بشيء محدّد بعينه كقوله البيت للأمّ أو لفلانٍ عليّ دَينُ كذا، فتُنفَّذ هذه الوصية المحددة أولاً ثم تأتي الفرائض على ما تبقى. ومن مات فجأةً دون أيّ وصية لا شاملة ولا محددة فتدخّل الله ليُوصي عنه ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ فتُطبَّق الفرائض على كامل التركة. فآيات النساء لا تُلغي آية البقرة ولا تجتمع معها، بل كلّ واحدة منها تعالج حالةً مختلفة في منظومة تشريعية متكاملة تستوعب الإنسان في كلّ أحواله عند الموت.
الدليل الرابع أنّ الصيغة التشريعية تستحيل معها دعوى النسخ، فقد جاءت الوصية بصيغة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ وهي ذات الصيغة التي فُرض بها الصيام ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ والقصاص ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾، فإذا كان الصيام والقصاص محكمين فكيف يُنسَخ ما جاء بنفس الصيغة ونفس المستوى؟
وأمّا حديث «لا وصية لوارث» فلا يعارض الآية، فاللام في ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ليست لام تمليك بل لام اختصاص بحقّ الإيصاء، أي أنّ حقّ هندسة الوصية مخصوصٌ بالموصي نفسه لا بالوارث. فالآية تقول إنّ حقّ الإيصاء للموصي، والحديث يقول إنّ الوارث لا يحقّ له إملاء وصية لنفسه، وكلاهما يحمي إرادة المحتضِر من التلاعب ولا يتعارضان. فدعوى النسخ هنا نشأت من سوء فهم اللام، أنتج سوء فهم الحديث، أنتج دعوى النسخ، وكلّ هذا البناء يسقط حين يُعاد الاستقراء الداخليّ بأدواته الصحيحة.
النموذج الثاني ـ آية السيف: افتراء النسخ وإبطاله
ذهب جمعٌ من الفقهاء أنّ آية واحدة من سورة التوبة نسخت ما يزيد على مئتي آية من آيات الصبر والعفو والسلم، وهو أشدّ ادّعاءات النسخ خطورةً وأبعدها عن منهج الاستقراء الداخليّ، والآية المدّعى بها ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾
.
الدليل الأول أنّ البراءة في مطلع التوبة مدنية اجتماعية لا عقدية، فالمفتاح الذي يُفتح به فهم هذه الآية هو فهم معنى البراءة من الله ورسوله في مطلع السورة. فصيغة ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بهاء التبعية وسمٌ إيمانيٌّ للملّة المحمدية يجمع الكلّيات الثابتة الجامعة والمستجدّ المحمديّ، لا الإيمان العقديّ الفكريّ الخاصّ. والبراءة في مطلعها لم تقع على مخالفةٍ في الإيمان العقديّ، بل على نقض الكلّيات الإنسانية المشتركة التي يقوم عليها العقد المدنيّ، من عدلٍ وأمانة وصونٍ للحقوق وحفظٍ للعهد وسلمٍ أهليّ، وهي الثوابت الجامعة العابرة للملل كما تأسّس في فصل مراتب الطاعة (5.5.4.1 وما يليها). وعليه فالبراءة في مطلع التوبة ليست براءة من الإيمان العقديّ، بل براءة من العهد المدنيّ المنقوض، والمشركون الذين تبرّأ منهم الله ورسوله هم فئة بعينها نقضت عهدها الاجتماعيّ مع المجتمع المسلم وأبت الاستقامة فيه، لا كلّ مشركٍ في كلّ زمان ومكان.
الدليل الثاني أنّ السياق يُحدّد الفئة المقصودة تحديداً قاطعاً، فالآية مقيّدة بشرطٍ زمنيّ محدّد ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾، وهذه الأشهر مهلةُ أربعة أشهر مُنحت لمشركين بعينهم نقضوا عهدهم، فالأمر بالقتال مشروطٌ بانتهاء هذه المهلة في حقّ هؤلاء الناقضين المحدّدين لا في حقّ كلّ مشرك. وقد كشفت الآيتان التاليتان طبيعة هؤلاء ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ و﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: 10]، فكفرهم هو نقض الذمة والإلّ وعدم احترام العهد والاعتداء على المجتمع، وهو كفرٌ مدنيّ اجتماعيّ لا عقديّ، ووصفهم بالمعتدين لا بالكافرين بالعقيدة هو الدليل القاطع.
الدليل الثالث أنّ الآية التالية مباشرةً تُبطل دعوى النسخ من أساسها ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ ، فالآية التي تلي آية السيف مباشرةً تأمر بإجارة المشرك وإيصاله إلى مأمنه، فكيف تنسخ آيةٌ ما يليها مباشرةً؟ ولو كان الأمر بقتل المشركين عاماً مطلقاً لما كان للإجارة معنى، فوجود الآية 6 دليلٌ قاطع على أنّ الآية 5 تتحدّث عن فئة محددة في ظرفٍ محدّد لا عن حكمٍ مطلق ناسخ.
الدليل الرابع أنّ الأصل السلم لا القتال ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ﴾ ، فمن أوفى بعهده من المشركين يجب الوفاء بعهده، فالأصل السلم والعهد لا القتال، والقتال استثناءٌ مشروط بالنقض والاعتداء لا قاعدة عامة ناسخة.
الدليل الخامس أنّ النسخ مستحيلٌ زمنياً، فالقاعدة المتّفق عليها عند القائلين بالنسخ أنّ الناسخ لا بدّ أن يأتي متأخّراً زمناً عن المنسوخ، وهذا الشرط منتفٍ من وجهين قاطعين. الأول آية الأنفال ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ، وهي مدنية نزلت في سياق الحرب ذاته وتأمر بقبول السلم متى عُرض، فلو كان القتال واجباً مطلقاً بآية السيف لما كان لهذا الأمر معنى، بل وجودها دليلٌ قاطع على أنّ القتال مشروطٌ بالاعتداء لا مطلق. والثاني آية الممتحنة ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]، وهي نزلت في نفس المرحلة التي نزلت فيها التوبة أو بعدها، وتأمر صراحةً بالبرّ والقسط مع كلّ من لم يُقاتل المسلمين ولم يُخرجهم من ديارهم، فكيف تنسخ آيةُ التوبة هذه الآية وهي معاصرة لها أو متأخّرة عنها؟ فدعوى النسخ تسقط من أساسها الزمنيّ قبل أن تُناقش من جهة المعنى والسياق.
والأثر الوجوديّ والحضاريّ لافتراء النسخ في آية السيف لم يكن مجرّد خطأ فقهيّ في فهم آية، بل كان انقلاباً كاملاً في طبيعة علاقة الأمة بمحيطها الإنسانيّ وبمبدأ العدل الإلهيّ ذاته. فحين فُهم الإيمان بالله ورسوله على أنه إيمان عقديّ فكريّ خاصّ لا التزامٌ بالكلّيات الإنسانية الجامعة والسلم الأهليّ المشترك، انقلب مفهوم الكفر معه انقلاباً خطيراً، فأصبح الكافر في الفهم التراثيّ هو كلّ من لم يشارك المسلمين منظومتهم العقدية الخاصة لا من نقض العهد واعتدى وأبى الاستقامة في المجتمع. وبهذا الانقلاب انتقلت الأمة من أمّةٍ تُقاتل الاعتداء إلى أمّةٍ تُعادي الاختلاف، ومن أمّةٍ دعوتها العدل والإحسان إلى أمّةٍ حدّها العقيدة لا الأخلاق.
وترتّب على هذا الفهم المنقلب أثران حضاريان بالغا الخطورة. الأول عزل الأمة عن محيطها الإنسانيّ، فحين جُعل كلّ غير مؤمنٍ بالمنظومة العقدية في دائرة العداء الافتراضيّ انقطعت الأمة عن إنسانيتها المشتركة مع بقية البشر، وهذا يناقض صريح القرآن الذي جعل الوصايا الأخلاقية الجوهرية ثوابت إلهية موجّهة للإنسان بوصفه إنساناً لا بوصفه مؤمناً بشريعة بعينها، فالعدل واجبٌ مع كلّ أحد ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ بلا استثناء ولا قيدٍ بعقيدة. والثاني وهو أشدّ خطورةً تقييد حرية الفكر والعقيدة، فحين أصبح الكفر الموجب للعداء هو الاختلاف العقديّ لا الاعتداء المدنيّ تحوّل الدين من منهجٍ للعدل والتعايش إلى سلطة إكراهٍ على الضمير، وهذا يناقض ما أسّسه القرآن صراحةً ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256] و﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: 54] و﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]. فالإيمان العقديّ حرية مطلقة لا يملك أحدٌ انتزاعها من أحد، والعلاقة بين الناس تُبنى على الكلّيات الإنسانية المشتركة
لا على توافق العقائد الخاصة، ومن جعل آية السيف ناسخةً لمئتي آية لم يخطئ في الفقه وحده، بل أسقط من التشريع القرآنيّ أهمّ ثوابته الإنسانية، وهي أنّ العدل والإحسان واجبان مع كلّ الناس وأنّ حرية الفكر والعقيدة مصونة بنصّ القرآن.
النموذج الثالث ـ آيات الصبر والعفو المكية: القول بالنسخ ومراجعته
ذهب جمعٌ من الفقهاء إلى أنّ آيات الصبر والعفو التي نزلت في مكة نُسخت بآيات القتال التي نزلت في المدينة، ويتبيّن بالاستقراء وجهٌ أدقّ يتّسق مع السياق القرآنيّ. فآيات الصبر والعفو لم تنزل في فراغ، بل نزلت في سياقٍ محدّد هو حال المسلمين المستضعفين في مكة الذين لا طاقة لهم بالقتال، والصبر في ذلك السياق ليس ضعفاً بل هو الحكمة التشريعية الربوبية التي تُناسب الواقع ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ .
ثم لمّا تغيّر السياق وقامت للمسلمين دولة ونُقضت عهودهم جاء تشريع القتال الدفاعيّ في موضعه، وهذا ليس نسخاً للصبر بل تجلٍّ ربوبيّ يُناسب الواقع الجديد، وقد بقي الصبر مأموراً به حتى في المدينة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . فالصبر لم يُنسَخ في المدينة بل بقي مأموراً به في سياقه، والقتال جاء في سياقه، ولكلّ منهما موضعه ومقامه. والجامع بين الحالين ثابتٌ إلهيّ واحد لم يتغيّر وهو حفظ الحقّ ودفع الظلم، غير أنّ التجلي الربوبيّ لهذا الثابت تكشّف بحسب ما يناسب كلّ مرحلة، الصبر حين تكون القوة للظالم، والقتال الدفاعيّ حين تكون للمظلوم قدرة على ردّ الاعتداء. فهذا هو النسخ الحقيقيّ، لا إلغاء الصبر بالقتال، بل تجلٍّ ربوبيّ مرنٌ لثابتٍ إلهيّ واحد.
النموذج الرابع ـ عدة المتوفّى عنها والمتعة: القول بالنسخ ومراجعته
ذهب جمعٌ من الفقهاء إلى أنّ آية البقرة التي تُقرّر للمرأة حقّ السكن والمعيشة حولاً كاملاً بعد وفاة زوجها قد نُسخت بالآية التي تُحدّد عدتها بأربعة أشهر وعشر، ويتبيّن بالاستقراء أنّ الأمر قام على خلطٍ بين موضوعين مختلفين، فالآيتان تعالجان أمرين متمايزين لا يتعارضان.
فالآية الأولى موضوعها العدة وشرط الارتباط ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . فموضوعها مدة العدة، أي انتظار المرأة قبل أن تُقدِم على الارتباط بآخر، وقوله ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالباء للإلصاق والتحديد، أي إذنٌ بأمرٍ واحدٍ محدّد مشروطٍ بانقضاء العدة وهو الارتباط بآخر بالطريقة المعروفة عرفاً وأدباً. والدليل القاطع على أنّ الموضوع هو الارتباط والنكاح الآيةُ التي تليها مباشرةً ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235]، فالآية تتحدّث مباشرةً عن الخطبة والتلميح والتواعد وعقد النكاح، فما الذي يجعل الكلام ينتقل فجأةً إلى هذه المواضيع إلا أنّ الآية السابقة كانت تتحدّث عن الإذن بالارتباط بعد انقضاء العدة؟ فالسياق يُثبت أنّ موضوعها العدة والارتباط لا السكن والمعيشة.
والآية الثانية موضوعها المتعة والسكن ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . فموضوعها حقّ المرأة في السكن والمعيشة في بيت زوجها المتوفّى حولاً كاملاً، حتى لو كان البيت مأجوراً أو ليس ملكاً لها، فيثبت لها حقّ المتاع أي النفقة والإقامة سنةً كاملة، وقوله ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ﴾ بـ«من» التبعيضية، أي خروجٌ متعدّد متكرّر لقضاء الحاجات اليومية والأمور المعيشية لا أمرٌ واحد محدّد، فإن هي خرجت من المنزل لقضاء شؤونها فلا حرج. والدليل القاطع على أنّ الموضوع هو المتاع والمعيشة الآيةُ التي تليها مباشرةً ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241]، فالموضوع واحدٌ ممتدّ هو حقّ المتعة والمعيشة، مرةً للمتوفّى عنها ومرةً للمطلقة، وهذا يُثبت أنّ الآية السابقة لم تكن تتحدّث عن العدة أصلاً بل عن حقّ السكن والمعيشة.
والفرق اللغويّ الفاصل بين الآيتين دقيق، ففي الأولى ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالباء للإلصاق والتحديد، أمرٌ واحدٌ محدّد هو الارتباط بآخر بعد انقضاء العدة، وفي الثانية ﴿مِن مَّعْرُوفٍ﴾ بـ«من» للتبعيض، أفعالٌ متعددة متكررة هي الخروج لقضاء الحاجات المعيشية، فحرفٌ واحد يُثبت أنّ الآيتين تتحدّثان عن موضوعين مختلفين لا يلتقيان. فالآيتان تتعاضدان في منظومة تشريعية متكاملة تعالج وضع المرأة بعد فراق الزوج من جوانب مختلفة، العدة مدةُ الانتظار قبل الارتباط، والمتعة حقُّ السكن والمعيشة حولاً كاملاً، وما بينهما تفصيلُ أحكام الخطبة والنكاح، ثم امتدادُ حقّ المتاع ليشمل المطلقة، فلا يُلغي بعضها بعضاً بل يكمّل بعضها بعضاً.
النموذج الخامس ـ النجوى وعدد المقاتلين: حكمٌ قرآنيّ ثمّ تخفيفه لا نسخ
وأدقّ ما يُستأنس به للقول بالنسخ الداخليّ موضعان قرآنيّان صريحان لا روائيّان، لأنّ النصّ فيهما يُقرّر حكماً ثمّ يُخفّفه في الآية التالية. الأول آية النجوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ ثمّ الآية التالية ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: 13]. والثاني آية القتال ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 65] ثمّ الآية التالية ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 66].
غير أنّ هذين الموضعين ليسا نسخاً إبطالياً بل تغييرٌ تشريعيّ مُعلَّل، تنطبق عليه العلامات الثلاث التي تكشفها آيات الصيام، وجودُ الحكم الأول صراحةً، ووجودُ قرينة تكشف الواقع الذي استدعى التغيير، ومجيءُ الحكم الجديد بلفظ التخفيف الصريح. ففي النجوى جاءت القرينة ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ كاشفةً عن الواقع الذي استدعى الرفع، كما كشفت ﴿عَلِمَ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ واقعَ الصيام، وفي القتال جاء لفظ التخفيف ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ صريحاً كما جاء ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ في الصيام، و«الآن» في الموضعين تُعلن لحظة التحوّل التشريعيّ لا إلغاء نصٍّ سابق. فالحكم الأول لم يُبطَل عبثاً ولا تناقض النصّ مع نفسه، بل قرّر الله الأشدّ أولاً ليكشف معدن الاستجابة ثمّ خفّف لعلمه بما في النفوس من ضعف، وهذا عين ما تقرّر في آلية التغيير التشريعيّ، فمن رأى فيهما نسخاً بلا هذه العلامات حمل النصّ ما لا يلزم منه.
الخلاصة الجامعة للنماذج الخمسة
يتبيّن من هذه النماذج الخمسة وما يجري مجراها أنّ ما يُظنّ تعارضاً بين آيتين هو في الحقيقة إمّا تكاملٌ بين سياقين مختلفين، أو تفصيلٌ لجوانب متكاملة من حكمٍ واحد، أو تمييزٌ بين موضوعين مستقلّين في السورة ذاتها لم يُفرَّق بينهما بالتدبّر اللغويّ الدقيق. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ، فانتفاء الاختلاف دليلٌ على أنه من عند الله، وما يُظنّ اختلافاً هو قصورٌ في التدبّر لا خللٌ في النصّ، وإعادةُ الاستقراء الداخليّ تكشف في كلّ موضعٍ وجهاً أوفق لإحكام التنزيل.
5.14.9الخلاصة الجامعة: النسخ في الكتاب
ينتهي الاستقراء الداخليّ في هذا الفصل إلى أنّ النسخ الذي يتحدّث عنه التنزيل ليس إلغاءً لآيات التشريع بعضها ببعض في الكتاب الواحد، بل هو نسخُ المستجدّ التشريعيّ الظرفيّ بين الرسالات، وأنّ آية البقرة 106 إنّما تتحدّث عن هذا الصنف وحده، يكشفه سياقها المتّصل في الآيات التي سبقتها، حيث الخيرُ المنزَّل تشريعٌ مصدره الله مُسقَطٌ ربوبياً ليحاكي زمن الرسالة الخاتمة وأحوال أمّتها.
وتتجلّى المنظومة في ثلاثة مستويات متمايزة لا يقع النسخ إلا على آخرها. فالكليّات الإلهية الثابتة، من العدل والإحسان وتحريم القتل والزنا والسرقة والعدوان والربا والبغي والإشراك وصون نقل الثروة عبر الأجيال، محفوظةٌ في أمّ الكتاب لا تُمَسّ ولا تُنسَخ ولا تتبدّل من نوح إلى محمد، تنسب لله بمصدرية أمرية. وتفصيلُ هذه الكليّات الربوبيّ يتجدّد لكلّ رسالةٍ بما يحاكي زمنها وأحوال أمّتها، وهو بيانٌ متجدّد لا نسخٌ ولا محو، إذ لكلّ رسالةٍ تفصيلُها الذي كان حقّاً في زمنه. والمستجدّ التشريعيّ الظرفيّ الذي تختصّ به كلّ رسالة هو وحده محلّ النسخ، يُمحى منه ما انقضى زمنه، ويأتي خيرٌ منه أو مثله بما يحاكي الزمن الجديد، إمّا نسخاً بالاستبدال أو إنساءً بالرفع التدريجيّ صوناً للنسيج الاجتماعيّ من صدمة القطع.
ولا نسخ في الكتاب لآيات التشريع بعضها ببعض، لأنّ الكتاب أُكمل وأُتمّ، وآياته تتكامل لا تتعارض، ولا نقصَ في نصّه المحفوظ كما ظُنّ في «نسخ التلاوة»، فما لم يثبت في المصحف المُجمَع عليه ليس قرآناً رُفع، بل النصّ نفى الريب عن ذاته فلا يُدخَل عليه من خارجه. وما ظُنّ نسخاً داخلياً في آحاد المواضع يتبيّن بالاستقراء أنه تكاملٌ بين سياقين، أو تفصيلٌ لحكمٍ واحد، أو تمييزٌ بين موضوعين لم يُفرَّق بينهما بالتدبّر اللغويّ الدقيق.
وبهذا يتّضح أنّ التنزيل لا عوج فيه ولا اختلاف، وأنّ القول بالنسخ الداخليّ إنّما نشأ من قراءةٍ يترجّح بالاستقراء خلافُها، وأنّ ما يحفظ إحكام النصّ هو ردُّه إلى نفسه، فالثابت الإلهيّ محفوظٌ في أمّ الكتاب، والتفصيل الربوبيّ متجدّد بحسب الأمم وأزمانها، والمستجدّ الظرفيّ هو وحده الذي يتعاقب بين الرسالات بخيرٍ منه أو مثله، في منظومةٍ محكمة تجمع الثابت والمتجدّد دون أن يمسّ أحدُهما الآخر.
اقتبس هذا الموضوع:
منذر الصبّاغ، «النسخ ـ نسخ المستجدّ التشريعيّ بين الرسالات»، أصل الوجود: قراءةٌ منهجيةٌ للقرآن من داخله، من المصدر إلى المصير، دمشق ٢٠٢٦.
https://doi.org/10.5281/zenodo.21855463
التعليقات
سجّل الدخول لإضافة تعليق على هذا المبحث